الفصل 19 | من 33 فصل

رواية عودة الذئاب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ميفو السلطان

المشاهدات
19
كلمة
2,995
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

دخل نديم البيت متعبًا، مكبلًا بالهموم، بصدر مكتوم وعقله معلق بتلك الجميلة، من خطفت له قلبه. دخل البيت وجده ساكتًا، ساكتًا أوي… وسكونه خبط في قلبه. فين مهره؟ فين مكانها اللي كانت بتملاه؟ كانت دائمًا حاضرة، كانت نفسه الثانية. كان وجودها يجعله يشعر بالاتزان، سنده الحقيقي. نظر ناحية حجرة شجن، تلك الصغيرة التي يقسو عليها بلا سبب. يقسو عليها من خوفه، خوف لا يعلم مصدره… تنهد وقرب، لكن وقف فجأة. ضحكة!

ضحكة خفيفة طالعة من جوه الأوضة. صوت راجل بيرن في ودانه: "أنا مبسوط إني شفتك تاني النهاردة… يوم الخلا دا مش هيتنسي." فتح الباب بهدوء… وشافها. شجن قاعدة، ماسكة الموبايل، والكاميرا مفتوحة، ووشها متورد من الكلام! وذلك الشاب بيتكلم، ويبدو أنهم على علاقة… اتبدل الهدوء اللي كان لسه شايفه في البيت لصوت عنيف جوا دماغه. نديم حس كأن الشياطين تحالفت جواه، تعالي حسّه الصعيدي. رزع الباب بعنف…

التفتت شجن، شهقت وصرخت، ورمت الموبايل. كان منظره مخيف. رفعت يدها بخوف مرتعشة… اقترب منها بعيون من نار… "إيه.. إيه يا نديم؟ ما فيش حاجة والله. دا.. دا لم يسمعها. كل اللي كان بيرن في دماغه إنهم قضوا يوم في الخلا… هجم عليها، مسكها من شعرها، صوته كان زي الرعد: "بتكلمي رجالة في بيتنا؟ يا واطية؟ فاتحة الكاميرا لواحد وعمالة تلاغيه. بتلاغي رجالة على التلفونات يا زبالة… جولي قضيتوا يوم مع بعض في الخلا فين يا زبالة…"

كان يضربها وهي تصرخ بقهر. "قضيتوا يوم في الخلا؟ فين؟ إزاي؟ مين ده؟ بتلاغي الرجالة من ورايا؟ كان بيضربها… وهي تصرخ، تتوسل، تنهار: "ما فيش والله! ما عملتش حاجة! أنا…" لكن نديم كان مهتاجا، يشعر بالعار الذي يحارب أن يبعده عنه… عار الشرف الذي وصموه به لتأتي أخته وتعيد الوصمة من جديد. كان صوته يملي البيت، غضب بيخرج من جواه، من شرف شايله على ظهره من يوم ما مات أبوه. صفعها بقوة عدة صفعات:

"ما عملتيش… أمال لو عملتي هجيبك من أحضان الرجالة. تجيبيلي العار وتكلمي رجالة. بتقضي معاهم أيام والبيه سعيد إنه بيشوف ويعاين الهانم… في البيت جوه البيت يا فاجرة. منك لله…" صرخ بحرقة: "أنا ما عرفتش أربي! ما كنتش فاضي! كنت بجيب حجنا! كنت راجل عليهم كلهم وانت بتخونيني في داري؟ ضرب ورا ضرب. لحد ما وقعت ونحيبها يشق أوصال من على الجيهة الأخرى… صرخ: "أجول إيه أجول إيه؟ هموت منك لله إني خيتي تعمل أكده؟ مين ده؟

انطقي. جابلتيه فين وعرفك منين؟ والله أموتك! إيه متسابة؟ لاه انت تجعدي أهنه زي فرده الجزمة، أجوزك أي حد وتتحبسي وماتطلعيش. نفس هطلع روحك يا فاجرة، بقي آخرتها أنا يتعمل فيا أكده." كان ينهال عليها ضربًا حتى تهالكت. دفعها بقوة، ذهب يحضر التليفون وقفل. "خلاص! ما عادش هتشوفي النور! هتتحبسي في البيت ده… ومش هتشوفي السما تاني يا بت أبوي! قفل الباب عليها وخرج. على الجانب الآخر، براء سامع كل حاجة.

كان واقف، بيترجف، وصوته مكتوم، عينه بتدمع… مش مصدق اللي حصل… قام مهتاجا يكسر كل شي… "ليه ليه ما عملتش حاجة؟ دا مفيش أنضف منها، ليه أكده؟ مين ده… ده أخوها.. أخوها إزاي وبيتكلم صعيدي إزاي؟ هو فيه إيه؟ طب أعمل إيه؟ هيموتها ويجوزها.. نهار أسود! هيجوزها إزاي؟ لاه ماهتحملش…" هب من مكانه: "دي مرتي. آه مرتي. ليقوم ويهتف.. لا لازم أتصرف. أجيبها إزاي؟

ماعرفش. أروحله.. أسافر آه وأروح أتجوزها. ماهو لو جولتله متجوزها هيقتلني ويقتلـها.. آهدي وفكر. شوف وروح اتقدم عادي كأنك واحد غريب آه… هروح آخدها أنجدها. دي الحنية كلها جطة سيامي ماتتحملش الجهر ده. أجيبك منين دلوك؟ زمانها مجهورة. دا خلص عليها." "هي أنضف منهم كلهم… هو ده أخوها؟ هو صعيدي زيي؟ طب أعمل إيه؟ قام، ضرب في كل حاجة حواليه. "هيموتها! دا جال هيجوزها غصب! دا… مرتي! وقف يهتف: "هروح أجيبها! آه!

مرتي… دي مرتي. أنا كاتب عليها ورقة عرفي… بجدي شاهد عليها." "أجيبك منين دلوك؟ زمانها مجهورة. دا خلص عليها ضرب." جلس… "آهدي أكده." كان يشعر بالقهر. "البت انهرت ضرب يا ربي! جلبي بيوجعني! انت حبتها والا إيه يا زفت انت؟ ظل جالسًا يفكر كيف يصلها. عقله كان مشتت. مر الوقت. دخل أسمر عليه فجأة: "مالك يا ابن أبوي؟ جافل على نفسك من امبارح؟ عايزك تسافر لشركة الديب. عايزك تعمل المستحيل تجابله.. صفقة مش مطمئن لها."

قال براء بوجع مكتوم: "مش طايج روحي! مش جادر أقابل حد ولا هروح حتة." قال أسمر بعنف: "فيه إيه؟ فيه إيه يا ابن أبوي؟ مالك مجلوب؟ صرخ براء: "فيه مرتي! مرتي هتتاخد مني! أسمر بهت. "مرتك؟ بتجول إيه؟ نهارك أسود؟ إنت اتجوزت من ورانا؟ ابتلع براء ريقه: "آه… إللي مضيناها.. العرفي… اللي جدي ماضي عليه…" نظر أسمر بذهول: "إيه… إيه نهار أبوك أسود.. دي اللي كنت معاها في الخلا؟ المصراوية اللي كنا هنهندم بسببها؟

البت المكشوفة اللي كانت هتفضحنا معاها؟ قال براء بقهر: "آه! بس مرتي! وأخوها هيجوزها غصب! وأني كاتب عليها.. مرتي يا أسمر! صرخ أسمر: "إنت مخبول ياض.. والورقة ما قطعتهاش؟ براء: "معايا… ما جدرتش أقطعها…" أسمر مسكه بعنف: "انت عايز تفضحنا. انت عايز الناس تاكل وشنا. منك لله مش جولتك قطعها؟ براء صرخ بوجع: "لاه ما جدرتش وهروح آخدها من أخوها. هروح آخدها ماهتحملش…! أسمر: "يا خي خدك ربنا!

انت تحترم حالك عشان لو عمك جابر عرف هيجومها حريجة! نظر إليه براء قاطبًا: "وأنا مالي بيه." دفعه أسمر: "عشان كلمني عشان تاخد وجد. خدك ربنا." شهق براء: "وجد… وجد… وجد مين؟ إنت مخبول.. مش عايز وجد." قال أسمر بعنف: "بس عمك عايزك إنت! ما فيش حاجة اسمها مش عايز وجد.. فيه عيلة وولاد عم والبت لابن عمها فاهم." صرخ براء: "وأنا مالي! ماتتهبب تتجوزها إنت! "أجوزها بالعافية؟

وجد خيتي ومتأكد إنها ما عايزانيش.. دي شجن اللي أنا عايزها! أسمر هتف: "وتجومها حريجة؟ لاه اهدي أكده واحنا هنمشي أمورنا. نخلص الصفقة. نخطبها، نمشي حالنا، وبعد أكده نفركش! إنما عمك لو غضب هيجلب الدنيا. عمك أهبل وبغل وممكن يفركش كل حاجة خلاص…! براء حس إنه محبوس جوه خطة مش خطته. جلس يشعر بالغضب مما يخططون له. لينزل أسمر لجابر ويخبره موافقة براء…

وفي اللحظة دي… جابر طلع في البلد كلها أسرع مهللاً سعيدًا أن أخيرًا نال مبتغاه، أن نالت ابنته أحد أولاد عمومتها. ونزل في أهله يشيع أن براء طلب وجد، وأن قريبًا سيتزوجها لتعلم القرية بأكملها أن براء أصبح لوجد. وبالأعلى ذلك التعيس وصوتها لسه في ودنه، وهي بتقول: "ما فيش والله… أنا ما عملتش حاجة…" قرر براء… أنه لازم يروح لشجن، يحكيلها، ويطلعها من الجحيم ده. وياخدها ليه ويبعدها عن أخوها.

كان الليل يلتحف السكون حين دلف أسمر إلى الغرفة، حيث تجلس مهره تكتب في أوراق، بدت أثقل من قلبها… لم تنظر إليه، وكأنها تدعي النسيان، بينما كل ذرة فيها ترتجف من حضوره. تشتاق له. اقترب بخطى هادئة، لكن كل خطوة كانت كطبول معركة تقرع في صدرها. وقف يتأملها بابتسامة، قال بصوته ومشاعر لهفة تظهر فيها: "إيه؟ لسه بتشتغلي؟ ردت دون أن ترفع عينيها، كمن تهرب من سهم لا تريد أن يصيبها سهامه: "شوية حاجات وهخلص."

لكنه لم ينتظر. مد يده وانتزع الورق منها برفق، حازمًا. ثم همس وهو يشدها من يدها: "جومي… عايزك في خدمة." تجمدت، شهقت، ثم تلعثمت وهي تحاول أن تستعيد كبرياء ها. شدها بعنف إلى المصعد، فقالت بعنف: "إنت مجنون؟ بتشدني ليه؟ فيه إيه؟ ضحك، وضحكته كانت كنسمة ليل ساخنة تمر على جروحها: "يا بنتي، من كتر الشغل هتتشقي، وتقلبي جلدة حنفية. بالله عليكي… خدمة صغيرة، والله." تنهدت كمن يسلم أمره. لمحت نبرة رجاء حانية. تنهدت ثم قالت:

"خلاص، طب إيه؟ رد وهو يبتسم: "لما نوصل تعرفي." هزت رأسها وأجبرت نفسها على السكوت. ركبا السيارة، صمتها كئيب، وصدرها يعج بأسئلة لم تنطق بها. وحين توقفت السيارة نظرت إليه، فلم ينتظر ونزل وفتح الباب وجرها معه حتى صعدا. أمام محل ملابس فخم. التفتت إليه مذهولة. "إيه ده؟ المحل فاضي؟ مفيش حد؟ ابتسم بنظرة واثقة: "المحل تحت أمرنا يا ستي." "نعم؟ تحت أمرك يعني؟ "هجولك…"

ثم اقترب منها كمن يحكي سرًا بينه وبين روحه، جعلها تشعر بقربه… "ليا صديج عايش بره وخطيبته على قد حالها وهيا مابتعرفش تجيب حاجة، فجرر أنه يجبلها حاجات في البيت وأكده. وممكن ينوبك ثواب… هيا واحدة غلبانة، يتيمة، ومالهاش غير ربنا، عايزة شوية لبس. وأنا جولت مين غير مهره تفرحها؟ سكتت. نظرت إليه قاطبة. ونظرت إليه بعين فيها الكثير من الأسئلة، والكثير من الشك. فهتف: "دي غلبانة ويتيمة، يهون عليكي ماتفرحيهاش."

تنهدت وذهبت لتستلم. بدأت تنتقي، وهو يراقبها من بعيد كمن يكتشف امرأته لأول مرة. لم تكن تعرف كيف تختار. اقترب وقال: "بصي بقه.. عايز حاجات للبيت جعاد يعني هشك بشك." نظرت إليه غاضبة. ايوه فساتين بقه ومسخرة. هزت راسها وذهبت للأقسام الخاصة تنتقي ما يعجبها، فوجدته قد أتى. فهتفت: إيه قلة أدبك دي؟ اخرج بره. فقال بخبث: إيه؟ بتفرجي؟ ماهي معروضة عشان أتعلّم. نظرت إليه غاضبة: اخرج وامشي من قدامي، فاهم؟

اقترب منها وهمس في أذنها: طب هو بيحب الأحمر والأسود... عالأبيض هيبقي نار وهيهيص. هنا خبطته على كتفه: امشي بقلة أدبك. ضحك وخرج. وقفت تختار الكثير من الأشياء، كانت تبتاع ما يسعدها كأنثى وتتلمس الحاجة بحنان، وهو يختلس مراقبتها ويشعر بسعادتها. انتهت من كل شيء وخرجت سعيدة وقد وضعت الأشياء في أكياسها، فأخذها. بدأ يفتش فيها، شهقت ونتشت الأكياس: بتعمل إيه انت؟ ضحك: إيه؟ بطمن على مستقبلي؟ إلا الجلب تعب من التخيل.

صرخت: انت بتقول إيه؟ أوعي هات حاجة البت. ضحك: خلاص خلاص، إني أصلاً ماشلتش عيني من على الجمر وهو بيجي. اقترب منها برغبة ينظر إليها: دا طلع جايب حاجات تخبل. شهقت وابتعدت. ضحك وأسرع إليها وشدها إلى قسم الفساتين. اقتربت هي بسعادة، كانت لا تشتري إلا البدلة العملية التي لا تمت للأنوثة بصلة، فاقتربت تتلمس الفساتين. فهتف: بس هتعرفي تختاري حاجة نواعمي، وإلا أروح أجيب حد بيعرف. نظرت إليه غاضبة، فدفعته، فضحك واتبعها.

قال مستوقفاً إياها: استني بس عشان ما تتقطعش في اللبس. شد بروكعتها، فشهقت. ضحك عالياً: اتكلي على الله يللا، بس عدي اليوم. تنهدت وتركته، فكانت فعلاً تريد أن تبدو معه على طبيعتها. بدأت تنتقي أشياء أنثوية تمنتها. بدأت تستعيد أنوثتها التي لم تعشها، وهو ورائها يحمل ما تنتقيه، يشاكسها ويضع على رأسها قبعات ويلف حول رقبتها أوشحة، وهي تستجيب وتضحك، فدفعها تقيس الملابس. كانت تدخل وتخرج والسعادة تلهب قلبها.

وهو يلهبها بحضوره الطاغي، يهمس، يمازح، يضحك وهي تضحك. كانت تلك اللحظات كأنها تسرق أنوثتها من زمن جف فيه القلب وتيبست فيه الأحلام.

دخلت غرفة القياس بفستان يشبه الحلم، وخرجت كأنها سندريلا، تدور أمامه وتضحك بعينين مغمضتين على العالم. كل ما تفعله كانت تفعله لأول مرة. تلبس الفستان وتنظر لنفسها وتدور وتخرج له. كان يتمتع بكونها تلبس له وتريه وهو يختار. أصبحت عيونها تشع سعادة، وهو قلبه يضخ دماً بأنثاه التي لانت له، تخرج ما في قلبها من شوق لتكون أنثى. وحين جلست بجانبه، متعبة، هامدة كطفلة نامت بعد لهو طويل، همست: تعبت بقه وهلكت. نظر إليها وقال:

طب ناكل بقى يلا. ضحكت: يعني إنت مخلياني أشتري وكمان عامل لي العشا هنا؟ إنت مالك؟ المحل بتاع أبوك؟ ضحك وقال: مالك إنت؟ ثم نهض وأشار لها أن تتبعه. كان هناك ركن خافت الضوء يجلس فيه. قامت متعبه، وجدت أمامها شاشة كبيرة يظهر فيها فيلم "سندريلا". رق قلبها وتصاعدت دقاته. وهناك طاولة عليها بيتزا ساخنة كانت تعشقها. فتحت عينيها وهتفت بعفوية لم تملكها من قبل: إيه ده؟ بيتزا؟ أنا بعشقها. وبموت في الفيلم ده والله إنت عسل!

خبطته بسعادة وجلست على الأرض، تأكل كمن يعانق الحياة لأول مرة. وأسمر يتأملها بسعادة. كانت تنظر للفيلم ووجهها يشع سعادة وتأكل وتقلب في الأشياء وتثرثر بلا هدف. وهو يتأملها وجد فمها عليه من الطعام. مد يده يزيل بقعة صوص عن فمها، لامس شفتيها، فتجمدت للحظة. الزمن توقف، لكن الإحساس تعلى بينهم. ارتبكت وابتعدت. وعادت تأكل وتشاهد فيلمها المفضل.

اتسعت ابتسامتها وهمست: فارس السندريلا هيلاقيها. عارف يا أسمر أنا بعشق الفيلم ده. صمتت وهامت بالمشاهد. كان لفظها باسمه كفيل أن يقلب حاله ويهيم بمن سرقت فؤاده. اقترب بجوارها وسأل بصوت يهمس في صدرها لا في أذنها: إيه اللي بيعجبك يا مهره في الفيلم قوي كده؟ عايزة فارس؟ غني؟ حلو زي السندريلا؟ صمتت لوهلة تفكر بدنياها. أجابت بعد تنهيدة طويلة

ساهمة كأنها تحدث نفسها: أنا أنا مش كتير بيعجبني، أو بالاصح عمري ما فكرت إن حد يعجبني. يمكن عمري ما حبيت. همس وكأن قلبه يعرف الجواب: يعني عمرك ما دق جلبك؟ نظرت إلى الفراغ وغاصت في ماضيها كمن يلمس ندبة خفية. مهره في حياتها راحت منها حاجات كتير. آخر حاجة تفكر فيها المشاعر. ليهتف: طب ممكن يجي اللي يخليكي تفكري. لتتنهد: ماينفعش ومش هسمح ليه بحاجة. أسمر: يعني لو راجل قرب منك مش هتحسي إنك مبسوطة؟ مهره: ومين هيقرب مني؟

أنا مابسمحش لحد يقرب مني من أساسه. اقترب وشدها: طب لو مثلاً حد قوي دخل حياتك. مش جايز ما جابلتيش؟ جايز ليكي مواصفات معينة؟ نظرت للفيلم، لانت ملامحها وسهمت. مواصفات.. كنت زمان لما كانت الحاجات دي بتيجي في دماغي كنت... رفعت عيونها بحزن: كنت بحلم بحد قوي، يحسسني إن ماليش غيره، إني تبعه، ملكه... كنت عايزة أكون أنثى وأرتاح. الخوف صعب، وكنت مستنية اللي يجي ويشيله من قلبي. اقترب منها، نظر في عينيها، ثم أمسك يدها وقال:

موجود... موجود. بس إنت افتحي باب جلبك. اغرورقت عيناها، همست: باب قلبي... عارف، عشان أفتح، عايزة حد قوي جامد مابيخافش، وما يسيبنيش ويخاف مني. يحسسني إني ماليش غيره. كنت حابة زمان أبقى تحت طوعه، أبقى ليه زي ما يبقى ليا. عايزاه يخليني ما أفكرش ولا أخاف. الخوف صعب، وكنت بحلم يجي اللي يشيل خوفي. همس بمشاعر دخلت قلبها: موجود يا مهره. مسك يدها ونظر إليها بلين: موجود، إنت بس ماتجفليش على روحك. كملي حلمك هتلاقيه قدامك.

تعلقت بعيونه: أكمل حلمي. ابتسمت: بحلم بفارس يخطفني. بفتكر السندريلا كانت عايشة إزاي مجبورة على عيشة صعبة غصب عنها. حاسة إني هي. بقعد أحلم بالأمير اللي يلبسني الجزمة يدور عليا. بس أمير قوي يطغي على شخصيتي وأتوه في شخصيته، يحسسني إني بتاعته. حوّل آدم وبس. يخليني أنسى إني عايشة في سجن. صمتت واستدارت. ثم استغرقت في مشهد الفيلم ونسيت الدنيا.

لكن حين فتحت عينيها، استعجبت. عند ذلك تفاجأت بالنور ينغلق، فهبت تبحث عنه فوجدت إنارة تأتي من بعيد. بحثت عنه، فقادها الضوء إلى ركن ساحر، حيث فستان أشبه بحلم سندريلا ينتظرها. خفق قلبها ودمعت عيونها. اقتربت وقد تحولت المهره لأنثى، رمت كل شيء خلفها، أنثى تتوق لاستعادة أنوثتها المقتولة. اقتربت لامسته بيد مرتعشة. لم تستطع أن تمنع نفسها وارتدته على الفور ونظرت لنفسها في المرآة كمن ترى أنثى لأول مرة.

وهنا ارتفعت موسيقى المشهد الأخير، لحظة احتضان الأمير لحبيبته. أغمضت عينيها، تشعر إنها دخلت دنيا السندريلا. دارت حول نفسها كأنها ترقص مع ظل الفارس الذي تمنته. لكنها لم تكن وحدها. كان أسمر خلفها، لتدور وتسقط بين ذراعيه. احتواها بذراعيه، همس في أذنها: عيشي اللحظة يا مهرتي.

أغمضت عينيها مجدداً، تركت نفسها له. دارت معه. التصقت به. نسيت الزمان والمكان، كأنها عروس بين ذراعي فارسها. هامت معه. اقترب بوجهه، لامس خدها. أخذها ودار بها يشعر بنبضات قلبها على قلبه تصرخ: أنا أنثى. قرر أنه مهما حدث لن يفلتها ولن يدعها لنفسها أبدا. هي أنثاه، أنثى الأسمر، مهرته التي أخذت عقله.

غاب العالم عن تلك المهره والأسمر يغزوها بقوته. فهو تغلغل بداخلها رغماً عنها، وهو يعي ذلك، ولكنها ليست مدركة لما تعيشه، فهي لم تختبر شعور الأنثى اطلاقاً.

كانت منغمسه في فكرة واحدة: انتقام أخيها وفقط. كونها درع أخيها وفقط ونصفه الآخر. وغير مسموح حتى التفكير بشيء آخر. لم تكن مهره تعتبر نفسها أنثى وأن من الممكن أن يكون لها جواد، ليأتي ذلك الجواد الأسمر الأصيل يكشف عن تلك المهره النادرة، يجعلها رغماً عنه تخضع له حتى لو شردت آلاف المرات. لانت السندريلا أخيراً تشع حالمية. هامت بين ذراعيه. فهمس لها: فتحي عيونك.

كانت لا تريد ذلك. تعلم أنها ما إن تفتح عيونها حتى ستعود إلى ذلك الجحيم الذي تمر به. هزت رأسها رفضاً، فاقترب منها ووضع شفتيه بجوار شفتيها. ارتجف جسدها وسكنت في ضباب العشق. أثارت سكونها بشكل ألهم قلبه.

تحرك بلين وشغف ليستقر على شفتيها وتوقف الزمن ولم يتوقف الإحساس. إحساس واحد سيطر عليهم أن مهره ملك لذلك الأسمر. فشدها أكثر إليه واخترق حصونها التي أسقطتها بلا مقاومة. حصون ألم ووجع. حصون أنثى تتوق لمن يكبلها بحصونه لا حصونها. لم يحسا بزمن أو بوجود ما حولهم. كل ما يحساه الأسمر والمهره وذلك التقارب الطاغي الذي أدخلهم قصة تمنتها تلك الجميلة بغزو الفارس. هامت وهام ولانت واقتحم أكثر وأكثر.

لكن الزمان له قسوته. كلي تلك الجميلة، رن الهاتف كصرخة تشق الحلم. ابتعدت مذعورة، تشعر بجريمة ما فعلته. ابتعدت مترنحة والتليفون يدق كجرس إنذار. عودي أيتها الجميلة، ليس مكانك وليس دنيتك. ذهبت لتري اسم أخيها. شعرت بالعار من نفسها. عار الخيانة والغدر باستسلامها لمن غزا قلبها وهو الذي شق قلبها من أساسه. بيد مرتعشة فتحت الخط لتسمع صوت أخيها، ثائراً، غاضباً، كأنها ارتكبت جريمة.

تجمّدت مهره. فتحت الخط بيد مرتجفة. صوتها في البداية كان هامساً، مكسوراً. كان يصيح بها وبما فعلته أختها وكيف حبسها وضربها. كان ثائراً ليتلبسها الشياطين، فهي تحافظ على أختها كأنها روحها وتمنع أخيها من أن يحولها لمسخ مثلما تعيش الجحيم الذي تعيشه. صرخت فيه للمرة الأولى. صرخة كرامة، صرخة دفاع عن أنثى مثلها، عن شقيقتها، عن الحلم الذي تحافظ عليه حتى لو لن يكون لها.

كان أسمر هناك، يسمع ويشهد، يرى المهره التي تنتفض من رماد الصمت. تلك التي ولدت لتروض، لكنها اختارت أن تصهل وتقف عالية بعيدة. سمعه "أسمر". سمع التحول اللي حصل في نبرتها، من هدوء مطحون لانفجار مزلزل. شافها بعينه وهي بتتشق من جواها، من النقيض للنقيض. لكنها ما استحملتش. لأول مرة، تنفجر. لأول مرة، تنتفض "المهرة" من أعماق صمتها وتصرخ. بحدة، بقهر، بحرقة سنين.

ارتفع صوتها كالصهيل الجارح. خرج منها زي طلقة دفاع عن أختها، عن "شجن"، عن آخر بقعة نقية في عالمها الملوث: هو إيه يا أخي! مش كفاية! مش كفاية وجع! عايز تخليها نسخة مشوهة زيي! سيبها… يمكن تلحق تعيش كإنسانة، تحس، تحب، تتوجع بكرامة مش بذل! سيبها… بالله عليك، حرام تضربها! أيوه… معاها حرام! كل الدنيا إلا شجن! ما تبقاش زيي… ما تبقاش أنا! أنا اتكسرت… اتحولت… بقيت مسخ مشوه من قسوتك، من صمتك، من جفافك! مش عارفة أنا ليه عايشة…

ولا بعيش ليه… بس كنت… كنت بعيش عشانك! عشان دنياك اللي بهدلتني، وقبلت بيها! عايشة مخلوقة من صنعك أوامرك وتحكمك.. عايشة… صرخت أكثر.. لا لا ماعدش عايشة والله ما عايشة.. كفاية أنا كفاية والله كفاية مش هستحمل تموت حلمي حتي لو مش هطوله.. شجن حلم بحافظ عليه لو راح هموت والله هموت أكتر مانا ميتة .. عاجبك إحنا مسوخ على قلبنا غبرة مابتحسش كفااايه تعبت ارحمني… كفاية، والله كفاية… ما تكملش عليا بإنك تحول أختي لبقايا بني آدم زيي!

أنا لسه بحارب… بحارب إنها تفضل نقية، ما تبقاش صورة تانية مني… ما تبقاش لعنة بتتكرر… أنا بقيت لعنة على نفسي بقيت لعنة بكره روحي ليه ليه. حرام… بالله حرام!! ثم رمت التليفون من إيدها، وكأنها بتقطع آخر خيط بينها وبين احتمالات النجاة، وانفجرت في بكاء موجع، مهتز، من جوه القلب.

هنا، انتفض "أسمر" وكأن الرصاص اخترق روحه، كلماتها هزت حس الرجولة بداخله إنها أبدا لن تكون إلا أنثى أو بالاصح.. أنثاه.. اندفع نحوها، يمد يديه بحنان لأول مرة شدها إليه يدخلها بين ضلوعه.. ضلعه الشارد.. اندفع يلملم ما بعثرته السنين من وجع.. شدها بقوة وظن أنها ستقاومه. لكنها ما استحملتش… اندفعت نحوه… و…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...