عرف صعيدي الفصل السابع أحداث سريعة متتالية خلف بعضها قد حدثت دون سابق إنذار، خادمات السرايا تركضن في عجالة من أمرهن يحاولن أن ينتهوا من طهي الطعام الذي أمر به خليل ليكفي المدعوين على عقد القِران.
يقف عُمال الفِراشة يُعِدون الحديقة بالسُرادِق المزينة بروسومات الأعراس كما يعلقون الأنوار التي أضافت لمسة مبهجة للسرايا. لم يتركوا أي أنحاء وزاوية إلا ووضعوا بها الزينة، فاليوم ليس أي مناسبة، إنه زفاف مصطفي الإبن البكري للعمدة.
ضجة لا يوجد سواها في الوسط، الأرجاء مزدحمة بالعُمال ورجال العمدة المتراصين في كل ثغرة في الحديقة حاملين أسلحتهم على أكتفاهم يستعدون لأمرٍ من العمدة للبدء فيما يجيدون فعله. بدأ المدعوين في الهطول متفاجئين بالتحضيرات المذهلة التي أقيمت في ساعاتٍ قليلة.
مكثن النساء في مجلس قد أقيم خصيصاً لهن داخل السرايا لألى يراهم أحد من الجنس الآخر. وقفت ورد أمام فراشها تطالع عبائتها البيضاء المطرزة باللمسات الذهبية الموضوعة أعلاه. سارت نحو المرآة وصوبت بصرها على خصلاتها المموجة التي أطلقت سراحهم يتغنجن مع هواء المكيف. لازال عقلها غير آبِه لفكرة زيجتها من رجل آخر لا تعرف طباعه. أهو حنون ولين الأسلوب كما يخبرنها الفتيات، أم يمتلك تصرفات قاسية وطباع حادة؟
هي لم تراه سوي مرات معدودة وتعاملاته معها محدود للغاية فلم تستشف منهم أي صفة قد يكون يمتلكها. عادت بذاكرتها إلى وقت وصول والدتها إلى السرايا تريد المضي سوياً مبتعدين عن البلدة ومشاكلها التي لا تنتهي. حيث فاجئتها ورد بردها: "أني مرتاحة ياما مش حاسة بالخنجة اللي كنت حساها جبل اليوم." رمقتها السيدة سنية بذهول، فهي لم تعتقد هذا الرد منها مطلقاً. لقد حسمت أمرهم على العودة مع شقيقها، ما هذا الأن؟ ستُرضخ أبنتها لتلك الزيجة!
كيف ستواجهه إن كُشف أمر حمدان وفعلته! بالتأكيد ستنال جزءاً من انتقامه ولن يصدق عدم علمها بالأمر. حاولت سنية أن توصد جميع الأبواب في وجهها لعلها تعود إلى رشدها وتوافق على الإبتعاد عن هنا، لطالما حلمتن كلتاهن بذلك. لكن ظهور خليل في تلك الأثناء حتماً سيؤثر على قراراتها التي حاولت جاهدة أن تقنعها بهم. قابلهم خليل بإبتسامة عريضة مرحباً بهم بحفاوة: "السرايا نورت يا أم ورد." وجه حديثه مباشرةً إلى ورد بصوت متحشرج:
"قررتي إيه يا ورد عاد؟ ابتلعت ورد ريقها، فهي لم تصل إلى إتفاق يرضيها كما يرضي والدتها. وزعت بصرها بين خليل ووالدتها لا تدري ما عليها قوله. استشف خليل توترها التي وقعت بين طياته وحاول أن يقلل من إرتباكها بنبرته التي لانت بعض الشيء: "محدش هيجبرك على حاجة يا ورد، جولي اللي في جوفك." نظرت ورد إلى والدتها النظرة الأخيرة قبل أن تجيبه بإرتباك حرج: "أني مخرباش أجول إيه، بس حاسة إني مرتاحة مش مضايجة كيف اليوم السابج."
تهللت أسارير خليل بسعادة غامرة قد دقت طبول قلبه. انعكست سعادته على ملامحه فابتسم عفوياً ونادى بصوته الجهوري: "صفية، هويدا، صفاء! جئن ثلاثتهن مهرولين بذعر إثر ندائاته المستمرة دون توقف. وقفن أمامه وقد تولت صفية الرد عليه بتوجس: "خير يا عمدة؟ هلل عالياً ببهجة تتحدث عن نفسها: "كل خير يا صفية." وزع بصره عليهم وأضاف بنبرة متحمسة، يتلهف لإخبار الجميع بموافقة ورد:
"زغرطوا يا بنات خلوا أهل البلد تسمع إن اليوم فرح مصطفى على ورد." شهقن ثلاثتهن من هول المفاجأة. تحولت ملامحهن تدريجياً إلى السعادة حين استشففن الأمر. تبادلن النظرات بفرحة أسرت قلوبهم من فرط جمال الخبر الذي أخبرهم به خليل. تعالت أصوات الزغاريد مبدين سعادتهم الواضحة كما أمر خليل رجاله بإطلاق النيران ليعلموا الغائب أن هناك مناسبةٍ في سرايا العمدة. "عسران يا عسران! " نادى خليل بنبرته الجهورية فجاءه عسران راكضاً
يلبي ندائه: "أمرك يا عمدة." أخبره خليل بما يريده أن يفعله بقوله: "رايدك تخبط بنفسيك على دار دار في البلد وتعزم كل أعيانها وكبراتها وتجولهم فرح ولِد العمدة النهاردة وتعاود طوالي عشان ورانا تجيهزات ياما بدنا نخلصوها جبل ما الناس تهل." أومأ له عسران بطاعة ومن ثم انصرف لكي ينهي ما أمره به خليل سريعاً ويعود إليه حتى ينهوا بقية الترتيبات.
جذبت السيدة سنية ورد من ذراعها وأبعدتها عن أعين خليل وهمست محذرة وهي تطالع المكان من حولها تتأكد من عدم سماع أحدهم لما ستردفه: "اتخبلتي في مخك إياك، تجدري تجوليلي هتجولي لمصطفى إيه لما يعرِف أنك بت بنوت؟ اتسعت حدقتي ورد بصدمة اعتلتها حينما ذكرتها والدتها بالحقيقة المريرة، حتماً ستنقلب حياتها رأساً على عقب ما إن علم مصطفى بعدم زوال عذريتها.
ازدردت ريقها وسعلت بشدة، ضربت سنية على ظهرها بخفة حتى عادت ورد إلى طبيعتها. شعرت بغصة مريرة في حلقها ناهيك عن الأفكار السوداء التي عصفت بها. أوصدت عينيها لبرهة ومن ثم أعادت النظر إلى والدتها وقالت متسائلة: "وبعدين ياما هنعملوا إيه في المصيبة دي؟
حركت سنية رأسها مستنكرة تصرفها الأرعن الذي أوقع بهم في ورطة كبيرة. حاولت أن تجمع شتاتها لكنها فشلت وهي تري الجميع يركض من حولهن يعدون تجهيزات العرس، لم يعد هناك ما يمكنهم فعله حتى لا يملكون حق الرفض الآن. صوبت السيدة سنية بصرها على ورد بقلة حيلة لا تملك سوى المآزرة فقط: "منملكوش غير إننا نكملوا اللي بدأتيه يا بت بطني ونسيبها على ربنا، ربنا يستر ويعديها على خير."
على الجانب الآخر، وقفت نادرة تتابع ما يحدث من خلف باب غرفتها بغضب عارم وعدم رضاء. لن تتحمل هرائات خليل أكثر من ذلك، نادت عليه بنبرة مليئة بالغضب فجاءها بعد مدة متسائلاً: "رايدة مني ايه؟ جذبته من ذراعه وأجبرته على الدخول للغرفة ثم وقفت مقابله والشر ينطق من عينيها: "الجوازة دي مهتمش يا خليل، البت مشيها بطال يا راجل ترضاها لولدك؟ قطب جبينه وردد مستاءً:
"وااه هي حصلت ترمي البت بالباطل يا ولية، جبتي منين الحديت الماسخ ديه؟ أشاحت بوجهها عنه ووضعت كلتي يديها في منتصف خصرها وأجابته بإزدراء: "مش مهم جبته منين المهم إني عرفت حجيجتها وخلاص." نهرها بعصبية سببت بوقوف شعيرات جسدها: "شوفتيها بعينك؟ سمعتيها بودانك؟ اعتدلت نادرة في وقفتها وطالعته لبرهة ثم نطقت بتلعثم: "لاه." هاجمها خليل فور نفيها لأسئلته بنبرة محتقنة:
"إحنا عُمي مبنجدرش نفرج بين اللي مشيها بطال واللي بتخاف ربنا." اقترب منها بخطوات ثابتة وواصل حديثه المسترسل: "عارفة اللي بيرمي الناس بالباطل عقابه إيه؟ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) بصق خليل أرضاً ثم مسح على فمه بإبهامه وأضاف:
"هعمل إني مسمعتش حاجة واصل لكن لو الحديت ديه اتكرر تاني صدجيني هعمل بلي ربنا أمر بيه وإوعي من جدامي إكده." حركت رأسها عفوياً مع خروجه، كزت على أسنانها ببغض شديد وتمتمت داخلها: "بكرة تندم يا خليل بس أني اللي هجف جصادك ومهتجدرش تفتح خشمك وجتها."
"ورد يا ورد" انتبهت ورد لذلك الصوت من خلفها، التفتت لتعلم مصدره، قطبت جبينها بغرابة حينما رأته يقف على مقربة منها يفصل بينهما باب السرايا، كادت أن تقترب منه لولا أن منعتها السيدة سنية وهي تطالعه بضيق: "متتحدتيش معاه أني هروح أشوفه رايد إيه." عقدت ورد ما بين حاجبيها بتعجب من أمرها وسألتها بفضول: "هو ناداني أني مجالش مرت عمي هشوفه رايد إيه وعاود طوالي."
تحركت ورد مسرعة قبل أن توقفها والدتها ثانيةً وأقتربت منه تاركة بعض المساحة بينهم، حمحمت بإستيحاء ورددت متسائلة: "محتاچ حاجة يا طاهر؟ آذابت قلبه بنطقها لاسمه التي افتقد سماعه بنبرتها المبحوحة، منذ متى ولم يحدث أي حوار بينهم، اشتاق إليها وشوقه ظاهر على ملامحه وطريقته في الحديث. تعجبت ورد من عدم رده عليها وأعادت سؤالها بنبرة تميل إلى الحيرة من أمره: "هتجف تبحلج فيا كاتير جول رايد مني ورايا تجيهزات ياما."
انتبه لآخر ما تفوهت به وأعاد النظر إلى ما يحدث في الحديقة من تعليق الأنوار والزينة وردد متسائلاً على أمل أن تنفي ظنونه: "التجهيزات ديي عشان مين يابت عمي؟ أخرجت ورد تنهيدة ثقيلة من جوفها وأجابته وهي تتابع تعليق الأنوار بزرقاوتيها: "فرحي على مصطفى لساك معلمتش!! ديي البلد كلاتها جالهم الخبر وهما في دارهم."
أكدت حدسه الذي حاول جاهداً أن يقاومه ويخشى سماعه، ها هي الآن وبكل سهولة أكدت مخاوفه. طالعها من أعلى وشاحها بنظرات تحمل إشارات معاتبة لكونها سترهق قلبه مرة أخرى. لن يتحمل المزيد من آلام العشق الذي سيعيش معه بين أربع جدران، سيعاد كل ما عاشه منذ علمه بزيجتها من هلال ثانيةً. لا والله ليس بتلك القوة التي يراها عليه الجميع حتماً ستنهار عزيمته ما إن كُتب اسمه على اسم رجلاً غيره.
حسناً سيفعل آخر ما يمكنه فعله وما سيحدد مصيره في تلك العلاقة ذات الطرف الواحد. سحب نفساً عميق وهو يستعد لسؤالها لكن يخشي إجابتها كثيراً. فتح فاهه وألقى بسؤاله دفعة واحدة قبل أن يتراجع عنه: "وأنتِ موافجة عليه يا ورد؟ ترددت ورد في إجابتها لكن فقط ستجيبه بما تشعر به. أوصدت عينيه لبرهة وقالت بعد أن جمعت قواها: "مخابراش غير إني مرتاحة، مش الراحة ديي معنتاها إني موافجة بردك؟
آه وألف آه صدرت من أعماق قلبه المنكسر، ضاعفت جرعتها تلك المرة وتسببت في إشعال نيران قلبه وكما ساعدت على احتراقه بالكامل بعد تلك الإجابة. أهي حقاً تسأله هو بالتحديد! هو الذي سعي ليجعلها زوجته وكانت الظروف جميعها ضده وبمثابة حاجز هائل يمنعه من الاقتراب منها كلما تخطاه وحاول الوصول إليها.
"ربنا يسعدك يابت عمي" تمنى لها السعادة لكونها حبيبته لكن لا سعادة لها مع رجل غيره. لن يتقبل الفكرة ولو بعد ألف عام. أولاها ظهره وتحرك مبتعداً عنها لكنها أوقفته بسؤالها: "كنت جاي رايد حاجة؟ أجابها بقلبٍ يحترق دون أن يلتفت: "معدلوش عازة اللي كنت رايده." انصرف سريعاً ما إن أنهى جملته تاركها شاردة في جملته التي لم تفهم معناها. انتبهت على صوت والدتها الذي قطع حبال شرودها: "كان رايد إيه عاد؟
ردت عليها ولازالت عينيها مثبتة على طيفه الذي يختفي رويداً رويداً من أمامها: "مجالش، كانه كان رايد يجول حاجة بس أول ما علم بجوازتي من مصطفى بطل يجول." حاولت سنية إشغال عقلها بعيداً عن طاهر: "سيبك منيه تعالي نطلعوا أوضتك البنتة شيعوا للمزينة تاجي تزوجك." أومأت لها بقبول لكن مازال عقلها منشغل مع حديث طاهر. ودت لو أصرت عليه وعلمت منه ما يوجد خلف كلماته المريبة بدلاً أن تؤكل فصوص عقلها من فرط الفضول.
بحثت بعينها على خالها وعندما لم تجده تساءلت عنه بفضول: "خالي اختفى فين لساته كان واقف إهنه." ردت عليها سنية موضحة سبب اختفائه المفاجئ: "راح يجابل مرته وعياله على أول البلد." قطبت جبينها بغرابة ورددت: "هما لحقوا يوصلوا." رفعت سنية أكتفاها بعدم علم كافٍ لسؤال ورد وقالت: "مخابراش هو جالي أكده هقعد أسئله أسئلة ملهاش عازة عاد، همي بينا نطلعوا الأوضة."
انتبهت خبيرة التجميل من وضع آخر لمساتها من المساحيق التجميلية ونظرت لورد بتفحص تتأكد من تمام عملها ثم سألتها باهتمام: "ها يا عروسة إيه رايك؟ لم تجبها ورد فهي غارقة في أفكارها. لوحت الأخرى بيدها مشيرة إليها لكي تجذب انتباهها قائلة بمزاح: "مين سعيد الحظ اللي عتفكري فيه وواكل عجلك بالشكل ديه؟ تدخلت صفاء وأجابتها ببسمة عريضة: "أكيد سي مصطفى هو في غيره."
عادت ورد إلى أرض الواقع ما إن صغت إلى اسم مصطفى. وزعت نظراتها عليهم في حالة توهان مريبة، ضحكن الفتيات على مظهرها. قطعت ضحكاتهن هويدا حين أردفت: "من دلوك واكل عجلك أومال كمان ساعة هياكل إيه؟ أضافت صفاء فور انتهاء هويدا من حديثها قائلة: "معلوم هياكل جلبها." تعالت ضحكاتهن وأخيراً استوعبت ورد ما يرميان إليه وردت عليهم بتهكم: "بكفياكم مجلسة عليا يا بنات أني متوترة خلجة." رفعت صفاء يديها للأعلى ورددت بتمني:
"نفسي أتوتر كيف توترها إكده يارب." لم يتمالكن أنفسهن وانفجرن ضاحكين على عفويتها في الدعاء، توقفن عن الضحك حين أعادت المزينة سؤالها باهتمام: "بكفياكي ضحك يا عروسة وطمنيني اللوك عجبك ولا عندك تعليجات عليه؟ نهضت ورد من مكانها ووقفت أمام مرآتها، اتسعت حدقتاها بذهول شديد حين وقع نظرها على صورتها المنعكسة، لوهلة لم تتعرف عليها وكأنها امرأة أخرى غير التي اعتادتها، فغرت فاها وهي تطالع ملامحها التي اختفت تماماً أسفل
المساحيق ورددت ببلاهة: "أنتِ عملتي فيا ايه؟ أني معرفانيش واصل كاني واحدة تانية غيري." انفجرن الفتيات مقهقهين عالياً، ردت عليها من بين ضحكاتها: "أيوة يعني زين ولا عفش؟ التفتت إليها ورد بعد أن اكتفت من النظر إلى ملامحها وأجابتها بتلقائية عابثة: "زين زين اللوك اللي عتجولي عليه ديه." تقوس ثغر الأخرى ببسمة عريضة مبدية سعادتها فور علمها بإعجاب ورد لزينتها وهتفت وهي تجمع أدواتها:
"على خير يا عروسة ربنا يتمم لكم على خير يارب، همشي أني عشان عندي عروسة تانية." اعترضت هويدا قائلة: "مش هتهملي البيت جبل ما تتضايفي لاول." حاولت الاعتراض لكنها في الأخير وافقت تحت إصرار هويدا، خرجن من الغرفة كما رافقتهن صفاء بعد خروجهم مباشرةً لكي تحضر مياه وبعض الطعام لورد.
تذكرت ورد بحقيقتها التي لازالت عليها، كيف ستخبره بذلك. ليست بتلك الجرأة لكي تقف أمام مصطفى الجبلاوي وتشي باستمرارية عذريتها. على الرغم من عدم خلق أي حوار سابق لهما سوياً إلا أنها ترتابه، له هيبة وحضور يجبر من يقف أمامه أن يخشاه. ستخبره هي أم تتركه يعلم بمفرده؟ في النهاية مهما تعجب من كونها عذراء سيسعد لكونه أول لمسة بل يكون في الاعتبار أنه أول رجل في حياتها.
رددت داخلها بكلمات تطمئن بها قلبها إلى أن هدأت تدريجياً. انتبهت لطرقات الباب فسمحت للطارق بالدخول. انتفضت من مكانها بسعادة بالغة حينما رأت بنات خالها. هرولت إليهن مسرعة وضمتهم بكل ما أوتيت من قوة فلقد فاق اشتياقها لهم لم تراهم منذ أشهر عدة. بادلاها العناق بحب بالغ فكلتاهن يعشقونها كما يقتدون بها لأنها أكبرهم عمراً وعقلاً. ابتعدت عنهن بصعوبة ورددت بشوقٍ باين في نبرتها: "إتوحشتكم جوي يا بنات." أجابها في نفسٍ
واحد بلهجتهم المصرية: "وأنتِ كمان وحشتينا أوي." هتفت إحداهن بسعادة: "مصدقناش لما بابي قالنا أنك هتتجوزي والنهاردة فرحك لحقتي تجهزي حاجاتك؟ قطبت ورد جبينها وأردفت بتلقائية: "الموضوع جه بسرعة جوي يا بنات أني الصبح جولت موافجة ودلوك توني مخلصة المكياج أهاه ومعتش إلا العباية." شهقت الأخرى بصدمة لم يستوعبها عقلها الصغير وأردفت بعدم تصديق: "كل ده حصل النهاردة بس!!
انا تقريباً لما أجي أحضر لفرحي هبدأ من اليوم اللي هوافق فيه على العريس عشان الوقت يكفيني." علقت شقيقتها الصغرى على حديثها مازحة: "وممكن متلحقيش كمان يا أسما." قهقهت أسما وردت عليها مؤكدة: "عندك حق والله." شاركتهم ورد المزاح قائلة: "أني بردك بدأت أحضر من وجت ما جولت موافجة يعني مفرجتش كتير يا ست أسماء." حملقت أسماء بها لوقت ثم انفجرت ضاحكة حين استشفت صحة حديثها وقالت: "طب والله أقنعتيني."
ابتسمت لها ورد ووجهت حديثها إلى المدللة الصغيرة وسألتها مستفسرة: "وأنتِ يا ست عيشة عاملة إيه في الثانوية العامة؟ شهقت بصدمة جلية فتوجست ورد خيفة في نفسها مما تفوهت به وسألتها بارتباك حرج: "أني جولت حاجة غلط ولا إيه؟ أسرعت بالرد عليها موضحة: "عيشة إيه يا ورد؟ كويس أن محدش سمعك قوليلي أش." عقدت ورد حاجبيها بغرابة ورددت متعجبة: "أش! طلعت ميتي أش ديي ما أني علي طول بجولك يا عيشة." احتدمت ملامح الأخرى بضيق ورددت:
"أيوة ده كان زمان إنما الوقتي أش أو عائش أو ممكن تنادي بعائشة وخلاص لكن عيشة دي إنسيها خالص برستيجي يضيع لو حد سمع أن أش اللي عندها One hundred thousand followers على انستجرام بيتقالها عيشة! ، ينهار أبيض مش متخيلة بجد." فغرت ورد فاها ببلاهة ورددت بعدم فهم: "طيب وان وفهمناها بجيت الحديت ديه معناته إيه؟ ضحكت عائشة بسخرية بينما لكزتها أسما في ذراعها لتكف عن سخافاتها الآن كما أرسلت إليها نظرات موحية
تحثها على التوقف وقالت: "سيبي فلورزك دول على جنب النهاردة مش وقتهم خالص." وجهت بصرها على ورد وأضافت مبدية إعجابها بها: "طالعة زي القمر يا ورد بجد ما شاء الله يابخته بيكي." اقتربت عائشة من شقيقتها وطالعت ورد بأعين يشع منها الحماس وسألتها بفضول: "إلا هو فين عايزة أشوف شكله إيه؟ حركت ورد رأسها بتهكم وقالت: "أني نفسي معرفاش شكله إيه بشوفه من بعيد لبعيد."
اتسعت حدقتا عائشة بدهشة لحديثها لكنها لم تعلق كما أنها لن تتخلى عن رؤيتها له. ابتعدت عنهم وهتفت: "انا نازلة لعمتو هي توريهولي." انسحبت للخارج فور انتهاءها من الحديث فأثارت ضحكات الأخريات عليها. حركت أسما رأسها مستنكرة تصرفاتها البلهاء التي لا تليق بها ورددت مستاءة: "مش هتتغير أبداً." دنت منها ورد وأمسكت ذراعها، غمزت إليها وسألتها بفضول: "سيبك منيها وجوليلي مفيش جاديد مع حب عمرك."
لم تتمالك أسما ضحكاتها التي انطلقت من خلف عفوية ورد وأجابتها بعد مدة حين استطاعت السيطرة على ضحكاتها: "حب عمري ياستي والده اتوفى قريب وطبعاً كل اللي كنا مخططين له بخ طار، لأن هو وحيد ومش هيقدر يسيب مامته لوحدها ويسافر يحضر الماجستير والدبلومة في أمريكا زي ما كان مخطط فالدنيا ملخبطة أوي معاه ومش عارف ياخد خطوة الخطوبة الا لما يستقر الأول." طالعتها ورد بتأثر وربتت على ذراعها داعمة لها وقالت:
"ربنا يجرب البعيد وتبجوا لبعض جريب إن شاء الله." التوى ثغر أسما للجانب مشكلة ابتسامة ممتنة لها: "ربنا يخليكي ليا، سيبك مني ويلا نكمل بقيت التجهيزات." شعرت ورد بالراحة لكونها بجانبها فهي تكن لها الحب وتعتبرها شقيقتها وليست ابنة خالها. مدت أسما يد العون لورد بكل حب وسعادة إلى أن انتهت ورد من تحضيراتها. بهيبة وقامة منتصبة يقف أمام مرآته يرتدي عبائته أعلى جلبابه، رمق صورته المهندمة برضاء كامل لمظهره الجذاب. انتبه لصوته
الخشن الذي أخرجه من شروده: "كانك رضخت يا ولِد العمدة؟ طالع صورة صديقه المنعكسة في المرآة بتهكم وأجابه بإزدراء: "شكلك إتوحشت الضرب يا أبو عمو." قهقه عالياً وهتف مازحاً: "لا وأنت الصادج هبجي عم العيال جريب." حرك رأسه مستنكراً هرائاته التي لا تنتهي ولن يتوقف قبل أن يجبره هو على الصمت. استدار إليه ورمقه بنظرات مشتعلة فتوجس الآخر خيفة في نفسه من خلف نظراته وتراجع للخلف مردداً: "خلاص ياعم متبحلجش فيا إكده."
التوى ثغره بثقة لهيبته التي أثارت ذعر الآخر وأردف بعجرفة: "مصطفى الجبلاوي هيبته سابجه خطوته والكل يخافه." رفع ضيف شفتاه العليا بإستنكار شديد وعارضه بفرد قوته في حديثه بنبرة صارمة: "أني اللي بديلك الفرصة يا إبن الجبلاوي أنت هتسوج فيها ولا إيه؟ اقترب منه مصطفى بخطى ثابتة خشاها ضيف وتراجع للخلف. قهقه مصطفى عالياً من خلف خوفه المرسوم على تقاسيمه الذكورية. ربت على كتفه لكي يطمئنه:
"إجمد إكده ومتبجاش خِرع وبتركب الهوا من مفيش." ضغط مصطفى على كتفه فلم يتحملها ضيف وخر واقعاً. صعق مصطفى مما رآه فهو لم يكن بتلك القوة معه إذاً ما الذي حدث ذاك؟ علق على وضعه ساخراً: "يخربيت عجلك يا ضيف ده أنت مش محتاج تتجوت بالوكل ده أنت محتاج معونة من أمريكا." رمقه الآخر بغيظ شديد، نهض سريعاً وتحرك مبتعداً عنه، ابتلع ريقه قبل أن يردف: "أني تحت لما تخلص ابجي تعالي بدل ما تكسرلي أيد ولا رجل."
انعكست ملامح مصطفى إلى الضيق فور خروجه ضيف من الغرفة. أوصد عينيه لبرهة يحاول أن يقنع عقله بارتداء ثوب اللامبالاة إلى أن ينتهي اليوم بسلام. شهيقاً وزفيراً فعل هو قبل أن يخرج من الغرفة. ارتفعت الزغاريد في أرجاء السرايا ما إن ظهر طيف مصطفى في الوسط. لمحه خليل من على بُعد فجاءه بشموخٍ يبدي إعجابه بطلته التي دق القلب طرباً لجمالها: "إسم الله عليك يا ولدي طلتك ولا الجمر ربنا يبارك."
لم يستطيع مصطفى أن يجاريه هو خصيصاً فلم يعلق على ما قاله والتزم الصمت. لاحظ خليل صمته عن المعتاد فأظهر اهتمامه بسؤاله الذي طرحه عليه: "مالك يا ولدي كانك مش مبسوط إن اليوم فرحك." بالتأكيد يمازحه، لم يتمالك مصطفى ضحكاته على سذاجة سؤال والده. حرك رأسه مستنكراً قبل أن يجيبه ببسمة زائفة: "أكيد بتهزر يا بوي مش إكده؟ كيف يعني مش هكون مبسوط دي الليلة ليلتي وانى العريس."
شعر خليل بالراحة تجتاحه من خلف حديث مصطفى. دنا منه وربت على ظهره بحنو أبوي وتمنى له التوفيق: "ربنا يسعدك يا ولدي وتملي لنا السرايا كوم عيال." رُفع حاجبي مصطفى تلقائياً بعد إصغائه لحديث والده وسايره في ترهاته: "بس إكده عنيا التنين أنت تؤمر بس وأني أنفذ طوالي."
ظهرت ابتسامة سعيدة على وجه خليل ثم استأذن وانسحب للخارج لكي يرحب بضيوفه. كز مصطفى على أسنانه بغضب يحاول كظمه قدر المستطاع. وقف يجمع شتات وجدانه ثم سار على خطى والده للخارج لكي يتلقى المباركات والتهنيئات من قِبل أهالي البلدة حتى يؤدي دوره على أكمل وجه.
اجتمعن نساء البلدة في المجلس الذي تجهز خصيصاً لهن، بدأن الهمزات واللمازات بينهن فوصلت إلى آذان ورد، شعرت أنها كالعارية بدون ثياب من خلف أحاديثهم التي تؤكد بغضهم لزيجتها من الأخوين. لم تفارق الابتسامة وجه السيدة نادرة على عكس نيرانها التي تتأجج داخلها كلما تقابلت مع ورد في نظرة مشتركة. لا تريدها لا ترضي كونها سرقت ولديها فالصغير رحل وفارق الحياة فلن تتحمل فراق الآخر بسبب شؤمها السيئ كما تعتقد.
ولجت صباح برفقة ثريا باحثة بعينيها عن ورد، لا يستوعب عقلها إتمام الزواج بعد تصرفها الداهي أمس. كانت قد تيقنت بأن خطتها سارت على النهج الصحيح ما إن رأت ملامح السيدة نادرة بعد سماعها لما قالته عن ورد، إذاً ما الذي تغير الآن ليكتمل هذا الزواج اللعين؟ ازداد حقدها ما إن وقع بصرها على ورد التي تشبه البدر في ليلة تمامه. لم تستطيع الصمود أمام ما يحدث وعزمت أن تعكر صفوها في تلك الليلة. اقتربت منها مشكلة بسمة ودية زائفة وهللت
متصنعة سعادتها البالغة: "مُبارك عليكي يابت عمي." مالت بقُرب أذنها وأضافت هامسة: "ربنا ما يغير عليكي تاني أصل يبجي حديت الناس صوح." ابتعدت عنها وطالعتها بنظرات متشفية وتابعت بحقد: "بيجولوا شومك عفش ومبيعمرلكيش دار!
صعقت ورد مما وقع على مسامعها، شعرت بغصة مريرة في حلقها، وقعت كلمات صباح عليها كالسيف الذي شقها إلى نصفين، وأخيراً حركت قدميها وفرت هاربة بعيداً عن تلك البغيضة التي نجحت في تعكير صفوها لطالما حاولت تصنع اللامبالاة من خلف لمزات الحاضرين.
مكثت ثريا في أبعد ركن في المجلس وحيدة بمفردها، جاءت على مضضٍ فلقد فقدت شهيتها في الحياة من خلف شجارها الدائم مع حمدان الذي يصل نهايته إلى التطاول بالأيدي والسب المهين. أوصلتها تصرفاته للإنتحار الذي لازم تفكيرها في الأونِ الأخيرة. عادت إليها صباح بعد أن شعرت بقليل من التحسن حينما نجحت في فوران دماء ورد وتعكير صفوها.
وضع إمضته على كافة الأوراق المطلوبة ليكتمل عقد الزواج، صدح صوت إطلاق الرصاص ما أن سلم مصطفى العقد للمأذون. استعان ضيف بعصي أحد الحضور وسار نحو مصطفى الذي يتلقى المباركات من أقاربه وأصدقائه، لكزه في كتفه فاستدار إليه مصطفى يعلم هوية الفاعل، بالتأكيد ضيف من سيجرأ على فعل ذلك غيره. غمز إليه بمرح وهو يحمسه إلى الرقص مشيراً بعصاه: "ما تورينا همتك يا عريس."
تعالت أصوات الشباب مشجعين مصطفى على فعلها، لَقِفَ منه العصا فتعالت التصفيقات وصدح تصفير الشباب مهللين بحماس شبابي. أخذ ضيف عصا أخرى من أحدهم واقترب من صديقه وبدأ الرقص معه فور بدأ الدبكة الصعيدية (المزمار) . صياح الشباب كان بمثابة تشجيع لكليهما على أن يفوز أحدهم على الآخر وبعد مدة هلل الجميع في سعادة بعد أن نجح مصطفى في إسقاط عصا ضيف أرضاً.
تحمس الشباب أكثر وبدأو في الهطول واحد تلو الآخر يريدون التغلب عليه لكن هيهات لمصطفى لم يترك لهما مجالاً أن يصمدوا دقيقة أمامه. لقن الجميع درساً ليفكروا قبل أن يقفوا ضده بعد الآن. هتف ضيف مازحاً بصوت عالٍ ما إن فاز مصطفى عليهم جميعاً: "عريس ومن حقه يدلع." قهقهة الشباب غطت على أصوات الآخرين من خلف مزاح ضيف. اقتربوا منه أبناء عمته (صالح وعرفان) ، حيث بدأ صالح بحديثه قائلاً: "مبروك يا ولِد خالي عجبال ما نشيلوا عيالك."
ربت مصطفى على ظهره وأجابه بود: "الله يبارك فيك يا صالح عجبال ما تفرح بولادك." رد عليه ممتناً دون تفكير: "تسلم يا غالي." شاركهما عرفان في الحديث بصوته الأجش: "ربنا يتمم لك على خير يا حبيبي." أجابه بنبرته الرخيمة: "حبيبي يا عرفان عجبالك عن جريب." أضاف الآخر مازحاً: "عمتك فاتها بتجلع في شعور البنتة جوا دلوك، مش بعيد تكون اشترت بندج مخصوص عشان تخليهم يكسروه."
ضحك ثلاثتهم على داعبة عرفان ومن ثم انسحب مصطفى من بينهم بهدوء دون أن يلاحظه أحد، يشعر بالاختناق الشديد وكأن المكان يطبق على صدره يصعب عليه التنفس وسط ذاك الحشد الموجود بالخارج. ولج داخل السرايا من الباب الخلفي الذي وصل منه إلى المطبخ مباشرةً ولم يشعل المصباح الكهربي حتى لا يثير الانتباه نحوه. توجه نحو القارورة الفخارية يرتشف بعض المياه ليبلل حلقه الجاف. انتبه لحركةٍ ما خلفه فاستدار عفوياً ليعلم هوية الدخيل.
في تلك الأثناء أشعلت الإضاءة وتفاجئت بوجوده في المكان، خفق قلبها رعباً حين وقع بصرها عليه فهي لم تعلم بوجود أحد في المكان. على الجهة الأخرى لم يستطع مصطفى إبعاد نظره عنها فلقد أشعلت لهيب الشوق في قلبه الذي ازدادت نبضاته عن معدله الطبيعي. لا يدري من أين جاءت ولا يهمه لكن ما يحدث له مريب لم يشعر به من قبل.
انصرفت هي مسرعة إلى الخارج بارتباك جلي بسبب نظراته التي وترتها بينما لم يرفع هو نظره عن مكان اختفائها. كانت ثوانٍ معدودة إلا أنها استطاعت قلب كيانه بالكامل. ازدرد ريقه بصعوبة وحاول جمع شتات نفسه التي ضعفت تماماً أمام ذلك الجمال. حمحم عالياً يعدل من نبرته المتحشرجة ثم ألقى نظرة سريعة على المكان ذاته على أمل أن يراها مرة أخرى. تأكد أنه لن يجدي نفعاً بوقوفه في المطبخ فلقد تبخرت ولن يراها ثانيةً.
خرج إلى الحديقة وعقله مشغول بتلك الفتاة التي رآها. هو على علم بأن فتيات البلدة يخلعن وشاحهن في أي مناسبة منفصلة، من منهم هي إذاً؟ لم يستطع إخراجها بتلك السهولة من عقله ومكث بقية الجلسة لا يفعل شيئ سوى رسمها في مخيلته كلما شعر بأنها تختفي رويداً رويداً من عقله إلى أن زالت تماماً منه. احتدمت ملامح مصطفى بضيق باين وأُحبط حين نسي ملامحها الجميلة ولم يعد يستطيع رسمها مرة أخرى.
انتهى العرس سريعاً على الحاضرين إلا على مصطفى الذي شعر ببطء مرور الوقت، يشعر بشيئ ثقيلاً في جوفه لا يريد إكمال ما يجبره والده على فعله. أليس من حقه أن يتزوج بفتاة يختارها هو بأم عينه، مثل تلك الفتاة التي رآها في المطبخ، صدفة لم تكن في الحسبان لازال قلبه يحتفظ بأثرها إلى الآن. وقف مصطفى أمام مجلس النساء ونادى بنبرته الرخيمة على صفية فجاءته مهرولة تلبي ندائه: "اؤمرني يا سي مصطفى." أجابها بإقتضاب: "نادي ورد."
طالعته صفية متعجبة من أمره وحاولت أن توضح له الأمر فلم يسبق له الزواج ولا علم له بتلك التقاليد: "إدخل أنت ياسي مصطفى خد عروستك من بين الحريم مينفعش تخرج لك وحديها." لم يتحرك مصطفى من مكانه وأمرها بحدة: "أني مهدخلش وسط الحريم ناديها تخرج." شعرت صفية بعدم تقبله للأمر ولم تعلق فليست على استعداد أن تنال جزءاً من غضبه الواضح. امتثلت أوامره وعادت حيث جاءت تخبر ورد بأمر مصطفى.
تفاجئت ورد بتعلق إحدى النساء بذراعها فالتفتت إليها فاذا هي عمة مصطفى (جليلة) . تبسمت لها وعلقت موضحة سبب تشبثها بها: "أني اللي هوصلك لعريسك يا ورد." بادلتها ورد ابتسامة ودودة ثم ارتدت وشاحها خرجت برفقة السيدة جليلة ومن خلفهم بقية الفتيات المدعوين ولا ننسى السيدة نادرة التي تسير على مضضٍ. أوصلت السيدة جليلة ورد إلى مصطفى وأردفت متمنية لهم السعادة: "ربنا يسعدكم يا حبايب جلبي."
دنا منها مصطفى وطبع قبلة على جبينها مردداً: "تسلمي يا عميمة عجبال فرحتك بعرفان." ربتت جليلة على ظهره ثم مد مصطفى يده بإتجاه ورد دون أن ينظر إليها. رمقت ورد يده لبرهة ثم مدت يدها هي الأخرى لتحتضن خاصته. اختفت يدها بالكامل ما إن أغلق عليها براحة يده. سرت رجفة قوية في أوصالها من خلف لمسته الخشنة، مشاعر عدة اجتاحتها لم تشعر بهم من قبل، مزيج من الخجل والارتباك وخليط من الرهبة والحماس.
وصلا كليهما أمام غرفة مصطفى والمأوى الجديد لورد. سحب يده من بين قبضتها الصغيرة بكل هدوء فطالعته مستفسرة: "هملتني ليه؟ لم يجيبها كأنه لم يصغ لسؤالها. التفت ونادى بنبرته الجهورية: "صفية.." لا تدري من أين جاءها الرعب الذي تملك قلبها وخفق أثره بإضطراب شديد كما قشعر له بدنها وتراجعت للخلف بضعة خطوات استعداداً لمواجهة ما هي مقبلة عليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!