لم يكن هينًا على الجميع ما وقع على مسامعهم. تبادلوا جميعهم النظرات في صدمة جلية قد اعتلت وجوههم. تشنجت عروق مصطفى وكور يديه بقوة كما كز على أسنانه بغضب شديد يحاول كظمه. أوصد عينيه لبضعة من الوقت في محاولة استيعاب الأمر الذي أوقعه والده بين طياته دون اكتراث لمشاعره ورفضه التام لتلك المسألة. خفق قلب ورد رعبًا كما رجف جسدها من هول المفاجأة. ظلت تردد الرفض داخلها لعلهم يشعرون بها ولا يقبلون بتلك الزيجة، لكن كيف؟
فالرفض يكمن داخلها وبالتأكيد ليست بتلك الشجاعة التي ستواجههم برفض زيجتها من مصطفى. أما عن السيدة نادرة، فقد صعقتها كلمات خليل ولم ترفع عينيها عنه متفاجئة بطلبه. لقد تيقنت بأنه قد نسي الأمر ما أن رأت حقيبة ورد. تريد أن يلهمها الله الصبر حتى يبرد قلبها قليلاً بعد أن أشعل خليل نيرانه بحديثه.
اختفت الابتسامة سريعًا من على محيا السيدة سنية فور سماعها بطلب خليل. تريد الفرار بابنتها من تلك البلدة ولا تريد أن يربطها أي شيء فيها مرة أخرى. لكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن، فعلى ما يبدو أن للقدر رأي آخر. حمحم ماهر وهو يهضم طلب خليل الذي فاجأه به كما فاجأ الجميع. ابتلع ريقه حين شعر بجفاف حلقه وأجابه وهو يمرق بنظره بين شقيقته وابنتها:
"أنت فاجئتنا يا عمدة، وبصراحة مش عارف أقولك إيه. يعني على الأقل سيبنا نفكر وناخد رأي ورد." أسرع خليل بالرد عليه بنبرة لحوحة: "تفكروا في إيه عاد؟ وبعدين ورد أهيه جاعدة جدامنا." وجه خليل بصره على ورد وتابع: "ها يا ورد إيه رأيك يابتي؟
أخفضت ورد بصرها بحياء كما تحول لون وجنتيها إلى الحمرة الشديدة كإحمرار حبات الكرز. شكرت ربها بأن لا يراها أحد على تلك الحالة. ابتلعت ريقها مرارًا في محاولة منها أن تخرج الكلمات التي انحشرت داخلها. تدخلت نادرة قبل أن تجيب ورد وأردفت بنظرات متوعدة إلى خليل: "البنية مستحية يا خليل، سيبها على راحتها وتبجي تفكر على راحتها في بيتهم، متضغطش عليها." أكد ماهر على حديث نادرة قائلاً:
"أيوه ياريت يا عمدة، نروح القاهرة الأول ونفكر في الموضوع ونرد عليكم." "قاهرة إيه اللي عاد يا أستاذ ماهر؟ أني رايد الجوازة تتم في أسرع وقت، يعني الكتاب يتكتب بكرة بالكتير جوي." أصدرت ورد شهقة خافتة لم يسمعها سواها. ما هذا الهراء؟
إنه يغلق جميع الأبواب عليها. يريد حجزها في السجن ذاته التي تود الفرار منه. لماذا يحرم عليها الاستمتاع بحريتها لطالما انتظرتها منذ وقت طويل. كانت تعد الدقائق لينتهي اليوم حتى تقصر الأيام وتذهب حيث جاءت، والآن مطالبة بإطالة مدة الحبس وعدم الإفراج! فرت دمعة موجوعة من عينيها على تلك الحياة القاسية التي تعيشها. ألا تستحق بعض الحرية والعيش في سلام؟
لقد خاضت تجربتها الأولى وباءت بالفشل الذي أدى إلى وفاة شريكها قبل أن يبدأ حياتهما معًا. ليست مؤهلة بعد لزيجة أخرى وفي المنزل ذاته الذي عانت فيه ليالٍ عديدة قد قضتها بمفردها وحيدة، ليس معها رفيق سوى دموعها. نهضت السيدة سنية حاسمة للأمر: "أعذرني يا عمدة بس محتاجين وقت نفكروا فيه أنا وبتي، هي لسه خارجة من علاجة سابقة وجروحها ما تداوتش." نهض خليل هو الآخر متكئًا على عصاه وقال بثبات:
"يبقى تجعد هنا باقي الساعات اللي فاضلة في العدة، وعنديها النهار كله تفكر فيه وتصلي استخارة كماني، ونعرفوا قرارها صباح اليوم الثاني إن شاء الله." كان جميعهم في حالة ذهول من قرارات خليل الحاسمة التي تدل على جدية حديثه ونيته في إتمام الزيجة. تبادل ماهر وسنية النظرات حائرين، لا يعلمون ما يمكنهم فعله أو قوله الآن. قطع عليهم خليل حبال أفكارهم بنبرته الغليظة:
"وشوفوا انتوا رايدين تجعدوا وياها هنا في السرايا يا ألف أهلاً وسهلاً، المكان ينور. أما بقى لو رايدين تكونوا على راحتكم، أني ما مانعش. ها إيه قولكم؟ تولت مهمة الرد في تلك اللحظة السيدة سنية قائلة بقلة حيلة: "هنجعدوا في دارنا يا عمدة على ما نشوف قرار ورد." قاطعها ماهر يذكرها بموعد سفرهم: "والقطر والسفر؟ مش قولنا هترجعوا معايا القاهرة انتوا الاثنين؟ أجابه خليل بشموخ:
"يتأجل يا أستاذ ماهر. النهاردة من بكرة مفيش فرج. وبعدين مش يمكن تاخد الست سنية معاك لحالها وورد تجعد في سرايا جوزها؟ حاول ماهر أن يوضح له وجهة نظره: "أنا فاهم حضرتك، بس الأولاد هناك. ولو حصل نصيب مش هيعرفوا يجوا البلد لوحدهم." أومأ خليل رأسه بتفهم وأردف محاولاً أن ييسر ما يصعبه الآخر: "عربية مخصوص تروح تجيبهم لحد عندك يا أستاذ ماهر، مش عايزك تشيل حمل لأي حاجة واصل. كله محلول بإذن الله، بس المهم ورد توافق لي أول."
وجه خليل بصره على ورد وواصل قائلاً بثقة عمياء: "وهي هتوافق! يكفي هراء إلى هذا الحد. لقد بلغ ذروة تحمله، لم يعد لديه ذرة صبر لسماع سخافات أخرى وكأنه نكرة لا يراه أحد. رفع بصره على والده الذي يتوسلهم ويقنعهم على الموافقة، ولا يكترث لرفض ولده الذي هو أحق أن يهتم لأمره، لا لتلك الفتاة وعائلتها. نهض وألقى بحديثه سريعًا دون أن يواجه نظراتهم التي صوبت نحوه: "عن إذنكم يا جماعة، ورايا شغل ضروري."
خرج ولم يلتفت. غضبه يزداد والبركان الذي يتأجج بداخله على وشك الانفجار. أوقفه عسران حين لم يطمئن لرؤيته بتلك الحالة المثيرة للقلق وسأله باهتمام: "حصل حاجة يا باشمهندس؟ وجهك كيف النار الجايدة فيه." أجابه بتجهم مختصراً حديثه: "مفيهش حاجة." لحق به عسران وحاول أن يعلم بوجهته، فهو على علم بجنونه حين يغضب. لن يهدأ قبل أن يسبب كارثة. وقف أمامه فأجبره على الوقوف وقال محاولاً تهدئته: "تعالي أهدي الأول وإمشي بعديها."
تأفف مصطفى بضجر بيّن وصاح بهدوء محاولاً كبح غضبه بداخله: "هملني لحالي يا عسران، الله لا يسيئك. أنا ما بشوفش جدامي." اعترض عسران أن يسمح له بالذهاب وهتف موضحاً: "عشان كده أنا مش هسيبك تمشي وأنت بحالتك دي."
تلك المرة لم ينجح في إخماد بركانه الثائر. سحب بندقية عسران من على ذراعه بقوة وسرعة لم يستطع عسران منعه، وصوبها للأعلى ثم أطلق النيران خلف بعضها إلى أن انتهت الرصاصات بالكامل. ألقى بها أرضًا وهرول سريعًا مبتعدًا عن المكان بعد أن تنحى عسران جانبًا لئلا يلقى مصرعه من خلف جنونه. خرج خليل وكل من في السرايا في حالة رعب شديدة قد تملكتهم إثر إطلاق النيران. وزع خليل نظراته على المكان وحين لم ير شيئًا مريبًا سأل عسران بتجهم:
"إيه ضرب النار اللي سمعته ده؟ سحب عسران شهيقًا يعدل من صفوه وأجابه: "البندقية كانت معصلجة ومكتومة، فضربت عيارين في الهوا يمكن تسلك." حرك خليل رأسه بعدم إعجاب لتصرفه الذي أرعب الجميع. انتبه جميعهم لحديث ماهر: "هنستأذن إحنا يا عمدة." رد عليه خليل بود: "إذنك معاك يا أستاذ ماهر، نورت السرايا والبلد كلها." ابتسم ماهر ممتنًا لذوقه وأردف بنبرة ودودة: "منورين بأهلها يا عمدة، تسلم."
توجه ماهر برفقة سنية نحو البوابة فلحقت بهم ورد منادية بحنجرة متحشرجة بسبب بكائها: "أما استني.." استدارت سنية إليها وتفاجأت بحضنها الذي اخترق صدرها. ضمتها بأسى وربتت على ظهرها بحنو أمومي: "مش عايزة الجوازة دي يا أما، عايزة أهمل البلد كلها وأمشي منها، متسبنيش هنا. أبوس إيدك ياما خديني معاكي." هتفت بهم ورد من بين بكائها الذي مزق قلب والدتها تأثرًا بوضعها. ملست على رأسها بحنان وأردفت بثبات:
"الله في سماه ما حد يقدر يجبرك على حاجة يا جلب ونن عين أمك. أنا موجودة وهقف في وش أي حد كان مين هو، ولا أجبرك على جواز أو غيره. بس مقدرش آخدك دلوقتي عشان لسه العدة مخلصتش، وهطلع أنا اللي معرفش في الأصول. عاودي أوضتك لبكرة وأنا من نجمة هكون عندك ونهملوا البلد دي." هدأت ورد رويدًا بعد أن أصغت إلى الثقة التي تحدثت بها والدتها. اطمأنت قليلاً وابعدت عنها لكي تعود إلى غرفتها مرة أخرى. أوقفتها سنية قبل أن تبتعد عنها بقولها:
"ابجي صلي استخارة يا ورد." رفعت ورد رأسها باستغراب، فاستشعرت والدتها ما خلف تلك التطلعات على الرغم من عدم رؤيتها لعيونها وفسرت معنى حديثها: "يجي عملنا كل اللي في إيدينا قبل ما نهملوا البلد عشان ما نوقولش، يا ريت اللي جرى ما كان."
أومأت بطاعة ومن ثم عادت إلى السرايا وتفاجأت بأعين خليل ونادرة ترمقانها متعجبين من تصرفاتها. خجلت من ركضها خلف والدتها ولم تكترث لمشاعرهم، بالتأكيد يظنون عدم قبولها لزيجتها من ولدهم. هي حتماً رافضة لكنها لا تود أن تظهر بصورة وقحة في أعينهم، تريد أن ترفض بلطف دون أن تمس مشاعرهم بحزن. حمحت حين تحشرجت حنجرتها من فرط خجلها مما تسببت به وقالت: "عن إذنكم، هطلع أوضتي." فرت من أمامهم مسرعة، فصاحت نادرة بعدم
قبول لما حدث منذ دقائق: "فهميني يا عمدة إيه اللي عملته ده؟ بتحطنا قدام المدفع إياك بعملتك دي؟ ما عدتش تشوف زعل ولدك وغضبه من وقت ما اتحدت مع الناس، كأنه ما يفرقش عندك؟ دي ولدك يا عمدة وبقى الوحيد، يعني ميستاهلش نزعله واصل ونغصبه على جوازة مش رايدها. بلاها عرج الجبلاوية يهب دلوقتي ويركب دماغك يا خليل، بكفيانا زعل وحزن، مش دي حديثك؟ رايد تدخله وسطنا ليه عاد؟
أخذ خليل شهيقًا وأخرجه بتمهل. طالع صفاء السماء وهو يستنشق الهواء العليل وأجابها بحكمة: "ولدك رافض الجواز نفسه يا نادرة، مش رافض البت. واللي بيقولوه ده حجج فارغة عشان نتأثروا بكلامه ونوافقه. بس لا، أنا عارف مصلحته زين. البت كيف الجمر، تجوله قوم وأنا أقعد مكانك، وأخلاقها زينة وصانت عيلة جوزها. هيلاقي أحسن من كده فين؟ حركت رأسها برفض وعدم قبول وهتفت معترضة:
"أنا مريدهاش، اتخفت من ناحيتها وجلبي ما يطمنش على مصطفى معاها. دي خلت الواد يهرب منها يوم الدخلة، كيف هتقدر تقنع مصطفى بيها وهو رافض البنات كلهم؟ استدار خليل وطالعها لبرهة ولم يأت على عقله سوى شيء واحد، فأخرجه على لسانه بصوت عالٍ: "غيرانة منها يا نادرة ولا إيه؟ شهقت نادرة بعدم استيعاب لحديثه الذي ألقاه في وجهها. قطبت جبينها وصاحت به مندفعة غير راضية بما صرح به: "بتقول إيه يا راجل؟ غيرة إيه دي اللي بتتحدث عنها؟
أنا نادرة السيد الحفني، بنت السيد الحفني من كبرات البلد وأعيانها، أغير من حتة بت أبوها كان عامل عند جوزي؟ ماهيش غيرة يا خليل، لو رايد مسميات يعني ممكن نسميها مستعناش تبقى مرت ولدي. جربنا حظنا مع واحد وربنا افتكره بعد يومين تنين من وجودها معاه، فأنا اكتفيت ومش حمل حزن وجهرة تاني، ومصطفى بالذات لازم له بت بنوت، وأنا كلامي خلص لحد هنا."
تركته وغادرت المكان. عادت إلى غرفتها تتمنى أن يعيد النظر في تلك الزيجة التي ترفضها بتاتًا، بينما وقع خليل في حيرة من أمره. فحديثها قد أثر به، لكنه صده من الجهة الأخرى لكي لا يدع له مجالاً في التسلل داخل عقله. رفع عصاه عن الأرض وتابع سيره إلى الخارج يريد أن ينفرد بنفسه قليلاً يرتب أفكاره من جديد.
في مكان ما، يسابق الزمن مع جواده. يشعر بالتحسن كلما فرض قوته على خيله وحمسه على الركوض بسرعة فائقة لا يستطيع أحد لمحه إن مر بجانبه، فقط يشعر باصطدام الهواء الذي يؤكد مرور شيء ما. أوقفه تدريجيًا حين وصل إلى طوالة (اسطبل) الخيل خاصته. هبط من أعلاه بشعور مختلف تمامًا عن ذي قبل. فقط يشعر بالارتياح الآن. أعاده مكانه وتفاجأ بوقوف ضيف أمامه. تشكلت بسمة عفوية على ثغره ما إن رآه وعاتبه مستاءً:
"بقيت بتركب الخيل لوحديك ولا بتسابقني كيف زمان وأنا ساكت كتير؟ بس المرة دي مش هتعدي من تحت إيدي." غمز له مصطفى وقال ساخرًا: "اتوحشت الخسارة إياك؟ ضاق ضيف بعينيه عليه وأجابه بتعالٍ: "هاه، دي كانت مرة." قهقه مصطفى عاليًا وأردف متابعًا لحديث صديقه بتهكم: "اللي كسبتها." لكمه الآخر بعنف في كتفه وعارضه بعدم تقبل لهزيمته: "أباي عليك، لا عارف أكسبك في ركوب الخيل ولا حتى في الحديث!
عاد مصطفى إلى حصانه بعد أن أحضر له طعامه وبدأ يطعمه بيده وباليد الأخرى يملس على ظهره بنعومة. التوى ثغره بمسة متهمة حين تذكر زيجته من أرملة أخيه وقال: "بارك لصاحبك عاد، بكرة كتب كتابه." قطب ضيف جبينه باستغراب لما وقع على أذنه وردد بعدم استيعاب: "أنت وافقت مته؟ أنا سايبك الفجرية وأنت رافض، إيه اللي جد؟ أجابه مصطفى وكل ما مر به منذ ولوجه للسرايا يُعاد في مخيلته: "خليل الجبلاوي صدر حكم نهائي مفيهوش راجعة واصل."
حرك مصطفى رأسه ورفع شفتاه السفلى للأعلى وواصل حديثه بنبرة محتقنة: "ديكتاتورية الجبلاوية لسه صامدة وباينها مكملة معانا كتير." دنا منه ضيف ليتأكد ما يوجد خلف هدوئه المريب، لكنه فشل كمرات عديدة حاول بها فهم ما يدور داخل عقله، لكن في النهاية يفشل بجدارة. لم يطل هذه المرة في التفكير وسأله مباشرة: "هداؤك ده ما يطمنش يا ولد الجبلاوي، جولي وراه إيه؟ تقوس ثغر مصطفى وقد انعكست ملامحه إلى الحدة وهو يفكر بما ينوي فعله وأجابه:
"مقدرش أعصاه ولا في يدي أقف قصاده، بس في يدي أندمه على ديكتاتوريته اللي مشاها علي." أحاط ضيف بكتفه وغمز إليه بمرح يريد خوضه مع أفكاره المجنونة أو ربما القاسية وأردف بحماس إضافة لنبرته: "ما تخافش عليك يا صاحبي، بس شوقتني أعرف هتعمل إيه؟ ثبت مصطفى بصره على الفراغ أمامه وردد دون تفكير زائد: "هنشوف، هتشوفوا كلكم."
وضع المزيد من الطعام لخاصته المحبب له ولم يكترث لحكم والده الذي صدر تنفيذه، فلينل والده نصيب هو الآخر من ديكتاتوريته، لكن ستكون مختلفة بعض الشيء. خرج من داره يهرول لعله يلحق بهم قبل أن يغادروا البلدة. تفاجأ بعودة زوجة عمه وشقيقها إلى منزلهم. على الرغم من تعجبه من وجودهم في تلك الأثناء هنا، إلا أنه شعر بالراحة المفرطة لكونه لم يفوت توديعهم، وخصوصًا توديعه الحار لحبيبته. أسرع نحوهم وتحدث بنبرة لاهثة بسبب ركضه:
"كويس إني لحقتكم قبل ما تمشوا. ورد فينها معاودتش وياكم ليه عاد؟ نكست السيدة سنية رأسها بحزن جلي. لم تتمنى أن يعودان بدونها، ناهيك عن رجوعهم للبداية من جديد. لم تكن في الحسبان تلك الزيجة، وممن؟ شقيق من عانت ورد لفراقه. آه، مكلومة خرجت من فم السيدة سنية عفوياً تسببت في خفقان قلب طاهر برعب وأعاد سؤاله بلهفة وتوجس: "ورد فين يا مرة عمي؟ أجابته بنبرة مرهقة ولازالت منكسة الرأس:
"في بيت العمدة، مرايدش يخرجها قبل ما عدتها تنتهي بالكامل ويسمع ردها." عقد ما بين حاجبيه متعجبًا وسألها بفضول: "ردها على إيه عاد؟ شهيقًا وزفيرًا فعلت السيدة سنية قبل أن تجيبه قائلة: "طالب يدها لمصطفى ولده."
ربما لو غرزت به خنجرًا حادًا، سيكون هينًا على أن يسمع ذلك. لقد انتظر مرور الأيام بفارغ صبر لكي يتقدم للزواج منها فور انتهائها من عدتها. والآن يصغي إلى من سيسرقها منه مرة أخرى ويحلق بها في سماء بعيدة عن أحلامه الوردية، لطالما رسم مواقف محببة لقلبه مع من خفق الفؤاد باسمها. لن يفوت هذه المرة ويقف يشاهد ما يحدث في صمت مثلما فعل في المرة الماضية. إن كان الحظ حالفه مرة، فلن يحالفه في الأخرى.
"أنا رايد أتجوزها يا مرة عمي، أنا أولي بيها من الغريب. استنيت اللحظة اللي أتقدم لها فيها من زمان، ومهسمحش لأي مخلوق كان إنه ياخدها مني تاني." ألقى طاهر بحديثه دون تردد أو خوف. فاندهشت سنية وكذلك ماهر الذي لم يعلق، بل ترك الأمر لشقيقته فهي على دراية أفضل بمن سيناسب ورد. فغرت فاها بعدم تصديق ورددت متسائلة: "أنت بتقول إيه يا طاهر؟ ثار طاهر وصاح هاتفا:
"أنا بحب ورد ورايدها في الحلال. قوليلها كده يا مرة عمي وهي أكيد هتوافق." وضعت السيدة سنية راحة يدها أعلى رأسها وأوصدت عينيها تتمنى أن يكون كابوسًا ليس إلا. كل ما يحدث وليس فقط طلب طاهر من الزواج بورد. رددت بنبرة تميل إلى العتاب: "ليه كده يا طاهر بتصعبها علينا، أنا وبتي ليه عاد؟ رفعت رأسها للأعلى ناظرة إلى السماء وهتفت: "كنا رايدين نهملوا البلد، يا رب ليه كده، ليه؟
تركتهم وهمت بالدخول لمنزلها، فلحق بها ماهر واقترب منها ما إن أغلق الباب خلفه محاولاً مشاركتها العبء الذي قد وقع على عاتقها فجأة. انتبهت هي لسؤاله: "هتعملي إيه يا سنية؟ هتقولي لورد على طاهر؟
جالت الغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تشعر بشتات عقلها، لا تدري أي منهم أصلح تختاره زوجًا لابنتها. فطاهر من المستحيلات تسمح له بالوصول إليها، فلن تلقي بوحيدتها في نيران حمدان وعائلته اللواتي لسن في قلوبهن رحمة. أيضًا ترفض وبقوة مكوث ورد في السرايا، فهي لا تريدها تعيد معاناتها لطالما لم تتحسن هي بعد. رفعت بصرها حيث يقف أخاها وهتفت مقررة: "أنا لا هأوافق على ده ولا على ده. أنا هروح آخدها بكرة من نجمة ونعودوا معاك يا خوي."
أومأ لها بقبول ومن ثم سحب هاتفه من جيب بنطاله وقام بالاتصال على زوجته ليخبرها ببقائه الليلة عند شقيقته حتى لا تنتظر عودته هباءً. "ولاد العمدة عاملين عقد يسلموا البت لبعضهم، بس أنا مهسكتش. المرة دي مش هضيعها من يدي، المرة دي إن شاء الله تطير فيها رقاب." صاح بهم طاهر بصوت عالٍ لعله يفرغ غضبه الذي تبدد بداخله. لم يشعر بالأذن التي وقفت خصيصًا لسماع ما يصيح به مع نفسه. ولجت للغرفة ما إن أنهى جملته بأسلوب
غير حضاري وسألته بفضول: "معناه إيه حديثك ده يا طاهر؟ هدر بها شزرًا من عزم غضبه: "أنتِ واقفة تتصنتي عليّ يا بت أنتِ؟ لوت شفتيها بتهكم لسذاجته وهاجمته مندفعة: "صوتك جايب لآخر البلد يا طاهر، هتتتتتصت إيه عاد! رمقه طاهر بنظرات مشتعلة ووجه بصره يمينًا ويسارًا إلى أن لمح تلك المزهرية الموضوعة أعلى الكومود. هرول نحوها وأمسكها ولم يتردد في إلقائها أرضًا بكل قوته إلى أن تحطمت إلى أشلاء لا يمكن إصلاحها. صرخ عاليًا من فرط غضبه
فلم يعد يستطيع كظم غيظه: "خلصت من واحد طلع لي التاني. أنا بس اللي هتجوزها، أنا اللي أولي بيها، أنا اللي بحبها. مش هلال ولا حتى مصطفى!! صعقت صباح فور استشفافها للأمر. دنت منه تريد التأكد من حدسها التي استنتجته من خلف حديثه وسألته بتردد: "كيف يعني مصطفى هو كمان رايد يتجوزها؟
لم يعلق طاهر بل ثار على كل ما يمكن تكسيره بالغرفة وحالته الهائجة كانت خير رد على سؤالها. انسحبت من الغرفة بعدما اعتلتها صدمة جلية. هرولت لغرفتها ومازالت تحت تأثير الصدمة. جلست على طرف الفراش بإهمال ورددت بعدم استيعاب: "كله بيحبها، كله رايدها. الكل بيتسابق مين هيتجوزها الأول، هلال وطاهر وآخرهم مصطفى!! مصطفى اللي البلد كلها تتمنى يرمي السلام عليها هيتجوزك يا ورد! عملالهم إيه يا بت عمي عشان الكل يجري وراكي كده."
نهضت صباح من مكانها وكزت على أسنانها بحقد واضح وتوعدت لها من بين أسنانها المتلاحمة: "وأنا إيه؟ محدش بيجري ورايا ليه؟ مش شبههم ولا مش شبههم!! لم تنتظر لأكثر وأسرعت نحو خزانتها، التقطت إحدى عباءاتها وارتدتها سريعًا ومن ثم هاتفت أحدهم. لم تعطيه فرصة الرد بل أردفت أمره فور إجابته: "جيبني في المكان بتاعنا دلوقتي متتأخرش."
أغلقت الهاتف قبل أن تستمتع لرده فهي ليست على استعداد لسماع رفضه الآن. هي في أمس الحاجة للحديث معه أو ربما جبره على الزواج منها. تلفت حوله يتأكد من خلو المكان ثم أزاح وشاحه عن وجهه واقترب من تلك الشجرة التي تقف أسفلها وسألها بحدة: "خير جيباني على مالا وشي ليه عاد ولا تكوني مفكرة إني فاضيلك يا بنت حمدان تجيبيني وقت ما تحبي؟ ضاقت بعينيها عليه محتقرة أسلوبه الحاد معها وهدرت به شزرًا: "أنت بتتحدث معايا كده ليه؟
يكنش أنا اللي رامية جتتي عليك؟ رمقها بطرف عينيه مشكلًا ابتسامة ساخرة على محياه وأردف بتهكم: "لا أنا اللي بجري وراكي يا صباح. نهايته رايد مني إيه؟ حمحمت الأخرى وقد ارتخت ملامحها كما لانت نبرتها ومالت إلى الرجاء: "هتيجي تطلب يدي من أبويا مته يا ضيف؟ قطب ضيف جبينه باستغراب شديد وردد بعدم استيعاب لحديثها البعيد كل البعد عن مخيلته: "أطلب يدك ليه؟ ناقصني يد إياك! طالعته بأعين حادتين واندفعت به:
"أنا بهزرش يا ضيف، العمر بيجري بيا وأنت معلقني في حبال دايبة ومخابراش آخرتها معاك إيه؟ انفجر ضيف ضاحكًا، لم يستطع السيطرة على أعصابه التي تلفت بالكامل من خلف ضحكاته، تشنجت بطنه من خلف ضحكاته المستمرة دون توقف فأمسك بها وردد: "مكنتش أعرف إن دمك خفيف يا بت يا صباح." كانت تتابع ضحكاته بريبة من أمره، لم تصل إلى سبب واضح لضحكاته التي أثارت غيظها. انعكست تعابيرها للغضب ما إن تفوه كلماته السخيفة وصاحت به مندفعة:
"جولت أنا بهزرش، هتجابل أبويا مته؟ احتدمت تقاسيم ضيف بغضب اعتلاه، دنا منها وقبض على ذراعها بقوة سبب لها الألم وهمس بقرب أذنها: "وأنتِ فاكراني هركب جرون على آخر الزمن وأجي اتجوزك!! أتجوز واحدة دايرة على رجالة البلد واحد واحد ترمي نفسها عليهم." شد ضيف على ذراعها بقوة مضاعفة فأنّت هي بألم شديد وأضاف:
"أنا يوم ما أقول يا جواز أتجوز واحدة متقدرش ترفع رمشها في عين أخوها، بت ناس أهلها عرفوا يربوها زين مش ماشية على حل شعرها!! صدمات متتالية وقعت على صباح من خلف حديثه الذي أخبرها بحقيقته التي سحقتها. دفعته بكل ما أوتيت من قوة بعيدًا عنها ونهرته مستحقرة: "آه يا قليل الأصل والنخوة، وأنا اللي فكرتك راجل طلعت كيف العيل الصغير اللي بيتسلى بلعبته وبعدها يرميها لما يزهج منها." عاد إليها مرة أخرى وملامحه لا تبشر بالخير وصاح من
بين أسنانه المتلاحمة بغضب: "لمي خشمك عاد بدل ما ألمه بمعرفتي، وآه، كنت بتسلى بيكي." مال عليها وواصل حديثه هامسًا: "بس دي مش ضعف مني، أنتِ اللي كنتي سهلة." دفعها بعيدًا عنه ثم أولاها ظهره وغادر دون أن يلتفت لصراخها: "أنا مش سهلة يا ضيف، والله لتشوف اللي هعمله فيك. هندمك على اليوم اللي فكرت تتسلى فيه ببنت حمدان المنشاوي، هوريك عرج المنشاوية على حج."
سقطت بإهمال وهي تصرخ عليه لعل نيران قلبها المتقدة تخمد، لكن كلماته تشعلها أكثر كلما تذكرتها. ضربت الأرض بيديها واقتعلت منها التربة. رفعت يديها للأعلى وهي تطالع الرمال التي تتساقط من ثغر أناملها وهتفت متوعدة بغضب عارم: "أنت اللي بدأت اللعب يا ضيف، هنشوف إذا كنت هتتحمل اللي ناوية عليه ولا هتخر كيف الحريم."
نهضت بعد أن جمعت شتات نفسها، ضبطت من حالتها غير المهندمة وطالعت المكان من حولها متوجسة خيفة من رؤية أحدهم لها. أزفرت أنفاسها براحة حينما لم تجد أناسًا على مقربة منها وأسرعت مبتعدة عن المكان، لكنها أقسمت بأن تعود إليه مرة أخرى لكن ستكون مختلفة، هو من سيتوسلها ويطالبها أن ترفق به. لن تشعر برضاها الكامل حتى يأتيها راكعًا يطلب منها السماح.
لم يهدأ لها بال قبل أن تضع بصمتها وتقف تتابع ما يحدث بتشفٍ. وصلت إلى السرايا وطرقت بابها في انتظار ترحيب أحدهم لها. فتحت صفية الباب وشكلت بسمة ودودة على شفتيها مرحبة بها: "اتفضلي يا صباح، ثواني وأناديلك ورد تاجي لك." لحقت بها صباح قائلة قبل أن تبتعد عنها: "لا، أنا مريداش ورد. أنا رايدة الخالة نادرة." تعجبت صفية من طلبها لكنها لم تعلق، دعتها للجلوس في غرفة الضيافة بينما ذهبت هي تنادي سيدتها. طرقت باب غرفتها وولجت
للغرفة حين سمحت لها وقالت: "صباح بت عم ورد ريداكي ياستي." عقدت نادرة ما بين حاجبيها متعجبة من تلك الزيارة ورددت متسائلة: "وديي رايدة إيه هي كمان؟ رفعت صفية كتفيها للأعلى ظاهرة عدم معرفتها: "مخابراش يا ستي، أنا جولت لها أناديلك ورد جالت لا، رايدة الخالة نادرة." التوى ثغر نادرة للجانب مستنكرة كلمة خالة ورددت مستاءة: "خالة! من مته ده إن شاء الله." ثبتت بصرها على صفية وأضافت آمرة:
"روحي ضيفيها وأنا هروح أشوفها رايدة إيه." حركت صفية رأسها بطاعة ومن ثم انصرفت سريعًا بينما توجهت نادرة حيث تجلس ضيفتها. أسرعت صباح للداخل حين رأت هطول السيدة نادرة ووضعت هاتفها على أذنها مختلقة مكالمة ما: "والله يا أمي الست نادرة ديي على نياتها جوي، كفاية أنها وافقت تجوز ولدها الحيلة لجدم الشؤم بت عمي. معرفاش كيف هتطمن على سي مصطفى معاها، ده هلال يا حبة قلبي معمرش معاها يومين على بعض. كيف ما تكون عملالهم عمل؟
البت دي مش معقولة، محدش شايف ولا حاسس إنها بتجيب الفجر (الفقر) في المكان اللي بتحط رجليها فيه. على العموم ربنا يهني سعيد بسعيدة، هنكونوا عايزين إيه غير إنهم يكونوا سعداء؟ ديي مهما كان بت عمي بردك." صمتت صباح وكأن والدتها تخبرها بشيء ما، فتابعت هي تمثيلها بنبرة لهوفة:
"لا لا مجدرش أقولها حاجة زي ديي، ربنا حليم ستار يا أمي وهي شكلها اتعدلت من وقت ما اتجوزت هلال أو الله أعلم، يمكن مش لاجية الفرصة ورايدة تعاود مع خالها عشان ترجع للي كانت بتعمله." تأففت صباح بضجر وواصلت حديثها معاتبة شخصية والدتها المختلقة: "بكفيانا حديث عنها بقى، ربنا يهديها. أنا هبارك للست نادرة وهعاود طوالي مش هتأخر. سلام." أغلقت الهاتف وأعادت وضعه في حقيبتها وظهرت شبح ابتسامة على ثغرها لنجاح ما أتت لأجله.
في الخارج، صدمة قد اعتلت نادرة مما أصغت إليه ووقع على مسامعها. فهي لم تحبها يومًا وخصوصًا بعد وفاة مدللها الصغير. ولكن بعد ما سمعته بأذنيها ستفعل المستحيل من أجل عدم إتمام تلك الزيجة. أخذت نفسًا عميقًا وولجت للداخل بشموخ وثبات. رحبت بها صباح بحفاوة شديدة كما بادلتها الأخرى ترحيبًا يليق بها وقالت: "السرايا نورت يا صباح بطلتك البهية، مش بتيجي تطلي علينا ليه عاد؟ أخفضت صباح رأسها وأجابتها باستيحاء زائف:
"أبويا بيرفض خروجي عمال على بطال من الدار، أنا حتى جايه على لسان أمي أبارك لسي مصطفى على جوازه من بت عمي لأنها تعبانة شوية ومقدرتش تيجي بنفسها." رفعت نادرة إحدى حاجبيها حينما ذكرتها صباح بالزواج وردت عليها بنبرة جامدة: "فيكي الخير أنتِ وأمك يا صباح، جولي لها الله يبارك فيكي يا ثريا، عقبال ما نفرحوا بولادك." رسمت صباح بسمة ولازالت منكسة رأسها وأردفت بنبرة رقيقة لا تشبهها قط:
"يوصل يا خالة، أنا عوجت جوي ولازم أعاود دارنا أصل أبويا يبهدلني، عن إذنك." ابتسمت الأخرى ورددت بإعجاب شديد لحياءها وهي تربت على ذراعها: "يسلم بوك اللي ربّاك زين، إذنك معاكي يا حبيبتي، سلميلي على ثريا كتير." أجابتها مختصرة: "يوصل." انصرفت صباح من السرايا بعد أن بخت سمها واستطاعت النجاح فيما فعلته. وقفت نادرة ترمق الطابق العلوي بغيظ شديد. ضربت درابزين السلم براحة يدها ورددت من بين أسنانها بغضب:
"على جثتي لو الجوازة دي تمت يا بنت صابر وسنية." في غرفة ورد، يقفان الفتاتان حول ورد يحاولان إقناعها على طريقتهما. حيث قالت صفاء بنبرة عفوية: "وافقي يا ورد ومتهمليش الدار." أضافت هويدا قائلة بحكمة ورزانة في نبرتها:
"أنا مريداش أقولك وافقي كيف صفاء لأنها بت مخدولة في عجلها. بس إن جيتي للحج سي مصطفى ميترفضش واصل. أنا أعرفه من وقت طويل جوي، أنا أكبره بسنة واحدة وقضيت طفولتي معاه، وشبابه كله كان قصاد عيني. عمري ما شفته كيف شباب جيله كان متأني، وقبل ما يخطو خطوة يكون حاسب لها تمام، وعلى طول خيال (مرسوم) في نفسه كده. عاجل كيف ما يكون عمره فوق الخمسين، مش شاب لسه مكملش الثلاثين. فكري زين يا ورد."
أوصدت عينيها فاختفت زرقاواها خلف أهدابها ورددت بعد أن أخذت شهيقًا وأخرجته رويدًا: "مخابراش كل حاجة جت فجأة، مش متخيلة أتجوز أخو جوزي الله يرحمه. مش مستوعبة أصلًا إني بجول على هلال الله يرحمه، لسه ما خرجتش من صدمة موته أقوم أدخل في صدمة جوازة تانية؟ ابتعدت عنهم ورد واستلقت على الفراش بحيرة شديدة واقعة في شباكها لا تعلم كيفية التحرر منها. اقتربت منها صفاء تتوسلها برجاء:
"أنا دعيت ربنا إنك متبعديش عنا واصل، وأهو اللي حصل ده كان الرد على دعائي، يعني علامة أنك توافقي." استنكرت هويدا هراء صفاء الذي تحاول به الضغط عليها وأردفت موجهة حديثها إلى ورد: "سيبك من عجل الهبل ده. أنتِ صلي استخارة وبكرة ربك يحلها من عنده." وجهت هويدا بصرها على صفاء وأمرتها: "وأنتِ جومي عشان نخلصوا اللي ورانا."
كادت أن تعارضها لكن نظرات هويدا كافية لأن ترعب صفاء وترغمها على الخروج معها بدون نطق حرف زائد. نهضت ورد من مكانها ما إن خرجت الفتيات من الغرفة وتوضأت وشرعت في الصلاة تستخير ربها أن يلهمها الصواب في تلك المسألة عاجلاً.
في اليوم التالي، رمشت ورد بأهدابها عدة مرات لكي تعتاد ضوء الشمس التي تغازل عينيها من خلف زجاج النافذة. تقوس ثغرها الوردي بابتسامة عفوية. مدت ذراعيها في الهواء لترخي من تشنج عضلاتها. نهضت من مكانها بنشاط على غير عادتها في الأيام الماضية. لمحت طيفها في المرآة فتحركت تلقائيًا نحوها ووقفت تطالع صورتها المنعكسة بتفحص. انتبهت لراحة جوفها المريبة. اتسعت مقلتاها على آخرهما وتمتمت بذهول: "أنا مرتاحة!
يا ترى الراحة دي شاملة إيه؟ عايزين الجوازة تكمل ولا لأ؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!