الفصل 11 | من 30 فصل

رواية عرف صعيدي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم تسنيم المرشدي

المشاهدات
28
كلمة
6,039
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 37%
حجم الخط: 18

تمايلت بجسدها، محاوطة حوله منشفة قصيرة مفتوحة من الجانب الأيمن. أمسكت بخصلاتها ورفعتها للأعلى بحركة مغرية، وهي تتابع رقصها بتأنٍ وثقة. ابْتَلَعَ ريقَه وهو يتابع حركاتها باهتمام شديد. لم يسبق له أن رأى رقصًا بهذا الشكل. شعر بضعف قوته البدنية التي يتحلى بها، خار ثباته أمام ما تفعله تلك الفتاة. "بربك، ألا ترحمي ضعفه وقلة حيلته؟

حَلَا له ما تفعله، ولا يريد رؤية شيء آخر يعكر جمال ما رأته عيناه. عليه الانسحاب الآن. فإن مرت عليه دقيقة أخرى، حتمًا سيحدث عواقب يمكن أن يندم عليها في وقت لاحق. انسحب بهدوءٍ تام إلى أن خرج من الغرفة. استنشق الصعداء ما أن أغلق باب الغرفة، ومر الأمر مر الكرام. توجه إلى غرفته مباشرةً، فهو في حالة لا يُرثى لها، ولن يستطيع إكمال السهرة معهم.

نهض ضيف قاصدًا المغادرة حين تأخر مصطفى في عودته. بالتأكيد لن يأتي في ذلك الوقت المتأخر من الليل. أوقفه عسران بقوله: "على فين يا ضيف؟ لسه السهرة طويلة." رد عليه بنفسٍ غير سوية: "السهرات جاية كتير. أني تعبان ورايد أفرد جسمي." أنهى جملته وغادر السرايا، وعقله لا يزال يفكر في طريقة ما يقنع بها عائلته بزواجه من صفاء. لا يصل إلى أي حلول، وهذا ما يزيد الأمر سوءًا. نفخ بضجرٍ بيّن وصاح بتذمر: "يارب!

أني بحبها ورايدها في الحلال، متصعبهاش عليا يارب." عاد إلى منزله ليريح عقله تلك الليلة، وفي اليوم التالي حتمًا ستطرق الحلول بابه. *** عاد طاهر إلى المنزل على مضضٍ. فالعودة إليه باتت ثقيلة على قلبه للغاية، ويتمنى ألا يعود مرةً أخرى إليه. حسم أمره على قبول ما يرفضه عقله وتأباه مشاعره، لكن ما باليد حيلة. ربما هذا أفضل له.

كانت صباح في انتظاره لكي تفاتحه في زواجه من مروة، فهي لن تهدأ قبل أن تسير الأمور كما تريد. نهضت مسرعة واقتربت منه قبل أن يفر هارباً كعادته. لكنها تفاجئت به يقترب منها ويقول: "أني موافق." قطبت جبينها بغرابة وسألته بفضول: "موافق على إيه؟ أخرج تنهيدة مليئة بالهموم وأجابها بتجهم: "موافق على مروة!!

ألقى بحديثه ثم أولاها ظهره وصعد إلى غرفته، وتركها تستوعب ما قاله بمفردها. لم ترفع بصرها عن طيفه الذي بدأ يختفي رويدًا من أمامها. تطالعه بعدم تصديق. أحقًا وافق على ما تريده؟ كان الحظ حليفها تلك المرة، ونجحت في شيء تخطط له. وها هي نجحت في أولى مخططاتها التي رسمتها لكي توقع ضيف في شر أعماله. فهو من جني على نفسه بالتسلية بها، إذا فليتحمل قذارتها التي تنوي فعلها.

دقت أسارير السعادة قلبها من خلف موافقة طاهر. تقوس ثغرها ببسمة عريضة انعكاسًا لسعادتها الداخلية. نظرت حيث اختفى وهتفت بحماس: "سيب الموضوع ده عليا يا خوي." أخفضت من نظرها وواصلت حديثها هامسة وهي تكز على أسنانها بحقد: "متجَلجلش، هيمشي كيف ما رتبت له صح!! ***

في اليوم التالي، استيقظت ورد من الصباح الباكر. ارتدت إحدى عباءتها الملونة التي تليق مع بشرتها، وضفرت خصلاتها التي أضافت لوجهها بهجة وجمال. ترددت في وضع بعض المساحيق التجميلية، لكنها رفضت. فجمال ملامحها الطبيعية أحلى بكثير من أن تعكرها بمساحيق صناعية. فاكتفت بوضع مرطب شفاه أضاء من شفتيها الوردية. هبطت السلم وهي تدندن بنشاط وحيوية على غير العادة، وولجت للمطبخ المقصود الوصول إليه. رحبت بها صفية بحفاوة:

"طلتك ولا الجمر يا ورد." ابتسمت لها ورد بحياء وأردفت برقة: "ربنا يخليكي يا صفية." بحث ورد بعينيها يمينًا ويسارًا وسألتها باهتمام: "فينها صفاء؟ السرايا ملهاش حس عاد." قهقهت صفية وأخبرتها بمكانها: "والله عندكِ حج يا بنتي. الهدوء موجود مطرح ما تكون غايبة عني. هي في جامعتها وزمناتها راجعة." دعت لها ورد بحب: "ترجع بالسلامة. بس جوليلي فين الأكل عشان ناوية أحضر الفطور النهارده بإيدي."

ابتسمت لها صفية وبدأت تحضر ما تطلبه ورد. وكانت مساعدتها اليوم تتابعها باهتمام. على الرغم من كونها طباخة يشهد لها الجميع، إلا أنها أعجبت بطريقة تحضير ورد للفطور ورسمه في الصحون كأنه تحفة فنية. حتمًا سيحرص الجميع في الاقتراب منه خشية أن يمحو جماله. *** في الأعلى، استيقظت السيدة نادرة قبل زوجها. وعزمت بأن تحادث مصطفى وتعارض تصرفاته الحمقاء التي فعلها بالأمس. طرقت بابه بخفة وولجت للغرفة حين سمح لها.

كان قد انتهى من ارتدائه للجلباب. استدار إليها قائلاً: "صباح الخير يا أما." ردت عليه بنبرة جامدة: "صباح النور يا مصطفى." أضاق عينه عليها لتلك اللهجة المريبة التي تحادثه بها. جلست هي على طرف الفراش وبدأت حديثها معاتبة بوجه محتقن: "اللي حصل قبل اليوم ده مش على هوايا. دي وعدك ليا إنك هتخليها! بدل ما تبعدها عنك، تقوم تخليها وشاحك وتشوفها كماني؟ لاه!

واللي يفور الدم إنك تمنع الغفر من دخول السرايا إلا بإستئذان. وديه من مِتى إن شاء الله؟ كأنك اعتبرتها مراتك بحج وحجيجي!! أسرع مصطفى بالرفض لتوقعها: "لاه، حديث إيه اللي بتتكلمي عنه ده؟ كل الحكاية إني رايد أرضي أبوي. أنتِ مشوفتيش فرحته كانت مش سايعاه كيف لما عملت اللي عملته؟ نهضت عن مقعدها وتابعت رفضها الجلي للأمر:

"ولو، البت دي مينفعش معاها حنية واصل. أني مطيقهاش من وقت ما أخوك هرب منها ليلة دخلته وبعدها بيوم اتقتل. وهاه لساتنا موصلناش للقاتل وهي عايشة حياتها 24 قيراط مش هاممها حد واصل. وبلي عملته ده هتديها فرصة تزود في عمايلها."

وقف عقل مصطفى عند تذكيرها لمشاركة رجل غيره فيها. لقد دعست على جرحه ولم تكترث. شعر بالنفور من ورد. فهي لم تخلق له وحده، بل كان الرجل الثاني في حياتها. ضغط على أسنانه بعصبية، فقد تعقدت الأمور بفضله بعد أفعاله بالأمس. بالتأكيد خُيّل لها أنه تقبلها زوجة له. لكن لا، سيذكرها بمن تكون هي حتى تعود إلى رشدها وتعرف مكانتها جيداً.

هبط كلاهما إلى الطابق الأول وفوجئوا بإحضار ما لذ وطاب ووجود جميع الأصناف التي يحبونها قد مُلئت الطاولة بشكل حضاري رائع. انتبهوا لصوته المتحشرج من خلفهم: "واه إيه كل الأكل اللي يفتح النفس ده؟ مين اللي راضي عنينا النهارده؟ أجابته صفية وهي تضع آخر صحن قد أعدته ورد: "ده كله تحضير ورد. أني مليش صالح عاد بيه."

ظهرت ورد من خلفها مبتسمة بحياء يكسو وجهها بالحمرة. خفق قلب مصطفى بطلتها الجميلة التي لا تفشل في قلب كيانه. بينما لم تهتز خصلة للسيدة نادرة. بل نظرت إلى صفية وأمرتها بحدة: "جيبيلي صحن مالح وفوقيها طماطمايه همي." ردت عليها صفية بعفوية: "ورد أصرت تعرف أنتِ بتحبي إيه عشان تعملهولك بإيديها. والعجة اللي بتحبيها أهي." نهرتها نادرة بعصبية شديدة: "جولتلك هاتيلي صحن مالح. يبقي مترطريش حديث ملوش لازمة."

رمقتها صفية مستاءة من تصرفها وعادت إلى المطبخ تحضر ما طلبته. بينما لم تبعد ورد نظريها عنها، فهي تشعر بالحرج الشديد من طلبها التي أعلنت به رفضها لتناول طعامها. خرجت من شرودها على شكر خليل لها: "تسلم يدك يا بنتي. الأكل جميل. اجعدي كُلي."

رسمت بسمة متهمكة على محياها ثم اقتربت من مقعدها وجلست أعلاه. رفعت بصرها على مصطفى في انتظار جلوسه بجوارها، لكنها تفاجئت به يتوجه إلى باب السرايا. هو يريد مشاركتهم المائدة، لكن حديث والدته لا يقتلع من عقله ويتردد صداه بداخله كلما وجد لنفسه حجة يقترب بها منها. "مصطفى" نادتْه بنبرتها المبحوحة التي أربكته، وتوقف إثرها. اقتربت منه ووقفت أمامه حين لم يستدر لها، وحادثته بحزن مرسوم على تقاسيمها: "رايح على فين من غير ما تفطر؟

مرايدش تاكل من يدي؟ تبخر تمرده حين شعر بالحزن الذي يشع من زرقاوتيها، ناهيك عن نبرتها التي نجحت في محو أي ذرة غضب بداخله. أهذا هو مصطفى، عقل الحجر الذي لا يلين ولو انقلبت السماء على الأرض؟ لم يشعر بنفسه سوى وهو يجيبها بنبرة هادئة: "كنت هشوف الغفر لو محتاجين حاجة."

انعكست تعابيرها تمامًا عن ذي قبل، حيث ظهرت سعادتها لكونه لم يرفض مشاركتهم الفطور. دقت طبول قلبه بتلك الابتسامة التي ابتسمتها فقط من أجله. عادت ورد إلى مقعدها وهو خلفها دون تفكير. رفعت السيدة نادرة حاجبيها مستنكرة عودته بتلك السهولة. لم تستطع المشاهدة دون تعكير صفو تلك اللعينة وخرجت عن صمتها، موجهة حديثها إلى مصطفى: "كأنك عاودت تاني يا مصطفى؟ أجابها مختصراً: "هفطر يا أما جعان." اتسعت مقلتاها بذهول ورددت بتهكم:

"كُل يا جلب أمك كُل. تلاقيك هفتان." تدخل خليل ناهيًا سخافاتها: "اجعدي كلي يا نادرة وبلاها حديث معرفينش ناكل لقمة." أخذت نادرة الصينية من صفية وقالت وهي توليهم ظهرها: "المكان ضيق قوي. هفطر في أوضتي فيها هوا يرد الروح." حرك خليل رأسه باستنكار لتصرفاتها الخرقاء التي لا تنتهي. لكنه لن يعكر صفوه، فهناك أطعمة كثيرة لابد من تناولها بشهية مفتوحة. انتهوا من تناول الطعام واستأذن مصطفى للذهاب إلى عمله. نادت ورد على صفية قائلة:

"هاتي اللي حضرناه يا صفية." حضرت صفية ومعها كيس بلاستيكي وناولته لورد التي لحقت بمصطفى قبل أن يغادر وأوقفته بقولها: "اتفضل. أنت بتتأخر وأكيد بتتعب في الشغل. لازم تاكل حاجة عشان تقدر تصلب طولك." عارض تصرفها مستاءً: "لاه مهينفعش أكل وسط الفلاحين وهما معاكلوش." أسرعت ورد بإلقاء حل سريع: "ثواني نحضر لهم كلهم أكل." لحق بها مصطفى قبل أن تغادر بمسكه ذراعه. أخفضت ورد بصرها على قبضته، فأسرع هو بسحب يده إلى جانبه وأوضح تصرفه:

"الفلاحين كتير فوق الـ 300 فلاح بيشتغل في الأرض. مينفعش تحضري أكل لكل دول. متشغليش نفسك بيا. أني زين." رمقته بحزن، فهي من أحضرت له الطعام والآن هو من يرفض أخذه. أولاها مصطفى ظهره وسار نحو الباب عدة خطوات ثم استدار إليها فرأى معالم الخيبة على تقاسيمها. عاد إليها وأخذ العلبة من بين يديها ثم غادر دون إضافة المزيد. دقت طبول السعادة قلب ورد لفعلته وتقوس ثغرها بابتسامة عذبة. عادت إلى أرض الواقع على صوت

نادرة التي دوى في الأرجاء: "كأنك باللي بتعمليه ده مفكرة هتكسبيه لصالحك!! استدارت إليها ورد لتتابع نادرة حديثها معنفة: "تبجي بتحلمي. أني ولدي راجل ومهيخيلش عليه حركات البنتة البطالة ديي." أولاتها السيدة نادرة ظهرها وقبل أن تخطو للأمام، أوقفتها ورد متسائلة بفضول: "صدر مني حاجة وحشة تخليكي تعامليني أكده؟ حركت نادرة رأسها لليمين قليلاً وأجابتها باستعلاء دون أن تنظر إليها: "مش شايفة كِ لِقة بمجام ولدي!!

لم تتفاجأ ورد بما قالته، فقد سبق وقالت الحديث نفسه، لكنها لا تفهم لماذا رضيت بها في بادئ الأمر؟ شعرت بعدم الرغبة في شيء. فقدت رونقها وحماسها لطالما تحلت به منذ استيقاظها إلى أن عكرت تلك المرأة صفوها. عادت إلى غرفتها بخيبة أمل سكنت قلبها وأطفأت من روحها. لا تدري ما الخطأ الذي اقترفته لتنال كل هذا النصيب ذو الحظ السيء. ***

أسرعت في خطاها والابتسامة لا تختفي من على وجهها بانتصار لنجاح أولى خطتها وسيرها على ما يرام. فتحت بوابة المنزل الصغيرة ورمقت المنزل بوجه مليء بالدماء النشيطة من فرط حماسها. فهي لا تطيق السنتيمرات التي تبعدها عن إكمال خطتها الداهية. قرعت الجرس وانتظرت أمامه بفارغ الصبر. فُتح لها الباب من قبل "ضيف" الذي انعكست تقاسيمه وتحولت إلى الغضب ما أن رآها أمامه. التفت برأسه للخلف يتفحص المكان جيدًا ثم أعاد النظر إليها وهمس لها

بوجه محتقن تفور به الدماء: "إيه اللي جابك هنا يا وجه البرص إنتي؟ لم تعره صباح اهتمامًا ودنت منه هامسة بفتور: "سبق وجولتلي ملكيش صالح عاد بيا، وأني دلوك اللي بجولك ملكش صالح بيا." رفعت ذراعها ووضعته على كتفه مُبعدة إياه لكي تمر للداخل. نادت بعلو صوتها ما أن توسطت الردهة: "مروة يا مروة." حضرت مروة إلى مصدر الصوت فتفاجئت بصباح. رسمت بسمة على وجهها واقتربت منها مرحبة بها: "الدار نورت. إلك زمن ما جيتيش عندنا."

بعتاب زائف أجابتها الأخرى: "كنتي أنتِ سألتِ يعني يا ندلة. يلا ممنوش العتاب دلوك، أني رايدة أتحدت معاكي في موضوع." أضاقَت مروة عينيها بغرابة ولم تستطع الصمود وسألتها والفضول يتآكلها: "إيه هو الموضوع؟ نظرت صباح إلى ضيف الذي يتابع حوارهما باهتمام بيّن وأردفت: "مهينفعش هنا. تعالي في أوضتك."

تعلقَت صباح في ذراع مروة ثم ساروا معًا إلى غرفة مروة، بينما كز ضيف على أسنانه بضيق شديد، فتصرفاتها لا تروق له وبالتأكيد لن يأتي من خلفها سوى المتاعب. لمح طيف والده وهو يهبط الدرج متكئًا على عصاه. فلم يرد المغادرة قبل أن يعيد تكرار طلبه، لعله يؤثر عليه تلك المرة في عدم وجود والدته.

انتظر حين جلس في مقعده الخاص في الردهة. ثم سحب شهيقًا عميقًا وهو يستعد لتلك المواجهة الحاسمة. أخرج زفيره على بطء ثم توجه نحوه بخطى متأنية. ألقى عليه التحية ومن ثم بدأ فيما يريده بنبرة متلعثمة: "حديثنا مخلصش يا بوي، لساتني عند كلامي ورايد أتجدم لصفاء." حرك والده رأسه وطالعه بملامح جامدة. فأسبق ضيف بالتأثير عليه قبل أن يتلقى رفضه:

"يا بوي صفاء بنت زينة وأخلاقها عالية وتعليمها كمان عالي. يعني دي اللي تليق بيا وبعيلة الحمايدي، مش واحدة من عيلة كبيرة وهي نفسها صفاتها ونعتها وحشين!! نفخ الحاج حنفي بامتعاض وبفتور قال: "جولت لاه يا... قاطعه ضيف حين ركع أمامه وهو يتوسله بنبرة لحوحة: "أبوس إيدك مترفضش قبل ما تعرفها. أني جلبي مرايدش غيرها. ولو رفضتها صدقني مهاشوفش واحدة غيرها واصل." انتفض الحاج حنفي من مقعده وضرب بعصاه الأرض مبديًا

غضبه وهتف بإنفعال بالغ: "اعتبر ده تهديد ولا إيه يا ولد الحمايدي؟ اعتدل ضيف في وقفته وطالعه بنظرات تتوسله بإشاراته التي يتمنى أن يرفق به من خلفها وأجابه بنبرة منكسرة: "مش تهديد يا بوي، بس أني مش شايف غيرها تنفع تكون مرتي وعلى اسمي. وأني مش هينفع يتغصب عليا الجواز كيف البنت." بقِامة منتصبة أردف بتمرد: "أني آسف يا بوي. لا هي، لا بلاها جواز من أساسه." أولاه ظهره وتوجه نحو الباب، بينما صاح والده شزرًا: "بلاها جواز!

عنك ما شفت غيرها. كان اللي خلقها مخلجش غيرها." بصق أرضًا ثم مسح على فمه وتابع انفعاله بغضب: "مناقصش إلا العيال كمان اللي بيهددونا!! حرك رأسه باستنكار ثم عاد لمقعده متثاقلاً وهو يتوعد لتمرد ضيف عليه. في الطابق العلوي وبالتحديد غرفة مروة، رفعت صباح يدها أمام مروة وأشارت لها لكي تجذب انتباهها. نجحت صباح في استعادتها إليها وسألتها باهتمام: "ها جولتي إيه في اللي سمعتيه عاد؟

احمرت وجنتا مروة بخجل، ناهيك عن فركها لأناملها بارتباكٍ محرج. لقد فاجئتها صباح بذلك الحديث الذي لم يكن على البال. ابتلعت ريقها وأردفت بنبرة خافتة: "مخابراش أجول إيه؟ عقدت صباح ما بين حاجبيها بتهكم ثم لكزتها في كتفها بخفة وأردفت مازحة: "جولي رأيك إيه؟ موافقة ولا لاه؟ أخفضت مروة بصرها في حياء وأجابتها مختصرة: "مخابراش يا صباح. متضغطيش عليا. خليه يكلم أبوي هو أدري مني." وضعت صباح سبابتها على ذقن مروة ورفعت وجهها للأعلى

لتري عينيها وهي تحادثها: "أكيد طاهر هيكلم أبوكي. بس لأول هو محتاج يعرف رأيك موافقة عليه ولا لاه. متعرفيش هو متحمس لجوازه منكِ كيف. رايح جاي يجولي كلميها أساليها هتوافقي عليا ولا لاه. يطلع وينزل على اسم مروة لما جبهالي في مخي." قهقهت صباح عاليًا لتضيف للحديث لمسة حتى تؤثر على قرار مروة التي لم تهدأ نبضات قلبها كلما أضافت صباح حديثًا عن طاهر وتمسكه بها. تأففت صباح بضجرٍ بيّن وسألتها بتهكم:

"يا بنتي انطقي وجولي أجوله يطمن ولا إيه؟ التوى ثغر مروة للجانب بتهكمٍ معانق للحياء الشديد، فهي تخجل التصريح بموافقتها علنًا أمام صباح. فحتماً ستخبر شقيقها بقرارها ولن تستطيع النظر في عينيه إن صادفته يومًا. جف حلقها وهي لا تعلم ما عليها قوله في تلك الأثناء. شعرت بالاضطراب والضياع كلما ضغطت عليها صباح في انتظار ردها عليها. وأخيرًا نطقت بنبرة سريعة غير مفهومة: "ماشي، موافقة."

انشرح قلب صباح للغاية. فتلك الخطوة الثانية التي نجحت في تنفيذها وكانت أكثرهم سهولة. فغرت فاها ببلاهة وقلبها يتراقص على أنغام السعادة. دنت من مروة وهللت بحماس: "الود ودي أزغرط بس لولا العيبة. على العموم، أني هروح أفرحه بالخبر ده وهو يبقي يتكلم مع أبوكي بقى. العوافي."

"الله يعافيكي" همست بها مروة بنبرة خافتة لم تصل إلى آذان صباح التي قفزت الدرج بشعور سيطر عليها وهو الانتصار. لم يعد هناك إلا القليل على وصولها إلى مرادها. أطلقت ضحكة عالية ما أن دلفت خارج المنزل وهي ترتب أفكارها بعناية لكي تأتي بضيف راكعًا يتمنى أن ينال استحسانها. *** مساءً. انتظرت عودته حتى نفذ خزان صبرها. لماذا تأخر اليوم عن سابق أيامه؟ تأففت بضجر وقررت أن تسأل أحدهم عن سبب تأخيره.

التوى ثغرها للجانب مشكلة بسمة متهمكة، فهي ستسأل الخادمات عن سبب تأخير عودة زوجها! أخرجت تنهيدة مليئة بالهموم والإرهاق ثم حركت قدميها للأمام حتى وصلت إلى الطابق الأول. استقبلتها هويدا بترحيب على باب المطبخ قائلة: "وجهك ولا الجمر. اتوحشت طلتك." بادلتها الأخرى ابتسامة صافية حين رأتها وهتفت: "ربنا يخليكي يا هويدا. وأني كمان اتوحشتك جوي. ليه ما بتجينيش كل يوم؟ أوضحت هويدا سبب عدم وجودها باستمرار في السرايا:

"أني باجي الأيام اللي بيكون فيها الضغط كبير عشان أساعدهم، لكن مجدرش أسيب بيتي وزوجي وأقعد هنا اليوم كامل." حركت ورد رأسها بإيماءة حين تفهمت الأمر. ترددت لوقت قبل أن تردف متسائلة: "العمدة لسه معودش ودي مش عادته. حد يعرف ليه؟ طالعتها صفاء بمكر من خلف هويدا بطرف عينيها وهي من تولت الرد بمزاح: "النهاردة يوم القبض، يعني بيتأخروا عشان بيقبضوا الفلاحين."

نهضت عن مقعدها واقتربت منهن وهي تتمايل بجسدها حتى وصلت بجوار هويدا. أسندت مرفقها على كتفها وواصلت حديثها بمكر: "بس على حد علمي يعني إن العمدة يدوب بيشرف على اللي بيحصل بس وممكن يعود في أي لحظة. لكن سي مصطفى هو اللي بيقبض الفلاحين بيده عشان يعرف مين أخد ومين مخدش. يعني سهره طويل ويمكن معادوش غير وش الصبح!! اتسعت مقلتا ورد بذهول مرددة: "واه ده مأكلش حاجة من وقت الفطور! غمزت إليها صفاء وتابعت مزاحها بخفة أسلوبها:

"واه تصدقي عندكِ حج يا حرام. طيب ما تاخديله أكل وروحي له! ردت عليها ورد بعفوية: "بجد ينفع؟ من بين ضحكاتها أجابتها الأخرى بتلقائية: "أومال. بس منعرفوش إذا كنتِ هتعودي من غير رجبة ولا دراع!! صُدمت ورد بآخر كلماتها واستشفت أن الأمر ما هو إلا لعبة من ألاعيبها المعتادة. أضاقَت عينيها بغيظ عارم وأردفت بحنق: "بجا كده يا صفاء بتتمسخري عليا. ماشي." لكزتها هويدا في ذراعها بخفة معاتبة:

"اتركي البنية في حالها يا صفاء. مش كده ألاعيبك ديي." أخفضت ورد بصرها وقد سرق الحزن حيوية بشرتها التي بهتت للغاية وتشكلت على تعابيرها بسهولة استشفنتها الأخريات. ورددت بنفاذ صبر: "حياتي دي غريبة قوي كأنها فيلم هندي." "لا وانتي الصادقة دي ولا كأنها رواية كيف اللي بجراهم" هتفت بها صفاء ردًا على حديثها. رفعت ورد بصرها عليها وطالبتها بلطف: "ابقي جيبيلي رواية من رواياتك دي أضيع وقتي فيهم بدل الزهج اللي مأنسني ده."

أشارت صفاء على عينيها مرددة بحب ظاهر: "من عنيا الاتنين." ابتسمت ورد ممتنة لها: "تسلم لي عنيكي." قفزت صفاء في الهواء مهللة بسعادة حين راودتها أحد الألعاب التي سيشاركنها ثلاثتهن: "جاتني فكرة بما أن ورد زهقانة وهويدا لسه على وقت مراوحها هباَبه إيه رأيكم نلعبوا لعبة؟ وافقنها الفتيات فبدأت هي بشرح اللعبة بسلاسة:

"هكتب كلمة واحدة في ورقة صغيرة وأطويها ونحطها في لجَن غويط وكل واحدة تختار ورقة وتجول الكلمة دي بتعني لها إيه، هيكونوا تلت حاجات إما (خوف) وإما (فرح) وإما (شجن) . زين؟ رددت الأخريات في نفسٍ واحد: "زين." افتتحت ورد اللعبة وبدأت تلقف إحدى الأوراق الصغيرة بعد أن انتهت من كتابتهم صفاء. لَقِفت إحداهن وقامت بفتحها فتفاجئت بالكلمة المدونة بها: (انتظار) . نفخت بصوت مسموع فهي تهاب تلك الكلمة كثيراً. نظرت إليهن وقالت موضحة:

"الإنتظار بالنسبة لي خوف. أخاف عمري يمضي وأني مستنية كل اللي بتمناه يتحقق. يومي بيضيع وأني مستنية جُرب مصطفى مني. بخاف أمي متطمنش عليا وأقعد أستنى مكالمتها بفارغ الصبر. أني خايفة أموت وأني لساتني بستنى!! كانت تطالعهن بتأثر وشفقة مرسومان على تقاسيمهن. ابتسمت لهن ورد وأردفت مازحة: "بطلوا بحلجة فيا وكملوا يلا." جاء دور صفاء فالقِفت ورقة أخرى وقامت بفتحها وقرأت ما بها بصوت عالٍ: "الوعد" أخرجت تنهيدة مهمومة وأوضحت

ماذا تعني لها الكلمة: "خوف بردك. بخاف اللي يوعد يتخلي وميوفيش بوعده، أو حتى ميقدرش ينفذه! صمتت لبرهة ووعد ضيف قد حضر في ذهنها وتمنت بداخلها بأن ينتهي خوفها عاجلاً. أعادت هويدا تكرار ما فعلنه الفتيات قبلها وقرأت المدون في الورقة التي لقفتها: "البيت" تبسمت بشغف وهي تردد: "البيت طبعًا فرح. بحس بطعم الدفا في بيتي وسط جوزي وعيالي وبفرح بردك لما بزور بيت أهلي. بالنسبة لي البيوت دي جنة، مش بس فرح!

واصلن لعبهن حتى قرع صوت رنين هاتف هويدا معلنًا عن انتهاء وقت عملها. فاستأذنتهم وغادرت السرايا سريعًا قاصدة العودة إلى منزلها. بينما نفخت ورد بتذمر وهي تطالع النافذة بفتور لعدم ظهور مصطفى إلى هذا الوقت المتأخر من الليل بعد. ولم تشعر بأعين صفاء التي ترمقها بتردد كبير. تود الإفصاح عما بداخلها لعلها تشعر بالراحة إن شاركتها مخاوفها.

ابتَلَعَت ريقها وسارت نحوها بخطى بطيئة، تقدم قدم وتؤخر الأخرى خوفًا من ردة فعل ورد إذا علمت. كانت تطمئن قلبها بأن ورد ذو عقل متفتح وقلب رقيق وبالتأكيد لن تشي بها وستساعدها في الوصول إلى الراحة الداخلية التي تفتقر إليها منذ معرفتها بضيف. وصلت إليها وخبطت على ظهرها بخفة فاستدارت إليها ورد متسائلة حين رأت فركها لأناملها بارتباك: "نعم؟ كأنك رايدة تجولي حاجة؟ أومأت لها الأخرى مؤكدة فقالت لها ورد بغرابة:

"تحبي تتكلمي هنا ولا في أوضتي؟ اختارت صفاء الصعود لغرفة ورد حتى تطمئن بأن لن يسمعها أحد. قصت عليها بدايةً من تبادلهما النظرات ثم توطدت علاقتهما وتودد ضيف إليها أكثر فأكثر. وحدث بينهما حوار تحول مع الوقت إلى لقاءات خفية يسرقنها حين يأتي هو إلى السرايا. أخبرتها باعترافه لها وأنه يكن لها من المشاعر قدرًا ووعده بأنه سيتزوجها. وأنهت حديثها بنبرة بتوجس:

"خايفة جوي ميوفيش بوعده أو ميقدرش ينفذه كيف ما بيحصل في الروايات والأفلام." حركت ورد رأسها مستنكرة تفكيرها الساذج وأردفت متهكمة: "يحرج الروايات اللي لحست عقلك. سيبنا من الروايات والأفلام دلوك. أنتِ واثقة فيه يعني وواثقة في حبه ولا بيتسلى وخلاص؟ أخرجت صفاء زفيرًا مرهقًا وأجابتها بقلة حيلة:

"أوقات بجيب واثقة من حبه ليا لما بتفكر كلامه الحنين وتسبيله عنيه اللي ميعرفهاش واصل طول ما هو واقف قصادي. وأوقات تانية بحس أنه بيتسلى بيا. مهو مفيش جوازة تمت وكان قبلها بيحصل المقابلات دي دايمًا الراجل بيتخلى عن البنت اللي حبته لمجرد أنها كلمته، فبيشوفها إنها مش زينة ومتليقش بيه." حاولت ورد تلوين أفكارها السوداوية بتوقعاتها الوردية:

"أني معرفوش بس يمكن مختلف عن الباقي. يكون راجل صح ويوفي بوعده. العيال اللي بيتهربوا من الجواز دي دايمًا بيتهربوا من الحديث فيه هو أكده؟ أسرعت صفاء بنفي سؤال وردت مجيبة إياها بشغف وحب يشع من عينيها: "بالعكس هو اللي بيفتح الحديث عيني. على طول يجولي مِتى تجيني مرتي حلالي وأخلف منك دستة." رققت من نبرتها كما أخفضت بصرها خجلًا وتابعت قول كلماته على لسانها:

"على طول يجولي رايد ألاقي بمجام الدكتورة. بشوف الفخر في عينيه الاتنين وهو هيتكلم عني وعمره ما حسسني إني أقل منه على الرغم إنه من عيلة كبيرة قوي وأني يدوب لا رحت ولا جيت." لوت شفتيها للجانب بتهكم، فحاولت ورد تغيير الحوار عن مساره الذي أخذه: "زين اللي بتتكلمي ده بس سؤال أخير عشان أطمن وهو اللي هيحسم إذا كان هو راجل ولا عيل."

حملقت بها صفاء باهتمام فهي في أشد الحاجة إلى الاطمئنان من علاقتها المعقدة تلك. ابتسمت ورد لانتباهها بهذا الشكل وألقت بسؤالها الحاسم: "بيحاول يتجرب منك يعني لمس يدك قبل كده أو... قاطعتها صفاء بنفي ما قالته بلهجة سريعة: "لاه لاه محصلش. هو بيحاول دايمًا يحافظ عليا. حتى إني اللي أوقات بتوحشه وبطلب منه ييجي السرايا يشوفني. بس هو بيرفض عشان محدش يشوفني معاه وياخد عني فكرة وحشة." تنهدت ورد براحة وهتفت:

"يبقى هو كده راجل صح وزين وإن شاء الله عن قريب يبقى من نصيبك." "اللهم آمين يارب" آمنت عليها صفاء بتمنٍ ورغبة شديدة. نظرت إلى ساعة الحائط فشَهِقَت لتأخر الوقت ورددت وهي تنهض من مقعدها بذعر: "الوقت اتأخر قوي. أمي هتموتني. تصبحي على خير." "وإنتي من أهل الخير" قالتها ورد وهي تقهقه على تصرفاتها الطفولية. بينما التفتت إليها صفاء معدلة حديثها: "جولي وانتِ من أهل ضيف."

لم تستطع ورد تمالك نفسها وانفجرت ضاحكة، لكن سرعان ما اختفت ضحكتها حين تذكرت مصطفى وتأخيره عن ميعاده المعتاد عليه. نهضت وتوجهت إلى الشرفة لعلها تحظى برؤيته التي ستطمئن قلبها. طالت مدة انتظاره على أمل رؤيته حتى غفت على سور الشرفة وتبخر أملها وذهب مع الرياح. *** عاد إلى منزله أخيرًا بعد انتظار طال مدته. ركضت نحوه مهرولة لكي تلقي عليه بذلك الخبر السعيد. وقفت أمامه وعاتبته بهجوم: "اتأخرت أكده ليه؟ غفيت وأني بستناظرك." قطب

جبينه بتهكم وسألها بجمود: "ليه حصلت مصيبة رايدة تخبريني بيها؟ قلبت عينيها مستاءة منه وأوضحت سبب انتظارها له حتى الآن: "لاه يا خفيف، بس أني رحت لمروة وجولت لها إنك رايد تتجدم لها والبت عينك ما تشوف إلا النور. مكنتش مصدقة حالها. بجد يا صباح احلفي يا صباح. تجوليش كانت مستنياك تتجدم!! لم تهتز له خصلة، فهذا الهراء لا يعنيه. وبفتورٍ أردف: "زين." مر بجوارها دون إضافة المزيد، فامتعضت هي لفعلته واستدارت بجسدها في

نفس اتجاهه وسألته بتجهم: "أفهم إيه من زين ديي؟ أجابها وهو يكمل صعوده للدراج: "رايداني أجول إيه عاد؟ تقدمت نحوه وقالت وهي تسير خلفه: "تجولي هتطلب يدها من أبوها مِتى؟ أخذ طاهر شهيقًا عميقًا وأخرجه بصوت مسموع: "أوف." وقف أمام باب غرفته وحرك رأسه لليسار قليلاً حيث تقف صباح وأردف على مضض: "بكرة أروح له."

أنهى جملته ثم اختفى خلف الباب وهو لا يرضي ما ينوي على فعله، لكنها الطريقة الوحيدة التي سينسى بها ورد. في الخارج توجهت صباح إلى غرفتها وهي تتغنج بجسدها فرحًا لدهائها التي أوصلها إلى تلك النقطة. *** عودًا حميدًا مع فجر الفجر. ركن سيارة العمل الربع نقل جانبًا ثم ترجل منها وهو لا يرى أمامه. فاليوم كان شاقًا وثقيل للغاية كثقله من كل أسبوع.

رفع عينيه تلقائيًا على شرفتها فتفاجأ برأسها التي تستند بها على حافة السور. عقد حاجبيه متعجبًا لتصرفها الأرعن. أسرع خطاه نحوها ونادى عليها بنبرة خافتة يجذب انتباهها له: "ورد يا ورد." لا يريد أن يصدق حدسه الذي يخبره بأنها غافية. لم يتوقف مكانه لحظة وركض مهرولاً إلى الأعلى حيث غرفتها التي اقتحمها دون سابق إن إنذار. وكما توقع تمامًا أنها غافية على سور الشرفة. حرك رأسه باستنكار واقترب منها دون تردد.

خبط برفق على كتفها مع ندائه المتكرر الخافت لكي لا يتسبب في فزعها: "ورد جومي اصحي." مع تكراره لنطق اسمها الذي تردد داخل عقلها، فانتفضت هي بذعر إثره ورددت بتلعثم: "هاا، أنت جيت." خفق قلب مصطفى بشدة حين رأى ذعرها ورجفة جسدها المتسبب بهما. حاول تهدئة روعها بكلماته الرقيقة: "اهدي. أيوة جيت." ساعدها على الدخول إلى الغرفة وأجلسها على الفراش ثم أحضر لها كوبًا من الماء ترتشفه ليهدئ من روعها. لم يصبر وألقى بسؤاله معاتبًا:

"كيف تغفين على السور أكده؟ ممكن لا قدر الله تقعي." أجابته بنعاس مسيطر عليها: "اتأخرت الليلة فكنت بستنظر رجوعك." شعر بتأنيب الضمير تجاهها، فلماذا لم يخبرها بتأخره اليوم؟ هو لم يكن لديه علم بانتظارها لعودته، فلا إثم عليه. تنهد بعد برهة من الصمت وأردف: "بتأخر النهارده عشان بَقبض الفلاحين." أومأت له برأسها فهي على علم بذلك. وضعت الكوب بجوارها أعلى الكومود ونهضت من على الفراش ووقفت مقابله، فأسبق هو بالحديث

يريد إنهاء الحوار معها: "ابقي نامي أنتِ وملكيش صالح برجوعي لأن مواعيدي مش ثابتة." اقتربت بخطواتها أكثر منها فشعرت بأنفاسه الحارة التي يحاول حشرها بداخله كلما اقتربت منه. ثبتت قدمها على الأرض وأردفت برقة مبالغة تعكس مشاعرها التي تكمن بداخلها: "مبيفرفش ليا جفن قبل ما أطمن عليك! رباه! على تلك النبرة التي همست بها كلماتها التي فاجئته. لم يكف قلبه عن التسارع والتخبط بين نبضاته التي حتمًا ستفضح أمره أمامها.

يريد الفرار من أمامها، لكن زرقاوتيها تجذبه إليه كأن بهما سحرًا لا يعرف كيفية إبطال أثره. فالوضع يزداد سوءًا، فسوداوتيها لا تكتفي بالنظر إلى عينيها. لقد أخفض بصره على برقوتيها بعد أن تفحص معالم وجهها باهتمام. شفتاها تحثه على التودد معها أكثر كأنهما يناديان غريزته التي بحاجة إلى الارتواء. لم يقاوم جوارحه التي لبت ندائها برحب وتلمس وجهها بأنامله. انخفض قليلاً وملس على ترقوتيها بنعومة.

ابتَلَعَ ريقَه في محاولة بحثه عن ثباته الداخلي، لكن أي ثبات سيتحلى به أمام جمالها الخلاق. خارت قواه تمامًا وضعفت نفسه فتودد لها أكثر، شاعرًا بحرارة أنفاسها التي تضرب وجهه دون رأفة. بنبرة خافتة قشعر لها بدنها همس:

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...