الفصل 21 | من 30 فصل

رواية عرف صعيدي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم تسنيم المرشدي

المشاهدات
33
كلمة
5,964
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

كادت أن تقتلع عينيها من مكانهما فور نطقه بتلك السخافة، حتماً يمازحها. رمشت بعينيها عدة مرات تحاول هضم طلبه، وعندما لم يستوعبه عقلها هتفت بعدم تصديق مصحوب بالدهشة: -اتخبلت في مخك إياك، جواز إيه اللي هنتجوزه من ورا أهلنا يا ضيف؟ شايفني رخيصة للدرجة دي قدامك عشان أوافق على طلبك ده؟

أوصد ضيف عينيه ومال برأسه يميناً ويساراً مطقطقاً عنقه، يحاول التحلي بالصبر قد المستطاع فأعصابه تالفة ولا يتحمل أي مناهدة في الأمر. عاد لينظر إليها محاولاً توضيح حسن نواياه: -أني رايدك مرتي، وديه مش هيحصل غير بالطريقة دي، نحطهم كلهم قدام الأمر الواقع. حركت رأسها مستنكرة تلك الترهات، رفعت بصرها عليه بندم شديد لمجيئها إليه وعزمت على المغادرة، لكنها ألقت آخر كلماتها معاتبة:

-أني اللي غلطانة إني جيت لك من أساسه، فكرتني سهلة وهوافق على كل طلباتك الرخيصة. أدارت له ظهرها، لكنه لحق بها قبل أن تخطو خطوة أخرى. أجبرها على الالتفاف إليه ثم سحب يده حين شعر بفداحة تصرفه من خلف نظراتها على يديه. سحب نفساً وهو يحاول إقناعها بشتى الطرق: -أني مهجرش أعمل غير أكده يا صفاء، أختي ممكن تتأذي لو اتجوزتك في العلن.

تجهمت تعابير صفاء وهي تهز رأسها بتهكم، فالأمر بدا أخرق بالنسبة لها. سألته مباشرةً حين فشلت في إيجاد سبب لتدخل شقيقته في علاقتهما: -واختك إيه اللي دخلها في اللي بينا، مفهومتهاش؟ الكلمات باتت أكثر صعوبة الآن. كيف سيخبرها بمرافقته لصباح؟ سحب نفساً وبنبرة أكثر هدوءً لكي لا يجرح مشاعرها قال: -صباح أخت طاهر جوز مروة أختي...

لم يعد يستطيع مواصلة ما بدأه للتو، فالأمر كان أصعب مما تصور. انتظرت صفاء بقية حديثه لكنه لم يفعل، فاضطرت هي إلى سؤاله بحيرة من أمره: -مالها صباح؟ لم يستطع متابعة حديثه وعيناه مواجهة عينيها. استدار بجسده والتقط قطعة خشبية ذو سن حاد كانت تتوسط أوراق الشجر الذي يملأ المكان من حولهم. وقف أمام الشجرة موليها ظهره وبدأ ينحت في جزع الشجرة وهو يكمل بقية حديثه الناقص: -كنت مرافقها... شعر بغصة في حلقه لكنه

أجبر لسانه على المواصلة: -كان تسلية بس جت على دماغي في الآخر. مسكاني من يدي اللي بتوجعني، عملت تمثيلية قذرة كيفها لحد ما جوزت أخوها لمروة عشان تكسرني بيها. تلوعي دراعي عشان اتجوزها كيف ما رسمت في خيالها، وجت ما كنت بتنيل معاها. أزفر أنفاسه براحة حتى انتهى من روايته لقصته المثيرة للاشمئزاز، فتفاجئ بسؤال صفاء الذي ألجم لسانه وشل عقله: -كنت مرافقها وأنت تعرفني؟

خفق قلبه رعباً، فلم يتوقع سؤالها ذاك. التفت إليها ورأى الخذلان يتجلى في عينيها منتظرة إجابته التي تحدد مصير علاقتهما. صمت حل بينهم لثوانٍ، فاستشفت صفاء من عدم جرأته على إجابتها أن حدسها قد أصاب. شعرت بوخزة قوية في صدرها ولم تتمالك عبراتها التي سقطت رغماً عنها مرددة بتهكم: -كنت مرافقنا اتنيناتنا! التوى ثغرها للجانب مشكلة ابتسامة على محياها تحولت إلى ضحكات ساخرة وتابعت مضيفة:

-ليك حق تطلب مني طلب كيف طلبك، ما أني الرخيصة اللي قبلت ترافقك وأنت أصلاً ترافق غيري؟ يا ترى على كده أني الأولى ولا هي مين اللي جاية على الثانية؟ علم بأن الأمر لن يمرق على خير، فهناك الكثير من التبريرات والمعاتبة المصحوبة بالألم سيواجهها بعد. حاول تبرير وضعه أمامها فخرجت نبرته متلعثمة:

-متشبيهيش علاقتي بيكي كيف علاقتي بيها، دي كانت تسلية مش أكتر ملهاش مسمى غير أكده. حتى هي اللي كانت بتركض ورايا. عيبي الوحيد إني مصدتهاش. الجلالة خدتني مخابرش كنت بفكر في إيه وجتها بس اللي رايدك تعرفيه إني عمري ما حبيت غيرك. كلمة بحبك مخرجتش غير ليكي. قلبي مدقش إلا ما شاف عيونك. صدقيني يا صفاء إني... قاطعته صفاء لاعنة سذاجتها التي استطاع من خلفها خداعها بسهولة: -أنت إيه يا ضيف؟ أنت إيه؟

أنت لعبت بيا كيف ما لعبت بيها تمام. والمصيبة أنك لعبت بينا في وقت واحد. أنت استغفلتني يا ضيف، أكدت لي إني رخيصة ولا رخص التراب!

أنت أندل واحد شفته في حياتي. ياريتك تشوف أني شايفة إزاك كيف دلوقتي هتتمنى الأرض تنشق وتبلعك. منك لله يا ضيف على كسرة قلبي اللي حاسة بيها دي، وعلى كسرة نفسي وخاطري اللي هعيش بيهم طول عمري. بس أني اللي غبية، أني اللي مسمعتش عقلي من الأول لما جالي يابت مفيش علاقات محرمة بتكمل، وأني عاندت نفسي وصدقتك من خبالي.

انفجرت باكية حين تشتت عقلها وازدادت أفكارها اضطراباً وسوءاً وتخبطت بينهم. كالضائعة في صحراء جرداء لا تعلم يمينها من يسارها، أي طريق تسلك؟ أي وجهة ستكون سبيلها إلى بر الأمان؟ لا تدري، فقط تشعر بالضياع دون غيره. أمسك ضيف بذراعيها يحثها على التوقف وأردف بنبرة مختنقة متوسلاً إياها: -والله غلطة مكنتش محسوبة. صرخت فيه صفاء هدراً: -بعد يدك عني. أزاح يده من عليها متابعاً بكلماته التي يتمنى أن يؤثر بها عليها:

-أني ملعبتش بيكي يا صفاء، كان قدامك وأني بتجدم لعمك. يعني لو مش راجل صوح كيف ماشيفاني دلوقتي هتهرب منك وآخر حاجة هفكر فيها الجواز. بس أني من يوم ما عرفتك وأني مش بسعى لحاجة غير أكده. تعرفي إني اشتريت بيت من سبوع كده وكنت ناوي أفاجئك بيه يوم ما اتجدم لك. بس كل حاجة جت عكس اللي رتبت له. أني غلطت وبدفع تمن غلطتي ومستعد لأي حاجة إلا إني أخسرك وتبعدي عني. أني مكنتش ناوي أحكيلك عن صباح لأني مش شايفها من أساسه. بس هي شارطة عليا إني أطلب يدها وإما تأذي أختي. وأذيتها فعلاً عشان توريني إنها مش بتاعت كلام. لاه دي طلعت شيطان. عشان كده فكرت في الجواز منك بالطريقة دي.

مال عليها وتابع بنبرة ولهانة: -سامحيني على الغلطة اللي محسبتش عواقبها يا صفاء، بس إوعاكي تهمليني. وضعت صفاء كلتا يديها أمام وجهها متمنية الاستيقاظ من ذلك الكابوس اللعين مردفة بتمنى: -أكيد أني بحلم، أكيد دي مش حقيقة. انتبه ضيف على رنين هاتفه وتفاجأ بتلك العقربة هي من تهاتفه. كاد أن يغلق عليها لكنه تريث حين راودته فكرة ما ربما تحسن من موقفه أمام صفاء. وضع سبابته أمام فمه يحثها على التوقف: -ششش اسمعي.

أجاب على المكالمة ودعس على زر مكبر الصوت، فأتاه صوتها الذي يبغض سماعه: -نسيت أقولك يا ضيف وأنت جاي تتجدم لي متنساش تجيب شوكولاتة معاك عشان بحبها جوي. أغمض عينيه يكظم غضبه الذي يود الانفجار بها. سحب نفساً وبجمود قاسٍ أردف: -أنتِ مصدقة إني جاي؟ ربنا يعينك على مخك الضلم اللي مبيفهمش ده. هنا صاحت به صباح منفعلة:

-أنت اللي مبفهمش في الكلام، أختك تحت يدي يعني روحك معايا يا ضيف. متختبرش صبري، أني صبري له نهاية ونهايته مع نهاية ساعات النهار. وسبق وجلتلك الليلة تكون في دارنا مع بوك تطلب يدي. اتجاي شري يا ضيف عشان شري وحش جوي. أنهت صباح المكالمة، فحاول ضيف أن يستشف أي شعور يطمئنه من وراء نظرات صفاء الجامدة، لكنه فشل في فهم تعابيرها. أعاد وضع هاتفه في جيبه وهتف بقلة حيلة: -سمعتي بودانك. عرفتي ليه طلبت منك نتجوز من غير ما حد يعرف؟

مسحت صفاء عبراتها تحت نظرات ضيف المتوجسة خيفة من هدوئها المريب، فلم تكن كذلك قبل قليل. أهو نجح بتصرفه في توطيد علاقتهما ثانيةً أم ذلك هدوء الذي يسبق العاصفة؟ خرجت صفاء عن صمتها وأردفت بقسوة شديدة في لهجتها: -الحل في كل ده هو فراقنا. من الأول علاقتنا كانت غلط كبير وآن الأوان نصلحه. من دلوقتي طریقنا مختلفة يا ضيف. ربنا يسعدك في حياتك الجاية.

أنهت جملتها وأدارت له ظهرها، لكنه أسرع بالوقوف أمامها يأبى قلبه فراقهم. كيف حكمت على علاقتهما بالفراق بتلك السهولة وكأن الذي بينهم بات بهاءً منثوراً؟ تشكل التهكم على تقاسيمه وحدثها بإزدراء: -فراق إيه اللي بتجوليه عليه؟ بالسهولة دي هتتخلي عني؟ أخفضت صفاء رأسها، فلم تتحل بالشجاعة في مواجهة عينيه وهي تودعه بكلماتها الأكثر نضجاً: -كل الطريق ليها نهاية ودي نهاية طريقنا يا ضيف.

مرت بجواره دون إضافة المزيد وتركته واقفاً مذهولاً من حكمها الذي اتخذته بمفردها في علاقتهما. التفت ليتابع طيفها الذي يختفي من أمامه تدريجياً إلى أن بات خيالها سراباً. هل هذه نهاية المطاف؟ لكنه انتهى باكراً للغاية قبل حتى أن يحظى بلذة بدايته. يصغي ضيف لصدى أنفاسه المتهدجة ناهيك عن نبضاته التي شعر لوهلة باختراقهم لجسده من فرط قوتها.

حرك قدميه بصعوبة وعاد إلى منزله يجر أذيال خيبته خلفه. وقف قبالة والده الجالس على الأريكة يرتشف فنجان قهوته وأخرج ما يحتم عليه الواقع قوله: -رايد أخطب صباح يا أبوي. *** أنهت مروة طعام الغداء الذي أصرت على تناوله في تجمع عائلي. تبعها طاهر ليقوم بمساعدتها إن كانت بحاجة إلى ذلك، فهو على دراية بألم ساقيها اليسرى التي لا تتحمل الضغط عليها.

غسل يديه بعدما انتهت هي من غسيل يديها، ثم انضمت إليهم صباح بوجه بشوش يعكس ما تبطنه داخلها. لمحت مروة تلك الأرجوحة التي رأتها في الأمس من الشرفة وشعرت بإنجذاب قوي يدفعها إلى التوجه إليها. دلفت للخارج ومن ثم سارت نحوها ولم تتردد في الجلوس أعلاها. أعادت لها الكثير من ذكريات الطفولة الجميلة. مشاعر بريئة قد اجتاحتها حينها. كم تمنت أن يدفعها أحدهم بقوة لتشعر بتحررها وعدم تقيدها كما في السابق.

لمحتها صباح من نافذة المطبخ وشعرت بالحقد يعصف بخلاياها حين رأتها تهرول إليها وعزمت بأن تخرب رونقها المزاجي. حمحمت ثم التفتت إلى حيث يقف طاهر الذي يطهو قهوته على نار هادئة وأردفت بخبث: -مراتك بتتمرجح على مرجيحة حبيبة القلب! طالعها طاهر بملامح جامدة لم تستطع فهم ما يدور في عقله، لكنها اكتفت بإخباره حتماً سينزعج من فعلتها ويرفض جلوسها عليها، وحينها سينفطر قلب مروة حزناً، وهذا تماماً ما سيعيد لصباح صفو رونقها.

كان قد انتهى طاهر من طهي القهوة وسكبها في فنجانه الخاص وتوجه مباشرةً إلى الخارج، بينما راقبت صباح تحركاته بفارغ صبر. وصل طاهر إلى مروة وسألها بنبرته المعهودة وهو يرتشف من القهوة قدراً: -عجبتك؟ أجابته متلهفة: -جوي. بهدوء أردف: -أني اللي عاملها. تحبي أمرجحك؟ لمعت عينا مروة بوميض مختلف وردت عليه بحماس شديد: -ياريت.

ارتشف طاهر آخر ما تبقي من قهوته واقترب منها بخطى متأنية. وقف خلفها وحاوط الحبال المربوطة في فروع الشجرة بيديه وقام بدفعها بحذر. فلم يشعر بخوفها فزاد من قوة دفعة فأطلقت مروة ضحكة عالية شاعرة بالسعادة تتغلغل إلى أعماق قلبها وهي تحلق كالطائر في السماء. دقت طبول السعادة قلب طاهر حين شعر بأنه نجح في إدخال السرور على قلبها، فضميره لا يكف عن التأنيب حيالها ويشعر بظلمه لها وأنه جعلها ضحية زواج ناتج عن هروبه من ورد وحبها.

على جانب آخر، تشاهدهم كمن يقف على نيران متقدة تتآكلها الغيرة وهي تصغي لضحكات مروة، فهذا ما لم تتوقعه حدوثه قط. لقد أرادت تعكير صفوهم ولكن في النهاية هي من تعكر صفوها. لكن لن تمرق الأمر قبل وضع بصمة داهية تعكر سعادتهم. هرولت بخطاها إلى الخارج بوجه محتقن تغلي في عروقه الدماء. شكلت بسمة زائفة على محياها وهي تقترب منهم. انتظرت قليلاً لكي تجيد أداء الدور على أكمل وجه ثم هتفت بتلقائية مزيفة:

-زين أنك صلحتها لورد يا طاهر، أديها مروة استنفعت بيها. طلعت بتحبها كيف ورد تمام. تجهمت تعابير طاهر حين وقع على مسامعه سخافة حديث صباح ورمقها بنظرات مشتعلة، فالمسألة لا تحتمل سيرة ورد مطلقاً، فهي مشحونة من حروف اسمها بمفردها وجاءت هي بكل سهولة أضافت وقوداً على النار فازداد لهيبها. صدمت مروة من حديث صباح. ازدردت ريقها بصعوبة وسألتها بتوجس من سماع إجابتها: -دي مرجيحة ورد؟

لبست صباح ثوب التلقائية العابثة مجيبة إياها بتصنع مع إيماءة خفيفة من رأسها للتأكيد: -إيوة طاهر اللي عملها زمان وأحنا بنتة صغيرين وكانت اتجطعت وهو بردك اللي صلحها السبوع اللي فات لما كانت ورد إهنه. بهدوء تام نهضت مروة من عليها محاولة إيجاد مبرر للهرب من أمامهم. شعرت حينها بألم طفيف في بطنها فانتهزت الفرصة وقالت وهي ممسكة ببطنها: -عن إذنكم بطني موتتني من الوجع، محتاجة أرتاح.

انصرفت من أمامهم في أقل من الثانيتين فأسرع طاهر بنهر صباح مغتاظاً من حماقتها التي افتعلتها: -حمار بيتحدت! كيف تجوليلها أنها بتاعت ورد وأني اللي عاملها ليها؟ حركت رأسها حين لم تأت بتفسير واضح لتذمره مرددة ببرود: -وديه فيها إيه عاد؟ ورد بنت عمك وأكيد ليك ذكريات ياما معاها، فين المشكلة؟ أنت بس اللي حساس شويتين لأنك ممعتبرهاش بنت عمك وبس، لكن مروة مخابراش.

أنهت جملتها وعادت إلى المنزل، بينما وقف طاهر يجمع شتات وجدانه متمتماً داخله: -ديه لو مغلطتش جدامها قبل أكده باسمها، واكيد شاكة في حاجة لاه ده أكيد متوكدة!

أوصد جفنيه بعصبية بالغة ثم عاد إلى المنزل يحاول استشفاف أي شعور تعيشه من خلف تقاسيمها. أدار مقبض باب غرفته وولج للداخل بعدما طرق عليه معلناً عن مجيئه. نظراته لم تُرفع من عليها، لاحظ تعقيدات وجهها التي ترسمها من آن لآخر وكأن هناك ما يؤلمها فعلياً وليست مبرراً للهرب كما اعتقد. جلس أمامها ولم يتردد في سؤالها مهتماً لأمرها: -كأنك بتتوجعي من حاجة صوح؟ أومأت له بتأكيد ثم تشنجنت تعابيرها مرة أخرى وهي تردف بتعب:

-بطني بتتجطع. انخلع قلب طاهر حين رأى آلامها الظاهرة. نهض من جلسته مردداً بتوجس بالغ: -جومي نروحوا المستوصف نطمنوا عليكي. تذكرت مروة ميعاداً ما. سحبت هاتفها من جانبها وطالعت تاريخ اليوم الذي أوضح لها حقيقة تقلصات بطنها. أعادت وضع الهاتف مكانه ورفعت بصرها على طاهر بحياء قد اجتاحها، فكيف ستخبره بهذا؟

عضت على شفتيها السفلى بارتباك حرج واضطرت إلى إخباره بميعادها من كل شهر حين رأت إصراره على الذهاب إلى المشفى. أخفضت رأسها بخجل شديد فالأمر بات مخجلاً للغاية كما تلونت وجنتيها بالحمرة نتيجة لنظراته التي لم ترفع بعد من عليها. انتبهت مروة على سؤاله الحنون: -وديه بتاخدي لها حاجة تخفف من وجعك ولا بتعملي معاها إيه؟ ردت عليه وهي منكسة الرأس، فحيائها قد منعها من النظر إليه:

-بشرب قرفة. ولو الوجع مخفش بملي ميه دافية في إزازة وأحطها على بطني بتهدي التشنجات دي هبابة. أخذ طاهر شهيقاً وأزفره بتملل ثم دلف للخارج دون أن تعلم هي وجهته. هبط إلى المطبخ وبدأ في تحضير مشروب قرفة لها وعلى نار أخرى وضع إناء به بعض المياه ووقف ينتظر الانتهاء من كليهما. انضمت إليه ثريا وسألته بفضول أنثوي لعلها تساعده في شيء ما إن كان بحاجة إليها: -بتعمل إيه يا ولدي أساعدك في حاجة؟ أومأ لها طاهر بالرفض موضحاً:

-لاه يا أمي تسلمي، بعمل قرفة وميه دافية لمروة بطنها بتوجعها هبابة. استشفت ثريا ما وراء الأمر حين أخبرها بتحضيره للقرفة. التوى ثغرها ببسمة عريضة وربتت على ظهره بحب واضح: -ربنا يجعلك حنين يا ولدي طول العمر. تنهدت بصوت مسموع وتابعت ما لم تكمله: -أوعاك يا ولدي تقسى على مراتك واصل ولا تمد يدك عليها وافتكر إن معاملتك مع مراتك هتترد لك في اختك. عزز منها لأنها بنت ناس وبنت الناس يتعاملوا زين مش ناخدهم نبهدلهم معانا.

بادلها طاهر بابتسامة عذبة وهتف بنبرته الرخيمة وهو يسكب مشروب القرفة في كوب عميق: -أكيد يا أمي متجلجيش. قام طاهر بملء المياه في زجاجة صغيرة وقبل أن يغادر أوقفته والدته نادمة على ما فعلته به طيلة الأعوام الماضية: -ياريتني ما وقفت في طريق سعادتك يا ولدي وجفلت كل الطرق قدامك إنك تاخد ورد بنت عمك. أني خابرة زين كيف بتحبك... قاطعه طاهر مستاءً من ذكر اسمها المتكرر في أوقات ليست في محلها:

-ورد ماضي وراح لحاله يا أمي وإذا سمحتي بلاش سيرتها تيجي تاني هنا عشان مروة متزعلش. مروة طيبة وربنا رضاني بيها. معايز يوحصل مشكلة من ورا سيرة ورد دي. أومأت له بقبول لطلبه ودعت له بقلب سليم: -ربنا يسعدك يا ولدي ويرزقك الذرية الصالحة. آمن طاهر على دعائها ثم استأذنها وعاد إلى غرفته. تفاجأت مروة بحمله لزجاجة المياه وبيده الأخرى كوباً. لم يكن هناك داعي للتخمين، فرائحة القرفة النفاذة قد تسللت إلى داخل أنفها.

جلس بجوارها وناولها الزجاجة ثم وضع كوب القرفة أعلى الكومود مردداً: -حطي المية على بطنك على لما القرفة تبرد هبابة. دقت أسارير السعادة قلبها من فرط حنيته. تقوس ثغرها بابتسامة ممتنة وأردفت شاكرة إياه: -متشكرة جوي يا طاهر. عقد ما بين حاجبيه بغرابة وهتف متسائلاً بفضول ذكوري: -بتتشكريني على إيه؟ عللت مروة سبب امتنانها: -أنك اهتميت وجبت لي اللي يهون وجعي. حاول أن يزيل التكلف من بينهم بقوله:

-مفيش حاجة، أي راجل هيعمل أكده مع مراته. أماءت له نافية ما قاله موضحة حقيقة اعتقادها: -لاه مش كل راجل حنين كيف حنيتك دي على مراته. حنيتك حلوة جوي أني حبيتها. تفاجئ طاهر بتصريحها الذي لا يعلم أهذا بمثابة تصريح لشخصه أم فقط لصفته. لن ينكر أن في كلتا الحالتين ليس مزعوجاً، لكن هناك شيئاً ما بداخله يريد تصريحاً واضحاً منها على حبها له. هو في أشد الحاجة إلى ذلك.

ابتلع ريقه وهو يتخبط بين أفكاره التي تحثه على سؤالها وبين رفضه. فضوله قد تغلب عليه وسألها بإرتباك خجل: -بتحبي حنيتي بس؟ سؤاله سبب لها الهياج في نبضاتها. هربت من نظره الذي ينتظر إجابتها وأخفضت بصرها في حياء. فركت أصابعها بتوتر بائن وهي تجمع شتات نفسها الذي تفرق. رفع طاهر وجهها بأنامله ليقابل عينيها مصراً على سماع إجابة واضحة منها. عضت على شفتيها وبصعوبة بالغة قابلتها في إخراج الكلمات أخيراً أردفت بنبرة خافتة:

-وبحبك أنت كماني. ظهرت شبح ابتسامة على ثغر طاهر وشعر أنه يود أن يكافئ تلك الشفاه التي صرحت بحبها له. لم يتردد في التودد إليها حيث انحنى على شفتيها وانهال عليهم بقبلة رقيقة فوجئت بها مروة. كانت تلك قبلتهم الأولى، لم تحظ بها يوم زفافهم. كان أكثر نعومة ورقة سببت لها قشعريرة قوية في سائر بدنها. حاولت مسايرته رغم افتقارها إلى إتقان دورها. طالت قبلته وكأنه يروي ظمأه. أخيراً ابتعد عنها حين شعر بالاكتفاء

القليل وسألها باهتمام: -بطنك عاملة إيه دلوقتي؟ أجابته بعكس ما تشعر به مختصرة، فلا تريد إحزان قلبه الحنون: -أحسن. لم تكن كذلك، فلقد ازداد تشنج بطنها عن ذي قبل بسبب تصرفه المفاجئ. صغى كليهما إلى ندائات حمدان المتكررة على طاهر الذي توجه للخارج ملبياً ندائه، بينما مروة خفق قلبها كأنها تعيش اللحظة ذاتها من جديد. أخرجتها تقلصات رحمها من ذكراها الجميلة فالتقطت كوب القرفة وارتشفت منه القليل على أمل أن يهدئ من آلامها. ***

عاد إلى السرايا بعد يوم شاق قضاه في عمله. أمرت السيدة نادرة بتحضير الغداء فور مجيئه. صعد هو إلى الأعلى يبدل ثيابه. استقبلته ورد بوجه عابس يعكس ما ورائه من مصيبة قد حدثت. قطب جبينه بغرابة ولم يتردد في سؤالها قائلاً: -مالك يا ورد حصل حاجة؟ انفجرت به ورد بانفعال: -صاحبك ده عديم الرجولة والنخوة، بيتوعد مع بنت الخلج ويلعب بيهم في وقت واحد. أخدهم دوريات حضرته! امتعض مصطفى لنبرتها التي تحادثه بها وبنفس انفعالها حدثها:

-وطّي حسك وأنتِ بتتكلمي معايا وتخصدي مين بالكلام ده؟ أصدرت ورد قهقه ساخرة مجيبة إياه بمضض: -كأنك مخابرش مين؟ إحنا بس نقولوا عديم النخوة تتفهم على طول إنه ضيف. استشف مصطفى الأمر لكنه مزعوج من نبرتها المرتفعة التي تهاجمه بها ناهيك عن سبابها لصديقه. لم يرضى تصرفاتها الغبية التي بدت عليها ونهرها بعصبية شديدة: -جلت لك وطّي حسك، وحاسبي على كلامك عنيه. ثم تعالي هنا أنتِ مالك بيه عاد؟

اتسعت مقلتاها تلقائياً مبدية ذهولها من سؤاله الساذج وأوضحت له سبب تدخلها في الأمر: -أني مالي؟ صفاء اللي لعب بيها دي تبقى صحبتي وزعلها يهمني. والتانية اللي اتسلى بيها بردك تبقى بنت عمي يبقى أدخل ولا لاه؟ بعصبية فاقت الحدود دوى صوته في الغرفة: -لاه متدخليش. بنت عمك دي أقذر من إنك تخلط نفسك بيها. بتجولي بنت عمي بعجرفة جوي وهي شمال ماشية بطال هتركض ورا الرجالة!

صعقت ورد لما يخبرها به. أبت تصديقه، فمهما كان بينهن لن تصدق عنها افتراءه الجريء ونهرته معنفة: -متجولش على بنت عمي أكده واصل. صاحبك هو اللي خسيس و... قطع مصطفى كلماتها بوضعه راحة يده على فمها محذرها: -صدقيني يا ورد لو خشمك ده كمل كلامه لهزعلك بالجامد. سحب يده وهو يطالعها بنظرات مشتعلة وأضاف متابعاً بنبرة أهدأ لكنها حازمة:

-وبعد أكده ووقت ما أدخل من الباب ده ملجاش بوزك الأبرم ده لأي سبب. وتاني مرة حسك ميعلاش عليا، اللهم بلغت اللهم فاشهد. أدار لها ظهره وأخذ جلباب آخر يبدل فيه عن التي باتت متسخة عليه. دخل للمرحاض وتنعم استحمام بارد لعله يهدئ من أعصابه المشدودة.

خرج في حالة مهندمة غير التي كان عليها. وضع من قنينة عطره الخاص الذي انتشر في الأرجاء سريعاً. تعمد عدم النظر إليها فهو غاضب وبشدة منها. لقد قام بتدليلها بكثرة ولم يحسب أنه يخطئ في حق نفسه بفعله ذلك. طُرق الباب من قبل أحدهم فتوجه مصطفى نحوه بقامة منتصبة ووجه متجهم. فتح الباب فإذا بها صفية أخبرته بانتهاءها من تحضير الغداء. انصرفت فور علمها بنزوله خلفها. وقف مصطفى مولي ورد ظهره وحدثها دون أن يتلفّت: -جومي عشان نتغدى.

عارضته ورد فأي طعام سيُهضم بعد مشادتهم أمام بعضهم، والأحر أنه يحادثها وكأنه لا يوجد ثمة سوء تفاهم بينهم: -مليش نفس للوكل. كز هو على أسنانه ثم ألقى بحديثه في الوسط بنبرة صارمة: -أني نازل ألاقيكي ورايا طوالي ومتخلنيش أعيد حديتي مرتين. انسحب للخارج وأغلق الباب خلفه. هبط الأدراج بملل كبير، فلم يهبطه بمفرده منذ أن توطدت العلاقة بينه وبين ورد. أزفر أنفاسه بضجر بائن حين تذكر أسلوبها الفظ معه.

كان أول الجالسين على المائدة. انضمت إليه والدته متسائلة عن ورد باهتمام فلم يسبق له الجلوس بمفرده دونها: -فينها ورد منزلتش معاك ليه؟ أجابها وعيناه مثبتة على الطابق العلوي لعله يلمح طيفها: -نازلة ورايا أهي يا أمي. حضر خليل هو الآخر وسأله عنها فأجابه بالحديث نفسه مثلما أجاب به على سؤال والدته. كان يهز قدميه بعصبية ناهيك عن الصوت الذي يصدره بأصابعه التي تنسدل على الطاولة واحدة تلو الأخرى.

لاحظ كليهما توتر حالة مصطفى وإلتزما الصمت حتى لا يسببوا له الضيق. إذا لاحظ انتباههم لحالته المتوترة. هذا يكفي إلى ذاك الحد. انتفض مصطفى من مقعده وكاد أن يهم بالصعود إليها لكنه تريث حين رأها تهبط أدراج السلم. عاد لمقعده من جديد بينما ألقت عليهم ورد التحية فأجابها خليل ونادرة في نفسٍ واحد. شاركتهن الطاولة التي لم يتناولن عليها سوى الطعام فقط دون حديث. ***

جهزت السيدة سنية حقيبتها وجميع مستلزمات سفرها، وتممت على المنزل جيداً قبل أن تغادر. ركبت عربة "التوكتوك" التي أوصلتها إلى سرايا العمدة. ترجلت منها وحملت حقيبتها بيدها وتوجهت إلى الداخل. قرعت رنين الجرس وانتظرت أمامه لحين استقبالها أحدهم. فتحت لها هويدا مرحبة بها بحفاوة: -أهلا يا أم ورد اتفضلي.

بادلتها سنية ابتسامة رقيقة ثم خطت بقدمها إلى الداخل. كانوا قد انتهوا لتوهم من تناولهم للطعام. قطبت ورد جبينها حين رأت والدتها ومعها حقيبة سفرها. هرولت إليها في قلق وسألتها مستفسرة: -أهلا يا أمي إيه الشنط دي؟ أنتِ مسافرة ولا إيه؟ أقبلت عليهم السيدة نادرة برفقة مصطفى وقالت: -همليها تاخد نفسها الأول يا ورد. رحب بها خليل هاتفاً: -كيف أحوالك يا أم ورد إن شاء الله تكوني بخير. أجابته ممتنة: -بخير الحمد لله يا عمدة.

رحب بها السيدة نادرة وكذلك مصطفى ثم وجهت سنية بصرها على ورد التي لا تطيق الانتظار لمعرفة سبب حملها لتلك الحقيبة: -رايدة أتحدت وياكي يا ورد. أماءت لها بقبول واصطحبتها إلى الأعلى حيث غرفتها. جلسن على الأريكة وبدأت سنية في حديثها متلعثمة لا تدري من أين تبدأ تحديداً: -أني راجعة لدار خالك النهاردة. عقدت حاجبيها بغرابة فهي على علم بمكوثها لآخر أيام الأسبوع فما الذي جد؟ أسرعت في سؤالها بحيرة:

-مش جلتي هتجعدي هنا لآخر الأسبوع! شهيقاً وزفيراً فعلت سنية لا تود إخبارها بما حدث لكنها مضطرة فلن ينطلي على ورد أي مبررات ستعلل بهم سبب ذهابها. فغرت فاها وبخذي واضح أردفت: -حمدان الكلب اتهجم عليا لولا مرته اللي أنقذتني من تحت يده. لم تريد ورد تصديق تفكيرها العقيم وحاولت التأكد أولاً: -اتهجم عليكي كيف يعني، مد يده عليكي؟ أخفضت السيدة سنية رأسها وبخجل مصحوب بالتقزز عقبت: -لاه، اتهجم عليا يا ورد افهمي..

أصدرت ورد شهقة قوية كتمتها بوضعها ليدها على فمها. جحظت عينيها بصدمة جلية انعكست على تعابيرها. بعد ثوانٍ عادت إلى صوابها وسألتها بخوف: -أنتِ زينة طالع أذى منه؟ حركت سنية رأسها نافية أسئلة ورد التي انتفضت من مقعدها متوعدة لذاك الدنيء أشر الوعيد: -والله لأقطعه نصاير النجس ده وأعرفه إن الله حق. أسرعت سنية في إيقافها عما تنوي فعله:

-لاه يا ورد لاه. ده بالذات مليكش صالح بيه واصل. لا ترمي له السلام ولا حتى تعاديه. ده عقابه عند ربنا يابتي هو مطلع وجادر يخسف بيه الأرض. أبت ورد الرضوخ لاستسلام والدتها فلن تتراجع قبل أن تلقنه درساً يظل بقية حياته يتذكر قساوته: -أني لازم أخليه يركع تحت رجلك ويطلب السماح! منعتها سنية من التهور صارخة بخوف: -ده جتال جُتلة. بعدي عن طريقه.

لحظة سكون عمت اختلطت فيها مشاعرهم المذهولة والنادمة. لم تكن تنوي السيدة سنية في البوح عن قتل حمدان لهلال. عادت إلى مقعدها وأخفضت رأسها واضعة كلتا يديها أعلى رأسها خافية معالم وجهها تماماً عن ورد. وقفت ورد تردد تلقيب والدتها لحمدان بالقاتل، فمن قتله إذاً؟ دنت منها وبتوتر ألقت بسؤالها: -حمدان قتل مين يا أمي؟ رفعت السيدة سنية رأسها محاولة نفي ما قالته: -حمدان مجتلش حد يا ورد ديه من غيظي يابتي جلت أكده.

جست ورد على ركبتيها أمام والدتها ولم تكترث لما تحاول نفيه وهتفت بحدة: -جولي يا أمي مين اللي اتقتل. هربت سنية بنظرها بعيداً عنها ولم تدلِ بالحقيقة. لا تريد أن يصيب حدسها هذه المرة. تريدها أن تنفي ظنونها التي سيطرت على تفكيرها بالكامل. شهيقاً وزفيراً فعلت ورد وهي تكاد تسمع صدى نبضاتها الذي يعلو كلما ترسخت الحقيقة في عقلها. "مفيش حد اتقتل غيره، هلال! حمدان قتل هلال يا أمي؟

شعرت سنية بثقل يريدها من قبل ورد. لم تفعل سوى اللطم على رأسها حين تذكرت حادثة هلال بصورة واضحة لطالما طردت تلك الذكرى اللعينة من عقلها كلما حاول شيطان أفكارها التلاعب بها من خلالها. نهضت ورد من جلستها وألقت جسدها بإهمال على الأريكة بجوار والدتها في حالة صدمة مصحوبة بعدم التصديق لحدسها الذي أصاب هذه المرة وكأن عقلها شُل. هزت والدتها بعنف مرددة بقوة:

-جولي لاه يا أمي مش هو اللي عمل أكده. استحلفتك بالله تردي عليا تجولي الحقيقة. ظلت سنية تضرب رأسها من خلف المصيبة التي حلت عليها وهتفت نادبة: -منك لله يا حمدان، الدنيا خربت من تحت راسك ربنا ينتقم منك. توقف عقل ورد عن التفكير. أدركت حجم الكارثة التي تسببت فيها بغشوميتها. هي السبب في قتل هلال!

هي المتسببة في إحزان عائلة كاملة على فراق فلذة كبدهم. هي من حرمت أم من رؤية صغيرها يعيش ريعان شبابه. المتسببة في كل شيء حدث لتلك العائلة بحكمها الغبي الذي حكمت به على هلال يوم زفافهم!! حتماً ستُعاقب أشد العقاب ما إن علم مصطفى بتلك الكارثة التي أشعلت هي فتيلها. لكن لا يهم إن عُوقبت فهي تستحق ذلك، ولها مثل ما فعلت ولو بعد حين. خرجت عن صمتها وهي تردد: -يوحصل اللي يوحصل أني اللي جنيت على روحي.

طالعتها السيدة سنية بطرف عينيها فلم تستشف ما ترمي إليه ورد وسألتها بتوجس: -يعني إيه اللي بتجوليه ده؟ انتفضت ورد من مقعدها حاسمة أمرها على عدم الصمت، فضميرها لا يسمح لها بالتكتم على الأمر. يكفي ما تسببت فيه حتى وإن كلف الأمر طلاقها منها. فورد الآن في حالة لا يرثى لها من خلف فعلتها الدنيئة ولن تهدأ قبل أن تعاقب نفسها على ما اقترفته في حق الجميع. أسرعت سنية خلف ورد ناحية الباب ووقفت بينها وبينه مشكلة حاجز وهي

تحاول منعها بشتى الطرق: -أعجلي يا ورد وبلاها غشومية هتخربي على نفسك يا ضنايا. جهشت ورد باكية بمرارة حارقة. لا تستطيع استيعاب أنها تسببت في فعل كبيرة من الكبائر الذي نهانا الله عن فعلها. حاولت تجميع الكلمات على لسانها وردت عليه بنبرة غير مفهومة: -بعدي يا أمي مصطفى لازم يعرف.

تدرك السيدة سنية حجم الألم الذي تعيشه ابنتها من خلف ما أخبرتها به، فحتماً تُحمل ذلك الإثم لذاتها. لكنها لن تسمح لها بهدم عشها الذي تبدلت أحواله لتوه وصرخت فيها هدراً: -هتجوليله إيه؟ هتجوليله عمي جتل خوك!! دي فيها طلاقك وخراب ديارك يا ورد!

هدأت كلتاهن حين استمعن إلى ارتطام شيء ما دوى في الخارج. اتسعت حدقتيهن بصدمة سيطرت على خلاياهن. حركت ورد قدميها إلى الأمام، تنحت والدتها للجانب سامحة بها بالمرور. وقفت ورد تلتقط أنفاسها ثم أدارت مقبض الباب بتهمل وكانت المفاجئة....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...