الفصل 22 | من 30 فصل

رواية عرف صعيدي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم تسنيم المرشدي

المشاهدات
28
كلمة
5,775
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

وقفت على آخر درجات السلم تطالعه بزفرتيها الذي انطفأ وميضهم اللامع، خلا جوفها من المشاعر، باتت باردة جامدة لا تقدر على فعل شيء سوى مطالعته دون حديث. وبعد وقت مضى لا تعلم كم تحديداً، حركت قدميها إلى الأمام متوجهة نحوه، حاسمة أمرها. لاحظها مصطفى الذي لمح طيفها من على بعد، فتحرك هو نحوها حين أشارت إليه بالمجيء. "في حاجة؟ " هتف متسائلاً بينما أطالت هي النظر إليه. ماذا لو عرف بالحقيقة؟ ماذا سيفعل حينذاك؟ هل سيسامحها؟

أم سيثور عليها؟ لكن السؤال الأهم هنا، بعد ثورته، هل ستخمد نيرانه بعدها أم ستنال جزءاً من ثأره؟ بالتأكيد لن يمرق الأمر على خير، فقوة لهجته وحدة ملامحه المُصرة على أخذ الثأر خير إجابة لما سيطولها إن أخبرته. تعجب الآخر من صمتها وحملقتها به دون داعٍ. بصوته الأجش جذب انتباها إليه. "في إيه؟ ناديتي لي ليه؟ "بهدوء تام مصحوب بالبرود في نبرتها، قالت: أني رايدة أروح مع أمي عند خالي."

ضيق مصطفى عينيه عليه بدهشة. مرت دقيقة واحدة فقط عليها دون أن يجيبها بشيء، لكنها سببت لها الذعر من نظراته المبهمة. فغر فاهه مردداً بملامح جامدة ونبرة متجهمة. "وديه لإيه يعني؟ ابتلعت ريقها في محاولة منها على مواصلة الحوار معه دون توقف، رغم ذلك خرجت نبرتها مرتجفة بعض الشيء. "خطوبة أسما ب... قاطعها مصطفى بصرامة. "دي لسه عليها أيام! لم تستطع مواجهة عينيه لمدة أطول، أخفضت بصرها مُصرة على ذهابها.

"معلاش أني رايدة أكون وياها من بدري يمكن تحتاجني في حاجة." طلب ورد للذهاب أثناء مشادتهما سوياً كان بمثابة تخليها عنه، وهذا ما اعتقده مصطفى. أخذ نفساً عميق، فعليه أن يتأنى في تفكيره أولاً قبل أن يجيبها برداً على طلبها. طالعها لوقت ثم أردف بتريث. "المشكلة اللي بينا تتحل وإحنا مع بعض مش بمشيك يا ورد! قطبت ورد جبينها لتفكيره الذي وصل إلى هناك وأنكرت اعتقاده.

"أني مريداش أروح وياها عشان خناجتنا، أني حابة أكون جار بت خالي في فرحتها مش أكتر." لا يصدق مصطفى إصرارها على الذهاب فعلاً ولم يقتنع بما قالته، فهو يربط بين المشادة الكلامية التي اختلقت بينهم وبين ذهابها من السرايا. ضغط على أسنانه بعصبية، فإن أرادت تركه فليكن لها ذلك. تجهمت تقاسيمه كما احتلت نبرته وظهرت غليظة صارمة. "على راحتك يا بنت المنشاوي، طلاما ديه هيريحك."

تعجبت ورد من مناداته للقب عائلتها، فلم يسبق وأن نداها به من قبل. ما هذا الآن؟ أهو غاضب أم راضٍ على ذهابها؟ ربما لن يفرق في تلك اللحظة، الأهم أنها ستغادر، فهي غير قابلة للمواجهة بعد. كاد أن يوليها ظهره لكنه تراجع ليسألها. "وعلى أكده رايدة تمشوا ميتي الليلة ولا بكرة؟ أسرعت ورد بالإجابة على سؤاله متهلفة. "الليلة." التوى ثغره بتهكم، ناهياً الحوار بسخريته. "تبجي يدوب تلحجي تجهزي حاجتك."

أولاها ظهره فور انتهائه من جملته، فاستشفت هي ثمة أمر في لهجته. صوبت بصرها على طيفه الذي يبتعد عنها رويداً رويداً إلى أن اختفى خلف باب السرايا. تدرك بأنها سببت لقلبه الحزن بتخليها عنه، لطالما لم يرضَ هو بياتها في منزل آخر غير غرفته، وهي جائت بكل سهولة تخلت عن غرفته وعن حضنه خير أنيس لها وفضلت الذهاب عن مواجهته.

تجزم بأنها لن تنجح في الصمود أمام عينيه دون أن تدلي بالحقيقة، لن تستطيع النوم معه على وسادة واحدة وهي تخفي عنه شيئاً عظيم كالذي علمته من دقائق.

حتى العبرات لا تساعدها على شعور بالراحة، تأبى النزول وكأن العبرات قد جفت جميعها. استدارت نحو السلم وصعدت، فصادفت نزول صفية. طالعتها بأعين لامعتين، فربتت الأخرى على ذراعها دون أن تردف شيئاً وتابعت نزولها إلى الأسفل، بينما أكملت ورد صعودها للأعلى لكي تبدأ في تحضير مستلزماتها التي ستحتاجها فترة مكوثها عند خالها.

تعجبت والدتها من وضعها لأشياء مبالغة وآخرى زهيدة، لو كانت في مكانها لما لتفكر لحظة في أخذهم. تابعت سنية بإنتباه جمعها لأشيائها وأردفت متسائلة باهتمام بعد أن حمحمت. "واخدة كل الحاجات دي على فين يا ورد؟ دول كلتهما يومين وهتعاودي تاني." توقفت ورد عن جمع البقية ورفعت بصرها على والدتها هاتفة بجمودٍ قاسٍ. "شكلها مفيهاش عودة ياما." دنت منها السيدة سنية عاقدة حاجبيها بغرابة من جملتها المريبة مرددة بتوجس شديد.

"واه ليه بتجولي أكده يا ورد؟ واصلت ورد تجميع النواقص مجيبة إياها والرفض لما يدور داخلها مسيطر على مشاعرها. "مخابراش، بس كان فيه حاجة جواتي بتجولي أكده." رددت السيدة سنية مستاءة من لسانها الذي يقدر البلاء قبل وقوعه. "بكفياكي حديت ماسخ يا ورد، هتعاودي لدارك بس بعد ما تريحي أعصابك في اليومين دولهما ومتجدريش البلا جبل وجوعه تاني، اتفائلي بالخير يابتي تلاجيه في خطوتك."

التوى ثغر ورد للجانب بتهكم، بربها أي خير سيأتي من خلف ما تسببت به؟ لقد ساهمت في قتل نفس بكل أنانية دون أن تنظر لعواقب الأمور. أي خير تتحدث عنه إن علم مصطفى بأنها العامل الرئيسي في مقتل أخيه الذي عزم على أخذ ثأره ممن حاول قتله؟ حتماً سيأخذه منها قبل أن يرف له جفن. ظلت أفكارها تتأرجح ما بين الذهاب والإياب، مشاعر عدة تجتاحها لكن الشعور الأقوى من بينهم هو الخوف مما هي مقبلة عليه.

عاد طاهر إلى غرفته بعد أن علم بمراد والده. نظر إلى حيث تركد مروة مردفاً. "جومي جهزي حالك أهلك جاين يطلبوا يد صباح لضيف." قطبت مروة جبينها بغرابة من كلماته التي تصغي إليها لمرتها الأولى وهتفت بعدم استيعاب. "ضيف أخوي هيتجدم لصباح اختك! شعر طاهر بالحيرة من ترديدها لحديثه وكأن هناك ثمة في الأمر يجهله. تجمدت تعابيره وهو يسألها بتجهم. "فيها حاجة ديه؟ أسرعت هي بالنفي معللة سبب غرابتها للأمر.

"لاه بس يعني أمي كانت بتتحدت معايا على المحمول الصبح ومجابتش سيرة فمستوعبتش وأنت بتجول." تفهم طاهر موقفها وانتبه كليهما على رنين هاتف مروة التي تبسمت ما إن رأت اسم والدتها ينير الشاشة وأجابتها متلهفة. "كنا لسه في سيرتك ياما." ابتعدت عنه مروة لكي تكون على راحتها في الحديث مع والدتها. لاحظ طاهر تصرفها فدلف للخارج تاركاً لها بعض المساحة.

في الغرفة المجاورة، تقف صباح تتمايل بجسدها أمام المرآة، هي من انتصرت في النهاية، بفضل ذكائها الداهي أوقعت بشباك ضيف المغلوب على أمره. أولت صورتها المنعكسة ظهرها وتوجهت إلى خزانتها وهي تتغتج يميناً ويساراً بفرحة عارمة، أخذت تجذب جميع ثيابها وتلقي بهم أعلى الفراش. وقفت أمامهم واضعة يديها في منتصف خصرها تريد التأني في تنقية أفضلهم، فاليوم ليس يوماً عادياً، بل سيقرأ الحضور الفاتحة مباركين علاقتها بضيف.

لا تصدق إلى الآن، اليوم أسعد أيام حياتها، بل هو بكل حياتها. أخذت تزفر أنفاسها بسعادة ثم بدأت تستعد لتجيهز نفسها لإطلالة تليق بكونها عروس. انتهت ورد مما تفعله مع غروب الشمس، طالعت الغرفة بحزن واضح وكأنها لن تحظى بدخولها ثانيةً. أفكارها تزداد سوءاً كلما أدركت هول المصيبة الذي تسببت فيها. سحبت حقيبتها ومن ثم نادت على والدتها التي تقف في الشرفة تلتقط أنفاسها بدلاً من ضغط جدران الغرفة عليها. "أني خلصت ياما."

جائت السيدة سنية وعيناها يشع منهما الندم الشديد بسبب زلة لسانها التي أوقعت بإبنتها في تأنيب ضمير وإيلام لا ينتهي. لم يكن لديها ما تقوله لها، فمهما أردفت الأن سيكون هباءاً، ففضلت الصمت في تلك الأثناء حتى تستجمع ورد شتات وجدانها ثم يتحدثان معاً. ولجن إلى الخارج ومن ثم هبطن درجات السلم معاً، تفاجئ خليل بحقيبة ورد التي تجرها خلفها، والأحر أن مصطفى جالس بجواره ولم يتحرك خطوة نحوها.

عقد حاجبيه بغرابة وألقى بسؤاله في الوسط بصوته الأجش. "واه واخدة شنطتك وعلي فين يا ورد؟ ازدردت الأخرى ريقها وحاولت جاهدة أن تجمع كلمات تجيبه به، فعقلها متوقف ولا ينتج أي أفكار سوى رسم مواقف لمصطفى وهو ينال منها بعدم رأفة. تدخلت السيدة سنية حين لاحظت الحالة التي تسيطر على إبنتها وصعوبة حديثها. "بت أخوي ماهر خطوبتها الجمعة الجاية وهنروحوا ويا بعضنا وتبجي ورد تعاود وجت ما الخطوبة تخلص."

لم يقتنع خليل بتلك التراهات، فمازال هناك العديد من الأيام، كيف ستقضيها بعيداً عن منزلها؟ وجه بصره تلقائياً على مصطفى الساكن على غير عادته وحاول أن يخترق سكونه بحديثه. "ما تجول حاجة يا مصطفى ساكت ليه؟ بجمودٍ في نبرته أجاب والده. "هي رايده تهمل السرايا معنديش جول بعد اكده." استشف خليل عدم رضا مصطفى برحيلها وعلى ما يبدو لا يود إحزانها، لكنه لن يرضى إحزان ولده أيضاً. حمحم لـ يلين من حشرجته هاتفاً بأمر.

"يبجي تخليكم لبكرة ياجماعة السفر في الليل مهواش أمان." كان يحاول كسب المزيد من الوقت في صالح مصطفى، ربما ينجح في تغيير موقف زوجته من المغادرة، على الرغم من تعجبه لحالة مصطفى الهادئة وأسلوبه يعكس ما يخفيه بداخله، فهو لم يرضخ يوماً لشيء لا يقتنع به، إذاً لما الأن؟ ردت عليه السيدة سنية محاولة الفرار من البلدة وما فيها من أعباء تكثر كلما عاودت إليها مرة أخرى. "اعذرنا يا عمدة بس الجطر هيفوتنا."

اتسعت حدقتي خليل بذهول كما لم يكن مصطفى أقل منه ذهولاً، فأي قطار تتحدث عنه؟ حرك رأسه مستنكراً ما يحدث وما يزيد الطين بلة أنه لا يقدر على مواجهتها ورفض تلك السخافات التي تقوم بها، فهي اختارت وقت غير مناسب بالمرة لذهابها وهذا ما أخذه مصطفى بعين الاعتبار. حمحم خليل أبِه خروجهم من السرايا اليوم، فالرفض يتجلى في أعين ولده وعليه أن يفعل ما يمكنه فعله لكي يعطيه فرصة التحدث معها وإخبارها بعدم رغبته في ذهابها.

نادى صفية بنبرة مرتفعة. "صفية." جاءته بخطى سريعة فأمرها بصرامة. "جهزي أوضة الضيوف لأم ورد." وجه بصره عليهم متابعاً حديثه الأمر قبل أن تقاطعه إحداهن باعتراض. "تقضوا الليلة إهنه وبكرة إن شاء الله مصطفى يوصلكم بالعربية بلاها حكاية الجطرات ديي مبطمنلهاش."

أغلق جميع السبل أمامهم بحديثه الذي لن تتجرأ إحداهن اعتراضه. أخرجت ورد تنهيدة مرهقة، فهي تود الفرار من هنا غير مستعدة لمواجهة أعين مصطفى، تريد المضي بعيداً مهما كلف الأمر، لم يكن أمامها سوى الرضوخ، فهو حكم ولابد من تنفيذه. تركت حقيبتها مكانها، ففي النهاية هما ليسوا سوى عدة ساعات ستقضيها وتغادر. لم يعجب خليل بتصرف ورد وقبل أن تصعد للأعلى أمر ولده بنبرة تميل إلى الحدة. "مرتك باينها مجدراش تطلع بالشنطة شيلها أنت عنيها."

أزفرت ورد أنفاسها بضجر، فخليل يضغط عليها دون أن يعي ما يفعله بها. تابعت صعودها إلى الأعلى برفقة والدتها بينما توجه مصطفى إلى تلك الحقيبة اللعينة وحملها ثم صعد عائداً إلى غرفته. لم يتوقع عدم وجود ورد فيها، بالتأكيد لازالت برفقة والدتها. شعر مصطفى بغرابة تصرفاتها، فلما كل هذا؟

فالمشادة لم تكن عظيمة كما تتصرف هي نتيجة لها. عزم بأن يحادثها ويراضيها، فهو لن يقدر على بعدها عنه تلك الأيام. جلس على طرف الفراش يطالع ساعة الحائط بفروغ صبر في انتظار عودتها. اجتمعت العائلتين في منزل حمدان أبو "العروس"، تبادلا الترحيب فيما بينهم بحفاوة شديدة، فاليوم مناسبة خاصة فريدة من نوعها.

يجلس ضيف برفقة والده وزوج شقيقته، وعلى الجانب الآخر يجلس حمدان وإلى جواره ولده طاهر، يتسامرون في الحديث غير آبهين لشرود ضيف وعدم انتباهه لما يتناولونه في الوسط. في المجلس النسوي، تجلس ثريا مرحبة بأميمة، فالجلسة قد تكررت لكن الأدوار اختلفت. حضرت صباح حاملة لصينية المشروبات والحلوى، وضعتها أعلى الطاولة ثم رحبت بالحضور وسعادتها تتحدث عن نفسها.

لم تتحل بالحياء كالفتيات في موقفها ذاك، بل كانت تشاركهم أطراف الحديث ومن آن لآخر تفتح هي بعض المواضيع المثيرة لكي تجذب انتباههم إليها. في الخارج وبعد أحاديث عدة قد تسامروا فيها، بدأ الحاج حنفي في إدلاء ما جائوا لأجله بعد أن حمحم قائلاً. "جاتني يا حمدان جبل سبوع وأيام تطلب يد بتي لابنك ويشاء الجدر الجعدة تتعاد تاني بس المرة دي أكون أني أبو العريس."

فغر حمدان فاهه مشكلاً ابتسامة عريضة لتظهر أسنانه الصفراء المثيرة للاشمئزاز. لم يتردد في إبداء موافقته بتهلل. "هنلاقي ضيف فين يا حاج حنفي؟ بادله الآخر ابتسامة وسأله للتأكيد. "يعني أفهم من أكده إنك موافق يا أبو طاهر؟ أسرع حمدان في الرد عليه بتلقائية عابثة. "ونجروا الفاتحة كماني." رفع جميع الحاضرين أيديهم يباركون العلاقة بقراءة سورة الفاتحة بعدما أعطوا خبراً للنساء ليفعلن ذلك معهم. "ولا الضالين أمين."

انتهى حمدان من الفاتحة ثم عاد ببصره إلى ضيف قائلاً. "مبروك يا عريس." انتبه الجميع لحالة ضيف المريبة حينما لم يجيب على مباركة حماه. حمْحم إبراهيم ولكزه في ذراعه لكي يلفت انتباهه. انتبه ضيف لفعلته ورمقه في حالة توهان شديدة. فعلل الآخر سبب لكزه له. "حماك بيباركلك." أشار إبراهيم بأهدابه حيث يجلس حمدان. فَوَجَّه ضيف بصره نحوه وبنبرة متلعثمة هتف. "الله يبارك فيك."

تعجب طاهر من أمر ضيف، فحالته تشبهه كثيراً يوم تقدمه لطلب يد مروة. أهو مجبوراً على زيجته من أخته هو الآخر أم يعطي للموضوع أكبر من حجمه؟ ارتفع صوت حنفي في الأرجاء موجهاً كلماته إلى زوجته قائلاً. "جدمي الدهب يا أم ضيف." أجابته من الداخل بقولها. "تمام." نهضت أميمة بعدما سحبت علبة صغيرة واقتربت من صباح التي تتلهف لرؤية ما يوجد بها. تبسمت أميمة بحرج ثم فتحت العلبة فبرق لمعان الخاتم في عيني صباح.

لوهلة لم تريد التخمين أنه ألماس قبل أن تأكد لها أميمة ذلك. حمْحمت أميمة وساعدتها في ارتدائه متممة حديثها بـ. "ديه ألماظ ميجايش إلا للغالين." رباه! لقد أكدت لها أميمة حدسها. دقت أساريها بسعادة مفرطة لا تسعها. لم ترفع بصرها من على الخاتم غير مصدقة أنها ترتدي ألماس حقاً كما في الأفلام تماماً. كم ودت أن تضعه في وجه ابنة عمها بعجرفة، فعلى الرغم من زيجتها من ولدي العمدة إلا أنها لم تحظى بنصف ثمن ذاك الخاتم.

أخرجت تنيهدة حارة وهي تتخيل وجه ضيف المحتقن وهي تبارك له لعلاقتهم التي بدأت للتو. انتبهت على صوت والدتها وهي تقول. "الغالين ميجدموش غير الغالي كيفهم يا أميمة، تسلمي أنتِ وولدك." أجابتها أميمة بدون تكلف. "متجوليش أكده يا ثريا، صباح ديي كيف بسمة ومروة." تولت صباح الرد عليها مازحة. "كيفهم ايه عاد يا خالتي، اني أكده مجوزش لولدك." انفجرت أميمة ضاحكة كما شاركنها الأخريات وتفوّهت من بين قهقهتها.

"شوف البت لاه ناصحة يا صباح، خلاص ولا تزعلي غلاوتك من غلاوتهم." بسعادة واضحة ردت عليها. "اذا كان أكده يبجي ماشي." تابعن الحديث فيما بينما في الخارج سأل حمدان بحماسة ظاهرة في نبرته. "وكتب الكتاب هيكون ميتى أن شاء الله كيف ما عملنا في طاهر ولا... قاطعه ضيف ناهياً سخافته التي يريد الوصول إليها. "لاه." توجهت الأنظار إليه متعجبين من رفضه. فحاول هو إيجاد مبرراً لرفضه الذي خرج عفوياً.

"أني حابب يكون لي دار لحالي مش مع أبوي وأمي وديي محتاجة وجت ياما." قام حنفي بالرد على حديثه هاتفاً بنبرة غلظة. "الدار وموجودة وانت بنفسك اللي شاريه، ولو على كد التجهيزات فيه ملحوجة تخلص في شهر ويمكن أجل كمان." لا يهم شهر من عام، الأهم أنه أجل ميعاد زيجته من تعيسة الحظ صباح. تبادل حنفي مع حمدان أطراف الحديث عن التجهيزات وما عليهم من مستلزمات سيحتاج إليها المنزل. أبي ضيف وبشدة أن تسكن إمرأة فيه غير فتاته.

ترفض أذنيه سماع المزيد من الترهات التي يتحدثون فيها. حاول إشغال عقله بشتى الطرق حتى لا يفقد صوابه ويهدم المكان من حوله بكل ما أوتي من قوة، وحينذاك لن يقع الإيلام إلا عليه. *** خرج مصطفى من شرفة غرفته ناهياً حواره مع ضيف الذي أخبره عن زيارته لمنزل صباح وطلب يدها رسمياً. "أنت مش بتكسب وجت يا ضيف، أنت بتلعب بالبت تاني." انفجر ضيف وأخرج ما في جوفه بعصبية شديدة.

"جولي أنت رايدني اعملوا ايه، بجولك بت الرفدي ديي بتإذي أختي، رايدني أجف اتفرج عليها لما الأذي يكون كابير في مرة!! ، محدش حاسس بيا أنا جلبي عيتمزع بسبب التانية اللي مجدرش اتجوزها وهي كل دنيتي! ، ومجدرش أهرب من بت حمدان لاجل أختي وأنت جاي تلومني كاني مش بشر عشان اللي بيحصولي ديه!! لمح مصطفى طيف ولوج ورد بعد ساعاتٍ قضتها برفقة والدتها. كز أسنانه بعصبية وهو يطالعها. عاد إلي صديقه قائلاً.

"أهدى لاول يا ضيف عشان نعرفوا نتحدتوا، هكلمك بعدين." أنهى معه المكالمة وعينيها مازالت مثبتة عليها بغيظ وبصرامة باغتة أردف. "كنتي بيتي الليلة ديي مع أمك! ابتلعت ورد ريقها ولم تقدر على مواجهته أكثر من خمس ثوانٍ وسريعاً ما أخفضت رأسها ولن تعقب على ما قاله. حاول مصطفى لبس ثوب الصبر الذي لا يشبهه، فهو نهض من فراشه مردفاً بنبرة متحشرجة: –لسّاتك مُصرّة على السفر؟ نهضت هي الأخرى ودنت منه ثم قالت بنبرة رقيقة:

–هنعيدوه تاني يا مصطفى!! أخرج زفيراً عميقاً وردد بعدم رضاء: –مهجدرش أبعد عن العيون الزرج ديي كاتير. أجبرت نفسها على رسم ابتسامة لم تتعدى شفاها، فضميرها لا يتركها وشأنها منذ معرفتها بحقيقة قتل هلال، وهتفت متوسلة: –متصعيبش الموضوع يا مصطفى، دول كلاتهم يومين ومعاودة. رقّقت من نبرتها وأضافت: –عشان كمان تتوحشني. انحنى مصطفى على شفتيها وطبع قبلة حارة عليهما ثم ابتعد مردداً: –ربنا يصبرك يا مصطفى على اليومين دول.

بادلته ضحكة عفوية ثم حثته على الاستعجال من أمره بقولها: –يلا بجا روح إلبس خلجاتك عشان نمشوا. لَقِف مصطفى ثيابه التي تناثرت في أرضية الغرفة ليلقيها في صندق الثياب المتسخة. حظي باستحمام سريع ثم دلف للخارج محاوطاً خصره بالمنشفة وتابع سيره إلى فراشه التي وضعت ورد أعلاه ثيابه الجديدة.

كانت تتابعه باهتمام واضح حتى شردت بذاكرتها إلى ليلة أمس حين سبقته هي داخل الغرفة ووقفت في منتصفها تخلع ثيابها. شعرت باقترابه منها فرجف جسدها فجأة. أجبرها على النظر إليه وواصل هو خلعه لثيابها مردداً بنبرة خافتة: –أنت بتعملي أكده معايا ليه يا ورد، مكانتش مشكلة صغيرة حصلت لكل ديه. صوّب بصره على زرقاوتيها وبهيام تابع متسائلاً: –يهون عليكي مصطفى واللي بتعمليه فيه ديه؟

تأثرت من سؤاله وخفق قلبها حزناً لنبرته التي يتملكها الشجن. لامت نفسها على معاملته الجامدة التي بادرت بها ودوماً ما تصدّه بها، لكنه أهون من أن تعامله بحسنة وتنافقه. تعترف بأنها لم تعد تستطيع تلبس ثوب البرود بعد نبرته التي حدثها بها. تبخر جمودها المصطنع وتمنت أن تتودد إليه لكي تعتذر عما بدر منها ولربما تشبع منه فهي غير متأكدة من عودتها إلى هنا مرة أخرى. أوصدت عينيها لتجمع شجاعتها في فعل ما تريده ثم أردفت بخجل واضح:

–اللي هتشوفه مني ديه ياريت متتعجبش منيه ولا تسأل عن سببه واصل، سيبني على راحتي أطلع اللي في جوفي يمكن أرتاح وجتها. رحب مصطفى بما تنوي على فعله دون علم له بحقيقة ما هو مقبل عليه. جمعت ورد قواها فهي لم يسبق وأن بادرت هي في فعل ذلك لكنها ستفعلها من أجل كليهما.

اقتربت منه واحتضنت وجهه بكلتى يديها فتفاجئ مصطفى بقبلتها التي خارت قواه إثرها. طالت ورد في قبلتها كما تفننت فيها كما لو أنها ماهرة في ذلك. لم يصمد مصطفى لأكثر وحملها بين ذراعيه ووضعها أعلى الأريكة. تفاجئ بعبراتها تتساقط وكأنها في سباق من فرط سرعتها. تعجب من حالتها المبهمة وسألها مستفسراً والقلق قد سيطر على خلاياه بالكامل: –واه بتبكي ليه يا ورد، حوصل ايه؟ أجابته هي بحدة: –جولتلك متسألش.

تأفف مصطفى من عنادها فكيف سيمنع نفسه من سؤالها وهو يراها على حالة مريبة. حاول التحلي بالهدوء لكي يطمئنها منه، ربما حينذاك تخبره بحقيقة أمرها. تشبثت في عنقه تحثه على متابعة ما توقف عنده، لكن كيف وهي مازالت تبكي، كيف يستطيع مواصلة ما تريده وعبراتها تتساقط. ألا ترأف بقلبه الذي يعتصر ألماً على تلك الدموع المنهمرة!!

في النهاية واصل مصطفى ما توقف عنده حين رأى إصرارها متعمداً المعاملة معها برفق لعله ينجح في تبخر حزنها. كانت عبراتها تكثر كلما شعرت بأنها المرة الأخيرة لها معه. كلما حاولت السيطرة عليهم يعودون في التساقط مجدداً فهي والله لن تتحمل فراقه عنها! طبع مصطفى قبلة على جبينها وهمس لها وهو يملس على وجنتها بنعومة: –بكفياكي بكا يا ورد.

تنهدت هي وعقلها يتخبط بين إخباره بالحقيقة وبين إخفائها كما هي مخبئة. لا تعلم أيهما الأصلح لكنها تود الإفصاح حتى وإن كلف الأمر ما لا تتحمله هي، يكفي بأنها ستتحلى براحة البال. طالعته لبرهة حاسمة أمورها وبنبرة تريد الخلاص هتفت: –............

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...