الفصل 9 | من 30 فصل

رواية عرف صعيدي الفصل التاسع 9 - بقلم تسنيم المرشدي

المشاهدات
28
كلمة
5,610
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

خرجت من غرفتها مسرعة ما أن استيقظت لعلها تطمئن على صحة العمدة، كانت تقدم قدم وتؤخر الأخرى خوفاً من تصرفات السيدة نادرة المبهمة التي لا تعلم سببها ولما تفعل معها ذلك فلم يصدر منها أي أخطاء تُعاقب عليها.

وقفت في منتصف الطابق في ذلك الممر الذي يجمع بين جميع الغرف، وقبل أن تخطو خطوة للأمام تفاجئت بيد تدغدغها من خلفها. أصدرت صرخة متوجسة خيفة من ذاك المجهول، فأسرعت الأخرى بوضع يدها أعلى فمها لكي تمنع صراخها الذي حتماً سيسبب مشكلة كبيرة. إلتقطت ورد أنفاسها التي إنحشرت داخلها من فرط الخوف حين رأت صفاء تقف أمامها، رمقتها بغيظ ورددت معاتبة: -حرام عليكي يا صفاء، جلبي وجع في رجليا ديي، عاملة تعمليها بردك.

إلتوى ثغر الأخرى متبسمة بانتصار، فلقد أخافتها على التمام والكمال. أخذت نفساً وأجابتها بمرح: -وليه متجوليش أنتِ اللي خفيفة وبتخافي من خيالك؟ عقدت ورد ما بين حاجبيها بذهول، ثم إستشفت لعبتها ولم تعقب، فهي ليست بارعة فيما تبتكره صفاء في فعله. بادلتها ابتسامة راضية وقالت: -ماشي ياستي هعديهالك، بس جوليلي الست نادرة فينها؟ لوت صفاء شفتيها كما قلبت عينيها بتذمر ورددت مستاءة: -ست نادرة بتحضر الفطور للعمدة تحت. تنهدت

ورد براحة وأردفت بتلهف: -زين جوي، هدخل أطمن على عمي خليل طوالي جبل ما هي تاجي. أماءت لها صفاء بقبول، ثم انسحبت للطابق الأول سريعاً قبل أن يراها أحدهم. استغلت ورد تلك الفرصة الذهبية وتوجهت نحو غرفة خليل سريعاً قبل أن تعود السيدة نادرة، لكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن، فصوتها الذي دوي عالياً قد أخاف ورد وخفق قلبها رعباً إثره: -وجفي عِندك، رايحة فين؟ كأنها تيكية بوكي تروحي وتاجي على كيفك؟

إقتربت منها بمشية متثاقلة وقامة مستقيمة ثابتة، وواصلت حديثها بقوة: -استأذنتي جبل ما تدخلي أوضتي، ولا متعلمتيهاش ديي في داركم؟ صعقت ورد من إهانة نادرة التي لا تنتهي، وحاولت الدفاع عن نفسها بنبرة مهزوزة: -أني كنت هستأذن من العمدة جبل ما أدخل.. قاطعتها الأخرى بصياح مهاجمة إياها: -وتدخلي للعمدة وحديكي! مهتخالجيش عاد؟ ولا أنتِ متعودة على أكده؟

اتسع بؤبؤ عيني ورد بصدمة جلية رُسمت على تقاسيمها الرقيقة التي انكمشت في نفسها من صدمتها. فغرت فاها وكادت أن ترد عليها رافضة لتلك الإهانة التي تمس كرامتها، لولا خروج مصطفى من غرفته في تلك الأثناء. فأسرعت والدته بمنادته بإنفعال: -تعالى يا ولدي شوف مرتك وهي عترد عليا، أني نادرة على سن ورمح، مفيش واحدة جدرت ترفع عينها عليا جبل أكده، مرتك بترد عليا أني.

حملقت بها ورد مذهولة مما تصغي إليه أذنيها، لكنها لن تقف صامتة وتترك لها المجال لتقول ما ليس فيها: -أني مجولتش ح.. -ششش اسكتي، أنتِ هتردي على أمي إياك؟ هتف بهم مصطفى بنبرة آمرة، فكانت الصفعة الأقوى. هي الآن وحيدة بينهم ينفردون بها، ولا تقدر على إعفاء نفسها أمامهم، فهم من يرمونها بالباطل عمداً. فماذا تنتظر منهم؟ زفيراً وشهيقاً فعلت هي، ثم أردفت متعمدة تبرئة نفسها:

-أني مردتش عليها ومغلطتش، وأنت زي ما سمعت منها تسمع مني، أني مرتك.. هاجمتها مصطفى رافضاً لتلك الحقيقة التي لا يعترف بها للآن: -متجوليش مرتي.. استدار لليمين ورفع سودتاه عليها، فلم يري سوي وشاحها الغبي الذي يزيده حنقاً منها. وواصل بغضب: -وسابج وجلت أني مشايفكيش غير مرت أخوي، يعني كل اللي بينا حتة ورجة لا راحت ولا جت. وأمي خط أحمر، وعجبك على أكده عجبك، ليكي رأي تاني الباب يفوت جمل وعنزة مهتجيش عليكي.

رجفت شفتيها مهددة بعاصفة بكاء شديدة على وشك الوصول. لقد تبخر تماسكها تماماً، لطالما حاولت جاهدة بأن تتلبس ثوب القوة أمامه خصيصاً. إنهارت قوتها وتحولت إلى شهقات حاولت هي إخفائها قدر الإمكان إلى أن تبتعد عنهم، فلم تستطيع النجاح في ذلك وصدرت آنه من بين آنينها وقعت على مسمع مصطفى.

شعر بإنعدام رجولته في تلك اللحظة حين تأكده من بكائها. حسناً، يعترف بأنها لا تعنيه، لكنه لا يريد أن يجرح قلبها بهذا الشكل المؤذي. نعم، هو حاد الطباع ولا ينظر خلفه في تصرفاته مهما كانت بلهاء، لكنه قد ندم على فعلته الحقيرة تلك. حرك رأسه عفوياً مع سيرها بعيداً عنه، لكنه سرعان ما اعتدل عن ما يراود أفكاره ونظر في الفراغ أمامه يذكر كبريائه بأنه لن ينحني لأنثي!

عدل من وضع وشاحه الذي يعتلي كتفيه بنظرة تحولت إلى العجرفة والتعالي وهو يذكر عقله من يكون هو. دنت منه السيدة نادرة وملست على صدره بفخر واعتزاز شديد، ورددت برضاء كامل عن تصرفه: -عشت يا ولدي، دايماً رافع راسي. تنهدت وسألته بفضول: -على فين من بدري أكده؟ أجابها مختصراً حديثه بعبوس: -على الشغل.

تراجع للخلف وأولاها ظهره، ثم توجه نحو السلم. خطاه كانت تسير على نهج بطيء للغاية وسودتاه تطالع باب غرفته التي اختفت خلفها ورد. لا يرضي بما فعله، لكن هيهات لتكبره، فهو لن يتنازل ويعتذر من أجلها.

أسرع من خطاه وهبط للأسفل سريعاً ليثبت لنفسه بأن الأمر لا يعنيه وأنه فقط فعل الصواب، بينما ظهر طيف بسمة طفيفة على محيا السيدة نادرة بانتصار لكونها ليست بمفردها من تتصرف بقسوة مع تلك الفتاة، فبالأخير مهما طالت فترة مكثوها في السرايا ستفر هاربة منهم.

عادت إلى غرفتها تتغنج وتتراقص بسعادة عكس الحالة المذرية التي كانت عليها ورد. إنهارت بالكامل كلما تردد داخل عقلها حديثهم. هي من وافقت بسهولة على تلك الزيجة، إذاً فلتتحمل عواقبها. *** في منزل آخر، اجتمع من في المنزل حول مائدة الطعام يتناولون الفطور. الصمت سيد الجلسة، حيث قاطعه بقوله ساخراً: -منوياش تهملينا انتي كمان يا صباح، بت عمك اتجوزت بدل المرة تنين، حتى في ديي أنصح منك.

شرقت صباح وارتفع سعالها. رمقه طاهر بغيظ عارم، ثم نهض عن مقعده وضرب براحة يده الغليظة على ظهرها بقوة وساعدها على ارتشاف القليل من الماء لكي تبتلع كلماته التي وقفت في حنجرتها ولم تستطيع ابتلاعهم. نهره طاهر بتجهم: -نصيبها لسه مجاش، ولا أنت نسيت النصيب هو كمان؟ وضع حمدان قطعة الخبز التي بيده دفعة واحدة في فمه، انتظر حتى هضمها بالكامل، ثم تشجأ في وجههم وحدثه بجمود:

-لا منسيتوش يا سي طاهر، وإبجي اتحدت معايا زين بدل العنتزة اللي عتحدت بيها بوك ديي. كز طاهر على أسنانه بغضب يحاول كظمه، ثم انسحب من بينهم ودلف للخارج بخطى مهرولة، يود أن يهرب منه ومن المنزل ويترك خلفه حياته السابقة بأكملها. رفعت ثريا بصرها على حمدان وعاتبته بهجوم: -عاجبك أكده؟ الواد مكملش لجمته وإحنا ما صدجنا يجعد ياكل إمعانا. رمقها حمدان بطرف عينيه شزراً كما لوى شفتيه للجانب الأقرب لها وهمس لها بتحذير:

-كان العلجة بتاعت كل يوم، إتوحشتك يا ثريا. سرت رجفة قوية في أوصال ثريا متوجسة خيفة في نفسها من تحذيره. نهضت عن مقعدها بهدوء وتركت له المكان يفعل به ما يحلوا له، فهي ليست على استعداد بتلقينها ضرباً مبرحاً من يديه الغليظة، فعلاماتها الزرقاء لازال أثرها موجود على جسدها. نهضت صباح هي الأخرى، فلن تعطيه الفرصة ليختلي بها ويسُم بدنها بالكلمات البذيئة. دلفت للخارج لعلها تلحق بطاهر حتى تواصل ما بدأته البارحة.

تفاجئت بوقوف طاهر مع زوجة عمها وشقيقها أمام منزلهم. لم تتردد وأسرعت خطاها نحوهم، ربما تعلم أي شيئ عن تعيسة الحظ ابنة عمها. -على فين يا مرت عمي؟ خرج السؤال من فاه طاهر باهتمام، فأجابته السيدة سنية بلطف: -رايحين نطمن على ورد يا ولدي، عشان نتوكل على الله نعاودا مصر جبل ما الليل يدخل علينا. إرخت ملامح طاهر وباتت تعابيره جامدة لا تدل على شيء. استشفت سنية ما خلف تطلعاته الباردة وربتت على كتفه بآسي:

-كله نصيب يا ولدي، إرضي بنصيبك وربنا إن شاء الله يعوضك بلي تستاهلك وتستاهل جلبك الطيب يا طاهر، بس رايدة منيك طلب واحد. تحول برود عينيه إلى شغف وهم بسؤالها مهتماً: -رايدة إيه يا مرت عمي؟ جولي. تقوس ثغرها ببسمة سعيدة وشدت على كتفه بامتنان وأردفت موضحة طلبها:

-ورد أختك يا طاهر، أطمن عليها يا ولدي، أني مهبجاش موجودة وانت إهنه حمايتها، وجت ما تحتاج لضهر كون لها أخو حنين، أني عارفاك مهتهملهاش واصل، بس جلب الأم بجا لازمن أمشي وأكون مطمنة عليها. على الرغم من صعوبة اقتناعه بأنها شقيقته كما لقبتها زوجة عمه، إلا أنه لن يتخلي عنها حتى وإن كان النصيب لا يرضيه. إلتوى ثغره للجانب مشكلاً ابتسامة متهكمة، ورد عليها بشموخٍ: -متخافيش يا مرت عمي، ورد في عنيا التنين.

بادلته ابتسامة حين روادها شعور الطمأنينة وسكن قلبها. شدت على كتفه بحب وقالت مودعة كليهما: -أشوفك وشكم بخير. غادرت برفقة شقيقها وزوجته وبناته متجهين إلى السرايا ليطمئنوا على ورد قبل سفرهم. لم تتحرك بؤبؤة عيني طاهر على السيارة التي اختفوا فيها. "شقيقة"، تلك الكلمة التي لا تريد الاقتلاع من عقله، يتردد صداها داخله. ألم يحن وقت الاقتناع بها؟ -أخرتها تبجي أختك؟ عالم ناجصة.

هتفت بهم صباح بحنق وهي تتابع طيف سيارتهم التي بدأت في الاختفاء. التفتت حيث طاهر وتابعت حديثها بازدراء: -مآنش الأوان تشوف اللي تستاهلك يا خوي؟ أنت جلبك طيب كيف البفتة البيضة وتستاهل واحدة تشبهك تعوضك عن اللي فات، وصدجني مفيش أحسن من مروة، أنا خبراها زين وبأكدلك أنها المناسبة ليك. سحب شهيقاً وأخرجه ببطء، ثم حرك قدميه للأمام قاصداً الخروج. فأوقفته صباح بسؤاله: -جولت إيه يا خوي؟ أجابها مختصراً: -مش وجته يا صباح، بعدين.

نفخت بتذمر شديد، فهي تريد أن تتم العلاقة بينهما سريعاً لكي تلقن ذاك الضيف درساً لن ينساه مدى حياته. *** رحبت صفية بضيوفهم بحفاوة عكس الشعور المسيطر داخلها، فهي على دراية تامة بما حدث البارحة. صعدت للأعلى لكي تخبر ورد بوجودهم. طرقت بابها بخفة، لم تسمع أي صوت أو حركة تدل على وجودها. أعادت طرقاتها بقوة أكبر قائلة: -يا ورد يا بتي، والدتك وخالك تحت ورايدين يطمنوا عليكي.

فتحت الباب وظهرت من خلفه بعينين متورمتين من فرط البكاء. أصدرت صفية شهقة خافتة حين وقع بصرها على حالتها المذرية. نظرت يمينها ويسارها ثم ولجت للداخل وأوصدت الباب خلفها وسألتها باهتمام: -مالك عاد يابتي؟ ليه البكا ديه كلاته؟ مسحت ورد بسبابتها على أنفها لتجفف الماء الذي يسيل منها، وردت عليها بنبرة مرتجفة: -أني تعبت، مخابراش بيحوصلي إكده ليه؟

متهنتش بجوازتي من هلال وبعدها متهنتش بجوازتي من خوه، كاني شوم كيف ما بتجول الست نادرة. فرت دمعة على مقلتيها حزناً حين تذكرت هجومها وافتراءها عليها في الصباح، وواصلت حديثها بتلعثم: -حتى الست نادرة حالها اتبدل، أو يمكن كانت أكده وأني موخداش بالي، دي افترت عليا وجالت لولدها اني برد عليها وأني والله مرديت عليها ولا رفعت صوتي حتى. لم تستطيع التماسك لأكثر وجهشت باكية، ورددت من بين بكائها:

-حتى ولدها عام على عومها وداس على كرامتي لاجل أمه. وضعت كلتى يديها على وجهها وانهمرت في البكاء الغزير. أشفقت صفية على حالتها التي أثرت بقلبها. اقتربت منها وضمتها لحضنها محاولة التخفيف عنها: -والله معرفاش أجولك إيه يا بتي، ربنا يعوضك خير عن اللي شوفتيه. ابتع دت عنها ورد وأردفت ما عزمت عليه: -أني مهجعدش إهنه تاني، أني مستاهلش المعاملة ديي، أنا لساتي صغيرة على كل بيحوصلي ديه. ربتت صفية على ذراعها وأردفت مشجعة اقتراحها:

-معاكي في كل اللي هتعمليه، المهم تكوني مرتاحة. حركت ورد رأسها عدة حركات متواصلة حاسمة أمرها على الهروب من ذلك السجن التي حُصرت بين جدرانه. شهيقاً وزفيراً فعلت ثم دلفت للخارج بعدما ارتدت وشاحها الأسود الذي لا يظهر منها أي شيء، وهبطت للأسفل بتريث. أسرعت خطاها ما أن رأت والدتها بتلهف. ألقت بنفسها بين أحضانها الدافئة. لا تعلم كيف تماسكت في ذلك الحضن الحنون ولم تخر قواها وبكت. ابتلعت ريقها لتتحلى بالتماسك أكثر أمامهم.

ابتسمت لها السيدة سنية وبدأت بالحديث: -جيت أطمن عليكي يا جلب أمك جبل ما أهمل البلد. دنت منها وسألتها بهمس: -طمانيني عليكي، حوصل؟ أهذا الكلام بمثابة تخليها عنها؟ لا تدري حقاً، لقد تشتت عقلها. طالعتها لوقت قبل أن تردف: -هتمليني لوحدي ياما؟ خفق قلب السيدة سنية تأثراً بنبرتها التي شعرت من خلفها بتخليها عنها. أخرجت تنهيدة مليئة بالهموم وأجابتها بنفاذ صبر:

-مليت يا ورد من جرف حمدان اللي مهيخلصش، بيتحكم فيا كاني جارية عنديه مش أمانة خوه، طهجت يا بتي رايدة أرتاح لي شوية، بس طبعاً لو جولتي لاه مههملكش وحديكي يا حبة عيني، أني مليش غيرك. رفعت ورد بصرها وحملقت في معالم السرايا بتفحص واهتمام. تشاور عقلها فيما نوت عليه، أتكمل فيها أم تغادرها؟

لكن مواصلتها للعيش في ذلك السجن لن يكون منصفاً لها، وإن غادرت لن يكون منصفاً لوالدتها حتماً. لن يغادروا البلدة قبل انتهاء ورد من عدتها إن تم الطلاق دون رفض من الجهة الأخرى، وستضطر لأن تتعامل مع سخافة حمدان. تريد أي علامة توجهها إلى أي طريق تسلك. أعادت النظر إلى والدتها التي تنتظر إجابتها بفارغ صبر. -سافري ياما، اموري بخير.

هتفت بيهم ولا تدري ما الذي دفعها لقول ذلك والسماح بسفرها. لم تترك لها الحياة خيار لتختار أفضلهم، ففي كلتا الأمرين لن تتراضى عواقبهم. أدركت أنها أكثر نضجاً الآن حين فضلت راحة والدتها على ذاتها، فمن المستحيل أن تضحي من أجل أي شخص إلا لها، فهي من أحبتها بصدق ولم تندم على قرارها السريع التي لم تحسب عواقبه بعد، لكن حتماً سيرضيها الله. لم تكتف سنية بجملتها، فهي أكثر الناس حفظاً لنبرتها حين ترفض شيئاً. سحبت نفساً

وأردفت مؤكدة: -ليه حساكي مش بتجوليها من جلبك؟ جولي لو ريداني أجعد وحداكي، المهم تكوني مبسوطة يا جلب أمك. رسمت ورد بسمة زائفة وردت عليها تنكر حدسها: -أكيد ياما، زعلانة عشان هنتفارجوا، بس هكون مبسوطة وأنتِ مرتاحة وبعيدة عن حمدان وعمايله. ربت ورد على ذراع والدتها وتابعت مضيفة: -سافري ياما، متشليش همي، أني بخير في سرايا جوزي، طلع طيب وعيخاف عليا كيف أبوي الله يرحمه، أنا إهنه في أمانته.

كلماتها بثت الطمأنينة في قلب السيدة سنية وشعرت بالراحة المفرطة داخلها. ضمتها للمرة الأخيرة قبل مغادرتها، ومن ثم تلاها خالها وزوجته ثم بناته الحبيبات.

وقفت ورد على باب السرايا تلوح لهم بيدها مودعة إياهم وقلبها ينفطر حزناً لكونها باتت وحيدة لا يعولها أحد. أعادت يدها لجانبها ما إن اختفى طيف السيارة من أمام مرأى عينيها. حسناً، لقد حان الوقت لأن تنهار قوتها، وها قد بدأت عبراتها في النزول بألم شديد يكاد يخترق ثيابها من شدته. رأته يعود من جديد إلى السرايا. لا تعلم أي شعور يصف تلك اللحظة، لكنها تريد معانقته لعل عناقه لها يهدئ من روعها قليلاً ويبدل حالها إلى الأفضل.

سار بجوارها كأنها نكرة لم يراها ولم يهتم لوقوفها على تلك الحالة التي لا داعي لها. استدارت حيث يسير ولم ترفع زرقاوتاها الذي انطفئ وميضهم من عليه بقهرة كبيرة سكنت قلبها.

عادت إلى غرفتها تجر خيباتها التي انسدلت عليها خلف بعضها دون رأفة لقلبها الرقيق. أوصدت باب غرفتها وببطء شديد تركت جسدها يهبط رويداً رويداً إلى أن احتضنت الأرض التي نالت نصيبها من الدموع التي تختفي بين ثغراتها. لم تكف عبراتها في الهطول، بكاء صامت يقطعه أنين خافت من حين لآخر. ظلت على حالتها تلك إلى أن أنهال عليها التعب وغفت رغماً عنها بمشاعر جامدة خالية من أي شعور. ***

في المساء، جلس مصطفى برفقة والدته على المائدة يتناولون العشاء بمفردهم فلا يوجد غيرهم. حمحمت نادرة وقالت متسائلة بنبرة مندفعة: -هتعمل إيه مع اللي ما تتسمي؟ إحتقن وجهه بغضب ورد عليها بعبوس: -مخابرش، مش في دماغي من أساسه، وجودها زي عدمه. ظهرت شبح ابتسامة على ثغر نادرة ثم أخفتها سريعاً قبل أن يلمحها مصطفى وتابعت حديثها معه: -طليجها يا ولدي وشوف حالك، بدل الإسم متجوز وإتحسبت عليك جوازة الندامة.

أماء رأسه بقبول، فهذا ما يدور في عقله لكن بطريقة مختلفة بعض الشيء. تنهد وأردف بقوة: -ده اللي هيحصل، بس لما بوي بنفسيه يجولي طليجها!! عبست الأخرى بعدم إعجاب ولامته بإمتعاض: -وبوك مش هيجولك طليجها، ده الود وده يظبط الأمور بيناتكم، يعني إنسي يا ولدي. طالع أمامه بجمودٍ وردد: -العمر لساته منتهاش، والبادي أظلم.

رفعت نادرة إحدى حاجبيها بتعالٍ وتريث لكون ولدها بذلك الدهاء. ستنتظر، لا تملك سوى الصبر، فهو مفتاح الفرج، وفي النهاية ستجني ثمرة صبرها.

تابعوا تناولهم للطعام في صمت إلى أن شبعت بطونهم. عادت نادرة إلى غرفتها تطمئن أن زوجها قد أنهى طعامه، فلقد امتع عن مشاركتهم المائدة العائلية منذ إصابته بتلك الوعكة. بينما انسحب مصطفى للخارج يجلس برفقة عسران. مرت مدة ليست بقصيرة، انضم إليهم ضيف وأكملوا ثلاثتهم سهرة ذكورية على أصولها. فعل عسران فعلته المعتادة كل مساء وهي الاستماع إلى الطرب القديم أسفل ضوء القمر والنجوم مع ارتشاف فنجان قهوة سادة ثقيلة، فذلك ما يعدل صفوه.

كانت الأغنية تلك المرة مختلفة، كانت تعود للشحرورة "صباح": أنا هنا يا ابن الحلال لا عايزه جاه ولا كتر مالبحلم بعشأملاه أنا سعد وهنا أنا هنا يا ابن الحلال استيقظت ورد إثر دندنة الأغنية. رفعت رأسها بثقل قد شعرت به في الجزء الأيسر من رأسها. قاومت حتى نهضت مستندة على الحائط إلى أن صلبت قامتها وتوجهت إلى الشرفة تتبع صوت الأغنية. مليت لك القلة.. عطشان تعالا عطشان تعالا يا جميل ياما مليت لك الابريق عطشان تعالا

عطشان تعالا وسلامه طريقي أنا ورا الشباك سهرانه بستناك علمت قلبي هواك من قبل ما تجيني ولا أتملاك شعور قوي قد راوده في تلك الأثناء، ورفع بصره عفوياً على شرفة غرفته فتفاجئ بطيفها واقف كوقوفها بالأمس. لم يرفع بصره عنها وظل مثبتاً نظره على الشرفة مع دندنة الأغنية. بحلم بعشأملاه أنا سعد وهنا أنا هنا يا ابن الحلال دندنت ورد مع كلمات الأغنية التي شعرت بوصف حالها، متعجبة من نظراته التي تطالعها دون غيرها:

و إن جيتني يا مهنّي ندرن علي اندرن عليا العين والنني و إن جيت تدق الباب ندرن علي اندرن عليَّا القلب يشيله حجاب فرشت لك رمشي اخطر عليه و امشي من شوقي ما بنامش يباستنا حتا العمر مستني بحلم بعشأملاه أنا سعد وهنا أنا هنا يا ابن الحلال فى الغيبه انا شايفاك انا انا شايفاك قلبي انكشف عنه الحجاب و لقاك فى الغيبه انا شوفتك انا انا شوفتك قلبي شاور لي عليك وعرفتكانت اسمراني جميل لك غيه فى المواويل

والقلب لك بيميلمن قبل ما يكون لي نصيب وياك بحلم بعشأملاه أنا سعد وهنا انا هنا يا ابن الحلال أخفض بصره ما إن انتهت كلمات الأغنية. رمق من هم بجواره ليتأكد أن الأمور تسير على ما يرام. تنهد براحة حين رآهم يتبادلون أطراف الحديث ولم ينتبه له أحد. لمح ضيف طيفها يظهر من خلف باب المطبخ. أعاد النظر مراراً لكي يتأكد من هويتها. إلتوى ثغره للجانب مشكلاً بسمة عذبة حين تأكد منها. نهض فجاءة وسار متجها نحوها، فأوقفه مصطفى بسؤاله:

-على فين إكده؟ وقع قلب ضيف في قدمه، فهو لم يحسب لذلك السؤال مطلقاً. إلتفت إليه وحمحم ثم أجابه بإرتباك حرج: -ها.. لا كنت هروح أشرب مية من القُلة اللي هناك ديي، بحب ميتها. أماء له مصطفى متفهماً ثم انصرف ضيف سريعاً من أمامه. أزفر أنفاسه براحة كبيرة لم يستوعبها عقله، فكاد أن يفضح أمره وبالتأكيد العواقب ليست محمودة.

اقترب من القارورة الفخارية ورفعها للأعلى يرتشف منها، فجائته الأخرى على استحياء تاركة مساحة كافية بينهم. أخفض القارورة من على فمه ولا يزال محتفظ بها بين قبضتيه وطالعها بأعين متيمة مردداً بنبرة ولهانة: -إتوحشتك جوي. أخفضت بصرها في حياء كما احمرت وجنتيها وسارت كالبندورة في تمام جنيها. ابتسمت بعذوبة وقالت: -جولتلك بلاها الحديت ديه.

ظهرت بسمة سعيدة على محياه، فهو يعشق حيائها الذي يتعامل معه باستمرار والذي يدل على براءتها الأنثوية. ابتلع ريقه وسألها بمرح: -أومال أجوله ميتي؟ رفعت بصرها عليه وقد انعقد حاجبيها تلقائياً كما عقدت ذراعيها بتذمر ورددت بحنق: -جوله وجت ما أكون مرتك حلالك كيف ما وعدتني، ولا نسيت الوعد إياك؟ أسرع هو بالرد عليها ينفي حديثها: -لا طبعاً منسيتهوش، أني بس مستنظر الوجت المناسب اللي أجي اتجدم لك فيه عشان أليج بحضرة الداكتورة.

لم تمنع ضحكتها التي خرجت عفوية، فخفق لها قلبه وتسببت في اضطرابات مشاعره التي تحثه على التودد معها أكثر. ماذا إن سمح لهما الوقت والمكان؟ تقابلا في نظرة حب صادق طالت لوقت، قطعها ذلك الصوت الدخيل: -واجفة حداكي بتعملي إيه يا صفاء؟ اتسعت حدقتي صفاء على آخرهم بصدمة حين انسدل سؤال والدتها عليها. رجف جسدها من فرط الارتباك والتوتر التي انحشرت داخلهم. حاولت أن تستعيد جزءاً من رونقها والتفتت إليها مجيبة إياها بتلعثم:

-كنت بملي القُلة عشان لو الغفر احتاجه مية. أماءت لها صفية باقتناع ثم صوبت بصرها على ضيف، فلم يروق لها وقوفه في الوقت ذاته مع خروج ابنتها. لم تريد أن تطيل في الأمر أثناء وجوده وأمسكت بذراعها آمرة إياها: -همي جدامي يلا. لم يرف له جفن منذ أن تفاجئ بوجود والدتها. أوصد عينيه ما إن اختفت من أمامه يتنفس الصعداء. حاول ضبط أنفاسه المتهدجة التي يصغي إلى صداها داخله، ثم عاد إلى صديقه بهدوء.

رمقه مصطفى متعجباً من حالته المريبة وسأله مستفسراً: -المية عجبتك للدرجة دي، مجدرتش تفوت القُلة وحديها؟ انتبه ضيف لتلك القارورة التي لازالت تتوسط صدره. ابتسم بتهكم، فهو لازال أسفل تأثير المفاجأة وقال: -مختش في بالي معلاش بجا، الظاهر إني محتاج أنام، يلا تصبحوا علي خير.

ألقى بجملته ثم انصرف سريعاً، بينما استأذن مصطفى هو الآخر ونهض ليعود حيث غرفته التي لم يعتدها بعد. وقبل أن يولوج للداخل راوده ذاك الشعور مرة أخرى، فرفع رأسه للأعلى قاصداً شرفة غرفته، لكنها لم تكن واقفة كما توقع. أخفض رأسه وأكمل سيره إلى الداخل حيث غرفته ثم فراشه الذي ألقى ببدنه عليه، وكما اعتقد تماماً لن ينام بسهولة كسابق أيامه في تلك الغرفة اللعينة. ***

اعتادت ورد على الليالي التي تقضيها بمفردها وحيدة بين أربعة جدران. يزداد اكتئابها في الظهور كل يوم كما في الشهور الماضية من بعد وفاة هلال. منعت الطعام لفترات طويلة، فقط تأكل حين تحتاج أجهزة جسدها لذلك.

مر أسبوع لم يتغير به شيء. لا تبرح فراشها إلا لدخولها المرحاض. كما تزداد قساوة السيدة نادرة كل لحظة تجمعها بها. لم يحدث بينها وبين مصطفى أي لقاء حتى وإن كان عابراً، فقط تنتظر الليل لتقف في الشرفة تصغي إلى الأغنية الجديدة الذي يختارها عسران وتدندن معها بشغف قل تدريجياً مع الوقت إلى أن التزمت غرفتها ولم تعد تخرج إلى الشرفة.

على الرغم من يومه الروتيني المعتاد الذي لا يتغير نظامه، إلا أنه ينتظر لحظة وقوفها مع بدء ترنيم الأغنية ثم يعود إلى غرفته التي اعتاد النوم فيها مؤخراً. استعاد خليل جزءاً من صحته وعاد يتابع أعمال أراضيه بنفسه كما كان يفعل، لكن الفجوة تتسع بينه وبين مصطفى كأنه عزم بألا يحادثه مرة ثانية قبل أن يوطد علاقته مع ورد التي خربها بغشوميته.

تزداد السيدة نادرة حنقاً وامتعاضاً كلما مرت الأيام ولا تزال تلك الفتاة تعيش معها أسفل سقف واحد، لكنها لا تملك سوى الصبر لبعض الوقت لحين تتغير الأحداث بمفردها. استمرت صباح في الإلحاح على طاهر لعله يوافق على ما تريده هي. استحوذت على عقله وتفكيره بطريقة تشبه أساليب السحر، وربما تتفوق عليها، فتأثير الزن المستمر أشد حقاً من مفعول السحر. لا تكل ولا تمل لحظة بل تزداد تشبثاً في تحقيق مرادها.

أيام ثقال مملة تسير ببطء شديد على الجميع، لا يحدث أي جديد بها يبدل مجرى حياتهم. حسمت صفاء على افتعال خطة ما، ربما تنجح في توطيد علاقة ورد ومصطفى. نهضت من الصباح الباكر وصعدت إلى غرفة ورد قبل أن يستيقظ أحدهم وطرقت بابها بخفة ثم ولجت للداخل قبل أن تأذن لها. لم تتفاجئ برؤيتها غافية فالوقت لا يزال باكراً. اقتربت منها بخطى خفيفة لكي لا تزعجها. جلست بجوارها تنتظر إيقاظها.

مرت دقيقتان بالتمام فلم تتحمل انتظارها للدقيقة الثالثة. انحنت عليها وضربت على ذراعها بخفة تحاول إعادتها لأرض الواقع: -ورد جومي صباح الخير، رايدة أخبرك بلي في راسي، مجدراش استني لما تصحي. شعرت ورد بأن ذلك الصوت في أحلامها، لكن مع تكراره تأكدت أنه حقيقي. فتحت أهدابها ورمقت صفاء لبرهة دون استيعاب ما يحدث بعد. جذبت صفاء انتباهها بحديثها الذي يحثها على النهوض: -صباح الخير يا جلبي، يلا جومي ورانا شغل ياما نعمله.

نهضت ورد من نومتها وفركت عينيها بكسل، فهي تشعر كأنها غفت للتو ولم تأخذ كفايتها من النوم. رمقتها بطرف عينيها وقالت بصوت متحشرج: -في إيه يا صفاء؟ الساعة كام؟ قهقهت الأخرى بمكر مع نظرة عابثة استشفت ورد منها أن الوقت لا يزال باكراً. سحبت نفساً عميقاً وسألتها: -شغل إيه عاد اللي ورانا؟ نهضت صفاء عن الفراش وجابت الغرفة ذهاباً وجيئاً وهي تخبرها بحماس ما استحوذ على أفكارها طوال الليل لكي تحل مشكلة علاقتها بمصطفى.

أنهت حديثها وسألتها بتلهف بنفس بداية حديثها: -ها جولتي إيه؟ قابلتها الأخرى بجمود، فلقد تعكر صفوها تماماً من تلك العائلة ولا تريد خوض تجربة نسبة فشلها كبيرة. حتماً ستنتكس ما أن رأت ردة فعل لن تعجبها من خلف ما ستفعله، فأسرعت بالرفض: -بلاها الفكرة ديي، أني ملياش نفس اعمل أي حاجة واصل، همليني لحالي يا صفاء الله لا يسيئك. صممت صفاء على تنفيذ فكرتها وأردفت بإصرار واضح:

-لا مههملكيش لحالك وهنفذوا اللي جولته بحذافيره، وأني متوكدة أنك هتطلعي مجبورة الخاطر. -وإن متجبرش بخاطري وجتها أعمل إيه؟ رددتهم ورد بفارغ صبر، فهي حقاً باتت هشة المشاعر ولن تتحمل خذلان آخر. وقفت صفاء أمامها وقد انعكست تعابير وجهها للغضب وأجابتها بإنفعال: -تبجي تطلجي وبلاها العيشة اللي مش عيشة ديي.

أوصدت ورد عينيها بإرهاق بادٍ على تقاسيمها ثم اختفت معالمها خلف يديها التي وضعتهم أمام وجهها، فأشفقت صفاء على حالتها المذرية وأقتربت منها ضمتها بحنان وقالت ربما تخفف من عليها: -مش بيجولوا أإن ربنا لما يحب عبد بيبتليه، أنتِ ربنا ابتلاكي بتنين مش واحد بس. ابتعدت عنها ورد وقطبت جبينها بغرابة، فوضحت لها صفاء قصدها: -نادرة وولدها.

انفجرت كلتاهن ضاحكتين على مزحة صفاء التي دقت أسارير السعادة قلبها حين نجحت في رسم الابتسامة على وجهها. تنهدت بصوت عالٍ وقالت: -أيوة إكده اضحكي، محدش واخد منها حاجة. أخرجت ورد تنهيدة مرهقة وأعادت تكرار خطة صفاء التي علقت في ذهنها. رفعت زرقاوتاها عليها وأطلقت سؤالها بخجل: -هنبدأوا كيف؟

اتسعت ضحكة صفاء التي طالت أذنيها من فرط سعادتها الممزوج بحماسها. وبدأت تعيد ما قصته عليها قبل دقائق معدودة ولاحظت إصغاء ورد لها باهتمام فازدادت تلهفاً بمبادرة ما تنويان على فعله.

فعلت ورد كل ما أخبرتها به صفاء دون زيادة أو نقصان بمساعدتها ثم هرولن للخارج لمتابعة بقية خطتهن. تفاجئن كلاً من صفية وهويدا بخطة صفاء الداهية وكالمعتاد نهرتها والدتها ورفضت تدخلها، لكن لم تكترث لها صفاء ووقفت أمام باب المطبخ تنتظر نزول مصطفى على أحر من الجمر. نفخت بتذمر، فالوقت يمر ببطء عليها وهي لا تطيق الانتظار من فرط حماسها. ها هو ظهر طيفه من ذلك الممر ثم هبط الأدراج بتريث وثبات، فصرخت صفاء ما

إن رأته يقترب منهم مهللة: -نزل نزل نزل...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...