وصل مصطفى داعياً ربه بأن تكون الأمور على ما يرام. لم يحدث مكروه لها، فهو على دراية تامة بسرعة مُهرة الفائقة. وإن لم يجيد الفارس قيادتها، ستحدث هوائل. ترجل من سيارته مهروفاً إلى الداخل بخطى غير مستقيمة. انخلع قلبه حين رأى تجمع العاملين، ناهيك عن محاولة سيطرتهم على الجواد الذي يرفض الاستسلام إليهم. بصوت عالٍ صاح فيهم: "بعدوا بعدوا." تنحى العمال جانباً لكي يمر مصطفى ويصل إلى زوجته الملقاه أرضاً.
صعق حين رآها هامدة لا يصدر منها أي حركة. انحنى عليها وجلس على ركبيته يتفقد نبضاتها أولاً. أوصد عينيه مع خروج زفيره براحة حين شعر بنبضاتها أسفل أنامله. انتبه على صوت أحد الرجال وهو يخبره بما فعلوه: "إحنا بلغنا المِركز يبعت عربية إسعاف وزمانتها على وصول." اعتدل مصطفى في وقفته وحملها بين ذراعيه مردداً: "مهستناش إسعاف أني." ولج بها إلى الخارج، فساعده أحد العاملين بفتحه لباب السيارة الخلفي.
فأسرع مصطفى في وضعها بحذر شديد خشية أن يؤذيها. أغلق الباب واستقل خلف مقوده وتحرك بالسيارة بأقصى سرعة تمتلكها. كان يترقبها من حين لآخر أثناء تركيزه في القيادة. جذب انتباهه أنينها الخافت، فأوقف السيارة فجاءة وإستدار بجسده نحوها متسائلاً في خوف شديد: "ورد، حاسة بإيه؟ بدأ أنينيها في العلو إلى أن تحول إلى صراخ موجوع وهي تهتف بألم: "يدي، نار في يدي." تمزق قلبه أشلاء بعد نبرتها الموجوعة تلك.
حاول التحلي بالقوة التي خارت تماماً مردداً بعض الكلمات لكي يطمئنها: "هنروحوا على المستوصف جوام حاولي تتحملي." حركت رأسها مستنكرة ما يحثها على فعله: "ممتحملاش الوجع فوج طاجتي مجدراش." كلماته كانت تقيد مصطفى عن التصرف والتفكير بشكل صحيح. صغى إلى صافرة الإسعاف التي على وشك الاقتراب منه. حمد ربه داخله أن هناك من سيساعده في تلك الورطة التي وقع بها. أوقف السيارة في منتصف الطريق وترجل منها.
وقف أمامها وأشار بكلتي يديه جاذباً انتباه سائق الإسعاف ومن ثم انتظر مجيئهم إليه. ترجل المسعفين بعدما تأكدوا من هوية مصطفى الذي ساعدهم على وضع ورد على الناقلة الطبية. رافقها في سيارة الإسعاف بعد أن تمم على غلق السيارة. هاتف عسران وأبلغه بتلهف: "إيوة يا عسران أني هملت العربية في الحودة اللي على يمين الاسطبل شيع حد ياخدها وياجي على المستوصف جوام." شعر عسران بالقلق حيال نبرته وسأله بتوجس:
"وااه ايه صوت الإسعاف ديه أنت فيك حاجة؟ أخبره مصطفى بحقيقة الأمر مختصراً حديثه: "ديي ورد وجعت من على الحصان." أنهى مصطفى المكالمة بينما طالع عسران المكان من حوله بعينين جاحظة مردداً: "يا واجعة سوخة يولاد." أسرع في إبلاغ العمدة ليكن على علم ثم أمر أحد رجاله في إحضار سيارة مصطفى مستعيناً بالمفتاح البديل الذي برفقته. عادت ورد لصراخها متألمة من ذراعها كلما حاولت تحريكه يزداد الألم فيه أضعافاً. طالع مصطفى من هم أمامه
وحثهم على فعل شئ بصرامة: "إعملوا حاجة منك ليه بدل ما هي عتصرخ أكده." تولى مهمة الرد عليه أحد المسعفين بقوله: "كتفها بينه مخلوع وأسلم حل منجايش جنبه." فوجئ مصطفى من تشخيصهم لحالة ورد وتمتم بشفقة: "مخلوع! حاول التحلي بالصبر قدر المستطاع حتى وصلوا إلى المشفي. ترجل برفقة المسعفين وتبعهم للداخل. لم ينجح في الدخول معها في غرفة الطوارئ، فقابل رفض تام من قِبل الطبيب.
لم يريد خلق مشادة فالوقت ليس مناسباً وفضل المكوث مكانه لحين خروج أحدهم ليطمئنه على وردته. مرت حوالي عشرة دقائق كأنهم ساعات على مصطفى. وأخيراً ظهر الطبيب من الغرفة وأردف بنبرة عملية أمراً مساعديه: "جهزوا العمليات طوالي." صدم مصطفى من ترديده لتلك الكلمة التي خفق لها قلبه رعباً وأسرع في سؤاله بتوجس شديد: "واه عمليات ليه يا داكتور؟ أوضح له الآخر مقصده من الحديث:
"كتفها مخلوع ولازم لها عملية، بالمناسبة الجنين زين رغم إن حوصل نزيف من أثر الوجعة بس ربنا ستر، فلو سمحت روح عند الاستجبال خلص إجراءات العملية بسرعة عشان ندخلوها جوام." شعر مصطفى لوهلة بأنه أضاع سبيله ولا يعلم طريق العودة، فالأحداث جاءت متتالية لم يستوعبها عقله بعد. قطع عليه تشابك أفكاره صوت والده الذي دوى في الأرجاء: "مالها ورد يا مصطفى إوعاك تكون عملت لها حاجة."
تجهمت تعابير مصطفى فما الذي يمكنه فعله مع وردته لكي يلقى تحذيراً ساذجاً كتحذير والده. حرك رأسه مستنكراً، فأسرع عسران في توضيح الأمر حين استشف ضيق مصطفى: "ديي وجعت من على الحصان يا عمدة." تخطاهم مصطفى معللاً سبب ذهابه: "رايح أخلص إجراءات العملية في الاستجبال." أنهى مصطفى جميع الإجراءات اللازمة سريعاً لكي تبدأ ورد في الحين. أنهى جميع المطلوب ثم لم يستطع الجلوس بينما حبيبته في الداخل يُجرى لها عملية. أهي تتألم؟
أهي تشعر بما يفعلوه بها؟ أجنينه يتألم؟ متى تكون ذاك؟ لما ليس على علم به؟ أوصد عينيه يلوم أفكاره الساذجة التي ليست في محلها الآن. انتبه لإهتزاز هاتفه الموضوع على وضعية الصامت، سحبه من جيبه فإذا بها والدة ورد. تردد في إجابتها لبعض الوقت لكن عليه إبلاغها بما حدث، حتماً ستكون قلقة بشأن غيابها الذي طال. أجاب وهو لا يعي كيفية إخبارها بتلك المصيبة الفاجعة. ابتلع ريقه واستمع إلى استرسالها:
"غيتني يا مصطفى ورد بجالها ياجي ساعة مخابراش عنيها حاجة ملجيتهاش في أوضتها ولا في أي حتة حدانا جولت أكلمك يمكن تكون خابر بمكانها." تنهد مصطفى، فأثار قلق السيدة سنية وتسائلت بخوف قد سيطر على خلاياها: "معناتها إيه التنهيدة ديي يا ولدي طمني." حمحم مصطفى قبل أن يردف: "ورد ركبت الحصان ووجعت من عليه وإحنا دلوك في المستوصف." ضربت سنية صدرها بقوة مرددة بذعر: "بتي حوصلها حاجة يا مصطفى طمني الله يطمن جلبك." أجابها بقلة حيلة:
"مخابرش حالتها يا خالة هي في العمليات دلوك لما تخرج هنعرفوا." جحظت عيني سنية بصدمة حلت على تقاسيمها وبلهفة شديدة سألته: "يا مصيبتي هي حصلت عمليات، يا وجع جلبي عليكي يا بتي." صمتت سنية لبرهة ثم تابعت ناهية الحوار: "أني جاية حالاً." أسرع مصطفى قبل أن تغلق الهاتف بقوله: "خليكي يا خالة وأني هبعت لك عربية تجيبك لهنه." شكرته سنية ثم أغلقت الخط.
لم تطيق الانتظار والمكوث في مكانها وقررت الوقوف في الخارج حتى تستقل في السيارة أسرع فور وصولها. بينما اقترب مصطفى من باب الغرفة على أمل أن يحظى برؤية وردته لكنه فشل، فكان هناك حاجزاً أمام الباب يمنعه من التملق في شيئ آخر غيره بعدما كلف أحد رجاله بالذهاب إلى والدة ورد ليصطحبها إلى هنا. أضطر إلى الرجوع للخلف وانتظار مرور الوقت الذي يكرهه، فهو يمر بتمهل شديد ولا يحدث أي جديد.
وصلت السيدة سنية بخطى مهرولة، ألقت التحية على الجميع وتوجهت مباشرةً إلى مصطفى متسائلة في قلق: "مفيش جديد ياولدي؟ أومأ لها مصطفى نافياً قبل أن يجيبها بلهجة قلقة: "لاه لساتها جوا." وضعت السيدة سنية يدها أعلى يسار صدرها وتمتمت داعية ربها: "ربنا يطمنا عليكي يابتي." فُتح باب الغرفة ما أن أنهت السيدة سنية دعائها. تنحيا جانباً هي ومصطفى لكي يسمحوا للطبيب في المرور. سأله مصطفى متلهفاً لسماع ما يسُر قلبه على ورد:
"طمني يا داكتور؟ خلع الطبيب كمامته الطبية وأجاب على سؤاله بعملية: "العملية عدت على خير إطمن." أزفر الجميع أنفاسهم براحة اجتاحت قلوبهم. ظهر طيف حبيبته غافية على الناقلة. امتعض مصطفى لوجهها المكشوف دون حائل. لم يكن في مقدرته سوى إفراغ غضبه في رجاله أمراً: "لفك وشك منك ليه." أولى الرجال ظهورهم إليه سريعاً بينما تعمد مصطفى عدم الابتعاد عن الناقلة وكانت خطاه على نفس خطى عجلاتها لكي يمنع الأعين المتطفلة من رؤية وردته.
يكفيه ذلك الغبي الذي يتنقل بها متوجهاً إلى إحدى الغرف. كم تمنى لكمة لكن ما يمنعه أنه يتحاشى النظر عن ورد. انسحب الطبيب برفقة التمريض وباتت الغرفة خالية إلا من مصطفى ووالده والسيدة سنية التي ظلت مرافقة لإبنتها رافضة الابتعاد عنها قبل أن تطمئن عليها. طُرِق الباب عدة طرقات ثم فُتح قبل أن يُسمح له بالدخول. تجمعت تعابير مصطفى وتوجه نحو الباب لكي يشتبك مع الدخيل إلا أنه رأى والدته فتبخر غضبه وارتخت ملامحه.
تنفس الصعداء وعاتبها بلطف: "زين أنه أنتِ كنت هتعارك مع اللي دخل أكده من غير لا إحم ولا دستور." ابتسمت له السيدة نادرة وتسائلت عن ورد بحب: "كيفها ورد دلوك ياولدي؟ رمش مصطفى بأهدابه ليبث فيها الطمأنينة مجيباً إياها بنبرة رخيمة: "زينة العملية عدت على خير بس لساتها مفاجتش." ربتت نادرة على ذراعه تأزره في محنته: "ربنا يطمنا عليها يا ولدي."
تابعت نادرة خطواتها إلى الأمام ورحبت بالسيدة سنية بحفاوة ثم انضمت إليهم مشاركة إياهم في الحديث. حتى قطع أحاديثهم خليل بسؤاله: "ألا جولي يا مصطفى أني سمعت الداكتور عيجول الجنين بخير ولا ديه كان تهيئات؟ تذكر مصطفى ما قاله الطبيب ولوهلة ظن أنه يحلم لعدم أخذ تأكيداً من الطبيب على ما أخبره به: "والله يا أبوي أني نفسي مخابرش إذا كان اللي سمعته ديه صوح ولا لاه، إتلهيت في العملية ونسيت أسئله." تدخلت نادرة مهللة بسعادة عارمة:
"يا ألف نهار أبيض على الاخبار الزينة." تذكرت سنية حالة ورد التي عليها منذ فترة وفكرت بصوت عالٍ: "ورد بجالها ياما حالتها مش اللي هي أني شكيت بس مردتش أعشمها جبل ما نتوكد لاول." تقوس ثغر مصطفى بإبتسامة عذبة وهو يرسم عدة مشاهدة لذاك المولود الجديد قبل أن ترتخي ملامحه بذهول لحديث والده: "بردك أتأكد يا ولدي أصل يطلع ما كيف ما عيسموه حمل كاذب." حملق به مصطفى لثوانٍ ثم رد عليه مستاءً: "ليه هي متجوزة جفص جوافة؟
انفجرت السيدتان في الضحك ولم يسيطرن على ضحكهن بسهولة. حرك مصطفى رأسه مستنكراً ما يفعلنه ناهيك عن حديث والده الذي استشاطه غيظاً. التزم خليل الصمت فعلر ما يبدو أنه أخطأ في حق ولده. انتبهوا جميعاً على أنين ورد الخافت. أسرع مصطفى من الجهة اليمنى التي كانت أقرب في الوصول إليها كذلك اقتربت منها السيدة سنية من الجهة الأخرى. انحنى عليها مصطفى وسألها باهتمام: "عاملة إيه يا ورد؟ بنبرة ثقيلة للغاية تمتمت بدون استيعاب لما تتفوه:
"فين المانجة يا مصطفى؟ قطب مصطفى جبينه بغرابة وسألها مستفسراً: "مانجة إيه عاد يا ورد دلوك؟ بصعوبة أجابته: "اللي سرجتها من الدار اللي جار السرايا." اتسعت حدقتي مصطفى على آخرهم مذهولاً من تلك الفضيحة التي تسببت بها. انحنى ليكون أقرب إلى أذنها وهمس قائلاً: "إكتمي فضحتيني يا واكلة ناسك." قهقهت ورد عالياً كما ارتفعت نبرتها وهي تضيف على ما قالته: "بوك كان عيجول مشافش حرامي مانجة مخابرش إن ولده اللي سرجها."
تضاعفت ضحكات ورد بثقل مما أثبت للجميع أنها غير واعية لما تقول حتماً أثار المخدر مازال يغيب عقلها. استدار مصطفى برأسه للخلف فتفاجئ بأعين الجميع يرمقانه بدهشة مرسومة على تعابيرهم. نهض خليل من مقعده وتوجه نحوهم وبنبرة متحشرجة سألها: "وإيه كماني يا ورد جولي في اللي جوفك كلاته." رمقه مصطفى بنظرات مذهولة غير مصدق لما سمعه للتو وردد: "واه يا أبوي ديي كانت مرة مفيهش غيرها، كنا بنلعبوا الشايب وحكمت عليا."
حرك خليل رأسه مستنكراً حديث ولده: "يا عيب الشوم عليك يا ابن الجبلاوي على أخر الزمن بجيت حرامي عشان الشايب!! شعر مصطفى بالخجل يعصف به من خلف كلمات أبيه الساخرة. عاد بنظره إلى ورد متوعداً لها بعد أن تستعيد وعيها. نهره خليل بنبرة آمرة: "جوم روح اتوكد من حديت الداكتور عن الحمل ولا أنت متعرفيش غير تسرح المانجة من عند الخلج؟ عاتبه مصطفى بغيظ: "خلصنا يا أبوي بجا."
أسرع خطاه إلى الخارج قبل أن يلقى سخرية أخرى من قبل والده بينما ضحكتن السيدتان على موقف مصطفى أمام أبيه الذي لم يتوقف عن إيلامه. "لاه ياما محضرش الفرح ديه." أردفتهم بحنق بينما تلقت الرد من والدتها: "ومين ليه نفس يحضر يا مروة بس ديه أخوكي يا حبيبتي ولازمن نحضروا الخلج تاكل وشنا." برفض تام هتفت: "ولو ياما ولدك جرح جلب البنية وفضحها جدام الخلج وأني لا يمكن لساني يخاطب لسانه بعد أكده." نهرتها والدتها بعصبية بالغة:
"وأني اللي فاكراكي مش راضية عن جوازته بالبت ديي، طلع جلبك على اللي ما تتسمي التانية، مش عارفة يارب ألاجيها من الواد ولا البت ربنا يهديكي يا بسمة أنتِ اللي فيهم." انتبهت مروة لنزول طاهر فأنهت المكالمة على الفور: "سلام ياما هكلمك بعدين." لحقت بها أميمة قبل أن تغلق معقبة: "هتاجي ولا لاه يابت؟ بنبرة سريعة أجابتها: "بعدين بعدين." وضعت الهاتف جانباً ثم اقتربت من زوجها مُشكلة إبتسامة رقيقة على محياها مرحبة به: "صباح الخير."
تفاجئت مروة بالقُبلة التي توسطت جبينها، شعرت برجفة قوية سرت في أوصالها فجاءة. خرجت من حالتها التي انحشرت بينها على رده لتحيتها: "صباح النور، أني بجول تروحي تجضي اليوم من أوله في دار بوكي عشان تروحي وياهم الفرح، أنتِ أكيد خابرة إني ممهوبش دار أخوكي ديي ولو إيه حوصل." تعجبت من حديثه المبهم وأبدت رفضها فيما يحثها على فعله: "بس أني مش هروح يا طاهر." عاتبها طاهر بنظراته قبل كلماته فتعجبت هي من إشارات عينيه.
أخرج طاهر تنيهدة حارة وبدأ حديثه دون ممطالة ليرضي فضولها: "أني سمعت حديتك مع أمك ومعجبنيش اللي إتجال، ديه راح ولا جه أخوكي مينفعش تخسريه عشان حد ديه دمك يا مروة واللي بيني وبينه ملكش صالح بيه واصل ولو فاهمة إني هزعل لو روحتي فأحب أجولك إني هزعل بجد لو مروحتيش." حاولت مروة معارضته: "بس.... قاطعها حاسماً الأمر: "مبسش يا مروة هتروحي الفرح ويلا إطلعي حضري حالك عشان أوصلك عند أهلك."
طالعته لوقت ثم بهدوء مالت على صدره مرددة بنبرة مُتيمة: "إنت كيف حلو أكده؟ بدون تفكير ولا زيف في الحديث أجابها: "بحاول أتعلم منك." رفعت رأسها للأعلى لتقابل سودتاه ولم تمنع البوح بمشاعرها في تلك اللحظة الثمينة: "بحبك جوي يا طاهر." شعور لا يوصف، لا يضاهى بثمن، تأتي أثمن اللحظات في أشد الأوقات ضعفاً لتداوي الجراح وتقوي هشاشة القلب المنكسر. ملس طاهر على وجهها بنعومة وحثها على الإسراع قائلاً: "يلا همي جهزي حالك."
على الرغم من انتظارها لتصريحه هو الآخر بحبه لها إلا أنها اكتفت بتصرفاته التي لم تفشل مرة في أسر قلبها. هي متأكدة من أن هناك وقت مقدر لذاك التصريح العظيم وسنتنظره بفروغ صبر. ابتعدت عنه لكي تجهز ما ستحتاجه في زفاف شقيقها ثم عادت إلى طاهر من جديد بعدما بدلت ثيابها بأخرى. خرج كليهما متشابكين الأيدي وتوجهوا إلى الطريق الذي يصل آخره إلى منزل عائلتها سيراً على الأقدام.
مرت ساعة تلو الأخرى والثالثة على وشك الانتهاء ولا يحدث جديد. لم تستعيد ورد وعيها بعد، حتى هلوسة عقلها لم يعد لها أثر. قلق مصطفى حيال ذلك وقرر محادثة الطبيب لكي يطمئنه عليها. بالفعل حضر الطبيب وأعاد فحصها ثم وقف بقامة منتصبة وأشار إلى مصطفى أن يسبقه للخارج. لم يطمئن كلاً من الحاضرين من تلك الإشارة المبهمة وتبعوا الطبيب إلى الخارج خلف بعضهم ليعملوا ما بها. صدح سؤال مصطفى في الوسط ما أن خرجوا جميعاً من الغرفة:
"إيه يا داكتور خير؟ تنهد الطبيب وأخبره على ما استنتجه: "مرتك زينة وفايجة بس شكلها خايفة من حاجة، من حد عشان أكده مبتطلعش صوت شوف أنت بجا هي خايفة من إيه وحاول تطمنها منيه، عن أذنكم." غادرهم الطبيب بينما تبادل ثلاثتهم النظرات المذهولة. حسم مصطفى الأمر قبل دخول أحدهم إليها بقوله: "أني رايد اكون معاها شوية لوحدينا." لم ينتظر إجابة أحد ودلف بخطاه للغرفة وهو يهتف بنبرته الرخيمة: "لَمَّا رَآنِي فِي هَوَاهُ مُتَيَّماً
عَرفَ الحَبِيبُ مَقَامَهُ فَتَدَلَّلاَ فَلَكَ الدَّلاَلُ وَأنتَ بَدرٌ كَامِلٌ وَيَحِقُّ لِلمَحبُوبِ أن يَتَدَلَّلاَ." انتهت كلمات الغزل فيها مع انتهاء خطوات وصوله إليها. جلس على طرف الفراش من الجانب الآمن لها حتى لا يسبب لها الألم في ذراعها. بهدوء مختلط بالندم أردف: "إصحي يا ورد خابر أنك صاحية، خايفة مني؟ أني بجيت بخوف للدرجة ديي؟ أبعدت ورد أهدابها المتلاصقة عن بعضهم وحركت رأسها إلى حيث صوت مصطفى.
انحنى الآخر عليها معاتباً بلطف: "أني أخر واحد تخافي منيه يا ورد، أني حمايتك فاهمة يعني إيه؟ ابتلعت ريقها وحادثته بنبرة خافتة: "خوفت تعرف إني فايجة تهملني تاني، خليتني نايمة عشان صوتك ميبعدش عني! تأثر مصطفى من حديثها ولعن ذاته التي أبعدتها عنه، لكنها لن تفهم أنه رفض قربها حتى لا يمسها أذى غضبه. أوصد عينيه لثوانٍ قبل أن يوضح لها الأمر:
"أني بعدتك عني عشان ميطلكش غضبي وعصبيتي يا ورد، أني لا يمكن أتخلي عنك واصل، أني أبيع الدنيا كلاتها ومشتريش غيرك، ده أنتِ مكانك في السوادة في نن العيون!! طالعته متأثرة من حديثه، دقت أساريرها فرحاً بعودة الحبيب وكلمات الغزل التي اشتاقت إليها. مالت برأسها على يده الموضوعة جانبها بحنان فملس بيده الأخرى على وجهها بنعومة معتذراً مراراً عما اقترفه في حقها.
انتبهوا لطرقات الباب، أبتعد عنها مصطفى سامحاً للطارق بالدخول وإذا به الطبيب المتابع لحالتها برفقة طبيبة أخرى يجهل الواقفين هويتها. تبعهم ممرضتان حاملان أحد الأجهزة الكهربية وقاموا بوضعه إلى جانب ورد. نظرت الطبيبة إلى ورد مرحبة بها بلهجة مصرية: "حمدالله على سلامتك يا مامي، زوج حضرتك قالنا إن أنتوا مكنتوش تعرفوا بالحمل، قولنا نجيب السونار لغاية هنا تشوفي البيبي بنفسك." تدخل الطبيب معرفاً عن هويتها:
"داكتورة سمر داكتورة نسا جاية تطمن على وضع الجنين." نظر إلى الطبيبة وأضاف: "أني برا يا داكتورة لو احتجتي لايتها حاجة." أجابته ممتنة: "متشكرة يا دكتور." وزعت ورد أنظارها بين الجميع بعدم استيعاب. صوبت بصرها على مصطفى متسائلة في فضول: "جنين إيه اللي عيتحدتوا عنيه؟ التوى ثغر مصطفى بإبتسامة عريضة وأخبرها عن ذلك الخبر السعيد الذي تأكد بنفسه منه: "هياجينا هلال الصغير." اتسعت مقلتي ورد غير مصدقة ما قاله. انتبهت لصوت الطبيبة
التي تحثها على شيئ: "بيني بطنك لو سمحتي." رمقتها ورد لبرهة ثم فعلت ما أمرتها به فتابعت الأخرى عملها. كانت عينيها مصوبتان على شاشة الجهاز أمامها كذلك ورد ومصطفى والسيدة سنية ونادرة لعلهم يحظون برؤية الصغير. هتف مصطفى بحنق لعدم رؤيته أي شيئ: "إيه ديه أني مشايفش حاجة." قهقهت الطبيبة وبدأت في شرح ما يجهله بإشارة من سبابتها على نقطة ما على الشاشة: "شايف حضرتك النقطة السودة ديي، ده بيكون الجنين." حملق مصطفى في الشاشة وهتف:
"بس ديه نقطتين أنهي فيهم؟ ابتسمت الطبيبة وبعملية أخبرته: "الأتنين." استدارت إلى ورد وتابعت مضيفة: "مبروك أنتِ حامل في تؤام! تفاجئت الطبيبة بزغاريد نادرة السعيدة بينما انتبهت لسؤال مصطفى: "جنسهم إيه يا داكتورة؟ نهضت من مقعدها وهي تجيبه: "لا لسه بدري علي لما نعرف النوع، هي تمت الشهر الأول إمبارح لسه ٣شهور كمان على لما يظهر النوع." وجهت بصرها على ورد التي مازالت تحت تأثير الصدمة مرددة:
"لو احتجتي حاجة أنا موجودة، بعد أذنكم." اختفى طيف الطبيبة خلف باب الغرفة بينما تلقت ورد التهنيئات والمباركات من الجميع بما فيهم خليل الذي أخبره مصطفى للتو. كانت تشعر بالغرابة من الأمر، أي جنين يتحدثون عنه، فهي لا تشعر بالتغير، لا حركة لا شعور مختلف عن ذي قبل. سمحت ليدها بالتسلل أسفل غطائها إلى أن وضعتها أعلى بطنها وتحسستها برفق وأسئلة رأسها لا تتوقف قط. أهنا يكمن أجنتها؟ تحملهم بين أحشائها؟
هنا سيترعرعان بالداخل ويكبران معاً! ستنتفخ بطنها ويتغير شكلها بالكامل، ستفقد جزءاً من أنوثتها لولاهم، سترزق بإثنين معاً هل هي جديرة بذلك؟ قطع عليها مصطفى حبال أفكارها بسؤاله: "مبسوطة يا وردتي؟ تقوس ثغرها ببسمة تلقائية وبعفوية أجابت على سؤاله: "جوي جوي."
انحنى عليها مصطفى مقبلاً جبينها ثم انتبه لأحاديث الآخرين الذي شاركهم فيها، كذلك كانت تشاركهم ورد من حين إلى آخر ثم تعود بها أفكارها إلى أطفالها التي تحاول رسم أشكالهم في مخيلتها. أدلف بقرب فراشه وألقى هاتفه بتزمجر شديد مردداً بحنق: "أوف ما ترد بجا." التفتت إليه وسألته باهتمام: "مين ديه اللي مبيردش عليك؟ أخبرها بنبرة لا تسمح بالنقاش: "مصطفى أديلي من صباحية ربنا بطلبه على المحمول ومبيردش." حاولت التفكير معه بصوت مسموع:
"ممم طيب ما تطلب عمي أكيد خابر مكانه." طالع لوقت واقتراحها يتردد في عقله وفي ثواني قد فعله فلا يوجد غيره. التقط هاتفه وهاتف عسران الذي أجاب في الحال: "كنت جاي أطخك عيارين على عملتك اللي عملتها ليلة إمبارح بس ممنعنيش غير الشديد الجوي، اللي حوصل جه في مصلحتك يا ضيف أفندي." تأفف ضيف بضجر بائن وأردف بنفاذ صبر:
"بكفياكم عتاب بجا اللي حوصل حوصل وأهو جه في مصلحتنا في الأخر أبوي ناصب لي صوان برا أوبهة والليلة فرحي علي بت أخوك يعني محدش هيفتح خشمه بعد أكده واصل، رايد إيه أكتر من أكده؟ نهره عسران بصرامة: "كان يوحصل أكده بالأصول مش لما البت تتعرض للفضيحة! أبعد ضيف الهاتف عن أذنه مستاءً من تلك الأصول التي لا يتغاضى عنها قط. أعاد وضع الهاتف على أذنه مغيراً مسار الحوار: "جولت اللي حوصل منعك عني إيه اللي حوصل عاد؟
أخبره عسران ما أصاب ورد فصدرت شهقة قوية من صفاء التي تقع إلى جواره تصغي لأحاديث عمها. التقطت الهاتف من يد ضيف وسألته بإهتمام مصحوب بالتوجس: "حصلها ايه يا عمي؟ أخبرها عما يعرفه بصوته الأجش: "أخر حاجة شوفتها وهي خارجة من العمليات، مخابرش عنيها حاجة تانية." أبعدت الهاتف عنها ونظرت إلى ضيف قائلة: "رايدة أروح أطمن عليها يا ضيف." قطب جبينه مستاءً من طلبها وأبدى رفضه:
"تروحي فين يا مخبولة أنتِ النهاردة فرحك ولازمن تتجهزي عشان اليوم ديه، أني هوصل لمصطفى وأخليكي تكلميها تطمني عليها." انتبهت صفاء إلى صوت عمها الصادر من الهاتف مؤيداً حديث ضيف: "اسمعي حديت ضيف يا صفاء رغم إني مش طايجه بس أسمعي حديته." ضحكت صفاء على ما قاله بينما قلب ضيف عينيه متذمراً من ذاك العتاب الذي لا ينتهي. أضاف عسران على ما قاله: "هطلع أديلهم المحمول تطمنوا عليهم، خليكم معايا."
دلف عسران بخطاه بقرب الغرفة القاطن بها الجميع. طرق الباب ثم حمحم بصوت مسموع ظاهراً هويته. أتاه مصطفى بعد قليل متسائلاً: "في حاجة يا عسران؟ ناوله الهاتف موضحاً: "ضيف معرفش يوصلك وصفاء رايدة تطمن علي مرتك." تناول منه الهاتف وعاد إلى الداخل مجيباً على صديقه مرحباً به بحفاوة: "يا هلا بالعريس، سبج وجولنا صباحية مباركة النهاردة نسئلك الجواز حلو؟ نهره ضيف مستاءً:
"أبو اللي يكلمك تاني، كنت مكلمك ابلغك أن أبوي رضي عني وهيعملي ليلة النهاردة كنت رايدك جاري بس شكلك أكده مهتعرفش تاجي." صمت مصطفى لبرهة قبل أن يجيبه: "هشوف أحوالي أكده وأجولك." أسرع ضيف في الإجابة عنه: "يا عمنا لاه خليك في اللي أنت فيه، المهم طمني الأخبار عنديك كيف؟ طمأنه مصطفى وهو يحتضن يد ورد: "زينة حتى هتبجي عم العيال ما إنك متستهلهاش." هلل ضيف عالياً حين استوعب ما يرمي إليه مصطفى: "جول والله."
ضحك مصطفى وهو يطالع وردته ثم أكد لضيف قائلاً: "وتوم كماني." تشاركن الضحك ثم بارك له بحب: "مبروك يا صاحبي ديي الأخبار اللي تشرح الجلب المهم أني مهتنازلش عن ضيف الصغير." بفتور رد عليه: "نجوم السما أبعدلك، بكفايانا مخبول واحد." عاتبه ضيف بحزن مصطنع: "بجا ديي أخرتها ماشي يا ولِد خليل." تدخل خليل متسائلاً: "ماله خليل عاد يا ضيف؟ اتسعت حدقتي ضيف بذهول وردد معتذراً: "سيد الناس يا عمي."
ضحك الجميع على انسحابه من الحوار سريعاً. ناول مصطفى الهاتف لوردته حين أخبره ضيف بطلب صفاء على الاطمئنان عليها حيث تسائلت عن أحوالها باهتمام. بارك لبعضهما البعض على الأخبار السعيدة التي تعود لكلاً منهن كما اعتذرن أيضاً لعدم قدرتهن على مشاركتهن للأحداث الأخيرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!