خرجت اليوم من الحبس بعدما دفعوا لي الكفالة. خرجت بكل كبرياء وشموخ مع السيد حامد لأجد أخي ينتظرنا يتكئ على سيارة تبدو باهظة الثمن. أعتقد أنها تخص السيد فريد، لكني لا أجده. لاحظ قانون نظراتي لي ليقول: "مجاش معانا وإضطر يسافر بسرعة علشان كان في مشاكل في البلد." قلت بتفاجؤ: "مشاكل؟ مشاكل إيه؟ هنا قال حامد بغضب وغيظ:
"طبعاً إنتِ متعرفيش ما إنتِ عايشة في ماية المخلل ولا دريانة باللي بيحصل. جوزك إضطر يسافر إمبارح لإن المحافظ جه على غفلة ومالقاش جوزك موجود. وكمان علتين كبار من أهل البلد إتخانقوا خناقة كبيرة وناس كتير إتصابت من العلتين ومن أهل البلد اللي مالهمش ذنب. وجوزك للأسف كان بيجري وراكي هنا وهنا، ويعيني مكنش بينام وحضرتك ولا على بالك."
شعرت بالذنب الكبير تجاه ما حدث لفريد. ظللت شاردة طوال الطريق في كيف ستكون ردة فعل فريد. هل سيؤنبني؟ حقاً هذا من حقه، ولكن أنا لم أطلب منه أن يترك كل أعماله ومشغله ويركض خلفي هنا وهناك. قلت لنفسي: "حقاً يا عدالة تلومينه على وقوفه بجانبك يا فتاة؟ من ماذا خلقتِ؟
وهكذا ظللت طوال الطريق ألوم نفسي، ثم أدافع عنها بكل قوة، ثم أعود لألومها، ثم أدافع عنها إلى أن وصلنا. دخلت إلى القصر بكل خزي وخجل من فريد. كدت أن أفر صاعدة إلى أعلى، لاكن صوت الخادمة التي نادتنا لأن فريد يحتاجنا. دخلت خلفهم كي لا يراني. نظرت من بين أكتاف أخي والسيد حامد لأجده مشمر ذراعيه منكب على أوراق كثيرة وكأنه طالب جامعي ويذاكر للامتحان آخر العام. قال بعدما خلع نظارته الطبية التي أول مرة أراها عليه:
"حمد الله على سلامتكم." رد عليه السيد حامد: "الله يسلمك يا سيد فريد. ها عملت إيه؟ قال وهو يضع يديه على رأسه بتعب، يبدو أنه يعاني من صداع: "كل حاجة هتمشي إن شاء الله." ثم رفع رأسه لقانون وقال بلهفة: "كويس إنك جيت. عاوزك تاخد صابرين وتروحوا الوحدة تساعدوا الدكاترة والممرضين اللي هناك في علاج الناس." دخلت تلك الفتاة المدعوة بـ (صابرين) والتي قالت لنا أنها أخت السيد فريد. قال لها فريد:
"كويس إنك جيتي يا صابرين، خودي قانون وروحوا الوحدة... قاطعته ببرود: "صابرين اسمي صابرين." ضغط على أسنانه وقال بحنق: "روحي يا صابرين مع قانون الوحدة، يلا."
أشارت لأخي بتتبعها، وياريت للخارج بغضب. أعتقد أنها تعاني مشكلة مع اسمها. ظللت أنظر في أثرها وأثر أخي الذي لحق بها. لا حول، نظرت للأمام مجدداً فوجدت فريد ينظر لي. اقترب مني وأنا أبتلع ريقي بخوف. لأجده يضع يداه على ذراعي ويقول بتلك الابتسامة العذبة التي أصبحت أعشقها. لحظة واحدة كي لا تفهموني بطريقة خاطئة، أنا أعشق البسمة وليس فريد. قال لي بطريقة غريبة علي: "حمد الله على سلامتك." قلت بخوف: "الله... يسلم... يسلمك."
انتزع يداه عني وقال وهو يخلع نظارته الطبية: "كنت عايز منك خدمة يا عدالة، ممكن؟ قلت بتوتر: "آه... لأ... قصدي آه ممكن، خير؟ قال لي وهو ينظر في عيني. لحظة واحدة، هل قلت من قبل أن لديه عينين جميلتين؟ حسناً، إن لم أكن قلت من قبل فأنا أكبر حمقاء أنني لم ألاحظها. وإن كنت قلتها فسأقولها مجدداً، عينيه ساحرتين، أشبه بسمته. أفقت من شرودي وتأملي له على قول السيد حامد بحنق: "إنت اتجننت يا فريد؟
مين دي اللي هتصلح النفوس دي هتشعللها؟ نظر له فريد بهدوء، ثم دار بنظره لي ليكمل: "ها قولتي إيه؟ "إيه؟ قال بتعجب: "إيه إيه؟ في اللي قولته؟ قلت ببسمة غباء: "آه في اللي قولته. هو أنت قولت إيه معلش؟ قاطعه السيد حامد بضحك: "مش قولتلك مين دي اللي تعتمد عليها؟ نظرت للسيد حامد بشر، ثم نظرت لفريد لأقول بثقة: "متقلقش، إعتمد عليا." قال السيد حامد بسخرية: "إنتِ عارفة هو هيعتمد عليكي في إيه؟ قلت بخجل: "لأ، كنت سرحانة شوية."
إبتسم تلك الابتسامة مجدداً، تلك الابتسامة اللطيفة ستجعل قلبي يتوقف. نظرت للسيد حامد ليقول فريد: "عدالة بصيلي عشان تفهمي كلامي." قلت في سري: أيها الأحمق، لو نظرت لك مجدداً فلن أركز في أي شيء سوى عينيك وتلك الابتسامة اللطيفة. قلت بصوت وأنا مازلت أنظر للأستاذ حامد: "لأ متخافش، أنا مركزة. ها قول بقي." قال بصوت حانق: "هتركزى إزاي وإنتِ مش بصالي أصلاً؟ قلت بتأفف: "يا سيدي قول وهفهمك، هي كمية." سمعت صوته يقول:
"طيب عموماً، أنا كنت عاوزك تيجي معايا بكرة في قعدة الصلح اللي ما بين العلتين." نظرت له بصدمة وأنا أشير لنفسي وقلت: "أنا؟ عاوزني أنا أصلح بينهم؟ هز رأسه مع ابتسامته اللطيفة التي اخترقت قلبي كسهم: "أيوه يا عدالة، عاوزك معايا. أنا متأكد إن مفيش حد هيقدر يصلحهم غيرك." قلت وأنا على نفس وضعي: "أنا؟ أنت تقصدني أنا؟ قال بضحك خفيف:
"أيوه، القاعدة هتحصل هنا. وبما إنك سيدة الوالي الأولى وزوجة العمدة لازم تكوني مشتركة في القاعدة دي. ولا إنت إيه رأيك؟ قلت بصدمة: "أنا؟ تقصدني أنا؟ ضحك ليقاطعه السيد حامد بحنق: "أقطع دراعي إن ما هتبوظ كل حاجة. وأنا وأنت أهو." رحل فريد بعدما أخذ بعض الأوراق الموضوعة على المكتب ورحل هو والسيد حامد. لاكن قبل أن يرحل توقف أمامي وابتسم بلطف وأخذ يلعب بخدودي قائلاً بلطف: "أنا واثق فيكي يا عدالة." رحل. لأهمس لنفسي:
"الله يخربيتك يا فريد، يا ريتك شتمتني." قررت أن أذهب لأخي لأخبره بأمر فريد وأستشف أي شيء بخصوص موضوع المشكلة تلك. عندما دخلت وجدت الكثير من الجرحى وكأن هناك حرب قامت وليس مجرد مشكلة. سرت بين طرقات الوحدة. الحالة تبدو صعبة. لقد شعرت بالذنب. لو أن فريد كان هنا وليس معي، يركض خلفي بين الأقسام والمحكمة، لما حدث كل هذا. هل هو حقاً ذنبي؟ شعرت بيد توضع علي، فانتفضت وأنظر خلفي. وكانت صبي أو صابرين. قالت لي بابتسامة:
"بتعملي إيه هنا؟ قلت لها بخوف من أثر الخضة التي تعرضت لها: "جيت أشوف قانون وأطمن على أحوال الناس." قالت ببسمة: "تمام، تعالي ورايا." سرت معها لأسألها: "بقولك إيه؟ أنا حاسة إن طبيعتك إنتِ وفريد غريبة. يعني مش إخوات، مش بتشاكلوا سوا، مش بتضحكوا سوا، غريبة. مش بحسكوا زي الإخوات." نظرت لي ولمحت في عينها أثر حزن وقالت:
"تعرفي إني بحسدك إنتِ وقانون بجد. للأسف أنا وفريد مش زي بعض. أنا اتربيت بره مصر علشان مع ماما وهو اتربى هنا مع بابا لأن ماما مكنتش بتحبه." قلت بصدمة: "هو في أم مبتحبش ابنها؟ قالت بضحك: "حبيبتي، أنا وفريد إخوات مش شقايق. هو من أم وأنا من أم." وقفت مصدومة من حديثها. لتقول بخبث: "واضح إن جوزك بيخبي عنك حاجات كتير جداً. خلي بالك، فريد مش طيب ولطيف زي ما بتشوفي. أنا لو خبيثة، ففريد يبقى تعبان."
صدمت أكثر من حديثها. هي تقول على نفسها خبيثة وفريد أخبث؟ أم لا أفهم؟ هل تكره فريد لهذا تقول هذا الحديث أم أنها تقول الحقيقة؟ قاطعت أفكاري عندما قالت وهي تقترب بخبث: "فريد ممكن يضحي بكل حاجة وأي حد عشان اللي عاوزه. أي حد، فاهمة كلامي يا عدالة؟ أشارت لي: "ادخلي استني قانون جوه، هيجيلك دلوقتي. ومتنسيش كلامي يا عدالة. سلام."
دخلت وجلست على أول كرسي وجدته. أخذت أفكر في حديثها. هدوء فريد الغريب دائماً، طريقته اللطيفة أحياناً، تعبيراته التي تشد أي امرأة. لماذا اختارني أنا؟ لماذا تزوج بي دوناً عن كل النساء؟ ولماذا يتحمل كل مصائبي؟ سينفجر رأسي في التفكير. ليدخل علي أخي. بدا أنه كان متعباً، فآثار الدماء كانت تغطي ثيابه كما أن العرق كان يصب في جبهته. قال عندما دخل: "في حاجة؟ إنتِ كويسة؟ قلت ببسمة: "إيه مالك خايف كده ليه؟ أنا جيت بس أطمن عليك."
زفر بهدوء وجلس بتعب وأرجع رأسه للخلف بتعب ليقول: "آه، أنا تعبت أوي أقسم بالله." قاطعته وقلت: "... نظر لي بحاجب مرفوع وسأل: "إشمعنى؟ "عادي، بسأل." قال ببرود: "بصراحة أنا مبستريحلوش، لا هو ولا أخته. بحسهم مش سهلين، وراهم حاجة؟ مكتومين جداً. بس الأستاذ حامد بيحبه وأنا بصراحة بثق فيه لأنه راجل طيب، بس فريد نفسه لأ." "بس بتسألي ليه؟ قلت بشرود: "مش عارفة يا قانون، بس اللي جاي بينه ما يطمنش."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!