"محكمة" تلك الكلمة التي ظللت أكرهها طوال حياتي البائسة. فأنا من عائلة مهوسة بالقانون، لها تاريخ كبير في المحاكم. أمي كانت محامية، وأبي وكيل نيابة، وجدي وعمي قاضيان. وجميعهم ماتوا. لم يتبق لي سوى أخي الذي استطاع الفلات من تلك اللعنة، والتحق بكلية الطب. وهذا الخبر كان كالصاعقة للعائلة، وقد حاولوا إقناعه بتركها والالتحاق بكلية الحقوق.
خرجت من أفكاري على نغزة مساعدي. نظرت له وكدت أن أتحدث، لكني استمعت إلى صوت القاضي يقول بصوت عالٍ: "الدفاع يتفضل" انتبهت لما يقول القاضي، لذا سارعت بالوقوف وقلت وأنا أقف أمام القاضي: "المحامية عدالة عدل العادل" استمعت إلى أصوات ضحكات خافتة. نعم، فإسمي كان مصدر كبير للسخرية، فمثلما قلت إن عائلتي مهوسة بالقانون. نفخت بضجر ثم قلت بهدوء: "الحاضرة عن المتهم" قال القاضي بصوت واضح: "اتفضلي ابدأي مرافعتك" قلت
وأنا أنظر إلى القاضي بثقة: "سيدي القاضي، حضرات المستشارين، لن أبدأ بمقدمات لكي لا أضيع وقت حضراتكم الثمين، وسأقول أن موكلي لا يتعاطى أي نوع من الحشيش. يستحيل يا سيدي، بل من سابع المستحيلات أن يحدث"
استمعت إلى صوت ساخر، وكان وكيل النيابة، والذي دائما كان الشرير في جميع الأفلام والمسلسلات. عندما يكون البطل محاميًا ويحاول الدفاع عن الشخص المظلوم، يأتي ذلك الشرير يحاول إيقاعه، لاكن البطل وبكل ذكاء يفلت من شباكه. وهذا ما سيحدث الآن. انتبهت إلى صوت طرقات المطرقة الخاصة بالقاضي، نظرت له وجدته يقول: "سمعتي اللي النيابة قالته؟ قلت بتوتر وأنا أهز رأسي بنفي: "سرحت شوية" قال القاضي بضجر:
"النيابة كانت بتسأل عن إثباتك إن موكلك برئ" وهنا استعدت ثقتي وقلت بكل ثقة وأنا أنظر لذلك الشرير وكيل النيابة: "أنا موكلي برئ لأن أسنانه بيضة" صمت بعدما أفحمتهم بمعلوماتي، لاكني تعجبت عندما وجدت ملامح الجميع متشنجة، من أول القاضي إلى الحاجب، وحتى موكلي. استمعت بعدها إلى بعض الهمهمات ليقاطعها القاضي وهو يضرب بالمطرقة ويقول: "وضحي كلامك" قلت بثقة:
"أقصد إن الحشيش بيسوس السنان وبيوقعها كمان، وأنا موكلي مشاء الله سنانه لؤلؤ" تعجبت مرة أخرى عندما علت ملامح التشنج مرة أخرى، لاكن هذه المرة تدخل وكيل النيابة قائلاً بسخرية: "معلش بس إنت عوزانا نفرج عن موكلك علشان سنانه مش مسوسة؟ هززت رأسي بفرحة، وأخيرًا هناك من فهمني. لأستمع إلى أصوات ضحك وهمهمات، وصوت موكلي يقول لقريبه وهو يضرب يديه على وجنتيه:
"الله يخربيتك، استرخصته وجبت لي واحدة هبلة. والله أنا لو مكان القاضي لهجيب لي إعدام" نظرت إلى موكلي وقلت بغضب: "إخرس ياض بدل ما أجيب لك إعدام بجد" مجددًا ضرب القاضي بتلك المطرقة. لكم وددت ضرب رأسه بتلك المطرقة اللعينة التي سببت لي صداع بالرأس. خرجت من أفكاري الشريرة على صوت القاضي وهو يقول بضجر: "يا أستاذة، اللي بتقولي دا مش منطقي أبداً. يعني إيه سنانه بيضة؟
معني كدا أي واحد إسنانه صفرة ولا مسوسة نقبض عليه علشان بيشرب حشيش؟ قلت ببسمة وبدون إدراك إني في قاعة المحكمة: "والله يبقى أحسن، على الأقل هنرتاح من اللي ريحة بقوهم معفنة. ويسلام بقي لو قبضتم على اللي ريحتهم وحشة، وخصوصًا إننا داخلين على الصيف بقي وأنت فاهم الريحة وكدا" ضحكت ضحكة قصيرة لاكني كتمتها عندما وجدت ملامح القاضي أصبحت مخيفة. يقول بحنق: "كملي مرافعتك يا أستاذة وخلصي علشان الوقت" ابتلعت ريقي وأنا
أقول بخوف من شكل القاضي: "أنا بطلب التأجيل لمراجعة أوراقي وحاجتي وأقلامي" "حكمة المحكمة بتأجيل القضية ليوم الأربعاء الموافق... ابتسمت بإرياحية، لاكن اختفت بسمتي لتعتلو مكانها الصدمة، وخاصة بعدما استمعت إلى بقية كلامه: "وحبس المحامية عدالة عدل العادل لمدة 24 ساعة. رفعة الجلسة" قلت وأنا أسير مع العسكري: "الله يخربيتك، هات لي محامي" وقبل أن يسحبني العسكري لخارج قاعة المحكمة، استمعت إلى صوت موكلي قائلاً بصراخ:
"طب وهنعمل إيه القضية بتاعتي؟ قلت بحنق قبل أن أخرج: "اتنيل، كان القرد نفع نفسه"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!