الفصل 2 | من 30 فصل

رواية عروس السيد فريد الفصل الثاني 2 - بقلم فاطمة الزهراء احمد

المشاهدات
26
كلمة
1,909
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

خرجت من حمامي بعدما تخلصت من تلك الرائحة العفنة التي التصقت بي في الحجز. نظرت إلى ذلك الحقير أخي الجالس على الأريكة يأكل بكل تبجح، غير مبالٍ لذلك. اقتربت منه وأنا أضربه على كتفه وأقول بغضب: "إنت جنس ملتك إيه يعني؟ أختك كانت بايته بره البيت وأنت نايم كدا عادي؟ قال وهو يتحسس كتفه: "يعني مش فاهمه، عاوزاني أعملك إيه؟ وبعدين إنت كنت عند الحكومة يعني أنام وأشخر وأنا مرتاح."

أمسكت الزهرية وكدت أقذفه بها، لكن أوقفني صوت الطرق على الباب. ذهبت لأفتح الباب، وجدت رجلاً كبيراً بالعمر يبدو عليه الوقار. سألته: "حضرتك مين؟ شعرت بأخي يقف خلفي ليدفعني للداخل. نظر للرجل لثوانٍ ثم قال: "المهندس إبراهيم فوق في الدور الرابع." قال الرجل بهدوء وبصوت رخيم: "بس أنا جاي عشانك يا قانون." اعتلت الصدمة وجوهنا. لهمست لأخي: "إنت تعرف الراجل الكبير دا ياض منين؟ قال أخي بصدق:

"أقسم بالله معرف ناس نضيفة بالشكل ده. أنا أنضف حد من اللي أعرفهم سعيد وزة." قلت بصدمة وسعادة، متناسية ذلك الرجل الذي يرمقنا بغرابة: "يا ابن الإيه! تعرف سعيد وزة؟ دا عنده معرض عربيات؟ قال بثقة لا تليق مع البجامة (الكاستور) والشبشب الذي يرتديهما: "أنا شخص مقرب جداً ليه، بس أنا اللي مبحبش أتفشخر بمعارفي."

انتبهنا للرجل الواقف بعدما حمحم. وقد أنستني سعادتي أن أخي يعرف سعيد وزة أن الرجل مازال يقف على الباب. ابتعدت ليأخذه ويدخل. وبالفعل دخل وجلسنا بعدما أحضرت الشاي. ليقول أخي: "وخضرتك عاوزني لأيه بالظبط؟ وعرفتني منين؟ قال الرجل بهدوء وبصوت رخيم: "أنا مش بس جايلك يا قانون، أنا كمان جاي لأختك عدالة." نظر لي ليقول: "مش عدالة برده؟ هززت رأسي بالموافقة. ليبتسم ثم قال:

"أنا أبقى حامد، صديق قديم لجدكم العادل الله يرحمه ويغفر له." ترحمنا عليه ليكمل وهو يخرج من حقيبته أوراق أعطاني إياها أنا وأخي لنقرأها، وهو يقول: "دي وصية جدكم الله يرحمه. المفروض إني أديهالكم من زمان، بس بسبب سفري والظروف الصحية منعتني. والحمد لله وفيت بوعدي ورجعتلكم حقكم." أخذ أخي ينظر لأوراق الأرض وهو يقول بهمس: "يااه يا جدي! كنت فاكره ضيع فلوسه في القمار والنساء، بس طلعت ظالمة. كم أنت عظيم يا جدي."

أهتم لحديث أخي وأنا أقول: "بس دي صورة، فين العقود الأصلية والوصية؟ قال وهو يعطيني ورقة: "هتاخدوها بس مش دلوقتي، لما تروحوا لمكان الأرض الأول. العنوان بالتفصيل في الورقة. القرية اللي فيها الأرض اسمها (الوالي) . أستناكم هناك." قال أخي وهو يضع قدم فوق قدم بكبرياء لا يليق بما يرتديه: "ما قولتلناش الأرض دي تساوي كام كدا؟ قلت أنا بهمس: "نزل رجلك يا حيون، الشبشب باين وشكلك عرة." أنزل قدمه بإحراج. ليقول حامد وهو يقف ليرحل:

"مش كتير، حوالي 17 مليون على ما أعتقد." من الصدمة لم أر يده الممدودة لي، لكن ثوانٍ وأدركت وسلمت عليه. ونكز أخي، لكنه ترك فمه مفتوحاً حتى إني لاحظت دخول ذبابتين داخل فمه ولم يخرجا. على ما أعتقد سيأخذون فمه عش زوجية. رحلت مع الرجل، أودعه بعدما أغلق الباب. صرت أرقص كالقرد أجرب، لا أستطيع تصديق الأمر. أقسم أخيراً أفاق أخي من صدمته ليرقص كغوريلا جرباء. ظللنا نرقص ونصرخ حتى توقفت أنفاسنا. لنجلس نحن الاثنان بتعب.

ويقول أخي بفرحة: "إنت إنشاء الله تروحي على القرية وتشوفلنا موضوع الأرض دي إيه؟ وياسلام لو لقيتي حد يشتريها وتجيلي الفلوس وأنت جاية." قلت بسخرية: "مش عاوز DVD بالمرة؟ DVD." قال بحنق: "يااه يا عدالة! إنت مش كدا كدا رايحة عشان تشوفي نصيبك؟ شوفي برده نصيبي ومتبقييش أنانية." قلت بفرحة وأنا أريح ظهري وألعب بشعري: "أنا لو روحت هبيع الأرض وأخد الفلوس كلها وأهاجر بره مصر. وإبقي قابلني لو أخذت مليم واحد."

قال بحزن وبنبرة مستعطفة: "أنا عارف ومتأكد إن كلامك دا من ورا قلبك. أكيد لأني يا تيم، أخذ حق اليتيم حرام." قلت له بسخرية وأنا أذهب لغرفتي لأحضر أغراضي للسفر لتلك القرية: "يا ابني، أنا أكلتي المفضلة مال اليتامة. ها جاي ولا الدور الجاي؟ وبالفعل سافرنا في صباح اليوم التالي. غادرنا منذ الصباح لنذهب لقرية الوالي. تلك قلت بتذمر: "لسه كتير، أنا تعبت. إحنا بقالنا حوالي خمس ساعات." قال أخي بحنق:

"معرفش يا عدالة، أنا بسوق حسب الوصف اللي في الورقة." فجأة شعرت بتوقف السيارة. قال أخي بغضب: "دا اللي كنت عامل حسابه." فتح باب السيارة بغضب ليخرج ويفتح الغطاء الأمامي للسيارة (الكابوت) . نظر لها ثم نفخ بحنق. بالطبع لم أتحدث، فأنا لست بحمقاء لأتكلم معه وهو غاضب. برغم مرح أخي إلا وأنه عندما يغضب يتحول. لذا أتجنبه لدواعي أمنية. مرت ساعات لا أعلم عددها، حتى توقف أمامنا سائق توكتوك. قال وهو ينظر للسيارة: "في حاجة يا باشا؟

قال أخي بهدوء: "لا أبداً، دي العربية عطلت وكنا رايحين قرية إسمها الوالي." قال الرجل بتهلل: "دي قريتي يا باشا. اتفضلوا أوصلكم، دي مش بعيدة." قال أخي بهدوء: "لا متشكرين، مش هينفع عشان الشنط. إحنا عاوزين بس ميكانيكي." قال بعدما خرج من التوكتوك: "ياباشا، العربية مش هتشتغل، عاوزالها ميكانيكي. ومش هتلاقيه هنا، مفيش غير واحد بس ودا في قرية تانية، لأن الميكانيكي اللي في قريتنا عيان." قال أخي بشك:

"إنت عاوز تفهمني إن مفيش في قريتكم غير ميكانيكي واحد؟ قال الرجل بضحكة خفيفة: "من حقك متصدقش. أصلك مش من قرية الوالي، اللي مش أي حد ممكن يشتغل فيها كدا عادي." صمت. ثم نظر لي وأكمل: "بص يا باشا، أنت معاك حريم، ومينفعش تقعد كدا. الدنيا هتليل عليكم. وبعدين ياسيدي سيب الشنط وخد الحاجات المهمة واركبوا معايا، وأنا بنفسي هروح أجيب الميكانيكي من القرية التانية. وبعدين هحاسبك، متقلقش."

نظر لي أخي، لأهز رأسي برفض. بالطبع هذا الرجل نصاب. من ذا الذي يترك مشغاله لأجل أشخاص لا يعرفهم؟ نرى تلك المواقف فقط في السينما. لكن إن نزلت لأرض الواقع، فستجد غابة. هذا الرجل بالتأكيد يعمل لدى عصابة ويريد خطفنا، أو يريد أن نذهب ليتمكن من سرقة أشياءنا. استمعت لأخي يقول: "طب اديني بطاقتك." ابتسم الرجل وأخرج البطاقة وهو يقول: "حقك ياباشا." وضعها أخي في جيبه بعدما تفحصها، ليقول: "هديهالك لما أجي أحاسبك."

هز الرجل رأسه وهو يصعد للتوكتوك. وبعدها صعدت بحنق. ليقول أخي: "أعمل إيه؟ مكنش في حل تاني. الدنيا هتليل، وبعدين متخفيش، إنت معاكي راجل مش نحمده." سار بنا، وأنا أذكر الله وأضع يدي على قلبي وأدعو الله أن يحفظنا أنا وأخي. لاحظ السائق توتري ليتحدث معنا محاولاً تخفيف القلق. وظل يتحدث ويتحدث، وأخي يرد عليه وقد اندمج معه كثيراً. حتى قال الرجل: "يعني إنتوا جايين عشان أرض؟ إنتوا كدا لازم تروحوا للسيد فريد."

تعجبت من الأمر. لماذا السيد فريد؟ هل هو سمسار؟ قاطع أخي أفكاري ليسأل نفس سؤالي: "هو الأستاذ فريد دا سمسار؟ ضحك الرجل وهو يقول: "سمسار إيه؟ السيد فريد دا يبقى العمدة. ومفيش كبيرة ولا صغيرة بتحصل غير بموافقته. أمال أنا كنت بقولكم مفيش غير ميكانيكي واحد ليه؟ عشان السيد فريد هو اللي بيحدد مين اللي بيشتغل ومين لا. ولو السيد فريد ما رضاش إن الأرض بتاعتكم تنباع، انسوا إنها تنباع." نظرت أنا وأخي إلى بعضنا بتعجب. ماذا وكيف؟

متى هذا فريد الذي يتحكم في عمل الناس؟ أي جبار هو هذا؟ بالتأكيد أول شيء خطر ببالي هو رجل في الخمسين من عمره يرتدي جلباباً ولديه شارب أبيض طويل وتظهر التجاعيد عليه، ومتزوج أكثر من اثنين. رجل شرير، ظالم، فاسد.

انتبهت على توقف التوكتوك والرجل يخبرنا أنه هذا قصر السيد فريد. وقد كان، فكلمة قصر لا تليق إلا بهذا الشيء العمالاق. رحل الرجل وقد رفض أخذ المال من أخي، مخبراً إياه أنه سيذهب لإحضار الميكانيكي أولاً، وأنه لن يأخذ مالاً إلا عندما يتأكد من إصلاح والاطمئنان على السيارة. وقد زاد ذلك الشيء شكوكي نحو هذا الرجل. فكيف يكون متساهلاً في حقه بطريقة مرعبة هكذا.

نظرت لأخي لأجده عاد لطبيعته بعدما هدئ غضبه. دخلنا بعدما أخذتنا الخادمة لغرفة الجلوس. لنجد السيد حامد جالساً يشرب الشاي بهدوء. وبمجرد أن رأنا قال: "مكنتش متوقع إنكم تيجوا بالسرعة دي، بس كويس عشان أقول كلامي مرة واحدة." قلت بتعجب: "كلام إيه؟ قال وهو ينادي للخادمة: "هتعرفي دلوقتي يا عدالة، متستعجليش." قالت الخادمة: "تشربوا إيه؟ قال أخي أولاً: "حمام." نظرت له بتعجب لأضحك وأقول: "بيهزر؟ هات لنا ميه."

رحلت الخادمة. لأنظر لأخي بحنق. قال بتذمر: "كنت عاوز أجرب الحمام. السواق قالي الحمام المشوي هنا تحفة." قلت بغضب: "دا أنا اللي هعملك تحفة وأعرضك في المتحف المصري."

ثوانٍ وأحضرت الخادمة الماء، لأمسكه لاكن توقفت عندما رأيت رجلاً يدخل للغرفة. لم يكن رجل عادي. لقد كان غريباً، ليس غريباً بالمعنى الحرفي، أن له ثلاثة أعين. مثلًا، بل كان به شيء شدني لأتأمل تفاصيله. من أول شعره البني الذي لم يكن ناعماً جداً ولا مجعداً، بل كان ناعماً مع بعض التجاعيد البنية، وعينيه البنية، وبنطاله القماش البني أيضاً. أعتقد أنه مثلي يفضل البنيات. لاكن لم يكن كل شيء بني. لقد كان يرتدي قميصاً أبيض وحمالات، ولديه بشرة حنطية، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة رأيتها كانت عذبة وصافية، هادئة.

لم أشعر بنفسي إلا عندما حمحم أخي بجانبي وقال بحنق: "بطلي تبصي عليه، الواد نفسه اتحرج." قلت بحرج: "أنا آسفة، بس أول مرة أشوف ناس نضيفة كدا. قعدتي مع المجرمين نسّتني أشكال الناس." نظر ثم قال: "عذرك طبعاً. الواد نضيف نضيف، تقول إيه أمه كانت بتتوحم على شوكولاتة جلاكسي." انتبهنا عندما تعثر في السجاد وكاد يسقط. لاكنه تماسك. لأنظر لأخي بحنق: "مبسوط أهو؟ كان هيتكسر دلوقتي."

فكرت أنه بالتأكيد ابن ذلك العمدة. وبالتأكيد مثل الأفلام يكون ابن العمدة فاسد، يشرب الخمر، يضحك على الفتيات الحمقاوات. لذا لم أعره انتباه عندما اقترب مني ليصافحني. أخذت أشرب الماء. ليقول السيد حامد وهو يحاول جذب انتباهي: "السيد فريد عمدة البلد." لم أشعر بنفسي إلا عندما بصقت عليه كل ما شربته من الماء. لينصدم السيد حامد. وانصدمت عندما تحول وجهه من الابتسامة الجميلة إلى الجمود. شعرت بأن القادم لن يكون بخير أبداً.

لذا قلت: "يا عيني عليك يا قرمط." همس أخي بجانبي من شكل فريد: "هنطرمط." أسرع السيد حامد وأحضر منديلًا من القماش ليحاول تجفيف وجهه. وأنا أنظر له بحرج. ليقول وهو يبعد يد حامد بهدوء: "خلاص، محصلش حاجة. اتفضلوا." أشار لنا بالجلوس. فجلسنا. وأنا أشعر بالحرج من نفسي. لاكن لقد كان الأمر صادماً بالنسبة لي. فكيف لهذا الشاب الوسيم أن يكون عمدة البلد؟ فكرة في كل الأفلام والمسلسلات. كيف تكون شخصية العمدة الشاب الوسيم؟

لاكن لم أتذكر، لأنه وربما لم يكن. انتبهت لحمحمة السيد حامد وهو يقول: "أنتم كنتم سألتموني على الأوراق الأصلية للأرض والوصية." بالطبع لم أرفع رأسي حتى، لكني سمعت أخي يجيبه. ليكمل: "تمام. الأول حابب أعرفكم تاني بعمدة البلد، السيد فريد. مفيش كبيرة ولا صغيرة بتحصل ولا هتحصل إلا ولازم يكون عرفها ويوافقها كمان. دا قانون البلد هنا. تاني حاجة بقي هي إن مفيش ورق للأرض هتخدوها مني إلا لما تحققوا شرط الوصية."

هنا رفعت رأسي منتظرة أن يكمل. وبالفعل أكمل: "وهي إنكم لازم تعيشوا في قرية الوالي لمدة سنة." وهنا لم أستطع إمساك لساني السليط لأقول بغضب: "نعم نعم نعم نعم! نعيش إيه؟ ليه إنشاء الله؟ لا يا حبيبي، أنا فاهمة أوي المسلسل الهندي، التركي، العربي دا اللي هي هنقعد هنا لمدة سنة ونشتغل كمان هنا فنحب الناس الحياة ونلعب بالوز ونروح نتجوز البطل، وهو يتجوز أخت البطل." كانت تشير على أخيها لتكمل وهي تضرب يديها ببعضهم:

"لا يا حبيبي، أنتم باين عليكم طامعين في حتت الأرض بتاعتنا وعاملين الحوار الأ هبل ومفكرني كروديا. لا فوق يابا منك له، دا أنا دايرة على أقسام مصر كلها. دا أنا نص حياتي عشتها مع المجرمين." وهنا قال قانون وهو يقف: "حصل. دول كانوا بيشوفوها أكتر مني والله، وخصوصاً نبيلة أم بلحة." تذكرت أيام من الماضي لأقول بحنين: "يااه! أم بلحة! دا أنا اللي يعتبر ربيت بلحة. يا ترى بقي عامل إيه دلوقتي." اقترب ذلك العمدة قائلاً

بهدوء بعدما تركني أصيح: "إنت فاهمة الموضوع غلط." "لا يا حبيبي، اللي يجي على عدالة مياكلش بقلاوة." كاد يقول: "أنا مبحبش البقلاوة. ثم إيه علاقة البـــ... كاد يكمل. قاطعته بضربة من رأسي على رأسه (روسية) . ابتسمت بنصر ثم أسقطته على الأرض. آخر ما سمعته صراخ أخي الأحمق بفرحة وهو يقبل فريد من وجنتيه. "الله أكبر عليك! عملتها إزاي دي؟ ثم نظر لي قائلاً: "ربنا يهدك يا مفترية." ثم نظر لفريد: "ها بقي هنقعد فين؟

على فكرة أنا مش معاها." وهنا أغمضت عيني ولم أرَ شيئًا سوى عيون السيد فريد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...