كنت أضحك على ما تفعله الحمقاء عدالة، فأنا أعرفها عندما تتقمص تنسي من هي ومع من تتكلم. كانت بين يدي فريد كالجرو الصغير الخائف، فكنت أضحك عليها. عندما شعرت بأحد يقف بجانبي، نظرت فوجدتها قرار. ابتسمت لي وأنا أيضًا ابتسمت لها.
وما كادت تتحدث حتى شعرنا بضرب نار. نظرت فوجدت هجومًا من بعض الرجال الملثمين. أمسكت بيد قرار واختبأنا وراء أحد البيوت. نظرت لأطمئن على أختي فوجدت أنها بأمان مع فريد. حمدت الله وأمسكت برأس قرار وأدخلتها في أحضاني لكي لا ترى منظر الدماء هذا. وكان الأمر أيضًا مع عدالة، ولكن فريد ربط عينها بمنديل قماشي وأمسك سلاحه وذهب ليضرب نيران مع رجال المدعو مصطفى.
حاولت المرور للاطمئنان على عدالة وأن لا أتركها بمفردها، لاكن لم أستطع بسبب تشبث قرار بي وبسبب طلقات النيران. عندما رآني فريد ركض بسرعة اتجاهي وقال بصوت لاهث: "قانون خد البت اللي معاك وحاولوا ترجعوا البيت وأنا هاخد عدالة معايا." قلت له بسرعة: "طب ما اخد عدالة برده." قال لي وهو يخبئ مسدسه:
"مينفعش علشان نعرف نشاتتهم. هما جايين علشانا فلازم نتفرق وحاول ترجع بآمان وأنا رجالتي في الطريق هتوصل وتخلص عليهم بسرعة يا قانون يلا." قال كلماته الأخيرة بصراخ. لامسك أنا بيدي قرار وقبل أن أرحل قلت له: "خلي بالك من نفسك وحاول توصل بدري." تعجب من حديثي وقال: "مش المفروض تقولي خالي بالك من عدالة وانها توصل بسلامة." قلت له بسخرية قبل أن أرحل من اتجاه معاكس: "لا عدالة خلاص وصلت السودان وانت طيب."
لم يفهم حديثي، فنظر للمكان الذي ترك به عدالة فلم يجدها. ليمرر النظر في المكان فلمح أثرها تسابق الريح. فقال وهو يركض ليلحقها: "يابنت الغدارة إستني يا بت." ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كنت أركض وأركض، لم أشعر بقدمي ولا أعلم أين سأذهب. كل ما أعلمه أنني أخاف وأريد الاختباء بين أحضان أخي. ولأني لم أجده فقررت الهروب بعيدًا. كانت دموعي تتسابق مع خطوات قدمي لترى من الأسرع.
شعرت بركض شخص خلفي، فأسرحت أكثر. حاولت النظر خلفي لأرى من هو، ولاكن دموعي منعت عيني من الرؤية. لذا واصلت الركض حتى شعرت بتوقف الراكض خلفي. لذا توقفت أحاول أخذ نفسي. وما كدت أفعل حتى شعرت بمسدس يوضع على رأسي. يبدو أن هذا الراكض استطاع الإمساك بي. مسحت دموعي وأنا أرتجف من الخوف. نظرت وكان رجلاً ضخمًا أسنانه صفراء، يبدو أنه يشرب السجائر أو الحشيش. نظر لي بمكر وقال بصوت خشن مريع: "أهلا أهلا بعروس السيد فريد الجديدة."
كان ينظر لي بتفحص ونظرات حقيرة جعلت الخوف يسري في كل أوردتي. وكل ما استطعت فعله الآن هو البكاء ودعاء الله في سري. أكمل وهو ينظر لي بجراءة: "لا بس المرادي فريد بيه عرف ينقي بصحيح." وما كاد ينتهي من حديثه حتى وجدته يرمى على الأرض بفعل شخص. وما كدت أنظر حتى ضمني هذا الشخص لأحضانه. وسمعت صوت ضربات نيران. يبدو أن هذا الشخص بعدما أسقط الرجل ضربه بالنيران.
أنا أعرف هذا الشخص جيدًا، هو ما كان دائمًا منقذي في صغري. إنه أخي. رفعت رأسي له فوجدته فريد. تعجبت كثيرًا. لأجده يبتسم لي وقال: "أنت كويسة." هززت رأسي بالإيجاب، وسألته: "قانون فين." قال بهدوء وهو يدهثني في أحضانه ويستنشق رائحة شعري: "أخد قرار وهربوا." قلت بفزع: "لا مستحيل قانون يسبني ويمشي." ابتعد عني. قال بهدوء: "أنا معرفش، أنا رحتله علشان يجي معانا لقيته هرب مع قرار."
لا أعرف لما لا أستطيع تصديق كلامه. أنا متأكدة من كونه يكذب. يستحيل أن يتخلى عني قانون ويرحل هكذا من دون سبب. سألني هو يرفع رأسه لي: "أنت زعلانة." هززت رأسي بنعم. ليبتسم ويضمني له ويقول: "ما تزعليش، أنا معاكي." ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أمسكت بيد قرار وأخذت أركض وأركض حتى صرخت بي: "أستني يا عم الحج نفسي اتقطع." قلت لها وأنا أخذ نفسي بصعوبة بسبب الركض: "يلا بسرعة هيحصلونا." قالت
بسخرية وهي تنظر للخلف: "مين دول اللي هيحصلونا انت ما خلاص يا بابا معدلهمش أثر خلا... ما كادت أن تنهي الجملة حتى استمعنا لصوت طلقات نيران. فقلت بحنق وأنا أسحبها خلفي وأركض: "نقيتي فيها يا بنت الفقرية." تعبنا من الركض فاختبأنا خلف شجرة. شعرنا بصوت خطوات شخص. لتقول لي وهي تعطيني صخرة ليست صغيرة جداً ولا كبيرة: "خد أول ما يعدي اضربه." قلت لها بهمس: "طب ما تضربي انت." نظرت لي وقالت بحنق:
"مش انت الراجل، افرضي جيت أضربه راح ضربني أنا." قلت بحنق: "يا سلام، طب ما افرضي ضربني." قالت بهمس صارخ: "انت الراجل، أنت اللي المفروض تدافع عني." سمعنا صوت غريب يقول بجانبنا: "متخلصوا بقى، مين اللي هيضرب؟ نظرنا للمتحدث بفزع، وكان هو الشخص الذي مازلنا نقرر من سيضربه. قلت له: "بقي بذمتك شيخ؟ مش هما عملوا فينا فيها أنثى مثقفة ووقت الجد يخلعوا ويقولوا أنت الراجل اتصرف." قال القاتل بحزن:
"نفس دماغ نجلاء خطيبتي، تقعد تقولي أنا أنثى مستقلة، أنا مدركة إيه، وأول ما تقع في مصيبة إلحقني يا أشرف، الحقني يا أشرف." كان يقول جملة "الحقني يا أشرف" بصوت ناعم ساخر وكأنه يقلد خطيبته. فأعطته قرار قراراً بالغضب، ظهر هذا على وجهها، لاكنه لم يهتم ليكمل: "ستات عايزة قطع الرقبة." قلت له بحنق وأنا أنظر لقرار التي تشتعل غضباً: "أيوه والله." قالت هي بحنق: "يا سلام، طالما مش عاجبينكوا بتتجوزنا ليه؟ قال القاتل:
"حكمة ربنا، ربنا ما خلقش آدم لوحده، لازم حواء تكون معاه عشان يكملوا بعض، لا حواء تعرف تستغني عن آدم ولا آدم ينفع يستغني عن حواء، فا حوار إن الأنثى مستقلة دا بطيخ بيضحكوا بيه على عقول الستات، زي موضوع الموضة بالظبط، كل ما تعري جسمك بقيتي على الموضة، كلام فارغ." صمت ثم قال: "بقولكم إيه، اشمئزوا من هنا يلا، انتوا صدعتولي دماغي ولفلفتوني وراكم، غوروا بدل ما أقتلكم." أمسك هاتفه وهو يقول: "أما أروح أكلم نجلاء خطيبتي."
أمسكت بيد قرار التي غرقت في التفكير في حديث القاتل. وقبل أن أرحل سألته: "معلش بس يا أستاذ أشرف، لو مفيهاش إزعاج، نجري كدا ولا كدا؟ كنت أشير له في اتجاهات، فاشار لي في اتجاه مختلف تماماً وهو يقول: "هتجروا كدا هتوصلوا للطريق." هززت رأسي وشكرته، وركضت مع قرار التي ظلت صامتة. *** كنا نسير سوياً، يمسك بيدي وكأنني سأهرب منه. ينظر لي كل حين وآخر، يبتسم لي. قررت مقاطعة هذا الصمت وسألته: "عمرك حبيت قبل كدا يا فريد؟
توقف ونظر لي وعلى وجهه علامات التعجب. ثم قال بمكر لاحظته، فأنا صرت أعرف تعابير وجهه جيداً: "بتسألي ليه؟ قلت بلامبالاة كاذبة: "عادي بنتسلى معاك واحنا بنتمشى." قال وهو يسير: "آه، حبيت مرة واحدة بس." قلت بلهفة: "هي مين؟ قال هو بهدوء: "واحدة اتجوزتها." بمجرد أن قال جملته هذه، حتى خطر ببالي زوجته ليلى التي حدثتني عنها صبي من قبل. وسألت نفسي هل يقصدها أم فتاة أخرى من زوجاته؟ لذا سألته مجدداً: "مين يعني؟
ما أنت على حد علمي اتجوزت كثير." "تسعة." قالها، فشعرت بالصدمة وقلت: "نعم؟ كام؟ ويا ترى بيا ولا من غيري؟ قال بلامبالاة: "من غيرك بيكملوا عشرة." قلت بصدمة بعدما توقفت قدماي عن السير: "يا ابن المفترية، دا أنت لو اتجوزت كمان واحدة هشكل فريق كورة." ضحك بشدة، لأضحك وكدت أنا أضحك أيضاً على ضحكه، لكني توقفت عندما تذكرت ضحكة شرشبيل خاصتي. أما فريد، فكانت ضحكته جميلة. توقف ونظر لي، فسألته بنبرة مرتعشة حزينة:
"هو أنا لو مت، هتتجوز بعدي برضه؟ صمت لأعرف إجابته. وما كدت أتحدث حتى سحبني بسرعة وركض. وأنا أركض خلفه، كدت أسأله عن السبب، حتى سمعت صوت طلقات. لأقول وأنا أركض: "هو يوم باين من أوله، الله يخربيتك يا قرار." أخذنا نركض في اتجاهات، أقسم أن فريد نفسه لم يعد يعرف أين هو. حتى وصلنا لكوخ خشبي. طرق فريد الباب مرتان، لم يفتح أحد، ليكسره بقدمه ويدخل. دخلت وراءه وأنا أقول بغضب:
"أنت تعرف جريمة التعدي على ممتلكات الغير عقوبتها إيه؟ نظر لي بحنق وقال: "لا معرفش." قلت ببلاهة وأنا أتخطاه: "ولا أنا والله، فيه هنا أكل." *** وصلنا أخيراً للطريق، وقفنا لننتظر. وكانت قرار مازالت صامتة. قررت أن أقاطع هذا الصمت وقلت لها: "بس ماشاء الله، أنت ذكية قوي يا قرار وعندك سرعة بديهة." ابتسمت لي لأكمل: "على كدا مجموعك كان كام في الثانوية العامة؟ اختفت بسمتها لتقول لي بصرامة:
"وعلى كدا أنت بتقيس مستوى ذكاء الناس بنتائجهم في الثانوية العامة؟ قلت ببرود: "كل الناس كدا." ابتسمت بسماجة وقالت ببرود: "أنا سقط مرتين في الثانوية." نظرت لها بصدمة، لتهز رأسها. لأقول أنا بصدمة: "مش معقول، على حد علمي إنك ذكية وعندك سرعة بديهة عالية وبتقدري تحللي اللي قدامك بنظرة عين." قلت ببرود: "شفت بقي كل المميزات دي وسقط مرتين، معنى كدا إني غبية؟ ولا معنى كدا إن المنظومة هي اللي فاشلة؟
وإننا بنحاسب على مواد مش هنحتاجها في مجال عملنا، بس لازم ولا بد ننجح فيها؟ أنا لو متميز وناجح في حاجة، ليه حلمي يتدمر عشان مادة مقدرتش أعديها بالدرجات المضبوطة؟ وليه أصلاً درجات هي اللي بتحدد مستوى ذكائي عند الناس؟ ليه طالب هندسة عبقري وطالب تجارة فاشل في نظرهم؟ أنا عايزة أقولك يا قانون إن أنا حياتي اتدمرت بسبب نظرة الناس لكليتي اللي عمري ما حبيتها، عشان كدا عملت زي كل الشباب، رميت شهادتي واشتغلت حاجة بحبها."
نظرت لها بصدمة، يبدو أنها كانت تعاني الكثير. لذا لم تشعر بدموعها التي سارعت بالنزول. حاولت أن تداريها. نظرت أمامي لكي لا أرى دموعها، يبدو أنها لا تحب مثل كل أنثى، لا تريد أن ترى شفقة في عيون البشر. تود دائماً أن تكون حواء القوية. قلت لها بهدوء بعدما أخذت نفساً عميقاً: "تعرفي، وأنا برضه عمري، عمري ما حبيت كلية الطب. كان نفسي في كلية حقوق." نظرت لي بصدمة وقد نسيت بعض قطرات الدموع على خدها. لم تجففها من صدمة حديثي:
"إزاي؟ أنا على حد علمي إنك الوحيد في العيلة اللي دخلت كلية غير كليات أهلك." قلت وأنا أجفف تلك القطرات من على وجنتيها: "مهو عشان كدا دخلت كلية تانية. أنا مكنش في دماغي طب ولا غيره. أنا كان كل اللي في دماغي إني اسمي ينكتب في تاريخ العيلة، إن هذه هي صورة الوغد الحقير الذي دمر سلسلة العائلة، قانون عدل العادل." ضحكت، لأشاركها الضحك وأكمل: "لو تشوفي نظرة الصدمة لما أمي عرفت إني هدخل طب، ولا عمي كان هيجيله انهيار عصبي."
قالت وهي تنظر للطريق الذي يبدو أن السيارات انقطعت عن المرور فيه: "محدش بيختار اللي بيحبه." قلت لها بغموض: "الفراشة رغم جمالها حشرة، والصبار رغم جماله فهو زهرة." قالت بتعجب: "يعني إيه؟ قلت لها بنفس تعبير الوجه خاصتي: "بصي، هو فيه حكمة في الموضوع، بس أنا مش عارف هي فين."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!