وقفت بكل ثقة وقلت: "الأطفال أحباب الله" "معلش مين اللي قال كدا؟ أنا على حد علمي إن المقولة دي مقالهاش لا الرسول ولا ذكرت في قرآن. ليه دايماً لما بنيجي نربي أولادنا ويغلطوا وحد يجي يكلمهم ويعنفهم يقولك: "دا الأطفال أحباب الله، حرام عليك ياشيخ متعملش فيهم كدا، سبهم!
" لأ، ولا الكلام دا مش حقيقي. إحنا في مجتمعنا دا بقينا نشوف بلاوي بيعملوها الأطفال. يا سيادة القاضي، الأطفال اللي أنا أقصدها مش أطفال مدينتي ولا الزمالك، أنا أقصد على أطفال الحارات. لو نزلت وشوفتهم هتتصدم. الأطفال في عمر الـ 8 والـ 9 سنين بيشربوا سجاير. الأطفال لو متربوش من صغرهم صح، هنندم. لازم قبل لما الناس تقرر تخلف، لازم تكون قد مسؤولية كبيرة زي دي. مش أي حد يتجوز ويخلف وبعدين يرمي عياله في الشارع، ولا يرميهم للتليفون يتفرج على حاجات متصحش ويبدأ يقلدها. لازم الأشخاص اللي يفكروا يتجوزوا يكونوا سويين نفسياً."
صمت قليلاً بعد انفعال لأكمل ولكن بصوت عالٍ: "علشان كدا أنا بطلب بعمل قانون جديد ويكون فيه إن حد قرر يتجوز لازم يوضع تحت اختبارات تتأكد إن الشخص دا سوي نفسياً ويصلح يكون زوج وأب. وكذلك الأمر مع الستات. إحنا مجتمعنا بيتدمر بسبب التربية الخاطئة وبسبب وجود أشخاص غير سويين بيعيشوا فيه، بينجبوا أطفال مبيتحملوش مسؤوليتهم." انتهيت لينظر لي القاضي لدقائق ثم يتناقش مع المستشارين وبعدها قال بصوت رخيم:
"قررت المحكمة حضوريًا برفض الدعوة التي قدمتها الأستاذة عدالة عادل العدل." بالطبع كنت أعلم أن هذا سيحدث، لاكنني ورغم تأكدي أن الدعوة التي قدمتها سترفض، إلا أنني قررت أن أتحدث وأقول ولن أصمت. وقد كان ما توقعته. جلست مكاني مجددًا لأسمع الحاجب ينادي بالقضية التالية والتي هي قضيتي مع الشاب الذي أمسكوا الحشيش برفقته. وبعدها أسمع القاضي ينادي "الدفاع؟ لأقف وأقول بثقة: "حاضرة يا فندم." ليسمح لي بالبدء فأبدأ وأقول:
"سيدي القاضي، حضرات المستشارين، أنا لن أبدأ بمقدمات من أجل وقت حضراتكم الثمين، وسأبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. وأين هي الإدانة يا سيدي الرئيس؟ لا توجد إدانة على موكلي." قاطعني وكيل النيابة قائلاً بسخرية: "إدانة إيه يا سيدة المحامية؟ دا متلبس بالحشيش." قلت بثقة وأنا أمسك بالقلم: "تمام، حضرتك معاك حق. موكلي اتلبس بالحشيش، بس هل دا إثبات؟ درت في القاعة ببطء ثم أكملت:
"أقصد إن ممكن أي حد كدا يتهم أي حد بأي حاجة. يعني مثلاً، أنا بتهم الأستاذ دا أنه سرق القلم بتاعي اللي كان في إيدي." أشرت لشخص كان يجلس ليس له علاقة بالموضوع ليشير لنفسه بفزع، لأهز رأسي بالإيجاب وأقول: "آه، أنت." نظرت للقاضي بثقة وقلت: "يا سيدة القاضي، أنا بتهم الأستاذ دا أنه سرق القلم اللي كان في إيدي، وممكن تفتشوه وتتأكدوا." وضع الرجل يده في جيوبه وبدأ يبحث حتى وجد القلم ليقول بخوف وتفاجؤ:
"والله ياسيدة القاضي معرف القلم دا وصل لجيبي إزاي." ذهبت للرجل وأمسكت القلم منه وقلت ببسمة واثقة: "وهو دا اللي حصل ياسيدة الريس. أنا اللي حطيت القلم في جيبه، وبرضه زي لما حد حط الحشيش في شقة موكلي." قال وكيل النيابة بسخرية: "مكنش ليه لازمة الـ show اللي حصل دا، كنتي قولتي الكلام دا وخلاص." قلت بهدوء:
"أنا آسفة إني ضيعت وقت المحكمة. وحابة أقول إن موكلي يا سيدة الريس موظف حكومي. ولما اتعرض عليه رشوة ورفض، اتحط له الحشيش زي ما أنا ببساطة وقدام الكل هنا قدرت أحط القلم في بدلة الراجل الغلبان دا. والرجل الغلبان دا اتهم بكل بساطة. على شان مفيش قانون ياسيدة الريس، مفيش تربية. لو ربينا من الأول صح مكنش كل دا حصل. وأنا النهاردة جيت علشان أحاول أصلح المنظومة الفاشلة، بس سيادتك مبتساعدش للأسف."
صمت بعد انفعالي لأنظر للقاضي الذي بدا على وجهه علامات الامتعاض والحنق من حديثي: "وإيه دليلك يا عدالة على كلامك دا؟ رجعت إلى حقيبتي وأنا أبحث عن ملف معين وأقول: "طبعاً معايا دليل، ودليل قوي كمان. دا ياسيدة القاضي شيك من السيد (فوزي عواد) لموكلي، وطبعاً دا كان رشوة، وكمان فيه القرار اللي السيد فوزي كان عاوز موكلي يمضيه." أعطيتهم الملف وأنا أقول بثقة:
"طبعاً زي ما حضرتكم شايفين الملف شروطه بتنافي الشروط اللي الدولة حطيتها علشان المشروع الخاص بالسيد الفاسد فوزي عواد. ما مش معقول يعني واحد رافض رشوة ورافض مشروع خطير زي دا يكون بيحشش. وكمان يا سيدي الريس فيه شهود موجودين بيأكدوا على حسن سلوك موكلي. وكمان... قلت بثقة: "بقي مش معقول يا سيدة الريس بعد كل اللي قولته دا، حضرتك تشوف إن موكلي مجرم؟
ياسيدة الريس الموضوع هو إن شاب فاسد مدلع قرر يعمل حاجة غلط. فالما شاف حد متربي وكويس وبيخاف من ربنا، قرر ينهي حياته وسمعته بكل بساطة. لا وكمان الحكومة بتشترك معاه في تلك الجريمة الحقيرة يا سيدة القاضي. لذلك أنا أطلب من عدالتكم أن ترحموا هذا الرجل الذي تعبوا أهله في تربيته على الخلق. ياسيدي، نحن نحتاج لأمثال هذا الرجل الشريف في مجتمعنا الفاسد." انتهيت من مرافعتي لأستمع إلى أصوات تصفيق كثيرة وصوت موكلي يقول ببكاء:
"والله يا سيدة القاضي أنا عمري ما شربت سجاير حتي. كل دا علشان أوفر اللقمة الحلال لولادي. بالله عليك يا شيخ أنا مظلوم. بالله عليك أنا مظلوم." ضرب القاضي المطرقة وقال: "الحكم بعد المداولة." ليقول الحاجب بصوت صاخب: "محكمة." رحل القاضي وهو ينظر لي بيأس ومعه المستشارين، لأذهب أنا لموكلي وأحاول تهدئته. لأشعر بشخص خلفي يقول بصياح جعلني أرتجف: "إيه دا؟ إيه الحلاوة دي يا بت." نظرت خلفي لأجده أخي لأقول بحنق منه:
"يا حيوان خضيتني." قال بسخرية: "سلامتك من الخضة يا عنيا." نظرت له بحنق ثم نظرت لموكلي لأكمل حديثي معه. نظرت خلفي بعد وقت من حديثي لأجد أخي ذهب ليجلس مع زوجي السيد فريد وهما يتحدثان في أمور لم أسمعها لبعد المسافة. دقائق مرت حتى قال سمعنا (حاجب) المحكمة يقول: "محكمة." اعتدل الجميع ووقفت بثقة ليقول القاضي بعد جلوسه:
"حكمت المحكمة حضوريًا ببرائة السيد طارق لطفي من التهمة المنسوبة إليه، وتحويل الأستاذ فوزي عواد إلى التحقيق في أمر ما ثبت عنه في الأوراق الموضوعة أمامنا." زفرت بعد تعب، لقد كانت هذه القضية متعبة بحق. اختفت بسمتي على صوت القاضي يقول: "وكما حكمت المحكمة أيضاً بتحويل المحامية عدالة عادل العدل يومين للتحقيق." قلت بصدمة والعسكري يحاول وضع الكلبشات في يدي وأنا أركض نحو القاضي أحاول تسلق هذا الحاجز الخشبي: "ليه ياسيدة الريس؟
وأنا عملت إيه؟ قال بحنق: "علشان المنظومة الحكومية فاشلة يا عدالة هانم، وعلشان الحكومة كانت بتشارك في الجريمة، وعلشان تتربي يا عدالة وما أشوفش وشك في المحاكم لأني زهقت منك. منه لله أبوك وجدك هما اللي بلونا بيك." رحل لأنظر للعسكري لأقول بحزن: "شايف ياعم محمد بيعملوا فيا إيه." قال عم محمد وهو يضع الكلبشات: "معلش يا بنتي، إنتِ برضو مستفزة وتجلطي الواحد والله." رحلت معه تحت أنظار الجميع والصحافة لأسمع أخي يقول:
"أقبلك بقى في محاكم الأسرة، بس بعد ما تخلصي اللي عليك." توقفت لأنظر له وقلت بحنق: "بتشمت فيا يا واطي؟ والله لأوريك." حاولت الانقضاض عليه لاكنه أخذ السيد حامد درعًا حاميًا له، وأيضًا العسكري كان يمسك بي فكان من الصعب عليا الوصول له. قال السيد حامد الذي كنت أمسك بذلته وأشدها لدرجة أن أزرارها خُلعت في يدي: "أنا مالي، بتتحامي ورايا ليه؟ أنا مالي. إلحقني يا سيد فريد." قلت لأخي وأنا أحاول الوصول له:
"أنا تتشمت فيا يا حيوان؟ دا أنا بيه ابن بيه، دا أنا سيدة الوالي الأولى." استمعت إلى صوت هادئ رخيم يقول بعدما نزع يدي بكل هدوء ومر من أمامي، وكان هذا فريد الذي استطاع المرور ببساطة لأني كنت أحجز الطريق بإمساكي ببذلة السيد حامد: "على فكرة أنا مش زعلانة خالص، دا أنا حتى هقابل أصحابي المجرمين بقالي كتير ما شفتهمش. تفتكر تابوا يا عم محمد." قال عم محمد: "والله معرف يا بنتي، ابقي اسأليهم إنتي. اركبي يلا."
ركبت سيارة المجرمين، لاكن لاحظت سيارة تسير خلفنا. لألحظ بعد ذلك أنها للسيد فريد وأخي وحامد. لم أهتم كثيراً، كل ما اهتممت به أنني نجحت اليوم في مرافعتي، لذا أرحت رأسي للخلف وابتسمت بارتياحية وهدوء وسعادة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!