وقف كمال أمام زوجته نورا التي تنظر إليه بملامح مصدومة تحاول أن تستوعب ما تفوه به زوجها. ظلت صامتة لوقت طويل دون أن تتحدث، حتى أن كمال قلق عليها. فاقترب منها ومسكها من ذراعها وقال بجدية: "نورا.. حبيبتي، أنتِ كويسة؟ نظرت إليه بعينين دامعتين وقالت بصوت شاحب: "ليه يا كمال؟ ليه مقولتش لي؟ أجابها بصدق: "أنا لسه عارف من ساعتين، وجيت قولتلك على طول." أبعدت ذراعها عنه بعنف وقالت بحقد: "ليه مقولتش لي على موضوع جوازك قبلي؟
ليه خدعتيني واتجوزتني وأنت مبتحبنيش؟ زفر أنفاسه وقال محاولاً احتوائها: "ليه بتقولي كده يا نورا؟ أنتِ عارفة إني بحبك وأنتِ مراتي وحبيبتي وأم عيالي وكل حياتي. أنجيلا... صمت قليلاً محاولاً ابتلاع غصته وهو يردف: "أنجيلا كانت ماضي، ماضي وانتهى. بس ليديا.. ليديا ملهاش ذنب في حاجة، دي بنتي، وأنا لازم أعترف بيها وأعوضها عن كل اللي فات." سألته نورا بصوت جاد: "اتكلم بصراحة، أنت عاوز إيه مني دلوقتي؟ أجابها بجدية:
"ليديا لازم تعيش هنا.. معانا." صرخت بغضب: "مستحيل! أنت عايز تجيب بنت غريمتي في بيتي؟ أنت أكيد اتجننت." صاح كمال بدوره: "أولاً صوتك ده ميعلاش على صوتي. ثانياً دي بنتي، فاهمة يعني إيه بنتي؟ وغريمتك اللي بتتكلمي عليها دي ماتت، المفروض إننا ندعيلها بالرحمة." صاحت بنفاذ صبر: "أنا مليش علاقة في كل ده، بنتك أنت حر فيها، لكن تجيبهالي هنا.. لا والف لا. أنا مش هربي بنت حبيبتك عندي، أنت فاهم؟ "يعني إيه؟ بتعانديني يا نورا؟
صرخ بها بغضب لتهطل دموعها وهي تجيبه: "أنا عمري معاندتك، طول عمري بطيعك في كل حاجة. بس لحد هنا وكفاية، أنا مش هقدر أتقبلها في حياتي." "نورا... صرخ بها بحدة ليخرج سليم أخيه من غرفة المكتب. حيث قد جاء مع أخيه بعدما أخبره بحقيقة وجود ابن له وطلب منه أن يرافقه إلى منزله كي يخبر نورا بكل شيء ويقنعها ببقاء ليديا في منزله. قال سليم وهو يقترب منهما محاولاً تهدئة الوضع: "فيه إيه يا جماعة؟ ممكن تهدوا؟ صوتكوا عالي."
ردت نورا ببكاء: "عايز يجيب بنته من حبيبته القديمة ويخليها تعيش معايا، والمفروض إني أتقبلها عادي وأستقبلها وأرحب بيها كمان." نظر سليم إلى ملامح أخيه الواجمة وقال بجدية: "نورا معاها حق يا كمال. مينفعش ليديا تعيش معاكم هنا." وقبل أن يصرخ كمال به أكمل سليم بجدية: "لازم تمر فترة على الأقل تكون نورا استوعبت بيها الخبر ووجود بنت ليك، وساعتها هي بنفسها هتطلب منك تجيبها البيت هنا." ثم أردف:
"ليديا هتعيش في بيت جدها يا كمال.. بيت العيلة اللي هو بيتنا كلنا. هتفضل معانا لحد ما نورا تقرر إمتى تيجي تعيش في بيتك. أظن كده مرضية يا نورا." تطلعت نورا إلى سليم بعينيها الحمراوين قبل أن تتجه مسرعة إلى غرفتها بالطابق العلوي. ليصيح سليم بأخيه: "فيه إيه يا كمال؟ أنت لازم تقدر موقفها. عايزها تتقبل بنتك بالسرعة دي؟ اديها فترة تستوعب اللي حصل." زفر كمال نفساً قوياً وقال بضيق:
"أنا اللي يهمني دلوقتي ليديا. أنا لازم أعوضها عن كل دقيقة عاشتها بعيد عني." أومأ سليم برأسه وقال: "وأنا معاك، كلنا لازم نعوضها. جيبها عندي في بيت العيلة وخليها معانا، وصدقني نورا لما تهدى وتستوعب كل حاجة هتوافق تعيش معاكم." "يارب." قالها كمال بترجٍ. بينما قال سليم بجدية: "دلوقتي نروح نكلم أمك وفريال ونعرفهم بكل حاجة، وبعدها نجيب ليديا عندنا." سأله كمال بسخرية: "وأنت فاكر مراتك هتستقبل بنتي عادي؟ رد سليم بهدوء:
"أيوه هتستقبلها وترحب بيها. فريال صحيح صعبة وشخصيتها قوية، بس الفكرة هنا مختلفة. فريال مش بتحب مراتك، وبالتالي وجود ليديا هيسعدها عشان فاكرة كده هتغيظ نورا. شغل ستات ملناش دعوة بيه." ابتسم كمال ساخراً وقال: "طب يلا بينا نروح نكلم مراتك وأمك قبل ما الدنيا تظلم." أومأ سليم برأسه وتحرك أمامه ليتجه كلاهما إلى منزل العائلة. *** "يعني أنت عندك بنت من أنجيلا الفرنسية يا كمال؟ قالتها جميلة والدته بصدمة. ليومئ
كمال برأسه وهو يقول بحسرة: "أنجيلا اللي قلتولي إنها ماتت وخللتوني أعيش في حسرتها." ابتلعت جميلة ريقها وقالت بوجع: "أنا مليش دعوة، ده كان قرار أبوك. وثانياً ربنا عوضك بنورا، نورا اللي كانت أحسن زوجة ليك." تدخلت فريال في الحوار قائلة بغيظ: "متلومنيش يا مرات عمي، نورا مش ملاك للدرجة دي." رماها سليم بنظرات محذرة. بينما رد كمال بجمود:
"نورا مفيش زيها يا فريال. أنا عشت معاها أكتر من ثلاثة وعشرين سنة عمري مشفتش منها حاجة وحشة." كتمت فريال غيظها. بينما أكمل كمال بجدية وهو يسأل فريال: "بس اللي عايزة أعرفه يا فريال.. بنتي مرحب بيها عندك لفترة صغيرة. واتمنى يكون ردك صريح ومن غير مجاملات." وقبل أن ترد فريال قالت جميلة: "ده مش بيت فريال، ده بيت العيلة، وبنتك مكانها هنا معانا." تنحنحت فريال تقول محاولة إخفاء حرجها:
"كلام مرات عمي صح. ده مش بيتي، ده بيت العيلة، وبنتك تشرفنا بأي وقت، زيها زي ولادي." ابتسم كمال بامتنان قبل أن يشير إلى والدته قائلاً: "ماما مش هوصيكي، ليديا هتفضل أمانة عندك." ربتت الأم على يده وقالت: "متخافش، بنتك في عيني." نهض كمال من مكانه وقال بجدية: "أنا هروح أجيبها من الأوتيل." ثم خرج بسرعة ليجلب ليديا من الفندق. *** كانت نورا جالسة تبكي بصمت حينما دلف يوسف ابنها الأكبر إلى الفيلا ليتفاجأ بوضعها هذا.
اقترب منها وسألها بقلق: "فيه إيه يا ماما؟ مالك؟ بتعيطي ليه؟ كفكفت دموعها وقالت بحسرة: "أبوك... "ماله؟ سألها يوسف بقلق. لترد وهي تبتلع ريقها بتوجس: "طلع عنده بنت غيركوا." "بنت إيه؟ قالها مراد بصدمة، والذي ولج لتوه إلى الفيلا عائداً من درسه الخصوصي. بينما انتفض يوسف من مكانه بعدم تصديق. لتجيبهم نورا بألم: "بنت يا مراد. مش فاهم يعني إيه بنت؟ سألها يوسف بغضب: "يعني أبويا متجوز عليكي وكمان مخلف بنت؟ قاطعته نورا بسرعة:
"لا، الكلام ده كان قبل ما يتجوزني. وهو طلق الست دي بردوا قبل جوازنا. كمان هو النهاردة عرف بموضوع بنته." تطلع الأخوين إلى بعضيهما قبل أن يهتف مراد محاولاً الفهم أكثر: "يعني البنت دي عندها كام سنة؟ وكانت فين كل السنين دي؟ أجابته نورا: "عندها حوالي خمسة وعشرين سنة. كانت عايشة في فرنسا مع والدتها ومكانتش تعرف إن أبوكم هو أبوها." سألها يوسف بعدم فهم: "طب ووالدتها عملت ليه كل ده؟ قالت نورا وقد فقدت أعصابها:
"مش عارفة. أنا مش عايزة حد يجيب سيرة الست دي أو بنتها هنا، انتوا فاهمين؟ ثم اندفعت مرتفعة إلى الطابق العلوي. ليظل الابنين لوحدهما حيث قال مراد بتهكم: "دي صدمة العمر. بقى أنا عندي أخت عندها خمسة وعشرين سنة." قال يوسف بدوره: "هو ده كل اللي هامك؟ مش هامك المشكلة الكبيرة اللي هتحصل بين أمك وأبوك؟ ولا العيلة وكلامهم." رد مراد بسخرية: "العيلة.. العيلة اللي مش عاجبها العجب. يا عم فكك منهم. المهم إحنا دورنا إيه في ده؟
قال يوسف بجدية: "ولا أي حاجة. نستنى كام يوم الوضع يهدي ونشوف هنعمل إيه." أومأ مراد برأسه وقال بجدية: "أروح أنا بقى أناملي ساعتين عشان هخرج بالليل مع صحابي." قال يوسف بضيق: "يابني أنت معندكش دم؟ صحاب مين اللي تخرج معاهم وإحنا لسه مصدومين في حكاية الأخت اللي ظهرت فجأة دي؟ رد مراد ببرود: "أنت ليه محسسني إن فيه حد مات؟ طلع عندنا أخت، يا أهلاً وسهلاً. مدايقين إيه؟
"تصدق صح. مفيش حاجة تخلينا ندايق. أساساً الحياة حلوة وسعيدة ومفيش حاجة تخلينا نزعل أصلاً." قالها باستخفاف وهو يخرج مفاتيح سيارته ويخرج من الفيلا. بينما هز مراد رأسه بلا مبالاة وهو يصعد إلى غرفته في الطابق العلوي. *** كانت ليديا تجلس بين جدتها ونور ابنة سليم. ترمق عمها وزوجته فريال بنظرات مستغربة، ثم تعود وتنظر إلى والدها بنظرات مرتبكة.
لقد اندهشت حينما وصلوا إلى قصر العائلة فلم تتخيل أنهم أغنياء إلى هذه الدرجة. القصر كان فخماً وكبيراً كقصور الملوك والأمراء. استقبال جدتها لها كان رائعاً حيث احتضنتها بحنان بالغ ولمحت دموع جامدة في عينيها. أما زوجة عمها فكان استقبالها راقياً تماماً مثلها. ونور ابنة عمها رحبت بها بحرارة شديدة محاولة أن تطمئنها، خصوصاً أن الجمود والخجل كان واضحاً عليها. انتبهت ليديا إلى حديث فريال التي قالت بإعجاب:
"ما شاء الله بنتك زي القمر يا كمال. أكيد شبه مامتها." ابتسم كمال وهو يتأملها قبل أن يرد عليها: "نسخة منها." ردت فريال بخبث: "للدرجة دي كنت بتحبها؟ أصل الرجل لما يحب الست أوي أولاده بيطلعوا نسخة منها." رمقها سليم بنظرات محذرة. بينما ابتسم كمال مجاملة. انتبهت جميلة إلى قلادة الصليب التي تحيط رقبة ليديا لتهتف بسرعة: "إيه ده يا بنتي؟ إيه اللي أنتِ لابساه ده؟ ردت ليديا بعفوية: "ده اسمه الصليب." قاطعها كمال بسرعة:
"ليديا بتلبس العقد ده عشان كانت هدية ليها من مامتها. هي متعلقة بيها عشان بتفكرها بيها." قالت فريال بسرعة: "بس كده حرام. مينفعش تبقى مسلمة وتلبس الصليب." قالت ليديا بسرعة: "لا، أنا مش مسلمة. أنا مسيحية." تطلع الجميع إليها بصدمة. بينما ابتلع كمال ريقه بتوتر. لتهتف جميلة أخيراً: "كلام إيه اللي بتقوله بنتك يا كمال؟ مسيحية إزاي؟ مسيحية إزاي وأنت مسلم؟ رد كمال بهدوء:
"سيبي ليديا على راحتها يا أمي. هي لسه جديدة هنا وهتاخد وقت لحد ما تتعود على عاداتنا وتقاليدنا." قالت فريال متدخلة في الحوار: "بس طالما الأب مسلم يبقى البنت تبقى مسلمة. العالم كله ماشي كده." قالت ليديا وقد فهمت الحوار نوعاً ما: "الدين مش بالولادة، الدين اختيار. وأنا اخترت الدين المسيحي بعد ما قريت عنه وفهمته كويس وحبيته." نظر كمال إليها بضيق ثم عاد ببصره إلى والدته وقال:
"يا أمي لازم نراعي إنها عاشت طول عمرها بعيد عننا في بلد أوروبي وكمان والدتها كانت مسيحية وربتها على الدين المسيحي. وإحنا طول عمرنا بنحترم كل الأديان. وأنا واثق إن ليديا لما هتعيش معانا وتتعرف على ديننا وتحبه هي بنفسها هتعلن إسلامها. وأنتي ممكن يا ست الكل هتعرفيها دينك أكتر وتقربيها منه." قالت ليديا بدورها:
"أنا حابة بجد أتعرف على دينكم. لكن ده مش معناه إني أسيب ديني. عموماً أنا بحترم دينكم وبحترم كل الأديان السماوية." نظر إليها بملامح متجهمة. بينما كانت نظرات ليديا واثقة، فهي لن تسمح لأي أحد بالمساس بها أو بدين والدتها الذي تربت عليه وأحبته بشدة. أحبته لدرجة أنها في وقت من الأوقات فكرت في أن تصبح راهبة تخدم الكنيسة وتتعبد طوال الوقت فيها. ضمت جميلة شفتيها بضيق. بينما قالت نور محاولة إنهاء التوتر الذي سيطر على الأجواء:
"إيه رأيك يا ليديا تقومي معايا؟ تشوفي أوضتك؟ هتعجبك قوي." ابتسمت ليديا وقالت: "أوك." ثم نهضت تتبع نور، حيث أخذتها الأخيرة إلى غرفتها. *** بعد مرور عدة ساعات.. كانت ليديا تجلس بجانب جدتها تستمع إلى أحاديثها عن العائلة، تحاول أن تعرفها على أفرادها فرداً فرداً. بينما ليديا تستمع إليها وعلى شفتيها ابتسامة دون أن تفهم حرفاً واحداً، فقد اكتظت عليها الأحاديث. دلف حسام إلى الداخل وألقى التحية ليتفاجأ بليديا أمامه.
فسأل والدته بدهشة: "مين دي يا ماما؟ أجابته فريال بجدية: "دي ليديا بنت عمك كمال." قال حسام بسخرية: "متبلاش هزار بقى. هو عمي كمال اتبنى بنت على آخر عمره؟ رمقته فريال بنظرات محذرة وهي تجيبه: "أنا مش بهزر يا حسام. حاسب على كلامك. أنا بقول الحقيقة. دي ليديا بنت كمال من مراته الأولى اللي اتجوزها في فرنسا وقت دراسته. ومتسألنيش أكتر عشان أنا تعبت وأنا بعيد نفس الكلام لمرات عمك جمال وعمتك."
اتسعت عينا حسام بعدم تصديق قبل أن يبتسم وهو يحيي ليديا بترحيب محاولاً إخفاء دهشته التي جعلته يبدو كالأبله للحظات. جلس بجانب نور وهو يتأمل ليديا بعينيه. ثم سألها: "هي جنسيتها إيه بالظبط؟ أصل الشكل واللهجة مش مصري خالص." أجابته نور بصوت خافت: "فرنسية.. وخد الكبيرة كمان.. مسيحية." اتسعت عينا حسام للحظات قبل أن يبتسم بتهكم: "يا ما شاء الله.. أهي كملت." قالت نور بنفس الخفوت:
"بس البنت شكلها طيبة جداً ولطيفة. جدتك بقالها ساعتين بتشرحلها شجرة العيلة." ابتسم حسام بتهكم وقال: "قال يعني من جمال ولطافة العيلة." رمقته نور بنظرات محذرة كي لا يسمعه أحد. بينما ابتسم هو ببرود. ليدلف مصطفى بعد دقائق ويلقي التحية بلا مبالاة. قبل أن تتسع عيناه وهو ينظر إلى ليديا. فيصفر عالياً وهو يقول بسرعة: "مين المزة دي؟ نهضت فريال من مكانه وضغطت على ذراعه بقوة قائلة بحدة:
"اخرس خالص وبطل حركاتك السخيفة دي. دي ليديا بنت عمك كمال." جحظت عينا مصطفى الذي قال بلا وعي: "عمي كمال عنده بنت مزة كده؟ لا أنتِ أكيد بتهزري؟ الانتاج ده لا يمكن يكون من عيلتنا. الانتاج ده أمريكاني.. أوروبي.. أسباني." "أنا هروح أوضتي.. قبل ما أتجلط." قالتها فريال وهي بالكاد تكتم غيظها. ليحلق مصطفى بليديا بعينين متسعتين وفاه مفتوح. حتى هتف به حسام: "يابني كفاية كده.. شكلك عامل زي الأبلة." اقترب مصطفى منه وقال لها:
"ممكن تقفي." نظرت له ليديا باستغراب. ثم وقفت تحت أنظار الجميع المندهشة. ليسألها: "الشعر ده طبيعي ولا مصبوغ؟ "الله يخربيتك.. هتفضحنا." قالها حسام بصوت عالٍ. بينما رمقته ليديا بنظرات مندهشة. ليكمل ببلاهة: "طب العيون دي حقيقية ولا لينسز؟ جذبه حسام من ذراعه وأجلسه بجانبه وهو يهتف به بصرامة: "اتنيل واقعد بقى عشان فضحتنا." ليقول مصطفى ببلاهة: "البنت دي لا يمكن أفوتها. دي هي اللي هتحسن نسل العيلة." قال حسام بسخرية:
"دي أكبر منك بسبع سنين أو أكتر." رد بلا مبالاة: "الحب عمره ما بيفرق معاه العمر." ضربه حسام على رقبته ليصرخ مصطفى ألماً. بينما هتف حسام به: "اتلم بقى واحترم نفسك. ولاحظ إنك بتتكلم عن بنت عمك، ها بنت عمك." ابتسم مصطفى وقال موجهاً حديثه لليديا: "يا أهلاً.. يا أهلاً ببنت الغالي. منورانا والله.. منورة مصر والوطن العربي كله." ابتسمت ليديا وهي تجيبه: "شكراً." ***
كانت عليا تسير حول نفسها عدة مرات وهي تحاول الاتصال بأدهم الذي يرفض اتصالاتها المتكررة. هتفت أخيراً موجهة حديثها إلى والدتها وأختها صبا: "برضه مش بيرد." ردت صبا بملل: "ارحميه بقى. ده الاتصال رقم ثلاثين. خفي شوية." بينما قالت جيجي والدتها: "يا بنتي أكيد عنده شغل. مانتي كلمتي نور ثلاث مرات لحد دلوقتي وقالتلك إنه لسه مرجعش البيت." جلست عليا بجانب والدتها وقالت بضيق: "مبيردش إيه؟ بيتجاهل مكالماتي إيه؟ ثم أكملت بتذمر:
"مش كفاية المصيبة اللي حلت فوق دماغنا." سألتها صبا بعدم فهم: "مصيبة إيه يا عليا؟ ردت عليا بنفاذ صبر: "يوه يا صبا متركزي. بتكلم عن البنت الفرنسية.. بنت عمك اللي ظهرت من تحت الأرض دي." "طب إيه اللي مدايقك منها؟ سألتها صبا بدهشة. لترد عليا بغيظ: "هو أنتِ مش معانا ولا إيه يا صبا؟! أنتِ مسمعتيش كلام طنط فريال؟ قالت هتعيش في بيت العيلة. يعني هتبقى في وش أدهم ليل ونهار." قالت صبا بسخرية:
"أنتِ مش هتبطلي غيرتك التافهة دي. متخليكي واثقة في نفسك شوية." ردت عليا بعصبية: "لا يا صبا أنا واثقة في نفسي جداً. بس أنا لازم أحافظ على أدهم من الستات اللي حواليه." ردت صبا بهدوء: "لو واثقة إنه بيحبك بجد يبقى ملوش لزوم تخافي عليه لأنه المفروض مش هيشوف ست غيرك." قالت عليا بتهكم: "أنا واثقة فيه وواثقة في حبه. بس مش واثقة في الستات الكتير اللي حواليه واللي كلهم عينهم منه." قالت جيجي داعمة إياها في حديثها:
"معاكي حق يا عليا. أنتِ نسيتي خطيبك ده يبقى مين وابن مين؟ العيون كلها عليه." رمقتها صبا بدهشة وقالت: "وإنتِ إن شاء الله هتفضلي مشغلة برج المراقبة بتاعك طول العمر." ردت عليا بجدية: "أنا كل اللي يهمني البنت الفرنسية دي. أنا لازم أبعدها عنه." ثم أشارت لوالدتها قائلة: "ماما ممكن نجيبها تعيش معانا؟ عالأقل نبعدها عن أدهم وتبقى تحت عينينا." صاحت بها جيجي: "أنتِ اتجننتي يا عليا؟ أجيبها هنا فين؟ مع إخوانك؟
افرضي حد منهم اتنيل وحبها.. أعمل إيه أنا ساعتها؟ ردت عليا بحزن: "يعني أسيبها تغري خطيبي وتاخده منه." قالت صبا بعدم تصديق: "تغري مين وتحب مين؟ دي واحدة عايشة طول عمرها في فرنسا.. يعني شافت شباب أحسن من أدهم وخالد وكريم بألف مرة. وتسعين بالمية هتلاقيها مرتبطة بشاب من هناك. أنتوا فاكرين إن واحدة زيها هتبص لشبابنا؟ يا جماعة أكيد تربيتها وطريقة تفكيرها وحياتها مختلفة تماماً عننا. ثانياً مش يمكن تكون بنت كويسة ومحترمة."
قاطعتها عليا بسخرية: "محترمة؟! دي فرنسية.. عارفة يعني إيه فرنسية؟ يعني أجنبية وإنتِ عارفة الأجانب بيغيروا الرجالة زي الشرابات وعندهم كل شيء مباح." رمقتها صبا بنظرات باردة قبل أن تنهض من مكانها وتتجه للطابق العلوي. فقالت جيجي: "فكك من اختك. فاكرة الناس كلها طيبة. مش كفاية العرسان اللي بترفضهم." ردت عليا: "بنتك دي خايبة وعمرها ما هتشوف الخير بخيبتها دي." قالت جيجي بجدية:
"سيبك من صبا وركزي مع خطيبك. أنتِ لازم تقدمي معاد الفرح وتخليه خلال الشهر الجاي." "هعمل كده فعلاً." قالتها عليا وهي تفكر في أمر تلك الفتاة الفرنسية وتحاول أن تتخيل شكلها قبل أن تقرر أن تذهب غداً في الصباح الباكر إلى منزل عمها للتعرف عليها. *** دلف أدهم إلى منزله بعد يوم عمل طويل ومرهق ليجد أخويه حسام ومصطفى يجلسان مع نور. نهض مصطفى من مكانه واقترب منه قائلاً: "أنت فين يا عم؟ سايبنا لوحدنا.. فاتك كتير." قال أدهم بضيق:
"بقولك إيه أنا تعبان جداً ومليش خلق لحركاتك التافهة." قال مصطفى بجدية: "حركات تافهة إيه؟ شكلك لسه مش عارف اللي حصل." "حصل إيه؟ سأله أدهم بعدم فهم. ليرد مصطفى بابتسامة واسعة: "فوق يا خويا، فوق. فيه قنبلة موقوتة هتنفجر في وش العيلة كلها." أشار أدهم لحسام ونور متسائلاً: "بيقول إيه الواد ده؟ رد مصطفى: "أنت مش مصدقني.. طب اصعد فوق وشوفها بنفسك." صاح أدهم بنفاذ صبر: "متتكلموا.. أنا متنيل تعبان ومليش خلق للأخد والعطا."
رد حسام بهدوء: "كمال عمك طلع مخلف بنت زمان أيام دراسته في فرنسا والبت زارته النهاردة وهو جابها هنا تعيش معانا.. ده مختصر الكلام." "بتقول إيه؟ بنت إيه وفرنسا إيه؟ قالها أدهم بدهشة. ليرد مصطفى: "بنت صاروخ يا أدهم.. بنت ملهاش زي.. ملاك ماشي على الأرض." جذبه أدهم من ذراعه بقوة وهتف به بنبرة حازمة: "هتتلم ولا أتصرف معاك." "يا عم إيدك تقيلة ابعد بقى.. بهزر مينفعش أهزر." قالها مصطفى بضيق وهو يجلس في مكانه.
بينما قالت نور بسرعة: "عليا اتصلت ثلاث مرات لحد دلوقتي وبتسأل عنك." زفر أدهم أنفاسه بضيق وقال: "واضح إني مش هخلص النهاردة.. هي مبتزهقش أبداً. مش قادرة تستوعب إن عندي شغل." قالت نور: "طب معلش كلمها وطمنها عليك." رد أدهم بتعب: "لا هتكلم ولا أتنين.. أنا هخش أغير هدومي وأنام فوراً. أنا مش قادر أصلب طولي من كتر التعب. ومحدش يصحيني لا على العشا ولا غيره. تصبحوا على خير."
قالها وهو يصعد إلى الطابق العلوي تحت أنظار إخوانه المندهشة. سار متجهاً إلى غرفتها لينصدم بفتاة ذات قوام ممشوق تولي ظهرها وهي تتحدث في الهاتف. بينما شعرها الأشقر الكثيف بأمواجه المتمردة يغطي ظهرها بالكامل. تطلع أدهم إليها بدهشة وهو يراها تتحدث في الهاتف بلهجة فرنسية لم يفهم منها شيئاً، لكنه عرف على الفور أنها فرنسية حيث سمع هذه اللهجة مسبقاً حينما سافر إلى فرنسا عدة مرات.
جذبته لهجتها الرقيقة ونبرة صوتها الناعمة والتي لم يسمع مثلها من قبل، والتي زادتها الكلمات الفرنسية حلاوة. ابتلع ريقه وهو يتمنى أن يرى وجه صاحبة هذا الصوت المميز والشعر الرائع والقوام الفرنسي الجذاب. ظل واقفاً في مكانه كالصنم ينتظر منها أن تستدير ليرى شكلها.
أنهت ليديا مكالمتها أخيراً لتتوقف أنفاس أدهم وهو يراها تستدير نحوه. فأول شيء يراه هو عينيها الزرقاوين اللتين أسرتان عينيه بنظرة طويلة المدى جعلته يفقد جميع حواسه وينسى كل شيء حوله. أبعد أخيراً عينيه عن عينيها محاولاً الفرار من أسرهما الفتاك. حيث أخذ يتأمل ملامح وجهها الناعمة بتأنٍ كمن يتأمل لوحة من الجنة.
كان قلبه ينبض بعنف لم يستوعبه. كان مأسوراً بملامح وجهها التي لم تكن فائقة الجمال، لكن كان بها شيء غريب يجذبه كالمغناطيس لدرجة جعلته يتمنى لو يكون رساماً ويرسم وجهها عدة مرات دون أن يمل. استوعب أخيراً أفكاره وشروده بها ليتنحنح بحرج وهو يهتف: "مساء الخير." ابتسمت ليديا بخجل أطاح بقلبه الذي كان يخفق بجنون وأجابته بلكنتها الخاصة والتي زادتها جاذبية في نظره: "مساء النور."
ثم حاولت أن تسأله عن اسمه ومن يكون، لكنها فضلت عدم التدخل بما لا يعنيها. شعر هو بنظراتها الفضولية فقال معرفاً عن نفسه بثقة: "أنا أدهم.. ابن عمك سليم." مد يده نحوها لتمد يدها ببساطة. فيتحضن كفها الأبيض الصغير بكفه الأسمر الضخم ليشعر بدفء غريب يجتاحه بقوة. ظلت ليديا تنظر إلى يده المحكمة على يدها باستغراب قبل أن ينتبه أدهم لنفسه ويحرر يدها. فتهتف ليديا: "أهلاً بيك أد.."
ثم تلكأت في نطق اسمه وحاولت أن تنطقه عدة مرات دون فائدة. لينطق أدهم اسمه أمامها حوالي عشرات المرات دون أن يمل وهي تكرر بعده وتخطئ. حتى نطقت بعد المرة الحادية عشر: "أدهم." شعر أدهم أنه أصبح لاسمه وقع خاص لم يشعر به مسبقاً. بينما لم تنتبه ليديا كل هذا. بل كانت سعيدة بقدرتها على نطق اسمه بشكل صحيح: "قلته صح كده؟ أومأ أدهم برأسه وهو ينظر إلى عينيها وقال: "صح فعلاً." ثم سألها وقد تذكر لتوه أنه لم يسألها على اسمها:
"أنتِ اسمك إيه صحيح؟ أجابته برقة: "ليديا." ابتسم وهو يلفظ اسمها باستمتاع: "ليديا.. اسم جميل ومختلف زي صاحبته." "أنا هنزل تحت عند نور والباقي." قالتها وهي تتجه نحو السلم. ليراقبها أدهم حتى اختفت من أنظاره. ليدخل إلى غرفته وهو يتنهد بعمق قبل أن يغير ملابسه مسرعاً ويهبط إلى الطابق السفلي. ناسياً كل تعبه وإرهاقه ونومه المنتظر. فكل ما يهمه الآن أن يرى ليديا ويتعرف عليها أكثر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!