الفصل 12 | من 10 فصل

رواية عروس من باريس الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة علي

المشاهدات
21
كلمة
4,250
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 120%
حجم الخط: 18

جلست عليا أمام فريال وهي تنظر إليها بضيق خفي، بينما فريال تبتسم بتصنع وهي تلعن ابنها على فعلته المتهورة. تحدثت عليا أخيرًا بصوت هادئ: "يعني أدهم يسافر كده من غير ما يقولي أو يودعني حتى؟ ينفع كده يا طنط؟ قالت فريال بهدوء وتروٍّ: "معلش يا حبيبتي، كل حاجة حصلت فجأة. هو كان تعبان شوية ومحتاج يريح، فقرر يسافر كام يوم يجدد فيها نشاطه." نظرت عليا إليها بشك وقالت: "كام يوم يجدد فيها نشاطه؟

وده إيه علاقته بإنّه يقفل فونه ومعرفش حد مكانه؟ قالت فريال مبررة تصرفات ابنها غير المنطقية: "حابب يريح دماغه، عايز يكون لوحده. اعذريه يا عليا، أدهم تعب أوي الفترة اللي فاتت وبذل مجهود كبير في الشغل." قالت عليا بعدم اقتناع: "طول عمره بيتعب في الشغل وعلى قلبه أحلى من العسل. إيه اللي اتغير دلوقتي؟ صمتت فريال ولم تعرف بماذا ترد، بينما سألتها عليا بتوجس: "فيه حاجة أنا معرفهاش يا طنط؟ تنهدت فريال

وهي تبتسم وترد بجدية: "مفيش أي حاجة يا حبيبتي، اطمني." ثم أضافت بلهجة مرحبة: "طبعًا النهاردة هتتغدي معانا." قاطعتها عليا بجدية وهي تنهض من مكانها: "للأسف مش هقدر، وعدت صديقة ليا إني أتغدى معاها." أومأت فريال برأسها متفهمة وقالت: "زي ما تحبي يا حبيبتي." ابتسمت عليا بتصنع وهي تودع فريال وتتجه خارج القصر.

لتأتي بعد لحظات نور وطفليها، والتي استقبلتها فريال بترحيب رغم الضيق الواضح على محياها. فسألتها نور بقلق عما حدث، لتشرح لها فريال بإختصار تصرفات أدهم الأخيرة وسفره المفاجئ دون أن يخبر أحد عن مكان سفره أو موعد عودته حتى.

تطلعت نور إليها بصمت، بينما القلق ينهشها من الداخل. وقد تأكدت بحدسها أن أدهم وقع في الغرام المحظور. حاولت أن تطمئن والدتها وأن تخفي عنها ما تفكر به كي لا تلاحظ والدتها أو تشك بأي شيء وتقوم بإستجوابها، وهي بالتأكيد لن تفضح سر أخيها مهما حدث. ***

دَلفت ليديا إلى المنزل وهي تحمل عدة أكياس تحوي في داخلها العديد من الملابس التي اقتنتها بمساعدة ريهام، التي جاءتها منذ الصباح الباكر وذهبت معها كي تشتري الكثير من الملابس لها بدل تلك التي سرقها أدهم. سارت ليديا إلى الأمام لتجد نور أمامها، فقالت بهدوء: "صباح الخير." أجابتها نور وهي تبتسم: "صباح النور." ثم سألتها: "إنتي كنتي بتعملي شوبينج؟ أومأت

ليديا برأسها وقالت بحرج: "أصل معنديش هدوم جديدة فحبيت أشتري حاجات مناسبة للجو هنا." قالت نور بجدية: "خير ما عملتي، لازم تشتري هدوم كتيرة. صحيح هدوم هنا قد ما كانت جميلة مش هتبقى زي هدوم باريس، بس بردوا عندنا حاجات جميلة ومختلفة." قالت ليديا بجدية: "بالعكس، الهدوم هنا حلوة أوي وعجبتني." قالت نور: "هايل، روحي رتبي هدومك في الخزانة فوق وانزلي اشربي قهوة معايا، ولا إنتي بتحبي حاجة غير القهوة؟

تنهنت ليديا بحرج وقالت: "لا بحب القهوة، هروح أرتب هدومي فوق وأنزل." أومأت نور برأسها متفهمة، بينما ارتقَت ليديا درجات السلم متجهة إلى الطابق العلوي وهي تفكر في تصرفات نور وتحاول تحليلها بالشكل الصحيح. بعد مدة قصيرة نزلت ليديا وهي ترتدي بنطال جينز طويل فوقه تي شيرت أخضر ذو أكمام قصيرة. وجدت صالة الجلوس فارغة فجلست عليها وهي تنتظر أن تأتي نور، والتي جاءت بالفعل بعد لحظات وهي تحمل صينية تحوي فنجانين من القهوة.

وضعت نور الصينية أمام ليديا على الطاولة ثم جلست على الكرسي المقابل لها وحملت فنجانها وأخذت ترتشف منه القليل، وفعلت ليديا المثل لتتفاجئ بروعة طعم تلك القهوة. سألت ليديا نور وهي تتلذذ بطعم القهوة: "حضرتك اللي عملتي القهوة دي؟ ولا واحدة من الشغالات؟ ابتسمت نور وقالت: "أنا اللي عملتها يا حبيبتي." قالت ليديا بإعجاب حقيقي: "روعة بجد، أنا عمري ما دُقت قهوة بالطعم ده، حتى في بيت عمي القهوة مكانتش لذيذة كده."

قالت نور بجدية: "بالهنا والشفا. أنا عندي طريقة خاصة بعمل فيها القهوة عشان تبقى بالطعم ده. لو تحبي ممكن أعملهالك؟ قالت ليديا بحماس: "ياريت، أحب طبعًا ولو إني أشك إنّي هعملها لذيذة أوي كده." ابتسمت نور وهي تعاود ارتشاف القهوة من فنجانها، وفعلت ليديا المثل، وقد بدأ شعور الراحة يتسلل قليلًا داخلها نحو نور. فهي بدت لها هادئة ولطيفة في تعاملها، كما أن نظراتها حنونة ونبرتها رقيقة. انتهت ليديا من فنجانها بتلذذ

لتجد نور تقول بعد لحظات: "تحبي تشربي واحد تاني؟ ابتسمت ليديا وهي تهز رأسها بحرج لتقول نور وهي تحمل الصينية بعدما وضعت الفناجين داخلها: "إيه رأيك تشربيها في المطبخ وأنا بجهز الغدا." "أوك." قالتها ليديا بسلاسة وهي تتبع نور متجهة نحو المطبخ.

دَلفت ليديا إلى المطبخ تتبع نور التي قامت بوضع دلة القهوة على الطباخ ثم بدأت في تجهيز طعام الغداء. ما إن بدأت القهوة بالغليان حتى حملت الدلة وصبت لليديا منها في الفنجان وأعطته لها، بينما عادت هي تكمل عملها لتسألها ليديا بتعجب: "هو ليه إنتي اللي بتعملي الغدا مش الخدم؟ التفتت نور إليها وهي تهتف بجدية: "عشان أنا بحب أطبخ الأكل بنفسي لعيلتي." "اشمعنى؟ " سألتها ليديا بإستغراب

لترد نور ببسمة هادئة: "بحس بالراحة والمتعة، مبحبش فكرة حد غيري يعمل الأكل لكمال والولاد. ببقى مبسوطة وأنا بعملهم الأكل بإيدي." تطلعت ليديا إليها بدهشة قبل أن تسألها بتردد: "هو إنتِ بتشتغلي؟ ابتسمت نور وقد فهمت ما يدور في عقل تلك الفتاة وردت: "كنت بشتغل." "كنتي بتشتغلي إيه؟ ردت نورا بجدية: "أستاذة جامعية في كلية الآداب قسم التاريخ."

قالت ليديا بإعجاب: "واو قسم جميل مع إنه صعب على ما أظن، لإنّي حسب ما سمعت إنّ تاريخ مصر كبير وضخم جدًا وفيه فترات زمنية كتير." ابتسمت نورا وقالت بتأكيد: "فعلاً، التاريخ صعب ومحتاج دراسة كتيرة واجتهاد. أنا حتى بعد ما أخذت الماجستير والدكتوراه ودرست سنين في الجامعة لسه بقرأ وبدرس كتب تاريخية وبكتشف حاجات جديدة باستمرار." ابتسمت ليديا وقالت: "ممكن تديني كتب عن تاريخ مصر؟ حابة أتعرف عليه."

قالت نورا بسرعة: "أكيد يا حبيبتي، أنا هختارلك كتب مناسبة ومهمة في نفس الوقت." ابتسمت ليديا بسعادة وقالت: "ميرسي." ثم أكملت تناول فنجان قهوتها وهي تتأمل نور ومهارتها العالية في الطبخ بإعجاب. *** بعد مرور أسبوعين. أسبوعين حدث فيها الآتي: أدهم ومكوثه في الشاليه الخاص به في الغردقة، حيث أخذ يفكر جدياً محاولاً حسم قراره النهائي والذي لا رجعة فيه. كان الموضوع

أمامه خيارين لا ثالث لهما: عليا والحفاظ على مكانته وإدارته لشركات العائلة وجميع أعمالها، أو ليديا وخسارة كل شيءٍ بما فيها علاقته بوالديه. كان يشعر بنفسه بين المطرقة والسندان. فإذا سأل قلبه عن القرار الصحيح يجيبه على الفور بلا تردد: ليديا، فهي من سكنته واحتلته كليًا. وإذا

سأل العقل فأجاب ببساطة: عليا، فمعها سيحافظ على كل شيء بل وسيصل إلى جميع ما طمح إليه وحلم به وسعى إليه لسنوات عديدة، وهي قيادة عائلة السيوفي بأكملها والتحكم بجميع ممتلكاتها وأموالها. اختياره ليديا سوف يضعه في خانة الـ "يك".

فسوف يخسر كل شيء: طموحه وأحلامه، مكانته وقيمته لدى الجميع. سوف يصبح في نظر الجميع عاشقًا تافهًا سلم مقاليد قلبه لمن لا تستحق. والأسوأ من ذلك أن ليديا نفسها لا تشعر بأي شيء نحوه، وبالتالي من الممكن أن يخسر كل هذا ولا يكسب ليديا أيضًا.

ظل يفكر مرارًا وتكرارًا ويدرس الموضوع من جميع الجوانب. استمر على هذا الوضع لمدة أسبوعين كاملين حتى توصل أخيرًا مع نهاية الأسبوع الثاني إلى قراره النهائي، ليحزم أمتعته ويغادر المكان متجهًا إلى القاهرة.

أما ليديا، فهي اقتربت من نور كثيرًا وأصبحت بينهما علاقة ودودة. فليديا وجدت أن نور طيبة ولطيفة للغاية، تعاملها بود واحترام ولا تتدخل في حياتها. كانت العلاقة بينهما تتوطد تدريجيًا وبشكل جميل ومفاجئ لكلا من كمال وابنيه، بل ولليديا أيضًا. فبالرغم من معرفة كمال وأولاده مدى طيبة نور وحنانها الفائض، إلا أن تقبل ليديا لها بهذه السهولة فاجأهم، كون نور بالنسبة لها المرأة التي سرقت والدها من والدتها.

لم تتطرق كلتا من نورا وليديا إلى الماضي إطلاقًا ولم يحدث بينهما أي حديث، فكلتاهن كن يتحدثن بأشياء عامة بعيدة عن الماضي الخاص بهما، وقد كانت ليديا بالذات تتجنب ذكر والدتها أمام نور احترامًا لها، وحتى ماضيها في فرنسا قل ما تحدثت عنه. أما نورا، فكانت ترغب كثيرًا بالاعتذار من ليديا على عدم موافقتها أن تسكن هنا في منزل والدها في بادئ الأمر، لكن شعورها بالحرج منعها من ذلك.

علاقة ليديا بأخويها يوسف ومراد باتت أكثر من رائعة. مراد بمزاحه ومرحه الذي لا ينتهي دخل قلبها فورًا وبات صديقها الصدوق، أما يوسف، فبرزانته وقوة شخصيته التي تفوق سنه بمراحل نال إعجاب ليديا وأصبح قريبًا منها للغاية، وكأن بينهما رابط خفي يجمعهما، وهو أهم من أي رابط آخر، رابط الأخوة الدم.

عليا لم ترتح أو يهدأ لها بال طوال الأسبوعين الفائتين وهي تفكر في سبب سفر أدهم الغريب. تشعر، بل وتكاد تكون متأكدة، أن القادم سيكون غير جيد على الإطلاق. شعور الخوف والقلق ينهش روحها، وقد عقدت عزمها أخيرًا على تحديد موعد زفافها ما إن يعود أدهم من عزلته تلك. ***

أوقف أدهم سيارته أمام مدخل الشركة. هبط منها واتجه بسرعة إلى داخل الشركة متجاهلاً تحية الحراس المستغربين من عودته المفاجئة بعد غياب أسبوعين دون مبرر لهذا الغياب. كان أدهم قد اتجه مباشرة إلى الشركة دون أن يعود إلى المنزل لتغيير ملابسه ودون حتى أن يخبر أحد بأمر عودته.

اتجه نحو المصعد متجاهلاً نظرات الموظفين المتعجبة من عودة مديرهم الغائب لأسبوعين. دلف إلى المصعد متجهاً إلى الطابق الذي يحوي مكتبه ومكاتب أعضاء مجلس الإدارة. اتجه نحو مكتبه ما إن خرج من المصعد ليجد مكتب سكرتيرته فارغًا، فدلف إلى مكتبه ليتفاجأ بكريم ابن عمه يجلس مكانه وأمامه سكرتيرته مروة تستمع إلى أوامره. تقدم أدهم نحو كريم بملامح غامضة، والذي قابله الأخير بملامح هازئة وهو يقول: "أهلاً باللي غايب بقاله أسبوعين."

أشار أدهم لمروة أن تخرج، ففهمت على الفور واتجهت خارج المكتب بحرج، ليقول أدهم بجمود: "ما كانوش أسبوعين يا كريم اللي يخلّوك تقعد مكاني." ضحك كريم بقوة وقال: "أمال أقعد فين؟ إنت ناسي إنّي أنا النائب عنك وبالتالي فغيابك لازم أحُل محلك في كل حاجة." رد أدهم ببرود: "إنت النائب آه، بس عندك مكتبك تقدر تباشر شغلك من خلاله." ثم أكمل بتهكم تحت أنظار كريم الحارقة: "ويا ترى يا سيادة النائب وصلت لفين في الشغل؟

قدرت تاخد قرار معين وتنفذه؟ رد كريم بحقد: "مقدرتش طبعًا عشان حضرتك مانع أي حاجة تتنفذ من غير توقيعك. الشغل واقف بقاله أسبوعين بسبب غياب حضرتك. يعني هو عشان ترتاح وتستجم الشركة تولع." ضرب أدهم على سطح مكتبه بقوة جعلت كريم يرتجف لا إراديًا، بينما قال أدهم بجمود وقسوة: "شركة مين اللي تولع يا ابن عمي؟

الشركة اللي بديرها بقالي 13 سنة مفيش سنة عدت إلا وأرباحنا بتبقى بالمليارات. الشركة اللي بقت من أكبر شركات بالعالم مش في مصر بس ولا في الشرق الأوسط. ثانيًا، إنت عارف كويس إنّه رغم غيابي أنا مظبط كل حاجة وسايب كل حاجة للوقت المناسب. مش أنا اللي هسمح بخسارة للشركة ولو بجنيه واحد." ابتسم كريم بسخرية بالرغم من خوفه وقال: "ويا ترى يا سيادة المدير هتعمل إيه بصفقة العربيات اللي مفاضلش عليها غير أسبوعين وإنت لسه مدرستهاش حتى؟

وكمان الاتفاقيات والشحنات اللي المفروض توصل لأصحابها؟ رد أدهم بثقة: "الاتفاقيات والشحنات وكل حاجة اتأجلت هتم في وقتها المحدد. أما الصفقة بتاعة العربيات فإطمن، هتكون من نصيبنا كالعادة." تطلع إليه كريم بغيظ منه ومن ثقته، بينما قال أدهم بهدوء: "ودلوقتي يا ريت تتفضل من غير طرد؟ ولا قعدتك على مكتبي عجبتك؟

منحه كريم نظرات حارقة قبل أن ينهض من مكانه ويتجه خارج مكتبه، ليجلس أدهم على مكتبه ويغمض عينيه للحظات محاولاً تنظيم أفكاره قبل أن يفتحها ويحمل هاتفه ويجري اتصالاً بمدير البنك الذي يتعامل معه. "أهلاً مستر عزت، عامل إيه؟ " قالها أدهم وهو يرد على تحية عزت المرحب به بحرارة،

ليبتسم وهو يقول: "آه، كل حاجة تمام. إنت دائمًا محل ثقتي. أنا عايزك تجهزلي ثلاثة مليون جنيه. هاجي بكرة عندك حوالي الساعة عشرة وهفتح حساب سري وأحول عليهم المبلغ ده. أتمنى كل حاجة تكون جاهزة لأني عاوز أخلص كل حاجة بسرعة." ابتسم أدهم براحة وهو يسمع عزت الذي يطمئنه بأن كل شيء سوف يتم كما أمر، ليودعه أدهم ويغلق الهاتف قبل أن يفتحه مرة أخرى ويجري اتصالاً بحسام يخبره الآتي: "إزيك يا حسام؟

مش وقت أسئلة دلوقتي. النهاردة تفتح موضوع جوازك مع بابا. وطبعًا مش محتاج أقولك متعملش حاجة غير إنّك تبلغه برغبتك بالجواز من نورهان وتحاول تقنعه فيها، بس من غير عناد وتحدي زي ما اتفقنا قبل كده. ومتعملش أي حاجة تانية غير لما أبلغك." أغلق الهاتف بعدها وهو يعود برأسه إلى الخلف ويتنهد بصمت. ***

كانت ليديا تجلس في غرفتها تقرأ أحد الكتب التاريخية التي أعارتها إياه نورا، حينما وجدت هاتفها يرن. تطلعت إلى الهاتف بإستغراب من المتصل، والذي لم يكن سوى أدهم. تعجبت في داخلها، فهو لم يحدثها أو يتواصل معها منذ أسبوعين تحديدًا منذ تركها القصر وقدومها إلى هنا. ضغطت على زر الإجابة وهمت بتحيته بالرغم من ضيقها منه وحقدها عليه بسبب فعلته، لكنها

تفاجأت به يهتف بها ببرود: "انزلي لي فورًا، أنا قدام الفيلا. ويا ريت متقوليش لحد إنك نازلة تشوفيني. معايا حاجة تخصك خديها ورجعي." ثم أغلق الهاتف في وجهها دون أن يستمع إلى ردها، لتنظر ليديا إلى الهاتف في يدها بدهشة وغيظ قبل أن تهتف بكره: "غبي ومتخلف."

أما أدهم، فكان يقف بجانب سيارته وهو ينتظر قدومها بفارغ الصبر. وجدها تخرج أخيرًا من الفيلا وهي تتهادى في مشيتها مرتدية بنطال من الجينز فوقه تي شيرت أسود اللون ذو أكمام قصيرة مع حذاء رياضي أسود اللون أيضًا. تعقد شعرها بشكل ذيل الحصان الطويل ووجهها خالي من مساحيق التجميل كالعادة.

لطالما كانت ليديا ذات طلة عادية بسيطة للغاية لا تثير دهشة أو إعجاب من حولها، عكس طِلات بنات عائلته وجميع العوائل من حوله، والتي تتميز برقيها وفخامتها التي تبهر الجميع في أبسط المناسبات. وبالرغم من هذا كله، كانت ليديا ببساطتها المبالغ فيها تلك تنال إعجابه الشديد دون أن يدرك سببًا واحدًا لهذا. وقفت ليديا أمامه وهي تقول ببرود: "نعم؟

فهم أدهم أنها انزعجت من أسلوبه الجاف معها، لكنه لم يهتم بذلك، بل اتجه نحو الباب الخلفي لسيارته وفتحها وأخرج منها كيس كبير وأعطاه لليديا، التي أخذت الكيس منه وتطلعت إليه بدهشة قبل أن تفتحه وتنظر إلى محتوياته. تسمرت ليديا في مكانها للحظات محاولة استيعاب ما يوجد داخل الكيس، قبل أن تقفز بسعادة وهي تصرخ بمرح. لقد أعاد أدهم إليها ملابسها القديمة والتي جاءت بها من فرنسا.

تطلع أدهم إليها بدهشة غير مصدق لمدى فرحتها بهذه الملابس القديمة البالية والتي لن يشتريها أحد هنا بجنيه واحد. وجدها تتوقف عما تفعله وهي تحمل أحد الفساتين وتتأمله بعينين دامعتين، قبل أن تقربه من أنفها وتشم رائحته بشوق ظهر في عينيها. أعادت أخيرًا الفستان إلى الكيس ونظرت إلى أدهم لتمنحه ابتسامة سعيدة، لاول مرة يراها على وجهها، قبل أن تضع الكيس أرضًا وتتقدم نحوه وتحتضنه بشكل أثار دهشته وجعله يتجمد في مكانه غير مستوعبًا لكل هذا.

ابتعدت ليديا عنه أخيرًا بعينين سعيدتين وقالت بصدق: "شكرًا. بجد شكرًا. إنت جميل أوي يا أدهم. جميل بجد." ابتلع أدهم ريقه محاولاً السيطرة على مشاعره التي فاضت بشدة بعدما احتضنته ليديا ورائحتها ما زالت عالقة بأنفه ودفء حضنها ما زال يسيطر على كل خلية به. تنهد أدهم أخيرًا وهو يقول: "للدرجة الهدوم دي مهمة عندك؟

قالت ليديا بحب: "دول أهم حاجة عندي. دول بشوف فيهم الماضي بتاعي، وريحة ماما وحبها. كل قطعة منها بيها ذكريات كتير أنا عايشة بسببهم." قال أدهم بأسف وقد أدرك مدى فداحة خطأه حينما سرق تلك الملابس: "أنا آسف بجد. مكنتش أعرف إنها مهمة أوي عندك." قالت ليديا بسعادة: "بلاش تعتذر، المهم إنك رجعتهم." سألها أدهم بجدية: "يعني مش زعلانة؟ ضحكت ليديا وهي تجيبه ببساطة: "طالما رجعوا لي يبقى أكيد مش زعلانة خلاص."

تعجب أدهم من بساطتها ومرونتها، بل وروحها التي تسعدها أبسط الأشياء. ابتسم بهدوء وقال: "كده اطمنت. أروح أنا دلوقتي لإني اتأخرت عالبيت." ابتسمت ليديا منه وقالت: "مع السلامة." "مع السلامة." قالها أدهم بخفوت وهو يتجه نحو سيارته ويركبها، بينما اتجهت ليديا عائدة نحو الفيلا وهي تحتضن ذلك الكيس بيديها وكأنه كنزها الثمين الذي وجدته بعد عناء. ***

دلف أدهم إلى القصر ليستمع إلى أصوات صراخ آتية من الداخل، وقد فهم أن حسام قد فجر قنبلته أخيرًا في وجه والده، والذي قال ما إن رآه: "تعالى يا أدهم، تعالى شوف مصيبة أخوك الصغير. عايز يتجوز واحدة من العشوائيات. تخيل؟ رد حسام بغضب مكتوم تحت أنظار والدته الباكية بسبب ابنه واختياره المجنون ومصطفى المتأسف: "يا بابا أنا مش صغير. وملوش لازمة تهددني بأدهم وكأنه هيضربني بالعصايا."

رد أدهم بدوره: "حسام معاه حق يا بابا. هو مش صغير عشان تهدده بيا." قال سليم بدهشة: "يعني إيه؟ حضرتك موافق عالهبل ده؟ رد أدهم ببساطة: "كل واحد حر باختياره." صرخت فريال بلا وعي: "أدهم إنت بتقول إيه؟! ليكمل أدهم بجدية: "وكمان فعواقب اختياره."

تطلع إليه الجميع بحيرة ليقول أخيرًا: "أنا معرفش أي تفاصيل عن الموضوع ده، بس اللي فهمته إنّ البنت من العشوائيات ودي حاجة مستحيل يقبل بها حد منا. عاوز تتجوزها مفيش مانع. بس ساعتها اعرف إنك هتخسر العيلة كلها. ومش العيلة بس، لا كل حاجة. مكتب سعادتك اللي متباهي بيه هينسحب منك ويبقى تحت سيطرتنا. أرصدة البنوك هتتجمد. القصر هتخرج منه. أما العربية، فللأسف دي باسمك مش هقدر أسحبها منك. عاوز تتجوز بنت العشوائيات اتجوزها، بس إنسى كل العز اللي إنت فيه، بمعنى تاني، روح عيش معاها بالعشوائيات وخليها هي ساعتها تصرف عليك، دي لو رضيت بيك."

تطلع حسام إليه بكره قبل أن يتجه إلى غرفته دون أن يتفوه بحرف واحد، بينما أشار أدهم إلى والده ووالدته قائلًا: "اطمن يا بابا. كل حاجة هتبقى تمام. حسام مستحيل ينفذ كلامه ويتجوزها لأنه عارف عواقب ده. وعشان تتطمن دلوقتي هكلم البنك وأجمد أرصدته وملكية المكتب معاك وباسمك. يعني كل حاجة تحت السيطرة." ابتسم سليم وهو يربت على كتف ولده: "طول عمرك قد المسؤولية يا أدهم. عمرك ما خيبت ظني بيك."

ابتسم أدهم بدوره وقال: "متقلقش يا بابا. طول ما أنا عايش كل حاجة هتفضل زي ما هي." اتجه سليم نحو مكتبه وهو يتنهد براحة، بينما اقتربت فريال من أدهم واحتضنته بقوة وهي تحمد ربها على ابنها الذي منحه الله الحكمة والعقل الكافيين لتيسير جميع الأمور والحفاظ على روابط هذه الأسرة. اتجهت فريال بعدها نحو غرفتها لتستريح قليلًا، بينما نظر أدهم إلى مصطفى الذي

منحه نظرات كارهة حزينة: "عمري ما كنت أتخيل إنك بالأنانيّة دي. بتهدد أخوك الصغير. هي دي الأخوة يا أدهم بيه؟ بس برافو عليك، قدرت تنزل من نظري بسهولة بعد ما كنت عالي أوي." ألقى مصطفى كلماته تلك في وجه أخيه واتجه نحو الأعلى تاركًا أدهم يتابعه بنظرات باردة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...