نهض عنها بسرعة وهو يلهث. ابتعد قبل فوات الأوان، وقبل أن يجعلها زوجته رسميًا. لا يصدق أنه انجرف معها بتلك الطريقة، لا يصدق أن ضعفه تحكم به. عينيه الزرقاء كانت مشبعة بالصدمة. نظر آدم إلى مهرا التي تصاعدت الدموع في عينيها، وتمتم دون شعور: -أنا آسف. أنا آسف. ثم سحب قميصه الذي رماه بسرعة وارتداه، وخرج مسرعًا. كان شياطين العالم تطارده. كانت مهرا متسطحة على الفراش وهي شاخصة عينيها لأعلى. الجزء العلوي من منامتها ممزق قليلاً.
شفتيها مر*ضوضتين بفعل وقبلاته المجنونة، وقلبها ما زال يخفق بعنف، بينما هي تلهث بعنف. كانت الدموع تنساب من عينيها وهي تتذكر كيف ابتعد عنها كالملسوع، وكأنها شر مقيت أراد الابتعاد عنه. شعرت أنه يخاف على نفسه من التلوث. تصرفه آذاها بقوة. شهقت فجأة ودموعها تنفجر من عينيها أكثر. كانت لا تستطيع أن تتوقف عن البكاء. لقد أدركت الآن مشاعره. هو لن يعتبرها أبدًا زوجته. هو لا يحبها، يش*مئز منها. هو مثلهم يعتبرها خاطئة.
يظن أنها فرطت في شرفها بإرادتها. ذلك التفكير رفض مغادرة عقلها. دفنت رأسها في الوسادة وهي تبكي بعنف. كانت شهقاتها تخرج متقطعة. بينما تشعر بألم عظيم في قلبها. ألم لم تختبره من قبل. لقد أحبت وتحطم قلبها. وتلك المرة تحطم قلبها بقوة. لن تُشفي جراح قلبها. عرفت هذا. وقف آدم في صالة المنزل وهو يشعر بالصدمة من نفسه. يشعر بالصدمة لأنه ضعف أمامها بتلك الطريقة. لو لم يتوقف في آخر لحظة، كان سيجعلها زوجته رسميًا.
اتجه إلى المنضدة وجلس عليها بانهيار. وضع كفه على شفتيه وأغمض عينيه وهو ما زال تحت تأثير تقاربهما. لم يشعر بهذا الشعور من قبل. يشعر أنه غرق وليس هناك أي سبيل للنجاة. أغرق وجهه في كفيه وهو يشعر بالصداع يكاد يفتك رأسه. ما الذي فعله؟ كيف يفعل هذا؟ كيف يخون الأمانة؟ لقد وعد نفسه أنه سوف يحميها ويعيدها إلى عائلتها سالمة. فكيف حدث هذا؟ -آدم. صوت ضعيف قطع حبل أفكاره. رفع آدم رأسه ليجد والدته أمامه.
حاول أن يبتسم، ولكن الابتسام تطلب جهدًا كبيرًا منه. جهدًا لم يمتلكه في الوقت الحالي. من نظرة واحدة عرفت والدته ما الذي يمر به ابنها. عرفت أن هناك شيء خاطئ، وهذا الشيء يتعلق بمهرا. هي تفهم ابنها جيدًا، أليس هي من ربته؟ هي تفهمه أكثر من أي شخص آخر. جلست بتعب على المقعد المجاور له وتقول: -إيه اللي مصحيك دلوقتي يا آدم؟ أخيرًا استطاع أن يبتسم وقال: -عادي يا أمي، مش جايلي نوم. ومرهق شوية. المهم أنتِ ليه صاحية؟ روحي نامي.
ابتسمت وهي تقول: -حسيت بيك فطلعتلك يا آدم. تنهد هو بتعب وقال: -أنا تعبان أوي يا أمي. حاسس إن الدنيا حواليا متلخبطة. مش عارف أنا عايز إيه. وخايف أقع في غلط إني أظلم حد معايا. خايف آخد قرار وأدمر الشخص اللي معايا. -تقصد مهرا؟ سألته، ولكن الأمر لم يكن مجرد سؤال. بدت متأكدة للغاية. تنهد هو ولم يتكلم، لتكمل هي:
-أنا عارفة ومتأكدة أن جوازك من مهرا له سبب معين. مش جواز حب. بس أنا مش عايزة أعرف السبب. بس دلوقتي يا ابني، أنت حبيتها. نظر إليها بصدمة، لتبتسم وتقول: -عينيك دلوقتي بتلمع ليها، عكس أول ما اتجوزتها. كنت بحس في الأول أنها مفروضة عليك. لكن دلوقتي اللمعة اللي في عينيك ليها بتقول إنك بتحبها أوي. ابتلع آدم ريقه ولم يتكلم. لتنهض هي وتربت على كتفه قائلة: -إحنا بنعيش مرة واحدة يا آدم. مضيعش سعادتك من إيديك. امسك فيها كويس.
كان يمسك صورتها والدموع تنساب من عينيه. لقد ابتعدت عنه، غادرت دون رجعة. اختارت آدم وتركته هو. قلبه كان يؤلمه. كان حقًا يموت من الألم. هو من رباها. شاهدها وهي تكبر. دَلّلها وأحبها أكثر من حياته. فكيف يأتي آدم بتلك السهولة ويخطفها منه؟ كيف؟ وكيف تختاره بتلك السهولة؟ كان قلبه يتمزق من الحزن عليها. هي اختارت آدم. أمسكت بكفه وتركت كفه هو. بعد كل ما فعله. لقد حاول دوماً أن يسعدها.
ولجت مروة المكتب وهي ترى عمها في تلك الحالة. على الرغم مما فعله، إلا أنها تشفق عليه كثيرًا. دموعها كانت تتساقط. لقد عرفت أن مهرا اختارت آدم وتركته هو. رغم ما فعله جابر عزام، إلا أنه حقًا أحب مهرا. أحبها أكثر من أي شيء آخر. هو فعل المستحيل لإسعادها. وكما أنه من أنقذها من الفضيحة التي كادت أن تحدث لها بمساعدة آدم. رباه، هي ممزقة ما بين الغضب منه والشفقة عليه. عمها رجل كبير ولن يتحمل أن تبتعد عنه مهرا. إذن ماذا تفعل؟
هل تكلم مهرا؟ هل تحاول إقناعها أن تكلم جدها؟ هل تفعل هذا؟ كانت مروة محتارة ماذا تفعل. -عمي. قالتها مروة بحزن. مسح جابر دموعه وقال: -بنتك اختارت آدم يا مروة. بنتك فضّلته عليا. نظرت مروة لأسفل وقالت: -اللي سمعته صعب يا عمي. نهض جابر وهو يصرخ ويقول: -أنا اللي ربيتها يا مروة. أنا اديتلها الحب والرعاية والاهتمام. أنا اللي اهتميت بيها. أنا اللي بروح ألم مصايبها. يبقى ده جزاتي في الآخر يا مروة؟ تبعد عني وتنفيني من حياتها!
ابتلعت مروة ريقها تشعر بالآسي على عمها، ولكن داخلها لا تلوم مهرا. فما فعله جابر كان قاسي للغاية. المشكلة أنه لا يعترف أبدًا أنه أخطأ في حق حسناء. دائمًا ينظر إليها باحتقار. حتى أنها يحملها مسؤولية موت زوجها. عمها يتصرف بقسوة بالغة مع حسناء. كان يجب أن يتقبلها قليلاً حتى يسامحه آدم. ولكن يبدو أن هذا بعيد المنال الآن. فآدم أصبح يكرهه أكثر. لن تنسى أنه كاد أن يقتله عندما عرف بما فعله بوالدته. وادم لديه حق أن يغضب ويثور.
فيكفي ما فعله جابر معهم. نظرت إلى جابر التي دموعه تنساب بقهر وهو ينظر إلى صورة مهرا. توجع قلبها لأجله. رغم كل شيء، جابر هو من رباها. هو من اهتم بها ودللها. فعل الكثير من أجلها. حاول دوماً حمايتها. صعب عليه أن تتخلى عنه مهرا بتلك الطريقة. هذا صعب. تنهدت وقالت: -هترجع يا عمي، متقلقش. مهرا أكيد بتحبك. هز جابر رأسه وهو يمسح دموعه وقال:
-بنتك حبت آدم أكتر مني. قدامي مسكت إيده ورفضت تيجي معايا. مهتمتش بقلبي اللي اتكسر يا مروة. مهتمتش باللي رباها وحبها أكتر من حياته. اللي حقق لها كل طلباتها ولما وقعت هو اللي ساعدها. بنتك نسيت كل ده يا مروة. أغمضت مروة عينيها بآسي وقالت: -معذورة يا عمي، اللي سمعته صعب برضه ولا إيه؟ مهرا اتصدمت فيك، وبعدين أنت خليت الوضع أسوأ لما روحت لحسناء. نهض جابر وهو يصرخ:
-لأن حسناء هي السبب في ده كله. أخدت ابني في الأول، ودلوقتي ابنها جاي ياخد حفيدتي. عايز ياخدها ويبعدها عني. هو بينتقم مني في مهرا، وهتشوفي يا مروة إن آدم هيدمرها عشان يحقق انتقامه. هو ورث سواد القلب من أمه. دي نتيجة تربية حسناء. -إيه اللي أنت بتقوله على آدم يا عمي ده؟ حفيدك. هز جابر رأسه وقال:
-لا، لا. آدم مش حفيدي. هو ابن الست دي، ابن حسناء. وحتى لو شفته ميت قدامي مش هتها. آدم انتهى بالنسبالي. انتهى لما اتجرأ ومد إيديه عليا. في اليوم التالي. نظرت إليه وهو نائم. مررت يديها على وجهه. ذقنه غير الحليقة أعطته جاذبية خطيرة. ابتسمت كارما وقلبها يخفق بقوة. هي تعيش أسعد لحظات حياتها الآن. وكم تتمنى أن تدوم تلك السعادة للأبد. تتمنى ألا ينكسر قلبها أبدًا. اقتربت وهي تقبله على وجنته. تشتم رائحته كالمهووسة.
فتح سامر عينيه وحاوطها بذراعيه وهو يقول: -صباح الخير يا ملاكي. ما دام صحيت على وشك أكيد هيكون يوم حلو زيك. قالها وهو يبتسم لها بسعادة. رقص قلبها داخل صدرها. لا تصدق أنه يقول لها هذا الكلام. لا تصدق. هل هي تحلم يا ترى؟ -إيه الكلام الحلو ده؟ تتحسد؟ قالتها كارما وهي تخفي خجلها منه. نظر إليها وقال: -يعني أقول كلام حلو مش عاجب؟ مقولش برضه مش عاجب. إنتوا الستات محدش فاهمكم عايزين إيه. ضحكت وقالت: -أنا عايزة كلام حلو.
-وأنا ههريكي كلام حلو يا ست البنات. بس بس، كل يوم هقرالك شعر. اتسعت عينيها بشغف وقالت: -إيه ده؟ أنت بتعرف تقول شعر؟ -لا، أنا مش رومانسي للدرجادي. أنا بس حافظ شوية لشعراء كده. ابتسمت وقالت: -مش مهم. المهم إنك الراجل الأجمل في حياتي كلها. ضحك بمرح وقال: -أنا كده هتغر، خلي بالك. -يا سيدي، براحتك. أنت تعمل اللي أنت عايزه. صمت قليلاً وهو يشعر بألم طفيف في قلبه. أدرك أنه لا يستحق تلك المعاملة أبدًا. لا يستحق هذا الحب.
كارما حقًا تحبه بكل كيانها. أما هو، هو لا يبذل أي مجهود ليدخلها قلبه. ذلك الخاطر أزعجه كثيرًا. وجد نفسه يقول بصوت غريب: -أنا آسف يا كارما. آسف. عقدت حاجبيها بحيرة وقالت: -ليه بتعتذر؟ تنهد ورد عليها: -لأني مش قادر أحبك. أنتِ تستحقي أكتر من مجرد احترامي. أنتِ تستحقي أكتر من كده بكتير. تستحقي إني أحاول عشانك أكتر من كده. ابتسمت بحزن وهي تنظر إليه. أنه يؤلمها، ولكن لا يمكن أن تغضب منه. يكفي أنه يحاول.
يكفي أنه يعاملها بلطف وباحترام. وهي تكتفي بهذا. والحب سوف يأتي. هي لديها أمل كبير أن يحبها. وسوف تسعى لتمتلك قلبه. سوف تفعل كل الأشياء التي يحبها. لن تدعه يتذمر منها. أمسكت كارما كف سامر وقالت: -يلا بقى يا كسلان عشان تروح الشغل. وأنا كمان أروح شغلي. أنا رايحة أجهز الفطار. ثم ركضت من أمامه. تجهم وجه سامر وهو يشعر بالضيق. يشعر أنه يبذل مجهود جبار كي لا يشعرها أنها عبء عليه. كما أنه متضايق من موضوع أنها تعمل.
هو لا يريد لزوجته أن تعمل. هذا المبدأ مرفوض لديه. يريد أن يكلمها عن هذا، ولكن لا يريد أن يحدث أي توتر بينهما الآن. يكفي أنها قد اطمأنت إليه. يكفي أنها بدأت تشعر مجددًا أنها سعيدة. ولكن هذا الضيق ناحيتها لا يخف. يشعر به يخ*نقه بقوة. كانت كارما تعد الإفطار وهي تدندن بسعادة. أنها تعيش أجمل لحظات حياتها الآن. سامر يعاملها كالأميرات حقًا. لم تتخيل حتى في أحلامها أن يعاملها بتلك الطريقة.
تستطيع أن تجزم الآن أن قريبًا سوف تتكون لديه مشاعر لها. شهقت وهي تضحك عندما ضمها من الخلف وقال: أتحدى.. من إلى عينيك، يا سيدتي، قد سبقوني يحملون الشمس في راحاتهم وعقود الياسمين.. أتحدى كل من عاشترتهم من مجانين، ومفقودين في بحر الحنين أن يحبوك بأسلوبي، وطيشي، وجنوني.. أتحدى.. كتب العشق ومخطوطاته منذ آلاف القرون.. أن تري فيها كتاباً واحداً فيه، يا سيدتي، ما ذكروني أتحداك أنا.. أن تجدي
وطناً مثل فمي.. وسريراً دافئاً.. مثل عيوني أتحداهم جميعاً.. خفق قلبها بعنف وقالت: -دي قصيدة لنزار قباني. أنا بحبه أوي. ابتسم وهو يقبل رقبتها ويقول: -وأنا بحبه لأنك بتحبيه. كيف يكون لديها شك بعد كل هذا أنه يحبها؟ أنه يحبها بكل تأكيد. لا يستطيع إخراجها من عقله. منذ الصباح وهو يفكر بها. حاول كثيرًا أن ينشغل بالعمل، ولكنها ترفض مغادرة تفكيره. ما زال يتذكر تقاربهم المجنون بالأمس.
استسلامها بين يديه ومبادلته قبلاته المجنونة. لو لم يسيطر على نفسه في آخر لحظة، لكانت أصبحت زوجته رسميًا. لكنه جعلها ملكه، ولم يكن ليتركها أبدًا. ولكنه لن يكون أنانيًا لتلك الدرجة. لن يحتفظ بها لنفسه. لن يلزمها بأن تبقى معه. هي لن تعتاد على حياته أبدًا. وهو ليس لديه أي شيء ليقدمه لها. هو لن يستطيع أن يسعدها. إذن ليحررها منه. صحيح أنها تخلت عن جدها من أجله. ولكنها يومًا ما سوف تعود لحياتها. يومًا ما سوف تكره حياته تلك.
فهي ليست معتادة على الشقاء. وهو لا يستطيع أن يفكر بنفسه الآن. مرام قد تتزوج، وهو بحاجة إلى كل فلس لكي يجهزها جيدًا ويرفع من شأنها أمام زوجها. ليلى ما زالت في الكلية، وغدًا سوف يأتي نصيبها وستتزوج أيضًا. وهو يجب أن يجهزها. والدته مريضة وبحاجة له. هو مكبل بالمسؤوليات. وفتاة مثل مهرا لن تتحمل هذا. وهو حقًا لا يلومها. هي اعتادت على نمط حياة معين ولن يجبرها أن تتخلى عن تلك الحياة من أجله. حتى لو كان يحبها.
حتى لو تألم عندما تذهب. ولكن أبدًا لن يكون أنانيًا معها. لن يسجنها في منزله، بل سيحررها منه. وقريبًا جدًا. رغم الألم. رغم التحطم الذي يشعر به، إلا أنه لن يربطها به أبدًا. -آدم. صوت ضعيف ناداه. عرف صاحبة الصوت قبل أن يرفع رأسه. أغمض عينيه وهو يتنفس بضيق. متى ستتركه؟ متى ستحل عنه؟ ألا يكفي المشاكل التي بحياته لتأتي هي وتجعل الوضع يسوء أكثر؟ رفع رأسه وهو يعطيها نظرة باردة جمدتها مكانها.
لمعت عينيها بالدموع وهي ترى البرود الذي يطل من عينيه. رغم كل المخاطر أتت. أتت لكي تتكلم معه. أتت لأنها ما زالت باقية عليه رغم تجاوز زوجته معها. انسابت دموعها أمامه، فلم يحرك ساكناً وهو ما زال ينظر إليها بضيق. كان حقًا غاضبًا منها. ما تفعله غير صحيح. هي سوف تؤذي نفسها بتلك الطريقة. -عايزة إيه يا ميار؟ قالها آدم بنبرة باردة تخفي براكين غضبه التي تكاد أن تنفجر بسببها. شهقت وهي تبكي أمامه.
تريد أن تؤثر به، لعله يشفق عليها ولا يعاملها معاملة سيئة. تريد أن ترى الحب بعينيه. تريده أن يعود ويحبها. -آدم، أنا بحبك صدقني. -بس اسكتي يا ميار. اسكتي خالص. وبطلي الكلام اللي بتقوليه ده. خلاص مليت من جنانك. ولو سمحتي امشي من هنا. شهقت وهي تقول: -أنت بتطردني يا آدم؟ بتطردني أنا؟ إمتا بطلت تحبني يا آدم؟ معقول مراتك أثرت عليك بالطريقة دي؟ معقول نستك ميار، نستك حب ميار وخلاك تتخلي عني؟ اقترب منها واللهب
في عينيه يتصاعد وقال: -معلش، مين السبب اللي خلاني أبطل أحبك؟ قولي كده تاني؟ أنت بتعلقي غلطك على التانيين. -آدم. قالتها بانكسار. ليقترب منها أكثر وهو يزعق بها: -هو مين اللي اتخلى عن مين؟ أنا سبتك ولا أنتِ اللي سبتيني؟ مين اللي راح اتجوز أول عريس جاهز؟ مين اللي اتخلى عن مين يا ميار؟ انطقي. صرخ بها في جملته الأخيرة، لترتعش بقوة ثم أكمل بحرقة:
-رغم إنك اتخليتي عني، بس عمري ما حسستك بالذنب يا ميار. سيبتك تختاري حياتك وأنا اخترت حياتي. مش من حقك تيجي دلوقتي وتحاولي تخربي جوازي. لأني عمري ما هدخلك حياتي بأي شكل من الأشكال. لو شفت وشك هنا تاني هقول لأبوكي. تراجعت بصدمة ودموعها تتساقط. كانت لا تصدق أن هذا هو آدم. صرخ بها بعنف وقال: -يلا اطلعي برا. لتنفجر هي بالبكاء ثم استدارت لتركض خارج الورشة، وقد أحدث آدم جرحًا في قلبها لن يُشفى.
كانت مرام تقف مصدومة وهي تجد ميار تخرج باكية. -دي ميار؟ معقول! قالتها مرام بصدمة بعد ما خرجت ميار باكية من عند آدم. تنهد آدم وقال: -أيوه هي. هزت مرام رأسها وقالت: -آدم، دي متجوزة وأنت متجوز و... برقت عينيه وهو ينظر إليها ويقول: -مرام، أنا مش كده أكيد. ميار انتهت من حياتي، ويمكن شفتي إنها مشيت من هنا. وصدقيني مش هترجع تاني. أنا بحترم مراتي وهي لازم تحترم جوزها. ابتلعت مرام ريقها وقالت: -طيب، هي كانت عايزة إيه؟
تنهد وقال: -مش مهم تعرفي يا مرام. خلاص الموضوع انتهى. قالها آدم دون أن تكون لديه أي نية لشرح الوضع. تنهد وهو يتذكر أنه قسى عليها. أهانها كثيرًا وحطمها. كان لا يريد أن يفعل هذا، ولكن ميار تجاوزت الحدود. غير أنه غاضب بسبب ضعفه الغريب أمام مهرا. وغاضب لأن ليس هناك أي فرصة ليكونا سويًا. غاضب لأنها قد تتركه في أي وقت. كان غارقًا في التفكير بينما شقيقته تنظر إليه وتتساءل لماذا عادت ميار لحياة آدم بعد أن دمرتها.
ما زالت تتذكر كيف كان حال شقيقها بعد أن تركته. كان حقًا محطمًا. أغرق نفسه بالعمل والتزم الصمت لفترة طويلة، ولكن كانت ترى الخراب في عينيه. ترى الخذلان والخيانة. حينها شعرت بالشفقة عليه وبالذنب أيضًا. كانت تعرف أن آدم يحرم نفسه من الكثير كي يسعدها هي وليلى. هو رفض أن يصرف أي فلس على نفسه من أجلهما. لم يجهز لنفسه مكانًا ليتزوج به. لم يدخر أي أموال من أجله أبدًا. لم يفكر بنفسه من الأساس، وهذا دفع ميار لتركه.
رغم أنها حاولت إقناع نفسها أن هذا حقها، ولكن مرام حقًا كرهتها. كرهتها وهي ترى الانكسار في عيني شقيقها. لقد استغرق آدم وقتًا طويلاً جدًا لكي ينساها، وطيلة هذا الوقت كان ترى أخاها يتعذب لدرجة أنها خافت أن تحب كي لا ينكسر قلبها مثله. فهي تعرف أن ادم عشق ميار حد الجنون. لقد اعتبرها تخصه. اعتبرها من عائلته. ولكن ما الذي أتى بها في الوقت الذي تجاوزها شقيقها وتزوج من أخرى؟ هي حقًا لا تفهم. هل أتت لتدمر حياة شقيقها؟
-متفكريش كتير يا مرام. قولتلك ميار مش هتيجي تاني، وخصوصًا بعد الكلام اللي سمعتهولها. متقلقيش على أخوكي. أنا مش ضعيف ولا غبي عشان أرجعها حياتي بعد ما اتخلت عني. خلاص ميار انتهت من حياتي وللأبد. ابتسمت مرام براحة وقالت: -متعرفش ريحتني قد إيه بكلامك ده. أنا مش عايزة أخوك يتجرح تاني يا آدم. ابتسم وأمسك كفها قائلاً: -متقلقيش يا بسبوستي، أنا كويس أوي. ابتسمت مرام وقالت:
-أنا عايزة دايماً تكون مبسوط، خصوصاً مع مهرا، لأني واثقة أنها بتحبك بجد. تجهم وجهه وقال، مغيرا الموضوع: -خلينا نتكلم في المهم. أنا جبتك بعيد عن البيت عشان أقولك على اللي قاله أنس. وأنتِ طبعًا ليكي حرية الاختيار. تنهدت مرام بتوتر وقالت: -قول يا آدم. -أنتِ كنتي تعرفي أن عنده بنت؟ هزت رأسها بالإيجاب وقالت: -بس بصراحة معرفش هو مطلق ولا أرمل ولا إيه وضعه و... قطعت حديثها فجأة ونظرت إلى آدم وقالت بصدمة:
-معقول يكون لسه متجوز عشان كده؟ هز آدم رأسه وقال: -لا يا مرام، هو مش متجوز وملك مش بنته. -إيه؟ مش بنته! قالتها بصدمة ليتنهد آدم وهو يقص عليها كل شيء. بعد أن انتهى من حديثه، نظر إلى المشاعر المتعاقبة على وجه مرام. لقد صدمها الآن، خاصة بعدما أخبرها بالاتفاق الذي تم بين أنس وليل.
-مرام، أنا من رأيي أنس إنسان كويس جداً. وهو طلب تصبري عليه شوية. معرفش ليه، بس هو دخل قلبي بسرعة. لكن في الأول والآخر، القرار قرارك. فكري كويس. هزت مرام رأسها وقالت: -حاضر. في منزل ميار. كانت ميار في غرفتها تبكي بعنف. كانت لا تصدق أن آدم يجرحها بكل تلك القسوة. لطالما كان آدم قلبه أبيض. يعاملها بلطف وحنان. حتى عندما قررت تركه لم يفعل شيئًا، بل بارك لها بهدوء وتمنى لها السعادة. ولكن اليوم. اليوم هو حطمها تمامًا.
وكأنه كان يختزن ألمه منها في قلبه. وأتت لحظة الانفجار. تلك اللحظة التي صرخ بها وأخبرها بوضوح كيف يراها. تلك اللحظة كسرت قلبها حقًا. أرادت أن تلومه. ترتمي بين ذراعيه وتبكي. تشتكي مرارة ما تعيشه. تتوسل إليه ليعود إليها. ولكن الحب الذي كان بعينيه الزرقاء لها جف تمامًا. كانت ترى بعينيه الغضب والكراهية. إنها المرة الأولى التي ترى فيها آدم يكرهها بتلك الطريقة. لقد عرفت الآن أن قلبه لم يعد لها. كانت تكذب على نفسها.
تكذب وتقول إنه يحبها. ولكن لا. الكلام الذي قاله يخبرها بوضوح أنه تحرر من حبها. تحرر في الوقت الذي هي ما زالت أسيرة حبه ولا تستطيع نسيانه. ماذا تفعل الآن؟ كيف ستنساه؟ ربما لا يوجد أمل لها أن تعود لآدم. ربما آدم ألقاها خارج حياته. ماذا تفعل الآن؟ هل تجعل حياتها تتوقف؟ تعيش مع والدها وزوجته الكريهة؟ لا، لا. هي سوف تجن لو عاشت معهم بكل تأكيد. زوجة والدها تكرهها وسوف تجعل حياتها جحيمًا.
هي قد تجعل والدها يزوجها من رجل مسن. هي لن تتوانى لحظة لكي تدمر حياتها، وهي لن تسمح بهذا. يجب أن تنجي بنفسها. رغم الألم الذي تشعر به الآن. رغم قلبها المحطم على يد آدم، فهي يجب أن تفكر في نفسها الآن. والشخص الوحيد الذي سوف ينقذها من هذا الوحل هو علي. علي فقط. صحيح أنه ارتبط بغيرها، ولكنها تعرف جيدًا أنه ما زال يعشقها بقوة. بالتأكيد لو أخبرته أنها تريد العودة، فسوف يعيدها ويترك تلك الفتاة. نعم.
علي يحبها وهو الوحيد الذي سوف ينقذها الآن. نهضت وهي تمسح دموعها وتفكر ماذا تفعل لتعيد علي إليها. هل تذهب إليه؟ أم تتصل به؟ لا، هي سوف تذهب. وتخبره أنها نادمة جدًا على تركه. وأنها تريد العودة لتصبح زوجته وتسافر معه وترضي بنصيبها. فبعد الكلام الذي قاله لها آدم، لا تتوقع أبدًا أن يعود إليها. بعد الكره الذي رأته، لا تتوقع أن حياة مشتركة سوف تجمعهم. اتجهت لخزانتها ثم أخرجت قميص نسائي وبنطال أسود واسع لكي ترتديهم.
بعد قليل. كانت تقف أمام المرآة وهي تضع بعض مساحيق التجميل على وجهها. ابتعدت ونظرت إلى نفسها لتبتسم وقد استحسنت شكلها. كانت رائعة للغاية. ابتسامتها تضيء وجهها الجميل. سحبت حقيبتها وخرجت من الغرفة. وقفت في صالة المنزل وهي تجد والدها ينظر إليها بغضب. تراجعت بخوف وهي تبتلع ريقها وقالت: -فيه إيه؟ -أنتِ رحتي لآدم النهاردة؟ ابتلعت ريقها وكادت أن تنفي، إلا أن والدها اقترب وصفعها بعنف وقال:
-إياكي تكدبي، لأن علياء شافتك خارجة من عنده. مطت علياء شفتيها وقالت: -إحنا اتفضحنا في الحي كله يا عثمان. بنتك جابت لنا العار. راحت ورشته، والله أعلم إيه اللي حصل بينهم. نظرت ميار إليها وهي تصرخ: -اخرسي يا حرباية يا صفرا أنتِ. أنا أشرف منك يا قليلة الشرف يا أحقر خلق الله. -شوف قليلة الرباية. اللي اتطلقت من جوزها وجاية تكمل الفضيحة وتروح لآدم ورشته عشان تحط راس أبوها في الطين. غلى الدم في عروق عثمان
ليجذب ميار من شعرها ويقول: -عقابك معايا هيكون كبير يا ميار. ثم سحبها خلفه لغرفتها وهو يصرخ: -هاتي المقص يا علياء. -بابا، بابا هتعمل إيه؟ أمسك عثمان المقص من يد علياء وجذب شعرها وقال: -هتشوفي دلوقتي أنا هعمل إيه. ثم بدأ بقص شعرها. في المساء. كانت تجلس في غرفتها تنتظره. يجب أن تتكلم معه وتضع النقاط على الحروف. يجب أن تعرف وضعها معه لكي تقرر. فهي لن تحارب من أجله إلا عندما تتأكد أن هناك مشاعر داخله لها.
أغمضت عينيها وهي تتذكر تقاربهم بالأمس وكيف كانت سعيدة للغاية وهي بين ذراعيه. شعرت حقًا أنها تنتمي إليه. وكأنها خلقت له. كأن قلبها خُلق لآدم. ولكن تصرفه بعد ذلك جرحها بقوة، وهي يجب أن تعرف سبب تصرفه هذا. ستستجمع شجاعتها وتتحدث معه بكل صراحة. ستعرف لماذا فعل هذا. مهما كانت الإجابة صعبة، سوف تتحملها. سوف تتحمل الحقيقة ما دامت طلبتها. نظرت إلى الساعة وقدرت أنه قد يأتي بعد عشر دقائق.
وكلما مرت الدقائق كان قلبها يصرخ داخل صدرها بقوة. كانت حقًا خائفة من الإجابة التي سوف تنالها منه. هل يا ترى سوف يجرحها؟ أم آدم سوف يتعامل معها بلطف كما كان يتعامل معها دوماً؟ بلطف وتفهم. هل سيعتذر عن تصرفه أم سيتصرف ببرود؟ كل تلك الأسئلة كانت تدور في عقلها لدرجة شعرت أن رأسها سوف ينفجر من التفكير. تنهدت مهرا وقالت: -يارب ساعدني. أنا حاسة إن هيحصل حاجة وحشة. يارب ساعدني.
انتفضت قلبها داخل صدرها وهي تسمع باب الغرفة يُفتح. نهضت وقلبها يصرخ داخل صدرها. كانت يديها ترتعش وهي تنظر إلى ملامحه المغلقة. كان متباعدًا كثيرًا، وقد فهمت هذا. لم ينظر إليها حتى، بل اتجه إلى خزانته وأخرج ملابسه، ثم خرج من الغرفة متجهاً إلى الحمام ليأخذ دشًا سريعًا. ولج إلى الحمام ووضع ظهره على الباب وهو يضع كفه على قلبه. يعلم أنها تريد التحدث معه. ولكنه غير مستعد أبدًا أن يتكلم الآن. هو مشوش للغاية.
يشعر أنه لو تكلم، سوف يجرحها وهو لا يريد أن يفعل هذا. يريد أن يرتب أفكاره أولًا كي يكلمها. كي يجعلها تفهم وجهة نظره. فهي لا تنتمي لهذا المكان. لا تنتمي إليه. فكر وقلبه يعتصر من الألم. معرفة هذا جعلته يتعذب. للأسف، لقد أدرك أنه يكن لها مشاعر. مشاعر قوية. تأثيرها عليه كبير، ولكن تأثير ضميره أكبر. وضميره يخبره ألا يظلمها. تنهد وهو يبدأ بخلع ملابسه كي يستحم. بعد قليل، كان قد انتهى وولج لغرفته، لتنهض هي وتقول:
-ليه اتأخرت يا آدم؟ تنهد وهو يستعد للذهاب إلى النوم قائلاً: -أهو جيت يا مهرا. كان ورايا شغل كتير. ابتلعت ريقها وقالت: -حابة أتكلم معاك شوية. -مينفعش، الموضوع يتأ... قاطعته وهي تقول بصرامة: -لا، مينفعش. لازم نتكلم. لازم. أخيرًا استعاد سيطرته على نفسه وقال وهو ينظر إلى عينيها العسلية: -اتفضلي يا مهرا. تنهدت وهي تستجمع شجاعتها المبعثرة وتقول: -عايزة أعرف أنا وضعي إيه يا آدم. أنا إيه في حياتك؟
-أنتِ مراتي وليكي احترامك لحد ما ترجعي لحياتك و... -بس أنا اتخليت عن حياتي عشانك. مسكت إيديك ووقفت قصاد جدي وقولت: هعيش هنا معاك طول حياتي. أنا مسكت إيديك وانت عايز تتخلي عني في الوقت اللي أنا اتمسكت بيك. ابتلع ريقه وقال: -بس بيننا اتفاق يا مهرا. أنا اتفقت إني أرجعك سالمة بيتك بعد ما تخلص قصة جوازنا. فخلينا نمشي على خطتنا الأصلية. ثم كاد أن يذهب من أمامها، إلا أنها أمسكت ذراعه وقالت:
-طيب، ليه مفتكرتش خطتنا الأصلية وانت بتقرب مني امبارح؟ نسيتها ليه؟ ليه بتعمل معايا كده؟ ليه مش قادر تفهم أنا... أنا... -متكمليش. متكلميش. قالها بانفعال ثم أكمل: -أنتِ بتد*مري حياتك معايا. قوليلي، واحدة زيك هتقدر تعيش معايا طول حياتها إزاي؟
أنا معنديش حاجة أقدمهالك يا مهرا. أنا وهبت نفسي لعيلتي. مش من حقي أفكر في نفسي وأسيبهم، ولا حقي أتمسك بيكي وأظلمك. صدقيني، المشاعر اللي جواكِ دي هتروح بسرعة، ويبقى قدامك الواقع البشع إنك عايشة مع واحد معندوش حاجة يقدمها ليكي. واحد مش هيقدر يحقق أحلامك. مش أنا أمير أحلامك يا مهرا. بعد يومين. اليوم سوف تكون ملكه. اليوم سوف تتنعم بحبه. اليوم سوف تكون أسعد امرأة على الوجود. فكرت حياة وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة.
كانت تبدو رائعة جدًا في فستان زفافها. السعادة التي على وجهها كانت كافية لتزيينه، فلم تضع الكثير من مساحيق التجميل. كان قلبها يرقص داخل صدرها. بعد دقائق سوف يأتي أحمد وسوف يكتبان الكتاب لتصبح له رسميًا. قررا أن تكون الحفلة في المنزل. لقد استغنت عن حلمها بصنع حفل زفاف كبير لأنه طلب هذا. إنها المرة الأولى التي تنفذ طلبات أحدهما وهي في غاية السعادة هكذا. ولكن أحمد ليس أي أحد. أحمد هو مالك قلبها. حبها الأول والوحيد.
الشخص الذي مستعدة أن تمنحه حياتها وليس قلبها فقط. ابتلت عينيها بدموع السعادة. كانت خائفة أن يكون كل هذا مجرد حلم. طرقة خفيفة على الباب أخرجتها من شرودها. -اتفضل. قالتها بصوتها الرقيق ليدخل جلال، صديق والدها المقرب، وهو من سيكون وليها. ابتسمت حياة له ليقترب منها جلال وعينيها لامعة بالدموع ويقول: -أكيد عصام هيكون مبسوط دلوقتي وهو بيشوفك أجمل عروسة في العالم يا حياة. ابتسمت حياة ووجنتيها تشتعلان بالخجل.
أمسك جلال كفها وقال: -يالا يا بنتي، المأذون جه والعريس زمانه على وصول. هزت حياة رأسها ومسحت الدموع التي سقطت على وجنتها بسرعة. ثم تأبطت ذراعه وخرجت معه. في صالة شقتها الراقية. جلست حياة على الأريكة ومعها صديق والدتها. بعد قليل سوف يصل أحمد، وفي المساء سوف يأتوا ببعض المدعوين ليقيموا حفلة بمناسبة عقد القران. نظرت للساعة الكبيرة المعلقة على الحائط لتجد أن أمامه بالضبط خمس دقائق ويصل.
أمسكت هاتفها وهي تتصل به، ولكنها عقدت حاجبيها وهي تجد هاتفه مغلقًا. رغم القلق الذي كان ينهش قلبها، إلا أنها حاولت طرد ذلك الشعور. ربما نسي أن يشحنه بسبب حماسه. مرت الخمس دقائق. ثم عشرة. ثم نصف ساعة. ثم ساعة كاملة، وأحمد لم يظهر. كان القلق ينهش قلبها. الدموع تتصاعد في عينيها وهي تدعو بكل قلبها أن يكون كل شيء على ما يرام. نظرت إلى جلال بقلق ليقترب منها ويقول: -خير يا بنتي، متقلقيش. أكيد فيه حاجة عطلته وهييجي.
هزت رأسها وهي تنهض ممسكة فستان زفافها، بينما تحاول الاتصال به، ولكن هاتفه مغلق كالعادة. مرت ساعة أخرى بين قلق من حياة وجلال وضيق المأذون. -يا بنتي، هو العريس إمتى هييجي؟ أنا مش فاضي، ورايا كتب كتاب. قالها المأذون لحياة. ارتعشت حياة بقوة وهي تتمسك بفستان زفافها، بينما أحمد لم يظهر بعد. بينما مئات الأفكار السيئة تدور في عقلها. لا، لا. لا يمكن أن يكون هذا حقيقيًا. مستحيل أن يتخلى عنها أحمد بتلك الطريقة المهينة.
حبست دموعها بقوة وقالت: -أكيد جاي دلوقتي يا شيخ، بس ممكن يكون الطريق زحمة. -يا بنتي، أنتِ من ساعة قولتيلي نفس الكلام. طيب، اتصلي بيه. هزت رأسها وهي تتمسك بالأمل: -حاضر. حاضر، هتصل بيه. أمسكت هاتفها ويديها ترتعش، ثم حاولت الاتصال به. وكما توقعت، وجدت الهاتف غير متاح كالمرات السابقة. انسابت دموعها وقلبها يرتعش داخل صدرها. اقترب منها جلال وهو يقول:
-قوليلي بيت أهله فين وأنا أروح أشوفه يا حياة. متخافيش، أكيد حصلت حاجة وعطلته. نظرت إليه وكادت أن ترد عليه، إلا أن رنين الجرس جعلها تنتفض. ضحكت حياة وهي تبكي وقالت: -أهو جه يا عمو. ثم اتجهت لتفتح الباب بسرعة ولهفة، ولكنها توقفت وهي ترى شابًا غريبًا. ابتسم الشاب ابتسامة غريبة وقال: -أكيد أنتِ حياة. أحمد بعتلك الرسالة دي معايا. أخذت منه الورقة التي كان مكتوب فيها بخط عريض: اسف، مش هقدر اتجوزك.
فتحت مهرا الباب وهي تبتسم محاولة تخبئة حزنها، لتفشل في هذا. عرفت والدتها من الوهلة الأولى أن ابنتها حزينة بشكل غريب. وقد أوجع هذا قلبها. -نورتينا يا ماما. قالتها مهرا بابتسامة لم تصل لعينيها، ولكنها جاهدت لتظهر بمظهر المرأة السعيدة. ولكن والدتها عرفت أنها تدعي، وقررت ألا تسألها الآن. ابتسمت مروة وهي تضم ابنتها إليها وتقول: -وحشتيني يا مهرا. ثم ابتعدت عنها لتجد حسناء في صالة المنزل. ابتسمت مروة وقالت:
-الله، إحنا بقينا حلوين أهو. اقتربت مروة ثم ضمت حسناء إليها. ابتسمت حسناء لها وهي تقول بصوت لم يُشفَ بعد من أثر التعب: -الحمد لله، نورتينا يا مروة. -حبيبتي، ده نورك والله. خدي دي حاجة بسيطة ليكي. ثم قدمت لها عبوة فاخرة من الشوكولاتة. -بتتعبي نفسك ليه؟ قالتها حسناء وهي تبتسم بلطف. -لا، لا، دي حاجة بسيطة كده. هزت حسناء رأسها وقالت: -طيب، اتفضلي واقعدي. ثم جلست مروة هي وحسناء يتكلمان.
كانت مهرا تنظر إليهما وهي تبتسم بحزن. هي عشقت تلك العائلة الجديدة لها، ولكن يظهر أن وجودها غير مرحب به. آدم لا يريدها. بعد حديثهم الأخير، أدركت هذا. هو يريد أن يبعدها عنه. غير مهتم بقلبها الذي تحطم بفعل كلماته تلك. يظن أنها لن تطاق الحياة معه. لقد تخلت عن جدها من أجله. قبلت أن تعيش هنا. أحبت حياته لأنها أحبته. ألا يعني هذا أي شيء له؟ لماذا قرر بتلك القسوة أن يبعدها عنه؟ كانت حقًا حزينة ويائسة وغاضبة منه.
لاحظت مروة بعينيها أن مهرا حزينة. وأيضًا حسناء لم يُخفِ عنها هذا الحزن. ابنها الغبي مصمم على التخلي عن سعادته، ولكنها لن تسمح له بهذا. صحيح أنها تركته اليومين السابقين ولم تكلمه بسبب مرضها وكي تتركه على راحته قليلاً. ولكن يجب أن تتحدث. ابنها يدمر حياته بتلك الطريقة. هو يظلم نفسه. يهتم بالجميع على حساب نفسه. وما يفعله خاطئ جدًا. تعرف أنه لا يريد لأحد من إخوته أن يُحرم من شيء، ولكنه يجب أيضًا أن يفكر بنفسه.
هو لديه حق على نفسه أيضًا، وخصوصًا أنه تزوج ومهرا لديها حقوق أيضًا. هي تفهم أن آدم قد يعتقد أنه سوف يظلم مهرا لو بقي متزوجًا منها. خاصة أنه لن يستطيع أبدًا أن يجعلها في نفس المستوى الذي اعتادت عليه. ولكن الفتاة لا تتذمر، وهي قد تقبلت حياتها مع آدم. إذن ما المشكلة؟ انتهت مروة من زيارة حسناء وولجت حسناء لغرفتها، تحججت أنها تريد الراحة كي تتكلم مهرا مع والدتها. -شكلك مش مبسوط يا مهرا. قالتها مروة لابنتها.
وتلك الكلمة كانت كالقشة التي قصمت ظهر البعير. انفجرت مهرا بالبكاء وهي تشعر بقلبها يتمزق من الألم. شدتها مروة إليها وهي تضمها بقوة وتقول: -كنت حاسة بيكي. قوليلي يا بنتي إيه اللي مزعلك. آدم؟ لم ترد مهرا، ففهمت مروة الأمر وأبعدت مهرا عنها وهي تمسك وجهها وتقول: -الموضوع بسبب جدك؟ هزت مهرا رأسها ودموعها تتساقط أكثر وقالت: -أنا بحب آدم يا ماما. بحبه أوي. ابتسمت مروة وهي تربت على شعرها الأشقر وتقول:
-طيب، وإيه المشكلة يا مهرا. إيه المشكلة إنك تحبيه. -المشكلة إنه مبحبنيش. قالتها بحرقة. لترد والدتها وتقول: -آدم اللي قالك كده؟ قالك مبحبكيش؟ هزت رأسها وقالت: -مقالش كده. قالي كلام فاضي. قالي مش هتستحملي العيشة معايا. قالي إنه معنديش حاجة أقدمهالي واني بظلم نفسي معاه. بيحاول يبعدني عنه. أكيد عشان حبيبته ظهرت بيتحجج عشان يبعد. شدت مروة على كفها وقالت: -أنتِ شايفة آدم من النوع ده؟ شايفاه كده؟ هزت مهرا رأسها وقالت:
-المشكلة إنه مش كده، فمش فاهمة. ابتسمت مروة وقالت: -يبقي توريه يا مهرا إنك هتستحملي وإنه واخد عنك فكرة غلط تمامًا. خرجت ليلي من الجامعة وهي تشعر بالتعب بعد يوم طويل. ابتسمت بحزن. لقد اشتاقت لصديقتها ميار. ميار للأسف مريضة ولم تأتِ منذ يومين. حقا، الكلية ليس لها طعم من غيرها. من بعيد كان أحدهم يراقبها بالسيارة. نظر أحد الشباب وقال:
-أهي لوحدها. دي الفرصة الوحيدة عشان نخط*فها. جهزوا نفسكم يا شباب، مش عايز أي غلط. هنخدرها ونوديها لمروان بيه. -تمام. أخرج الشاب زجاجة المخدر ومحرمة من القماش. ساروا بالسيارة خلفها، منتظرين الوقت المناسب للهجوم عليها. أخيرًا سارت ليلي في شارع هادئ. قررت اليوم ألا تستقل عربة لتوصلها. سوف تتمشى. هي تريد أن تصفي ذهنها. تعتقد أن هناك مشاكل بين آدم ومهرا. ترى الحزن بعيني مهرا، بينما شقيقها متباعد.
-كل ده بسبب الحرباية الصفرا ميار، الله يارب تموت ونخلص منها. أنا مش عارفة إزاي آدم حب واحدة زي دي. أخويا فعلاً دماغه تعبانة. فكرت ثم وضعت كفها على شفتيها وقالت: -آدم لو سمعني بقول كده عليه هيعلقني من رقبتي. الحمد لله إنه مسمعنيش. ضحكت ليلي وهي تفكر أن تفعل أي شيء لحل الخلاف بينهما، حتى لو اضطرت أن تنتف شعر تلك المدعية ميار. صحيح أنها كانت لا تطيق مهرا أبدًا، ولكن الآن هي حقًا أحبتها.
فمهرا تمتلك قلبًا طيبًا وروحًا طاهرة. هي لا تبدو كما تدعي، لا تبدو تلك المدللة المستهترة. فهي قد تحملت المسؤولية وقت مرض والدتها ولن تنسى لها هذا أبدًا. كما أنها تركت جدها من أجل آدم. تركته عندما عرف ماذا فعل مع والدتهم. هي فقط تتمنى أن يدوم زواجهما للنهاية. آدم لا يتكلم، ولكن من الواضح حقًا أنه يحبها. لقد رأت هذا في عينيه الأيام الفائتة. رأت كيف ينظر إليها خلسة. عينيه تفضحان مشاعره.
يظن آدم أن لا أحد يفهمه، ولكنه مفضوح أمام الجميع. الجميع عرف مشاعره تجاه مهرا، حتى عم محمد صاحب البقالة الذي أسفل عمارتهم. صحيح، شقيقها ذكي، ولكنه أحمق في الأمور التي تتعلق بالعشق. هو لا يستطيع أن يخفي مشاعره. هو يحبها، ولكن يحتاج إلى دفعة. وهي سوف تتولى تلك المهمة. فكرت بفخر وهي تسير بسعادة وعلى وجهها ابتسامة حلوة مثلها. نظرت خلفها فجأة عندما سمعت صوت ما، وجدت ثلاث شبان يمسكان زجاجة ومحرمة. وخلفهم سيارة.
وفهمت بسرعة ماذا يحدث. لذلك بسرعة حاولت الهروب والركض منهم. أحدهم صرخ وقال: -الحقها يا كارم. لو هربت، مروان بيه هيطين عيشتنا. ركض خلفها الشاب، وقبل أن تخرج من الشارع الهادئ، أمسكها الشاب لتصرخ هي، ولكنها صف*عها بعنف حتى وقعت على الأرض واغمي عليها. بعد قليل. كانت ليلي تنام على فراش مروان، بينما مروان يصرخ بهم: -أنا مش قولتلكم محدش يأذيها يا بها*يم. غوروا من وشي دلوقتي. هز الشباب رأسهم وغادروا بخوف.
ليتنهد مروان عدة مرات بعنف، ثم يستعيد سيطرته وهو ينظر إلى ليلي الفاقدة الوعي ويقول: -بعد الليلة دي يا ليلي، مش هتقدري تقوليلي لا تاني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!