بهتت مهرا وهي تنظر إلي حياة التي بدت مصرة للغاية. -أنا جاية أطلب منك تسامحيني، ومش هستسلم. مش مهم أقعد قد إيه قدام باب بيتك، مش مهم قد إيه أترجاكي، مش مهم كام مرة هتطرديني، المهم إني مش هتحرك هنا من قبل ما تسامحيني. نظرت ليلي إلي تلك الفتاة الجميلة بذهول، ويبدو أنها عرفتها جيدًا. هي حياة التي أخبرتها مهرا عنها.
ابتلعت مهرا ريقها وهي لا تعرف ماذا تقول. احتشدت الدموع في عينيها وهي تنظر إلي أحمد وحياة، وهي عاجزة تمامًا عن التحدث. لا تعرف ما شعورها الآن، ولكن بالطبع هي لا تكره حياة مثل السابق. سعادتها مع آدم أنستها كل شيء، أنستها الغدر وأنستها الخيانة. -اتفضلي جوا. هكذا قالتها مهرا ببساطة، فهي لا تريد أي دراما أمام الجيران. ولجت حياة وهي تمسك كف أحمد. كان كفها يرتعش وعينيها ملبدة بدموع مهددة بالسقوط.
وقفت حياة في منتصف الصالة للمنزل الصغير الهادئ. لن تنكر الأمر، لقد ذُهلت. ذهلت وهي ترى مهرا تعيش حياة ليست حياتها أبدًا، ولكن يبدو أنها سعيدة جدًا. لما لا، فالحب يصنع المعجزات. نظرت هي إلي مهرا وأيقنت أن مهرا تغيرت كثيرًا. كانت ترتدي إسدال واسع، ارتدته سريعا قبل أن تفتح لحياة. خمارها الكبير كان يغطي نصف جسدها، بدت مختلفة، ولكن جميلة. راضية وعاشقة.
وحياة كانت سعيدة جدًا لأجلها، وكأن سعادة مهرا جعلتها تشعر بالكثير من الراحة. أزالت ولو بعض من تأنيب الضمير. تنهدت مهرا وقالت بصوت جاهدت لجعله ثابتا وهي تمسح دموعها التي تحررت خلسة: -اتفضلي اتكلمي، أنا سامعاكي. انسابت دموع حياة ثم مسحتها بسرعة. هذا صعب، ولكنها ستفعله من أجل مهرا ومن أجل أن ترتاح. هي تريد أن تزيل هذا الذنب عن قلبها وستفعل أي شيء كي تزيله. أغمضت عينيها ثم فتحتها مجددًا وهي تقول:
-أنا بتعذب، بتعذب يا مهرا. أنا فعلاً بموت. مش قادرة أسامح نفسي على اللي عملته. بحاول كتير أبقى سعيدة بس حاجة معكرة عليا سعادتي دايماً. أنا مش قادرة أنسى اللي عملته فيكي، مش قادرة يا مهرا.
أغمضت حياة عينيها وهي تشهق وتبكي، بينما أخذت ليلي تنظر إلي حياة بفضول. تلك الفتاة دمرت مهرا كليًا، ولكن يبدو أنها حقًا نادمة. هي تعاني بطريقة صعبة. تألم قلب ليلي عليها ونظرت إلي مهرا لتجد وجهها خاليًا من المشاعر. لولا أن ليلي تعرف أن الغفران شيء صعب للغاية ويكاد يكون مستحيل لطلبت من مهرا أن تسامحها، ولكن وضعها مع الذي يفترض أن يكون جدها جعلها تدرك أن الغفران ليس بالشيء السهل. أن تغفر لأحد أساء لك، أحد دمر حياتك بأكملها، هذا الأمر ليس بسيط. هي أيضًا لم تستطع أن تغفر لجدها، لذلك لا يمكنها الآن أن تذهب وتطلب من مهرا أن تغفر لتلك الفتاة، مهما كانت منهارة.
اقتربت ليلي من مهرا وأمسكت ذراعها هامسة: -مهرا انتِ كويسة؟ هزت مهرا رأسها وهي ما زالت تنظر إلي حياة. ما زال قلبها يؤلمها، ولكن من ناحية أخرى ما فعلته حياة جعلها تتعرف على حب حياتها وتدرك أنها أبدًا لم تحب مروان، وأن حبها الحقيقي كان آدم، آدم فقط.
ارتبكت حياة وهي ترى مهرا صامتة لا تتكلم ولم تعطها أي رد. ارتجف قلب حياة داخل صدرها وهي تفكر أن معقول مهرا لن تسامحها. هل ستظل تتعذب طوال حياتها. انفجرت الدموع من عينيها أكثر وهي تنظر إليها بتوسل ثم قالت بصوت مختنق من كثرة البكاء:
-مهرا قولي حاجة، مهرا قولي أنك سامحتيني. أنا والله بموت. مش هتصدقيني لو قولتلك إني مش عارفة أعيش يا مهرا، فعلاً مش عارفة أعيش. ومش عارفة أفرح. كل أما أجي أفرح أفتكر اللي عملته فيكي. بحس إني مستحقةش أي سعادة. بفكر إني مستحقةش إلا الموت، الموت وبس. بشوف إن السعادة كتيرة على واحدة زيي، واحدة حقيرة دمرت حياة صاحبتها عشان كانت غيرانة منها. انتِ كان عندك حق، أنا كنت إنسانة بشعة حاولت أعمل المستحيل عشان أخليكي شبهي، بس انتِ طول عمرك أحسن مني، انتِ أحسن مني بكتير يا مهرا. عشان كده، عشان كده.
اختنق صوتها وهي تضع كفها على قلبها الذي يعتصر من الألم وتكمل: -عشان كده خليكي أحسن مني وسامحيني. سامحيني أبوس إيديكي وخليني أرتاح. خليني أعرف أعيش حياتي. فيه حمل كبير على صدري، حمل بيخنقني، ذنب مش قادرة أعيش بيه، وده ذنبك يا مهرا، ذنب اللي عملته فيكي واللي هفضل شايلاه لحد ما تسامحيني. أحرقت الدموع عيني مهرا. شعرت وكأن قلبها سيخرج من مكانه بسبب الألم. -مهرا ردي، قولي حاجة، أي حاجة أبوس إيديكي.
كان أحمد ينظر إلى انهيار حياة ومهرا التي تغلق عينيها بألم. وقد عرف أن مهرا لن تغفر، ولن تجني حياة إلا التقليل من نفسها. -يلا يا حياة نمشي. همس أحمد لحياة ولكنها لم تستمع إليه. كانت تريد الغفران بأي طريقة، تريد أن ترتاح. لذلك اقتربت من مهرا وأمسكت كفها. نظرت إليها مهرا بصدمة. كانت حياة ما زالت تبكي بقوة وتقول: -أنا مستعدة أبوس إيديكي عشان تسامحيني، وأبوس رجليكي كمان، بس سامحيني وارحميني من العذاب ده.
وبالفعل شدت حياة كف مهرا لكي تقبله، إلا أن مهرا أبعدت كفها بسرعة وقالت: -مسامحاكي. خلاص مسامحاكي. -آه. قالتها حياة براحة وهي تجلس على الأرض وتقول ببكاء وهي تضع كلها على قلبها: -شكراً، شكراً يا مهرا، شكراً. شدتها مهرا من على الأرض وربتت على كفها وهي تعطيها ابتسامة مشفقة وتقول: -خلاص انسي كل اللي حصل وعيشي حياتك يا حياة. ابتلعت حياة ريقها وقالت بصوت مبحوح: -ممكن طلب تاني؟ ممكن تسامحي مروان؟ تنهدت مهرا وهي
تشيح بوجهها لتكمل حياة: -مروان والله كمان بيتعذب يا مهرا. ده خسر أبوه وبقى منهار. وحاليًا قافل على نفسه ورافض يقابل حد. سامحيه عشان يحس بالراحة شوية. انتِ قلبك أبيض. أطرقت ليلي برأسها وهي تتذكر رؤيته في المقبرة بالأمس وهو يبكي بعنف. وعرفت السبب، والده مات. كم بدا منهار في تلك اللحظة، بدا ضعيفًا ومثيرًا للشفقة، وكم أوجعها قلبها عليه. في المساء.
خرج من الحمام وهو عاري الجذع بينما يرتدي بنطال أزرق. اتجه إلى المرآة وهو يجفف شعره بمنشفة بيضاء. أسند المنشفة على جنب ثم بدأ بتمشيط شعره المبلل. انتفض قليلاً وزوجته تعانقه من الخلف. ابتسم آدم وقال: -أنا مش قلت متتحركيش من السرير؟ نفخت مهرا بضيق وهي تواجهه وتقول: -مليت يا آدم. مش معقول انت مانعني ما أتحرك خالص. إيه يا حبيبي أنا حامل مش تعبانة. وبعدين إحنا لسه في الأول. أسند آدم المشط ثم حملها برفق لتقول متأففة:
-انت عنيد. لمعت عينيه الزرقاء وقال: -أيوه عنيد، عشان كده بطلي تناقشيني واعملي اللي أنا عايزه من سكات يا حبيبتي. قضي شهور حملك على خير وبعدين اعملي اللي أنتِ عايزاه. ثم وضعها على الفراش برقة وجلس بجوارها وهو يضمها إليه ثم يقبل رأسها. أغمضت عينيها وقالت: -محدش قالك قبل كده إنك أوفر.
-أيوه مرام دايماً بتقولها. هي مبتحبش اللي بيبين مشاعره بالمبالغة دي. بس مش هتصدقي أنا قد إيه فرحان يا مهرا. فرحان أوي. متحمس إني هعيش المشاعر اللي اتحرمت منها. ابتعدت مهرا ونظرت إليه وقد ظهر العشق في عينيها العسليتين. ليبتسم آدم بحزن ويقول:
-رغم إني حاولت أبين من صغري إني قوي، بس كنت محتاج بابا أوي يا مهرا. محتاج أحس بسعادة أي طفل وهو ماسك إيدين أبوه. بس للأسف لما مات بابا فيه حاجة جوايا اتكسرت ومتصلحتش شوية إلا لما عرفت إنك حامل. أنا ناوي بإذن الله أفرح ابني، ناوي أسعده، ألعب معاه، مش هخليه أبدًا محتاج أي حاجة. هعمل المستحيل عشان أفرحه. ابتسمت هي له وعينيها لامعة بالدموع وقالت: -طيب لو بنت. ابتسم بسعادة أكبر وعينيه تلمع بقوة وقال:
-يا ريت دول المؤنسات الغاليات. لو جالي بنت هعاملها زي الأميرة. هكون صاحبها وقدوتها. هلاعبها وهنخرج سوا ونتكلم. وهنسيبك انتِ في البيت. قال جملته الأخيرة مازحًا لتضربه على كتفه بينما تمسح الدموع التي انسابت من عينيها. أمسك هو كفها وقبله ثم قال: -مهما تجيبي بنت أو ولد اعرفي إني هفرح أوي. هكون أسعد إنسان في العالم. الطفل اللي هيجي ده هيربط بيننا أكتر يا مهرا. هيكون أحلى رابط بيننا. قبل رأسها وأكمل:
-عشان كده مش عايزك تتعبي نفسك. عايزك ترتاحي وتبعدي عن العصبية والمشاكل. مفهوم؟ ابتسمت وهي تهز رأسها قائلة: -أمرك يا فندم. اللي عايزه هيحصل. قبل رأسها مجددًا وقال: -حبيبتي انتِ، بحب لما تسمعي الكلام. مرر أصابعه على وجهها وقال: -بس أنا حاسس إنك فرحانة زيادة عن اللزوم النهاردة. خير مهرا، اللي مخليكي سعيدة بالشكل ده؟ اتسعت عينيها بدهشة وقالت: -ده انت بتفهمني كويس على كده. هز رأسه بفخر وقال:
-أكيد يا حبيبتي، لو أنا مقدرتش أفهمك مين هيقدر. ها، يلا يا حبيبتي قوليلي حصل إيه مخليكي فرحانة بالشكل ده؟ تنهدت وهي تضم نفسها إليه وتقول: -حياة جاتلي النهاردة. -وحصل إيه؟ قالها وهو يربت على كتفها، فقط يتمنى ألا تكون ضايقتها. ففي آخر مرة رأتها مهرا قد انهارت تمامًا وهذا أودع الرعب في قلب آدم أن تكون مهرا قد انفعلت عليها اليوم. ولكن يبدو من هيئة مهرا أن هذا لم يحدث أبدًا. تنفست مهرا براحة وردت:
-سامحتها يا آدم. كده ببساطة. هي طلبت مني أسامح وأنا سامحتها. أبعدها عنه قليلاً ومرر أصابعه على وجهها برقة وقال: -ومُرتَاحة يا حبيبتي لقرارك ده؟ هزت مهرا رأسها وهي تقول بصدق: -بصراحة كده أيوه يا آدم. مرتاحة ومرتاحة جدًا كمان. كفاية إني هقدر أعيش حياتي من غير ما أكون بكره حد. أنا عايزة قلبي يكون فيه حب، حب وبس. حب ليك يا آدم، حب لابننا وللعيلة. مش عايزة أي كره يلوث قلبي. عشان كده سامحتها. وعشان كمان. تنهدت وأكملت:
-عشان كمان صعبت عليا أوي وهي بتترجاني أسامحها. كان باين عليها إنها بتعاني أوي وأنا مكنتش أكيد هزود عليها عشان كده قررت أسامح. قررت أشيل من قلبي كل حقد حاساه من ناحية حياة أو مروان. قبل آدم رأسها وقال: -لو ده مريحك ماشي يا حبيبتي. على فكرة انتِ شجاعة أوي إنك قدرتي تسامحي. فيه ناس مبتقدرش أبدًا، معندهاش القدرة إنها تنسى الأذى. فهمت مهرا أنه يتحدث عن نفسه فقالت:
-بس لازم نحاول يا آدم. عشان نخلص من أي مشاعر سلبية جوانا لازم نسامح، مش كده؟ -وجهة نظر كويسة. كان يتهرب من الموضوع وهي فهمت، لذلك غيرت هي دفة الموضوع وقالت: -صحيح، حياة عزمتني على فرحها. قالت احتمال تعمله بعد تلات أسابيع وقالتلي لو أقدر هاجي. -وهتروحي؟ قالها متسائلاً لترد بالإيجاب: -بصراحة أيوه هروح وقولت آخد ليلي معايا المسكينة مطحونة في المذاكرة أريحها شوية. -وأنا هاجي معاكم. قالها آدم لترد وهي تقبله على وجنته.
قربها هو منه وقال: -ما تسيبك من حياة وليلي دلوقتي. تعالي هنا، انتِ وحشتيني. -وانت كمان يا دومي. قالتها مهرا وهي تضحك بقوة بينما هو يقبل عنقها ويُسطّحها على الفراش. في اليوم التالي. كانت ترتجف بقوة وهي تمسك كف علي. كانا بصالة الزيارة. استطاع علي الحصول على الإذن لكي تزور والدها. لن تنسى هذا أبدًا له. نظرت إليه لتجده ينظر إليها بعمق. ارتجفت شفتيها وهي تقول بنبرة مختنقة بسبب الدموع المسجونة في عينيها:
-أنا خايفة. خايفة أوي يا علي. خايفة ميتقبلش وجودي. خايفة يقولي كلام صعب مقدرش أتقبله. انسابت دموعها وشهقت بنعومة ليمد هو كفه ويمسح دموعها برقة قائلاً: -ششش، أهدي يا حبيبتي، أهدي شوية. كل حاجة هتكون بخير. أنا حاسس إنه هيتقبلك وهيكون عرف إنه غلط في حقك جامد. وبعدين أنا معاكي متخافيش من حاجة. شدت علي كفه وقالت: -أيوه خليك معايا، خليك معايا يا علي أنا خايفة أوي. خائفة يرفضني ويطردني. خليك جمبي. ابتسم وقال:
-أنا جمبك على طول يا حبيبتي.
فجأة بدأ المساجين بالتوافد ليدق هي قلبها بعنف وهي تفرك كفيها. تجمدت كليًا وهي تراه. لم تكن حالته سيئة بالمرة وهذا ما صدمها. وما إن رآها حتى تجمد هو الآخر. لقد أخبروه أن لديه زيارة، ولكن السجان لم يخبره من، مما جعله يشعر بالذهول. ولكن عرف الآن لماذا أخفى السجان الأمر. كانت ميار تنظر إليه وعينيها متشبعة بالدموع. نهضت ودموعها تنساب. تنتظر أي إشارة لتقترب وأخيرًا وجدت الإشارة وهي ابتسامة حانية ارتسمت على شفتيه لتندفع إليه وتعانقه وهي تبكي. ضمها والدها إليه والدموع تحرق عينيه.
-بنتي، بنتي. قالها عثمان وهي يبكي. أيامه في السجن جعلته يدرك أنه أخطأ حقًا بحق ابنته. وجوده بمفرده جعله يدرك أنه ترك نفسه فريسة لعلياء. هي من تلاعبت به وجعلته يكره ابنته. عندما فكر وجد أن كل المشاكل بدأت من كلمة خبيثة من علياء التي اتهمت ابنته أنها عديمة الشرف. وكم ندم على ما فعله. كم أراد أن يرى ميار ويعتذر منها، ولكن لم تكن لديه الجرأة لفعل. ولكن ميار أتت، أتت إليه. ابتعدت ميار عنه وهي تمسك كفه وتقبله بلهفة قائلة:
-وحشتني، وحشتني أوي. سامحني يا بابا، سامحني سامحني. أبعد عثمان كفه وجذبها ليضمها مجددًا قائلاً: -لا يا بنتي، أنا اللي مفروض أطلب تسامحيني. سامحيني يا ميار، سامحيني إني مكنتش أب كويس ليكي. بس وعد يا بنتي، أخرج من هنا وأعوضك عن كل اللي شوفتيه مني. أنا طلقت علياء وأنا في السجن، أنا طردت الأفعى من حياتنا، وهرجع أبوكي بتاع زمان، أبوكي اللي بيحبك.
أنا وحيد. تعبان ومنهار يا دكتور. حاسس إن الحياة مبتحبنيش واني لو مت ده هيبقي أحسن ليا.
قالها مروان والدموع في عينيه. كان متسطح على الكرسي الناعم، يشعر بالاختناق. الكلام يخرجه بصعوبة. كان الطبيب ينظر إليه وهو ينتظره أن ينهي كلامه. رغماً عنه شعر بالشفقة عليه، فمروان قد تغير، تغير كثيرًا. وجهه فقد بريقه وأصبح كالشخص الميت. تحيط الهالات السوداء بعينيه كأنه لم ينم لسنوات. الحقيقة هو كان ينوي التواصل معه ولكنه صُدم أمس وهو يتصل به ليطلب موعد ضروري وهو لم يتأخر. كان مرتعبًا أن يفعل شيئًا بنفسه.
-مروان، أنا حاسس بيك. كلنا فقدنا ناس في حياتنا، كلنا بنعاني بطريقة ما، بس مش لازم نفقد الأمل يا مروان. لا لازم نبقى أقوى من كده. انسابت الدموع من عيني مروان وبدأ يبكي بعنف. كان منهارًا. قلبه يؤلمه ويشعر أن العالم كله أدار ظهره له. -اهدي يا مروان. قالها الطبيب وهو ينهض ثم مد له محرمة وجلس بجواره. وضع مروان كفه على قلبه وقال:
-أنا بموت يا دكتور. حاسس إن مفيش حاجة عشان أعيش عشانها. حاسس الموت هو الحل الوحيد اللي بيحصلي يا دكتور. -متقولش كده، استغفر ربك. وضع مروان كفه على رأسه وقال بصوت يتقطع من البكاء:
-أنا، أنا بموت. عندي أفكار كتير وحشة، أفكار سيئة. بفكر دايماً في الانتحار بس خوفي من ربنا مانعني. الأفكار محصراني مش قادر أسيطر عليها. أنا خايف شيطاني يتغلب عليا وانتحر. دايماً بيوسوسلي إنّي انتحر وإن ده الأحسن ليا، على الأقل هبقى مع أهلي اللي بيحبوني. بس برضه الخوف مانعني، كل أما التفكير ده يسيطر عليا أتوضى وأصلي، أقرب من ربنا أكتر. بس خايف، خايف في مرة أعملها، خايف انتحر. مش خوفًا من الموت، أنا أتمنى أموت، بس مش عايز أغضب ربنا. كفاية إني عصيته كتير مش عايزة يغضب عليا. مش عايز...
أمسك الطبيب كتفه وشد عليها في حركة مواساة ليتنهد مروان ويقول: -أنا حاسس إن الألم اللي جوايا مش هيخف والأفكار دي مش هتسيبني في حالي. حاسس إني. توقف وهو يشهق من البكاء. كانت حالته تسوء، هو ينهار. وهكذا يمكن فعليًا أن يؤذي نفسه. -اهدي يا مروان، اهدي. قالها الطبيب بنبرة لطيفة وهو يجعل مروان يسترخي مجددًا على المقعد المريح الناعم. -دكتور أنا، أنا.
-خلاص اهدي، اهدي خالص. غمض عينيك وصفي مخك. ابعد أي أفكار سلبية عن دماغك وفكر بطريقة إيجابية أكتر. فكر في حاجة انت بتحبها، حاجة بتفرحك، حاجة بتنسيك أي وحش قابلته في حياتك. أغمض مروان عينيه وهو يستمع لكلام طبيبه وهو يفكر ويبحث عما يسعده. وما يسعده كان بسيطًا: والديه وليلي. الثلاثة يدخلون السرور لقلبه المحطم. والثلاثة ليسوا في حياته. انسابت دموعه وهو مغمض عينيه بينما أكمل الطبيب:
-تفتكر يا مروان لو آذيت نفسك أهلك هيبقوا مرتاحين؟ هز مروان رأسه وهو لا يستطيع التحكم في شهقاته وقال: -أنا بحاول أبعد الأفكار دي، بحاول أقومها بس. -أفضل قاومها. لازم تقاومها يا ابني. أنت هتبقى كويس. متخليش الشيطان يضحك عليك يا مروان. متبقاش لوحدك أبدًا عشان الأفكار دي متسيطرش عليك. فتح مروان عينيه التي أصبحت حمراء من كثرة البكاء. قلبه كان يعتصر من الألم. يشعر بالاختناق. كيف لا يكون وحيدًا؟
هو بالأساس وحيد. ليس لديه أي أحد يهتم بشأنه. هو وحيد بعد موت والده. هو المنبوذ، الملعون من قبل تلك الحياة. لا أحد معه، لا أحد بجواره. اهتزت نبرة مروان وقال: -بس أنا وحيد يا دكتور. أنا مليش أي حد خالص. هز الطبيب رأسه وقال: -إزاي مليكش حد؟ دي حياة كلمتني مخصوص عشانك وكانت قلقانة عليك يا مروان. أنت ليك ناس بتحبك بس أنت اللي قافل على نفسك بالشكل ده. رافض إن أي حد يقرب منك. عايز تعيش في الحزن وخلاص. هز مروان رأسه وقال:
-حياة هتتجوز أحمد، وبيني وبينه مشاكل. مينفعش أكون في حياتها عشان أبوظها. هي اتعذبت كتير متستاهلش ده مني. أنا مش هدمر حياتها بسبب أنانيتي. لا أنا هبعد، هبعد عن الكل يا دكتور، هو ده الحل الوحيد عشان أقدر أعيش. الحل إني أبعد وأبدأ من جديد. -هتروح فين؟ سأله الطبيب بحيرة ليرد هو: -هسافر فرنسا. بعد أسبوع. في النادي.
كان مروان يجلس على الطاولة وهو ينظر إلى الأرض بشرود. لقد اتصلت به حياة وطلبت أن تراه ضروريًا، لذلك أتى وهذا أفضل لكي يخبرها أيضًا بقراره. لقد قرر وانتهى الأمر. قرر أن يغادر تلك البلاد للأبد. قرر أن يترك كل شيء خلفه ويذهب. سيبدأ من جديد في مكان جديد وينسي كل شيء. هو لن يستطيع أن يعيش هنا وذكريات الحنين لوالديه تخنقه. لن يستطيع العيش بينما مشاعره لامرأة لن تكون له أبدًا تقتله. هو سيموت هنا. لكي يعيش أن يبتعد. ورغم أن هذا القرار حطم قلبه، ولكن بعد حديثه مع طبيبه النفسي فكر في هذا ولم يستطع إخراج الفكرة من عقله.
ولجت حياة وهي تمسك كف أحمد إلى النادي. كانت تنظر إلى أحمد بتردد ثم قالت: -تفتكر هيتضايق لو قولناله على الخبر؟ يعني أبوه لسه ميت من شهر تقريبًا مش هيكون حلو إننا نعمل فرحنا بعد أسبوعين ونقوله إننا كتبنا الكتاب. هيحس بالضيق صح؟ حاوط أحمد كتفها وقال: -لا، مظنش يا حبيبتي. بالعكس الخبر ده ممكن يفرحه.
-يارب يا أحمد، أنا بجد متضايقة عليه أوي. حاولت كتير أتواصل معاه بس هو كان قافل على نفسه، بس الحمد لله الدكتور طمني إنه راحله من أسبوع واتكلم معاه. وحاسة إني ارتحت أوي يا أحمد. الدكتور أكيد ساعده. أنا كنت خايفة يأذي نفسه. -لا، مروان أقوى من كده. هو بس كان مصدوم. الوقت هيقدر يصلح كل الضرر اللي في قلبه. تنهدت حياة وقالت بابتسامة بسيطة: -أتمنى ده يا حبيبي. -إزيك يا مارو.
قالها أحمد بابتسامة لينتشل مروان من شروده لينظر إليه مروان ويبتسم ابتسامة لم تصل لعينيه، ما زالت نظرات عينيه منكسرة. نهض مروان وهو يمد كفه ليصافح أحمد ثم حياة. جلسا الثلاثة على الطاولة في النادي بينما ابتسمت حياة وهي تقول: -الحمد لله إنك رضيت أخيرًا تقابلنا يا أستاذ مروان. أنا فقدت الأمل فيك. ابتسم مروان بإحراج وقال: -معلش يا حياة، اختفيت عشان أضبط أموري، وأشوف أنا هعمل إيه. -ويا ترى قررت هتعمل إيه؟ سألته
حياة بترقب ليرد مروان: -قررت أسافر فرنسا. بابا ليه شركة هناك هديرها وأعيش هناك ومش هرجع مصر تاني. بهتت حياة وقالت: -متتهزرش يا مروان. -أنا مبهزرش يا حياة. أنا مقدرش أقعد هنا أكتر من كده. صدقيني ده مش كويس عشاني. الذكريات مش سايباني في حاله وحاسس نفسي لو قعدت هنا آخري هيكون الانتحار أو أدخل مصحة. -مروان الهروب مش حل. قالتها حياة بشفقة ليبتلع مروان ريقه ويقول:
-صدقيني في حالتي أنا هو الحل الوحيد. الحل الوحيد لو عايز فعلاً أعيش. كل يوم في البيت بفتكر أيامي مع بابا. أنتِ مش هتحسي بيا يا حياة. أنا مبقاش ليا حد. سالت دمعة من عين حياة ليقول هو: -حياة أنا مش عايز أزعلك ولا أحزنك بس سيبيني براحتي. صدقيني فكرت كتير وده الحل الأسلم ليا. يمكن ربنا يهديني وأرجع.. يمكن. مسحت حياة دموعها وهزت رأسها وهي تتمتم: -ربنا يهديك يا مروان. ابتسم وقال: -ها، كنتي عايزاني ليه؟ نظرت حياة إلى أحمد
ليقرر أحمد أن يتكلم ويقول: -بصراحة كده يا مروان إحنا كتبنا الكتاب. اتسعت عيني مروان بسعادة وقال: -بجد! ألف مبروك يا أحمد، فرحتلكم والله بس فجأة كده ومحدش قالي. -أنا كنت بحاول أتواصل معاك يا أستاذ مروان بس حضرتك مكنتش بترد على تليفوناتي. ولما كنت بروحلك بيتك مكنتش بلاقيك. ابتسم مروان بإحراج وكرر أسفه: -آسف يا حياة، الأيام اللي فاتت كنت تايه أوي. -عارفة. قالتها حياة وهي تتنهد بحزن ثم أكملت:
-أنا برضه خسرت أهلي يا مروان، حاسة بيك، وحاسة باللي بتعيشه حاليًا. بس الحياة غصبًا عني وعنك بتستمر. مش هنقدر نوقفها. وافقها مروان قائلاً: -عندك حق، عشان كده أنا هبعد يا حياة. هبعد عشان الحياة تستمر عشان أقدر أتابع حياتي بشكل طبيعي. المهم دلوقتي امتى الفرح؟ فركت حياة كفيها بتوتر وقالت: -بعد أسبوعين. هتحضره يا مروان؟
وقع هو في مأزق، لقد أراد أن يسافر بعد يومين ولكنه كان عاجزًا عن رفض طلبها وكسر خاطرها. لذلك قرر تأجيل سفره قليلاً وابتسم قائلاً: -أكيد هحضره يا حياة. -بطلي جنان. بطلي جنان يا ليل!
صرخت بها نيرمين وهي تهز ابنتها بعنف. من أول ما أخبرتها ليل برغبتها أن تقتل مرام وهي فقدت عقلها تمامًا. ظنت نيرمين في البداية أن ابنتها تهذي أو تتكلم في لحظة انفعال أو غضب، ولكن هي كررت طلبها مرة أخرى. تلك الفتاة تريدهما أن يذهبا للسجن. لا يمكن أن تقترب من أنس مرة أخرى، فهو قد دمرها من قبل. ولو لمست شعرة من مرام سوف يقتلها على الأكيد. ابنتها الغبية يجب أن تدرك هذا الأمر. بكت ليل وصرخت:
-بحبه يا ماما، بحبه. ولو مقدرتش آخده هموت، هموت والله اتصرفي أبوس إيديكي اتصرفي. تراجعت نيرمين وهي تنظر إلى ابنتها المنهارة ثم رفعت كلها لتصفعها على وجنتها وتصرخ بها: -أنتِ أكيد مجنونة! عايزاني ألعب مع أنس تاني؟ أقتل مراته عشان وقتها مش هيتردد لحظة ويقتلني أنا وانتِ يا غبية. لا لا، مستحيل، مستحيل ألعب مع أنس تاني. كفاية اللي حصلي بسببه. صرخت ليل بألم عندما شدت والدتها شعرها وقالت بغيظ:
-اسمعيني يا بت انتِ كمان تنسيه. فاهمة ولا لا؟ تنسي حاجة اسمها أنس خالص. أنا مش عايزة مشاكل معاه. خلاص وجهي طاقتك لحد تاني. العبي على حد تاني. حد يكون غني لحد ما تتجوزيه ونخلص. لكن أنس شيليه من بالك. فاهمة ولا لا! ثم دفعتها بعنف. مسحت ليل دموعها وقالت: -لا يا ماما مش هنسى أنس. أنس لو مكنش ليا مش هيكون لغيري. أنا مقدرش أقتله، بس هقتل مرام! بعد أسبوعين.
-دي إمضتي يا أستاذ عمران. أنا بسلمك كامل المسؤولية بتاعة الشركة. من يوم ورايح أنت ليك كافة الصلاحيات عشان تتخذ أي قرار صالح للشركة. أنا بثق فيك جدًا وعايز تدير الشركة زي ما أنا و... اختنق صوته وظهرت فيه نبرة الانهيار وأكمل: -وبابا الله يرحمه كان بيديرها. أمسك عمران كفه وقال بتوسل: -يا بني خليك ودير شركتك. خليك هنا في بلدك. هز رأسه بتصميم وقال:
-يا ريت أقدر، يا ريت. بس صدقني مقدرش لازم أبعد عشان أرتاح. وزي ما قولتلك يا أستاذ عمار أنا بثق في حضرتك وواثق إن حضرتك هتديرها كويس زي ما أنا بعمل وأكتر. هز عمران رأسه وقال: -امتى مسافر يا ابني؟ -بكرة بإذن الله. كنت حابب أسافر قبل أسبوعين بس حياة صممت أحضر فرحها الأول. هحضر الفرح وبعدين أسافر. هز عمران رأسه وقال: -توصل بالسلامة يا بني. ابقى اتواصل معايا دايماً. ويارب تغير رأيك وتبقي هنا. -مظنش. قالها
بحزن ثم عانق عمران وقال: -أشوف وشك بخير. ثم انسحب خارجًا من المكتب والشركة بأكملها. بعد ساعة ونصف من التجول بلا هدف وصل إلى قصره. زفاف حياة بعد ساعتين تقريبًا. قاعات الزفاف. لهذا هو لديه متسع من الوقت ليجهز حقيبته كي يغادر غدًا باكرًا. صعد لغرفته بتعب لكي يجهز حقيبته ويسافر. وضع ملابسه كلها في حقيبة كبيرة. فجأة توقف وهو يمسك صورة تجمع كلا من والده ووالدته. سالت دموعه وهو يضم الصورة لصدره ثم يقبلها برقة ويقول:
-وحشتوني. بس حاسس إنكم هتبقوا معايا دايماً.
وضع الصورة بالحقيبة. ثم فتح جارور الطاولة الصغيرة بجوار فراشه ليتجمد وهو يرى صورتها قابعة في مكانها. الأيام التي سبقت موت والده كان دوماً يتأمل صورتها تلك وهو يبتسم بذوبان. رغم إدراكه أنها من المستحيل أن تكون له، ولكن حمل تلك المشاعر بقلبه جعلته سعيدًا. هو سعيد بقدر ما يتألم. ابتسم ابتسامة حزينة وهو يمرر أصابعه على ملامحها الطفولية الجميلة ثم وضع الصورة بجوار صورة عائلته. هم الثلاثة يمثلون الحياة بالنسبة إليه، ولكن
للأسف هم ليسوا في حياته. أهله توفيا، تركاه بمفرده والفتاة التي يحبها مستحيل أن يحصل عليها. الأفضل له أن ينسى الأمر. وما سيساعده هو ابتعاده عن هنا. لو ابتعد عن هذا المكان سوف ينسى بكل تأكيد كل شيء. وجوده في بيئة جديدة سوف يشفي قلبه. تنهد مروان وهو يغلق حقيبته ويجلس على الفراش. نظر إلى ساعته ليجد أن تبقت ساعة ونصف على زفاف حياة. تسطح على الفراش ونظر إلى السقف والدموع تحرق عينيه. كم يشتاق لأهله. إنه يشتاق إليهم. والدته،
والده. كم يرغب بالذهاب إليهما. لا يريد أن يكون وحيدًا، ولكن ليس بيده شيء. لا يمتلك أي خيارات الآن. الخيار الوحيد الذي يمتلكه هو أنه يقاوم، يقاوم حتى يُشفى. ولكن الجروح بقلبه شديدة، لن تُشفى بتلك السهولة. انسابت الدموع من عينيه وهو يغمضهما. لحظة، لحظتين، ثلاثة وغاص مروان في النوم بسبب الإرهاق من كثرة التفكير.
كان يقف بمفرده في مكان غريب ينظر حوله ويشعر بقلبه يقصف داخل صدره. فجأة لمعت عيناه وهو يرى والدته الحبيبة. ركض نحوها ثم عانقها بحب وهو يبكي. -حبيبي مروان. قالتها وهي تضمه إليها. أبعدته عنها ثم قبلت رأسه وعانقت وجهه وهي تقول: -حبيبي أنا فخورة بيك، فخورة أوي.
-أنتِ وحشتيني أوي يا ماما. أنا مش قادر أكمل. حاسس بخنقة. حاسس إن الحياة مبتحبنيش. عايز أموت. أنا مليش حد هنا. خديني معاكي. أبوس إيديكي خديني من هنا يا ماما. أنا عايز أبقى معاكي. أنا مش بخير. هزت رأسها بالنفي وقالت: -كل حاجة هتكون بخير يا مروان. خليك قوي. أغمض عينيه ودموعه تنساب ثم فتحها مرة أخرى ليجد والدته قد اختفت. -ماما. صاح هو بخوف. -ماما انتِ فين؟ انتِ فين؟ -ماما.
صرخ بها مروان وهو ينهض من نومه. ثم أخذ يتنفس بقوة وهو يدرك أنه كابوس. مرر أصابعه على وجنته يمسح دموعه. ثم نظر إلى ساعته لينظر كالملسوع. لقد تأخر على حياة. ركض إلى الحمام ليأخذ دشًا سريعًا.
خرج مروان من الحمام وهو يجفف شعره جيدًا ثم سحب الحلة الرمادية الخاصة به وارتداها. مشط شعره وهذب ذقنه قليلاً. ثم أمسك زجاجة العطر وبدأ يرش على نفسه. انتهى بارتداء ساعته غالية الثمن ثم غادر بسرعة وهو يمسك هاتفه ومفاتيح سيارته. خرج من قصره واتجه إلى سيارته ثم استقلها وقاد بسرعة. لو فوت حفل الزفاف سوف تقتله حياة بكل تأكيد. فكر بتسلية وابتسامة صغيرة تحتل شفتيه. في إحدى قاعات الزفاف.
كانت الأغاني الشعبية تضج هناك بينما والدة أحمد ترقص مع ابنها العريس وهي سعيدة كثيرًا لسعادته. كانت حياة تجلس على مقعد العروس وهي تضحك بسعادة ومرح. فجأة لمعت عينيها بقوة واحتشدت بعض دموع السعادة في عينيها وهي ترى مهرا وادم وليلي معًا قد أتيا. نهضت عندما اقتربت منها مهرا وقالت بصوت باكي وكادت أن تعانقها: -افتكرت إنك مش هتيجي.
ابتسمت مهرا بإيجاز وصافحتها بدل أن تعانقها، وتفهمت حياة الأمر جيدًا. لن تعود مهرا صديقتها كالسابق. -أنا وعدت هاجي وأهو جيت. -مبروك. كان هذا صوت آدم القوي. نظرت إليه حياة وأومأت له بأدب ثم نظرت إلى ليلي. تلك الفتاة التي سلبت عقل مروان كليًا. ابتسمت ليلي الأخرى وقالت: -مبروك يا عروسة. -الله يبارك فيكي يا حبيبتي عقبالك. -أيوه كده ادعي بضمير. الواحد عايز يتجوز ويهرب من الطب اللي قصف عمره.
وكالعادة ليلي بددت التوتر إذ ارتفعت ضحكات الجميع. -إيه ده، أنس ومرام هنا؟ قالتها ليلي بدهشة ثم ذهبت باتجاههم. قالت حياة وهي تشرح الوضع: -أحمد كان المحامي بتاع أنس خلصله كان حاجة كده وهو بصراحة كمان ساعد أحمد كتير وعشان كده أحمد اللي عزمه. هز آدم رأسه وهو يسحب مهرا ويتجهان إلى أنس ومرام في الطاولة التي يجلسان عليها. اقترب أحمد من حياة لاهثًا وهو يضحك فقالت له بابتسامة: -ماما شكلها مبسوطة أوي. ضحك وهو يهز رأسه ثم قال:
-هو مروان لسه مجاش؟ هزت رأسها بالنفي ولكن رأسها تجمدت وهو يلج إلى القاعة. يرتدي حلة رمادية بينما ذقنه النامية تم تهذيبها قليلاً. توقف مكانه وعينيه تقع عليها. كان لا يصدق أنها موجودة هنا. ابتلع ريقه وهو ما زال يتأملها بصدمة بينما دقات قلبه تتسارع كأنه في سباق سريع. كانت ليلي تضحك وهي تتحدث مع مرام ومهرا. فجأة شعرت بشعور غريب. نظرت تجاه القاعة لتتلاشى ابتسامتها وهي تراه. ظلا للحظات يحدقان ببعضهما إلى أن
صوت آدم أرعبها وهو يقول: -إيه اللي جاب ده هنا؟ نظر مروان الناحية الأخرى إلى حياة واتجه إليها. فهو آخر شيء يريده الآن أن يتصادم مع آدم. -مروان اتأخرت. قالتها حياة بعتاب ليبتسم مروان ويقول: -آسف يا حياة، كنت بجهز نفسي عشان السفر بكرة وسرقني الوقت. -برضه مش ناوي تغير رأيك؟ سألته بحزن ليهز رأسه ثم ينظر إلى أحمد ويصافحه قائلاً: -خلي بالك منها. ابتسم له وهو يضم حياة إليه: -دي في عيوني.
هز مروان رأسه ثم اتجه إلى طاولة فارغة تمامًا وهو يجلس وحيدًا. كالعادة. على الرغم من أن حواليه الكثير إلا أنه كان وحيدًا للغاية. أمسك كأس العصير وهو يشربه بهدوء بينما شعر بالدموع تحرق عينيه. عينيه التي لم يستطع السيطرة عليها وهي تنظر إليها. نظر إليها بالفعل وقلبه يقصف في صدره ليجدها تنظر إليه. بعينيها الجميلتين. توترت واحمر وجهها عندما أمسكها لتنظر هي من الناحية الأخرى. بقا هو ينظر إليها وهو يفكر أنها المرة الأخيرة. المرة الأخيرة التي سوف يراها. المرة الأخيرة التي سوف تدخل السرور لقلبه فيها. فهو بعد اليوم سوف يبتعد. يبتعد للأبد. توتر مروان وادم يمسكه يحدق بليلي واشتعلت عيناه من الغضب. أشاح مروان بوجهه وهو يشعر بالقلق بينما أمسك
آدم ذراع ليلي وقال بغضب: -هو اللي اسمه مروان ده بيبصلك ليه؟ -م..معرفش يا ابيه. هو اللي بيبص مش أنا. قالتها ليلي بتلعثم. نظر آدم إلى مروان بغضب وهو يبعد ليلي ويجعلها بعيدًا عن مرمى نظر مروان. بعد ساعتين تقريبًا. كان قد انتهى الحفل وخرج العروسان. وقفا أحمد وحياة وهم يتكلمان مع أنس بالقرب من السيارة التي سوف تقلهم إلى الفندق. -متقلقش يا أحمد شهر العسل خلاص بقى عليا وأنا حجزتلك في الفندق بتاعي اللي في الإسكندرية.
ابتسم أحمد وهو يشكره بينما اقترب مروان لكي يودع حياة قبل أن يغادر للأبد ولكنه احتار وهو ينظر إلى تلك الفتاة الغريبة التي تقف بعيدًا وتنظر إلى أحدهما بحقد. تتبع مسار نظراتها ليجدها تنظر إلى شقيقة ليلي.
تنفست ليل بغضب وهي ترى مرام تقف بجوار أنس تمسك كفه. كان من المفترض أن تكون هي مكانها. كان من المفترض أن تكون هي زوجة أنس لا مرام. هذا مكانها. مكانها. هي من تعشقه. هي. هي التي تعشقه أكثر من أي شيء. حبه لم يكن قرارها بل هو لعنة أصيبت بها ما إن وقعت عينيها عليه. وإن كنت تعلمت شيئًا وهي واقعة في غرامه فإنها تعلمت ألا تستسلم. سيكون لها في النهاية أو الثمن سيكون حياة مرام. سيكون حياة حبيبته مرام. أخرجت السلاح الذي اشترته منذ أسبوعين ثم
وجهته إلى مرام وقالت بحقد: -لو مكنتش ليا مش هتكون لغيري. هحرق قلبك زي ما حرقت قلبي. أنت رفضتني وكسرت قلبي. وأنا هقتل مراتك وأكسر قلبك. ثم هيأت سلاحها لتطلق النار. -احسبي!
صرخ مروان فجأة وهو يدفع مرام ناحية أنس فيقعان سويًا على الأرض لتصيب الرصاصة بطنه. دار العالم بمروان ليسقط أرضًا وهو يضع كفه على بطنه الذي ينفجر بالدماء. شعر أنه انفصل عن العالم. لا يسمع أي أصوات. يرى الناس من حوله تصرخ ولا يميز الصوت كأنه أصيب بالصمم. ورغم الألم، رغم العذاب، إلا أن هذا الشعور كان رائعًا. شعور الموت. هو ليس خائفًا الآن بل يشعر بسكون رهيب. يشعر أن أخيرًا الحياة أسدت له خدمة هائلة. فهو سوف يذهب إلى
والديه دون أن يغضب الله. لقد أدرك بعد صراع أن الحياة لا تحب أمثاله. لهذا بدا له الموت رغم ألمه رائعًا للغاية. الموت يحبه. الموت راحة. هو لن يرتاح إلا عن طريق تلك الطريقة. لهذا لم يتمسك بالحياة بل أغمض عينيه بهدوء بينما آخر شيء رآه، صورة ليلي وهي تنظر إليه وتبكي. صورة حبيبته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!