الفصل 1 | من 41 فصل

رواية عش العراب الفصل الأول 1 - بقلم سعاد محمد سلامه

المشاهدات
25
كلمة
5,475
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

بإحدى قُرى صعيد مصر، ب "بنى سويف" بمنزل ضخم لإحدى أشهر عائلات البلدة، والذي ذاع صيتها في العقد الأخير، ليس فقط على مستوى القرية ولا المحافظة، بل الصعيد بأكمله والقاهرة وبمصر كلها تقريباً. "العراب"، أصبح ماركة شهيرة بالحبوب الغذائية ومنتجاتها، سواء (الدقيق، والأرز، والذرة، وغيرها من البذور المستخدمة في تصنيع المواد الغذائية) . كما أنهم يمتلكون بعض مضارب الأرز، وأكثر من شونة لتوريد القمح من الفلاحين وتسويقه.

بشقّة بالدور الثاني، استيقظت سلسبيل بتذمر، بعد عدة محاولات من همس لكي تجبرها تستيقظ. فلقد قامت همس بحك قدمي سلسبيل بأحد الأقلام الناعمة، كما داعبت أنفها بأصابعها، وأيضاً جذبت الغطاء من عليها قائلة: "اصحي يا سلسبيل الدنيا بتمطر، دي أول شتوية في السنة، الشتا بيستفتح بالمطر، قومي بسرعة خلينا ننزل تحت المطرة ونغني، يا مطرة رُخي رُخي" جذبت سلسبيل الغطاء من يد همس قائلة بنعاس:

"سيبيني أنا عايزة أنام، حرام عليكي مطرة إيه اللي ننزل تحتها، الدنيا لسه ضلمة، إحنا صلينا الفجر يا دوب من ساعتين." جذبت همس الغطاء وقالت: "قومي بقي، نفسي أغني تحت المطر، دي أول مطرة للسنة دي، يا عالم هكمل الشتا ولا لأ." رفعت سلسبيل الغطاء من عليها، لا تعلم لما شعرت بنغزة في قلبها، وارتجافة أيضاً، وقامت حضنت همس قائلة: "هتكملي الشتا والربيع والصيف وهتعيشي كتير زي جدتي هداية كده... وتفرحي بأحفادك." تبسمت همس قائلة:

"هما بيقولوا إني ورثت منها الشكل، لكن إنتي ورثتي القوة والعقل." تبسمت سلسبيل وقالت: "أنا مفياش نص قوة جدتي هداية." تبسمت همس وقالت: "طب والأحلام اللي بتشوفيها ولازم تحقق، زي ما تكون رؤى، غير تواصلك مع اللي ماتوا، إنتي كنتي بتشوفي جدي وبيقولك على حاجات هتحصل فاكرة، وقت رجوع قماح لهنا من تاني، إنتي شفتي جدي قبلها وقالك قولي لجدتك قماح راجع من تاني." ردت سلسبيل:

"تصدقي معرفش سبب ده وقتها، مع إني كنت حوالي ثمان سنين ومخدتش بالي من قماح ده أصلاً شكله إيه، بس كان عندي ست سنين ونص لما جدي توفى، كنت بسمعه دائمًا يقول لجدتي نفسه قماح يرجع لهنا تاني، وأهو يا ريته ما رجع، عامل نفسه زي الآلة اليونانية في الأفلام الأجنبية اللي بنشوفها، عندهم جنون العظمة وهو فيه منهم، ومفكر عنده ذكاء حاد وهو كل اللي عنده شوية حظ في التجارة وفاشل في الجواز، اتجوز اتنين مفيش فيهم واحدة استحملت طباعه المتغطرسة، والله ربنا دعا لهم بالخير ببعدهم عنه، أنا الحمد لله دائمًا بتجنبه حتى الكلام عالقد مش أكتر."

ضحكت همس قائلة: "إحنا هنتكلم عن قماح، قومي يلا البسي هدوم تانية غير بيجامة ميكي دي، على ما أروح أغلس على هدى كمان أصحيها ننزل قبل ما السما تبطل مطر." تبسمت سلسبيل وبالفعل نهضت وارتدت إحدى الإسدالات فوق منامتها، ولفت حجاب عشوائي على رأسها فقد يُدفئ عنقها، حتى إنها لم تقم بستر شعرها الطويل المنسدل جزء كبير منه على ظهرها من أسفل الطرحة. بالفعل بعد دقائق نزلن الثلاث فتيات إلى تلك الحديقة المحاوطة بذلك المنزل الكبير.

توقفت همس أسفل الأمطار تفتح ذراعيها وتستمتع برذاذ الأمطار فوق وجهها، بينما كانتا كل من سلسبيل وهدى تختبئان من الأمطار أسفل إحدى شرفات المنزل. نظرت لهن همس قائلة: "هتفضلوا واقفين عندكم كده كتير، المطرة ممكن توقف في أي وقت." تبسمت هدى وقالت: "أنا بصورك يا همس بالفون، فيديو عشان أبقى أفرجه لماما بعد شوية، عشان تزعقلك، وده يبقى انتقامي قصاد إزعاجك ليا وإنك صحيتيني من النوم وأنا نايمة الفجر أصلاً." غمزت همس بعينيها وقالت:

"وأيه اللي مطيّر النوم من عينك للفجر، يا قطة... سهرانه بتفكري في مين، اعترفي." تبسمت هدى وقالت: "بفكر في دراستي، عندي بحث عن التكنولوجيا ولازم أسلمه بعد بكرة، مش عارفة ليه دماغك دائمًا الناحية التانية." تبسمت همس وقالت: "لا ناحية تانية ولا تالتة، أنا كمان يا أختي زيك مش بفكر غير في الدراسة، اللي خلصت فينا وارتاحت هي "سيلا"، وسمعت إن في خطّاب بيجولها....

شكل بنات ناصر العراب هيبقوا اتنين قريب "بيلا" هتتجوز ومش هيبقى غير أنا وإنتي." لا تعرف سلسبيل لما فجأة مر أمام عينيها ظلاً لرؤوس سوداء وعيون دامعة ودماء بريئة تسيل. ارتجف قلبها للحظات وأغمضت عينيها بقوة ثم فتحتها ووضعت يدها على قلبها ورسمت بسمة قائلة:

"لأ اطمني، أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي، أنا واخده راحة شوية بعد الدراسة بس كلمت بابا إني أشتغل في الحسابات عندنا في أي شونة، غير كمان بفكر أعرض المنحوتات بتاعتي في معرض خاص." تبسمت همس قائلة بمزح: "قصدك مساخيطك اللي في المسخط بتاعك اللي في آخر الجنينة." تبسمت سلسبيل وهي ترى قرب همس منها هي وهدى وقامت بشد يديهن. سرن معها وأصبحن الثلاث فتيات أسفل مياه الأمطار يلهون بفرحة أطفال.

كان صوت مرحهن مرتفع لدرجة أنه أيقظ ذاك النائم بالدور الثاني أيضاً. فتح عيناه بتذمر من تلك الأصوات العالية التي اقتحمت مضجعه. تنهد بإزعاج واتكئ على يدهُ، جذب أحد أجهزة التحكم عن بُعد صغيرة الحجم وقام بالضغط عليها. انزاحت تلك الستائر، ما زال الظلام لم ينقشع بالكامل وأيضاً بسبب تلك الغيوم أشعل ضوء الغرفة، وأزاح غطاء الفراش من عليه ونهض وجذب ذاك المئزر الرجالي وارتداه، فهو رغم برودة الطقس كان ينام شبه عاري، بشورت فقط.

وأيضًا هناك نظام تدفئة بالشقة، أو ربما هناك حرارة منبعثة من قلبه تُدفئ جسده، فجسده طبيعة خاصة يستطيع تحمل قسوة برد الشتاء. ربما طبيعة خاصة اكتسبها من ماضي عاشه بمكان كان أشد برودة من هنا، ليس جسده فقط من اكتسب تلك البرودة، بل أثرت أيضاً بتكوين شخصيته. يستطيع التحكم بإخفاء مشاعره أمام الآخرين والتعامل معهم بهدوء حتى لو كان من أمامه هو عدوه. اكتسب من ذلك دبلوماسية تجعله صاحب العقل الراجح والمفكر صاحب الذكاء المالي.

لكن هناك عيب واحد به هو عدم التحكم في غضبه مع النساء، ربما لا يكرههن لكن لا يحبذ التعامل معهن كثيرًا. يعتقد أنهن لا يجدن شيئًا سوى الثرثرة وسلب نقود الرجال ومن أجل شيء آخر جسدي، يستطيع الاستغناء عنهن بالتحكم في مشاعره. يعطي فقط ما يريد لهن ورغم ذلك لا يعنيه المال كثيرًا، برأيه أن المال لا يصنع الرجال... الرجال هي من تصنع المال والنساء خُلقن لإنفاقه على مظاهر فارغة وتافهة.

ربما مُخطئ في ذلك لكن من قابلهن بحياته برهن له ذلك. أغلق المئزر على جسده وفتح باب الشرفة الزجاجي، كي يعلم سبب تلك الضحكات الصاخبة. رأى الثلاث فتيات أسفل الأمطار، في البداية لم يهتم لهن وسخر من صغر عقلهن، فهي حركات طفولية لا أكثر. لكن حين رأى أكبارهن لفت نظره حين تدور حول نفسها، وانزاح حجابها من فوق رأسها وأظهر شعرها بالكامل.

كانت حين تدور، تدور خصلات شعرها بانسيابية مع مياه الأمطار، ذالك الشعر الأسود الطويل وقطرات المطر تتساقط من بين خصلاتها تشبه مياه الشلال حين تتساقط من أعلى، بل ترسم لوحة خاصة. تهكم ساخرًا يقول: "حلو جو الرقص تحت المطرة ده، لأ والكبيرة اللي بدل ما تكون العاقلة قدام أخواتها بترقص وتتمسخر قبلهم."

شعر بضيق وعاد إلى الغرفة وقام بإغلاق باب الشرفة ثم ذهب إلى الحمام وأخذ حمامًا بمياه فاترة، ثم خرج وارتدى ملابسهُ، وأخذ هاتفه وحافظة أموال وضعهم بجيب معطفه الجلدي الأسود العصري الذي ارتداه فوق ثيابه العصرية أيضاً. ثم توجه يخرج من تلك الشقة نازلاً لأسفل المنزل. بينما بالحديقة قالت همس:

"المطرة خلاص شكلها هتشطب والساعة قربت على سبعة وزمان ماما هتصحى عشان تنزل تحضر الفطور، ألحق أنا أطلع قبل ماما وما تصحى وتزعق، يلا اللي تسبق تدخل قبل ماما ما تحس بينا." قالت همس ودخلت إلى المنزل أولاً. كانت تقفز سريعًا فوق درجات السلم، تقابلت قبل درجات من باب شقة والداها. تبسمت حين رأت قماح أمامها وقالت بلهث: "صباح الخير يا قماح." قالت هذا ولم تنتظر رده بل أكملت صعودها. بينما لم يرد قماح عليها، أكمل نزول الدرج.

لكن توقف حين توقفت سلسبيل مخضوضة حين وجدته بوجهها، وسرعان ما انتبهت على يدها التي وضعتها فوق يده دون قصد منها أثناء صعودها. وسحبتها سريعاً وقامت سريعاً بجذب وشاح رأسها الذي انزاح من على شعرها الرطب بسبب الأمطار التي كانت تلعب أسفلها منذ قليل. تجنبت من أمامه بأحد زوايا السلم وأكملت صعود دون حتى إلقاء الصباح عليه، صعدت بسرعة. كأنها تفر من أمامه.

بينما هو.. شعر ببرودة يدها حين وضعتها بالخطأ فوق يدهُ وتضايق منها بشدة بسبب التصاق ملابسها فوق جسدها بسبب مياه الأمطار التي كانت تتراقص أسفلها قبل قليل وليس هذا فقط وسقوط وشاح رأسها وظهور شعرها الرطب المنسدل والذي يظهر منه جزء كبير من أسفل الطرحة. ولكن أكمل نزول، ليتقابل مع هدى التي قالت ببسمة: "صباح الخير يا قماح." رد قماح عليها الصباح وأكمل نزول باقي درجات السلم وهو يستهزئ بأفعالهن الغبية بنظرهُ.

دخلن الثلاث فتيات إلى شقة والداهن، خلف بعضهن يلهثن. تبسمن حين وجدن من يقف أمامهن يقول بعتاب حنون: "من ساعة ما سمعت صوت المطر وبعدها سمعت فتح باب الشقة قولت نزلتم تلعبوا تحت المطرة، المفروض خلاص كبرتوا بقى، يلا بسرعة روحوا غيروا هدومكم المبلولة دي قبل ما تبردوا وكمان ماما تصحى وتشوفكم كده وتبدأ وصلتها." تبسمن له الثلاث فتيات وقولن بنفس الوقت: "صباح الخير يا أحلى وأغلى بابا." تبسم لهن وقال:

"يلا بسرعة نهلة بدأت تصحى، يلا بسرعة على أوضكم غيروا هدومكم وانزلوا نفطر مع بعض." امتثلت هدى وهمس وفررن على غرفهن سريعاً. بينما سلسبيل قالت: "بابا هو ينفع منزلش عالفتور أنا معنديش جامعة خلاص، وعايزة أنام." تبسم ناصر لها وقال:

"بلاش دلع وبعدين أنا كلمت الأستاذ مجدي المسئول عن الحسابات خلاص وقالي قدامه شوية حسابات وتقفيلات في السنة المالية هيخلصها وبعدها تيجي وأنا اللي هدربها وأفهمها في الحسابات بنفسي، فلازم ترجعي نشيطة من تاني." إقتربت سلسبيل من والداها وقبلت يدهُ قائلة: "هشرفك قدامه يابابا، ومش بعيد قبل السنة المالية الجاية أمسك أنا حسابات العراب كلها ونطرد أستاذ مجدي، وآخد أنا مكانه."

تبسمت تلك التي خرجت من باب الغرفة واقتربت من مكان وقوف سلسبيل وقامت بشد شعرها بقوة قائلة:

"تاخدي مكان مين، الأستاذ مجدي مُخضرم في الحسابات مش لسه متخرج من كام شهر، غير عنده عقل مش زيك يا طويلة يا هبلة، هدومك بتعصر ميه وكمان شعرك، أكيد كنتي مع البلوتين التانين تحت المطر بدل ما تعقليهم، لأ عقلك أصغر منهم، يلا روحي أوضتك غيري هدومك بسرعة قبل ما تاخدي برد وحصليني على تحت، اتعلمي شوية من شغل البيت خلاص كبرتي، زمايلك بقوا عرايس، لازم تتعلمي شوية من شغل البيت ولا مفكرة نفسك بعد الجواز جوزك هيجيبلك خدامة، إياك."

ردت سلسبيل بآلم مش شد نهلة لشعرها: "لأ أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي ياماما، وحضرتك عارفة إني بعرف أطبخ كويس وحتى شغل البيت بعرف أعمله، بس أنا هشتغل الأول وموضوع الجواز ده بعدين، أنا مش زي زهرة بنت عمتي ولا هتجوز واحد زي رباح ابن عمي معندوش شخصية قدام مراته، بكملك كلامك أهو قبل ما تقوليه، أنا هصنع مستقبلي بإيدي وزي ما أنا عايزة، وأنا في دماغي هدف، إني أشتغل ومش بس أشتغل هعمل معرض كمان للتماثيل اللي بصنعها."

قالت سلسبيل هذا وغادرت نحو غرفتها. تنهدت نهلة بغضب وقالت ل ناصر: "شايف بنتك يا ناصر ودماغها الغبية." رد ناصر: "بالعكس يا نهلة سلسبيل ذكية جدًا، وقوتها بتشبه أمي، ليه شاغلة بالك بجوازها، كل شيء نصيب." ردت نهلة: "الجواز للبنات سُترة يا ناصر ودول تلاتة ورا بعض." تبسم ناصر:

"والعلم والاستقلالية كمان سُترة يا نهلة، أنا اللي هقولك الكلام ده، ناسيه إني متخرجة من الجامعة وإننا كنا زملاء كمان، صحيح أنا أكبر بتلات سنين، بس خريجين نفس الجامعة، بلاش تبقي آسية على بناتك دول كانوا لينا جبر بعد طول صبر."

بعد قليل، بالدور الأرضي بالمنزل، بغرفة السفرة كانت العائلة شبه مكتملة تجلس في صدارة الطاولة هداية، وعلى يمينها كان يجلس ولدها الأكبر النبوي وزوجته وجوارها شبان يجلسون بتذمر لكن مجبورين على ذلك، ويجلس جوارهم قماح، والناحية الأخرى كان يجلس ناصر ولدها الثاني وجواره زوجته وجوارها ثلاث فتيات. نظرت هداية وقبل أن تتحدث، دخل رماح وخلفه زوجته التي قالت:

"معلش يا جماعة جت علينا نومة، هو كده داخلة الشتا والشتا بيحب الكسل والنوم." ردت هداية: "مش الشتا هو اللي بيحب الكسل والنوم، ده طبع ودي آخر تحذير ليكم بعد كده تنزلي في وسط النسوان تحضري معاهم الفطور ووجتها هتتعودي تصحي بدري وتبطلي سهر، وتسهرى جوزك معاكي، لازم ينعس بدري عشان يصحى فايق لشغله وسط العمال... بلاش حديد كتير، يلا اجعدوا ودي آخر مرة تتأخروا."

نظرت زهرة إلى رماح الذي سحب مقعد وجلس عليه دون رد على حديث هداية، فجلست وهي توعد له بذلك لما لم يدافع عنها أمام تهجم تلك العجوز الشمطاء. جلس الجميع يتناولون فطورهم في صمت، إلى أن نهضتا كل من همس وهدى، قائلتان: "عندنا محاضرات بدري يادوب نلحق عشان الطريق، هتوصلنا يابابا ولا السواق اللي هيوصلنا." رد ناصر: "لأ أنا عندي مشوار بعيد عن الجامعة، خلو... تحدث كارم ثالث أبناء النبوي:

"أنا عندي مشوار قريب من الجامعة وممكن آخدكم في سكتي." نظرن همس وهدى لبعضهن وأردن الرفض، لكن قالت هداية: "وصلهم بس بلاش تسوق العربية بسرعة الوقت مطروش." تبسم كارم يقول: "حاضر يا جدتي." بالفعل رغم عدم رضائهن لكن ذهبن مع كارم. نهض الجميع من على طاولة الطعام، لكن أثناء سير قماح للخروج من الغرفة تصادم مع سلسبيل التي عطست شبه بوجهه دون قصد منها، فأخرج محرمة ورقية من جيبه وأعطاها لها قائلاً بنبرة سخرية وتهجم في نفس الوقت:

"يرحمكم الله علشان تبقى تبطلي رقص تحت المطر أهو أخدتي برد." لاحظت هداية وقوفهم وقالت: "شكلك هتاخدي برد يا سلسبيل، هخلي واحدة من الشغالين تعملك كوباية جنزبيل بالليمون إشربيها وادفي وهتبقي زينة." ردت سلسبيل: "لأ لو نمت هتعب أكتر خليها تجبهالي في الأتيليه بتاعي اللي في ضهر الجنينة." ردت هداية: "قصدك المسخط بتاعك، والله يا بتي معرفش إيه الهواية الغريبة دي، تعملي مساخيط زي اللي في مجابر الفراعنة زمان." تبسمت سلسبيل وقالت:

"ده فن يا جدتي اسمه النحت عالحجر.. وبعدين اديني بتسلى شوية قبل ما أشتغل." سمع قماح قول سلسبيل لهداية عن نيتها للعمل، لكن لم يهتم، فهي بالآخر لا تعنيه بشيء. بعد مرور أربعين يومًا، كان يومًا شتويًا عاصف تكاد الرياح تقتلع الأشجار من جذورها، وبالفعل هناك شجرة اقتلعت لكن ما زال جذرها بالأرض تخشى الجز، فهي بالآخر تدنست، وأخفت الأمر خوفًا من ماذا لا تدري.

انطفأت همس المرحة، كانتا أختيها يلاحظون ذلك ولكنه كانت تتحجج بثقل الدراسة عليها وأنها اقتربت من امتحانات نصف العام الذي لم يبقى عليها سوى شهر تقريبًا. صباحًا بعد أن تناولت العائلة الفطور، ذهبت سلسبيل إلى ذاك الأتيليه الخاص بها وبدأت تستمتع بهوايتها وهي نحت بعض الصخور وتكوين بعض الأشكال أيضاً. كان الأتيليه بشبابيك زجاجية كبيرة وخلفها ستائر، فتحت سلسبيل تلك الستائر تعطي للغرفة نور.

بينما بغرفة المكتب الموجودة بالمنزل والذي تطل على الحديقة الخلفية أيضاً تحدث النبوي لقماح قائلاً: "قماح الحاج رجب السنهوري اتصل عليا من كم يوم كده." رد قماح ببرود: "خير، عاوز إيه؟ رد النبوي: "هو قال إن محتاج كم طن رز شعير من عندنا." رد قماح: "وماله، ياخد بالسعر الجديد اللي نزل، زيه زي غيره." رد النبوي: "بس هو مش زي غيره، إنت ناسي إنه كان نسيبك قبل كدة." رد قماح:

"أهو قولت كان، كان ده ماضي وحتى لو لسه نسبي التجارة مفيهاش نسبي وقريبي، عاجبه عالسعر الجديد كان بها مش عاجبه قدامه السوق يلم منه اللي هو عاوزه." تحدث النبوي: "بصراحة كده هو لمحللي إن بنته جايلها عريس، وأنا قولت أقولك يمكن تفكر تردها تاني لعصمتك." نهض قماح وسار خطوات نحو شباك غرفة المكتب، نظر أمامه السماء تبدو بها غيوم وسحاب تسير بأي لحظة قد تمطر، لكن لمح تلك التي تقف بتلك الغرفة القريبة من المكتب، كانت تمارس هوايتها.

ظل صامتًا ينظر لها. بينما عاد النبوي قوله: "مردتش عليا." قماح وهو يعطي ظهره لوالده: "مردتش عليك في إيه؟ أعاد النبوي قوله: "بقولك بنت رجب السنهوري اللي هي طليقتك جاي لها عريس." رد قماح: "مبروك، ربنا يسهلها." تعجب النبوي وقال: "ده ردك الأخير، ما ترجعها، أنا معرفش سبب لطلاقك لها، مش معقول طلقتها عشان راحت تزور والداتها بدون ما تاخد إذن منك." استدار قماح لوالده وقال:

"ممكن ميكونش ده السبب الرئيسي، بس هي خالفت أمري، وانتهت الحياة بينا وخلصت على كده يبقى خلاص، ربنا ييسر لها، عندي ميعاد مع تاجر في شونة القمح، ولازم ألحقه، أشوفك المسا يابابا.... و بلاش تتعب نفسك في الموضوع ده انتهى خلاص بالنسبة لي." قبل أن يخرج قماح من الغرفة قال النبوي: "وهتفضل الباقي من عمرك عازب كده من غير ست ولا عيال من صلبك." نظر قماح أمامه رأى دخول سلسبيل إلى داخل المنزل تلف يدها بقطعة قماش، تبدو بوضوح مجروحة.

ورد في ذلك الوقت على والده: "الله أعلم المستقبل فيه إيه... متشغلش بالك بيا." قال قماح هذا وأكمل سيره يخرج من المنزل. بينما زفر النبوي أنفاسهُ بقلة حيلة. دخلت سلسبيل إلى غرفة جدتها، وجدتها تجلس أرضاً وأمامها امرأة شابة ومعها طفل صغير يبكي، وضعت جدتها ذاك الطفل بشال أبيض ونهضت واقفة وقالت للشابة الأخرى: "امسكي طرف الشال ده كويس أوعي يفلت من إيدك مفهوم." مسكت الشابة أحد طرفي الشال الملفوف به طفلها.

في البداية انخضت الشابة من دفع هداية للشال بقوتها وكاد طرف الشال أن يفلت من يديها، قالت لها هداية بغضب: "قولتلك امسكي طرف الشال كويس." أومأت لها الشابة بالموافقة. بدأت هداية بدفع الشال قويًا مثلما تدفع الأرجوحة، لكن يمسك الشال الاثنان، هدأ بكاء الطفل كثيرًا، جلست هداية مرة أخرى أرضاً، وأخرجت الطفل من الشال وبدأت بتدليك معين لجسد الطفل الذي شعر براحة وانتهى بكاؤه المستمر. أعطت هداية الطفل لأمه وقالت لها:

"بعد كده أما تشيلي الواد تحطي إيدك في ضهره تسنديه، عشان ميطوحش ولا يتزمم لسه عظمه طري." تبسمت لها الشابة وقالت: "تسلمي يا حجة هداية، والله بقاله كم يوم مش مبطل بكى وروحت بيه لكذا دكتور، ومفيش فايدة، أهو إنتي رديتي له عظمه من تاني، والله حماتي قالتلي هي الحجة هداية اللي إيدها فيها البركة.. كثر خيرك." تبسمت لها هداية وقالت: "سلميلي على حماتك وبعد كده إيدك في ضهره طول." خرجت الشابة تبتسم لسلسبيل التي دخلت للغرفة.

ردت سلسبيل لها البسمة. بينما قالت هداية: "تعالي يا سلسبيل لفة إيدك إكده ليه." ردت عليها: "أبدًا دا إيدي اتعورت وأنا في الأتيليه، وكنت جايلك تداويها لي." ردت هداية: "طب هاتى العلبة اللي عندك دي وتعالى اجعدي قدامي أشوف يدك." بالفعل آتت سلسبيل بتلك العلبة الموجود بها بعض المستلزمات الطبية، وجلست أمام جدتها، وكشفت كف يدها أمامها. تحدثت هداية:

"دي الجرح شكله واعر، بسبب إيه ده أكيد بسبب المساخيط اللي بتعمليها في المسخط بتاعك." صمتت سلسبيل، بينما بدأت هداية بمدواة ذاك الجرح. رغم تألم سلسبيل لكن تحملت ذاك الوجع إلى أن انتهت جدتها من مدواته وقالت لها: "طول عمرك يا بتي كنتي بتتحملي الوجع... بتفكريني بأمي كانت صبورة، ربنا يرحمها."

مساءً، بغرفة همس كانت تجلس بإنزواء فوق فراشها دموعها تسيل بمرارة يديها ترتعش تخشى نتيجة ذاك الاختبار الذي فعلته منذ قليل، تتمنى أن يكذب ما تشعر به منذ أيام، لكن للأسف أعطى الاختبار نتيجة إيجابية. صدمة كبيرة لها كيف هذا، ماذا ستفعل الآن، لو علم والدها بذلك، بالتأكيد ستقتلها والدتها بدون رفّة جفن. سألت عقلها وقالت: "يارب أنت عالم بحالي أنا مغلطتش بخاطري، كان غصب عني."

بدموع قامت همس ولسوء حظها رمت ذاك الاختبار بسلة القمامة الخاصة بغرفتها، وعقلها يبحث عن حل لتلك المعضلة التي وقعت بها. خرجت من غرفتها ونزلت إلى حديقة المنزل، وجلست رغم برودة الطقس لكن تشعر بنيران، لما لا تحرقها وتنتهي حياتها الآن قبل أن يُفتش أمرها التي تخفيه. بينما دخلت نهلة إلى غرفة همس كي تأخذ ملابسها غير النظيفة كي تغسلها، قامت بجمعها ووضعتها على الفراش وأخذت أيضاً ملاءة الفراش وبعض الأغراض الأخرى.

لفت نظرها سلة المهملات، نظرت لها وقالت: "مفيش مرة تطلع الزبالة من أوضتها، أمري لله أخدها أنا أطلعها." بالفعل جمعت الملابس بيد وأخذت سلة المهملات بيدها الأخرى، وضعت الملابس بالحمام، خرجت كي تضع ما موجود بسلة القمامة التي بيدها بسلة أكبر منها، لكن أثناء إفراغها لها لفت نظرها ذاك الاختبار، فأخرجته من بين المهملات، ونظرت له بتمعن وصدمة أكثر من مرة.

ذهل عقلها وشرد منها، خرجت سريعاً من الشقة، وقبل أن تنزل باقي درجات السلم كانت تقابلها همس صاعدة. نظرت له وقال بصوت أرعب همس: "همس! ارتعبت همس وسابت أعصابها ولم تعد قادرة على الوقوف على ساقيها، تركت جسدها دون إرادة منها يسقط، تدحرجت فوق درجات السلم إلى أن بقيت أسفل السلم، أمام ساقي كارم ابن عمها، الذي ارتجف قلبه بشدة وهو يرى همس تنزف من فمها وهناك نزيف آخر أسفلها.

تحدث بصوت عالٍ نسبيًا مما جعل والدته هي الأخرى تأتي للمكان، بينما انخضت نهلة ونزلت سريعًا لها لكن للحظة تذكرت ذاك الاختبار التي رأته، تحجرت الدموع بعينيها، وربما تحجر قلبها أيضاً للحظات قبل أن تأتي هداية هي الأخرى ورأت همس قد استسلمت وغابت عن الوعي، قالت برجفة: "أنتم واقفين تتفرجوا عليها، هُم بسرعة شيلها يا كارم وعلى المستشفى بسرعة، دي عايمة في دمها."

بالفعل حملها كارم وخرج سريعًا، ذهبت خلفه كل من قدرية ونهلة الذي تشعر بقلبها الذي يكاد ينفجر من بين ضلوعها. بعد قليل بالمشفى كان كارم، ونهلة وقدرية يقفون أمام باب إحدى الغرف، كانت نهلة تخشى أن يخرج الطبيب ويفتش أمر همس أمامهم، فقالت لهم: "روحوا أنتم للبيت، مفيش داعي تبقوا هنا، أنا هنا معاها." في البداية عارض كارم، لكن قدرية كانت تريد المغادرة، لكن لتبقى من باب الرياء لا أكثر.

ألحت عليهم نهلة كثيراً، حتى حين أتى ناصر متلهفًا عليهم كأنها وجدت الراحة وقالت لهم: "أهو ناصر جه، مالوش لازمة بقى وجودكم كثر خيركم." لكن القدر السيئ، أن يخرج الطبيب من الغرفة في ذلك الوقت. تحدث كارم للطبيب سريعًا: "خير يا دكتور." رد الطبيب: "خير إنشاء الله، هي عندها كسر في إيدها الشمال والدكتور جبسه وكمان شوية ردود في جسمها وجرح صغير في جبينها خدت خمس غرز، بس للأسف مقدرناش ننقذ الجنين."

كان على رؤسهم الطير ناصر، كارم، قدرية، بينما نهلة أغمضت عينيها بحسرة كبيرة. تحدث كارم بتوهان: "جنين مين حضرتك يا دكتور." رد الطبيب: "للأسف المدام كانت حامل في حوالي شهر والوقعة أثرت عليها والجنين نزل." هذه المرة تحدث ناصر بألم جاسم على قلبه وقال: "متأكد يا دكتور." رد الطبيب: "أيوا متأكد.. بس ليه مستغربين إنها كانت حامل هي... قاطعت قدرية الطبيب وقالت: "أبدا مش مستغربين يا دكتور، بس الصدمة." رد الطبيب:

"على العموم ربنا يعوض عليها هي شكلها لسه صغيرة وقدامها الفرص كتير، هي دلوقتي هتطلع من أوضة العمليات لأوضة عادية تشرفنا يومين وبعدها تخرج بالسلامة إنشاء الله." الصدمة مدوية للعقل، كيف كانت همس حامل ومن من؟ كيف فعلت ذلك؟ للحظات تمنت نهلة أن تخرج همس من تلك الغرفة حية، ليتها ماتت. لكن ناصر كل ما يقهرهُ كيف فعلت همس هذا لمن سلمت نفسها ولما فعلت ذلك به، هو لا يستحق منها هذا الإذلال، أجل إذلال فهي فرطت في شرفها.

قدرية يكاد قلبها الأسود يقفز من السعادة، فهي حقودة تتمنى السوء للجميع. بينما كارم يود الفتك بهمس كيف سلمت نفسها لغيره. أجل هو كان يعشقها منذ الطفولة كان يراها ملاكًا خُلق له، بسمتها له كانت تزيد عشقه لها، كان ينتظر أن تُنهي تعليمها وكان سيخبرها كم هو يعشق حتى همسها، لكن ضاع كل شيء، بنى عشقه لها على سراب أقل رياح أطارته في الهواء. بعد مرور يومان بمنزل العراب.

كان الجميع مصدوم ومقهور من همس التي اختارت الصمت، رغم إلحاح الجميع عليها بالبوح بما حدث لها، لكن ماذا تقول، هي تدنست وفقدت روحها، أصبحت جسدًا خاويًا، لما لم تمت لكانت استراحت من هذا العذاب، ومن نظرات من حولها التي تقتلها. بغرفة المكتب كان الشيطان يقف على هيئة امرأة، وهي قدرية التي قالت بوسواس: "همس دي لو بتي لكنت فرغت فيها رصاص المسدس كله وخلصت من عارها، دي حتى مش عاوزة تتكلم وتقول مين اللي غلطت معاه الخاطية."

تعصبت هداية وقالت لها: "إسكتي يا قدرية." ردت زهرة كالحرباء تنفخ في النيران: "كلام مرات خالي صح يا جدتي، ماهي لو مش خاطية، تقول غلطت مع مين يمكن نقدر نجيب حقها منه ونصحح الغلط ده، ونجوزها له... إنما دي ساكتة ليه؟ تعصب النبوي وكذا ناصر، أصوات عالية بالمكان، لكن صمتت تلك الأصوات بعد صوت إطلاق رصاص. نظر الجميع باتجاه الصوت صدموا وذهلوا جميعاً بتلك الراقده أرضًا تنازع الحياة.

صرخت سلسبيل التي أتت وجثّت لجوارها، وخلعت طرحتها تضعها فوق قلب همس النازف، لكن كلمة واحدة قالتها همس بهمس لم يسمعها سوى اثنان، كارم وسلسبيل هما اللذان كانا جوارها بآخر نفس لها، كانت الكلمة... "أنا مش خاطية".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...