بأحد الموالد الشعبية، كانت همس تجلس جوار كارم بين الجموع. تستمتع لحكاية ذلك الراوي الذي يسرد إحدى حكايات الخيال. على صوت ربابته وشجن عازف الناي، اندمجت مع الحكاية، رغم أنها تعرف أنها خيالية. تبسمت حين قص الراوي نهاية الحكاية أن أبطال الخيال في النهاية اتحدوا وأصبحوا قصص للعشاق تتناقل بين الألسنة.
بعد أن انتهى الراوي، نهض كارم واقفاً، يمد يده لـ همس. نظرت همس ليده للحظة، فكرت مد يدها له لكن تملك منها شعور الرهبة. نهضت واقفة جواره.
شعر كارم بغصة في قلبه من عدم مد يد همس له. همس، ما زالت تلك الفوبيا متملكة منها. يتمنى أن تنتهي تلك الرهبة التي لديها، وتعود همس كسابق عهدها حين كانت ودودة مع من حولها. جذب يده، وسار جوار همس بوسط الزحام. كانت همس تتجنب المارة جوارها، إلى أن خرجوا خارج ذلك المكان وساروا بزحام المولد نفسه. توقفوا أمام أحد الباعة الجائلين بالمولد. تبسم كارم يقول: خلينا نشتري حمص. تبسمت همس وأومأت برأسها بموافقة.
رغم أن كارم لم يرَ من وجه همس سوى عينيها، لكن شعر بسعادة من بسمة عينيها. وقال للبائع: عاوزين حمص يكون متحمص كويس ومش مغشوش. تبسم البائع له ومد يده له بحِفان من الحمص قائلاً: خد يا بيه دوق العروسة وخليها تحكم بنفسيها. أنا عندي عرايس كده زيها ومبحبش الغش عشان ربنا يباركلي فيهم.
تبسم كارم وأخذ من البائع الحِفان، ثم مد يده بتلقائية لهمس به. ترددت همس كثيراً أن تمد يدها، لكن نظرت للتاجر ورأت وجهه البشوش. مدت يدها وأخذت الحمص من يد كارم. تبسم كارم لها. نظر للبائع: وزّن لي خمسة كيلو لوحدهم واتنين لوحدهم، بس من نفس الكوم اللي أديتني منه.
تبسم له البائع وقام بوزن ما طلبه منه، وأعطاه له. سأله كارم عن الحساب. أعطى له البائع الثمن. أخرج كارم حافظة ماله وأعطى للبائع ثمن ما قال، لكن بزيادة عن المبلغ المطلوب، وحمل أكياس الحمص وسار. لكن، قال له البائع: لسه الباقي بتاعك يا بيه؟ تبسمت همس وقالت له: الباقي عشان بناتك، ربنا يبارك لك فيهم. تبسم البائع وقال: ربنا يبارك لك في جوزك يا ست ويرزقكم من واسع. تبسم كارم وقال: يارب.
بينما همس شعرت بنغزة وجع في قلبها وسارت صامتة، تأكل من حبات الحمص التي أعطاها لها كارم من البداية. كانت همس تتجنب الزحام إلى أن خرجوا من المولد. وساروا بالطريق يتسايرون بمرح. تحدثت همس قائلة: من زمان ما خرجتش ولا روحت موالد. كنا بنروح مع بابا أوقات واحنا صغيرين، بس لما كبرنا ماما بقت ترفض بسبب زحام الموالد. بس عجبني قصة الراوي، رغم إني عارفة خيالية ومش معقول تحصل في الواقع. تبسم كارم يقول: وليه مستحيل تحصل في الواقع؟
تبسمت همس تقول: لأن مستحيل حورية البحر تعشق صيادها... وهو أسرها في البداية بين شبكته، وكان ممكن يتسبب في موتها. تبسم كارم يقول: فعلاً الصياد في البداية أسر الحورية بين شبكة صيده، بس لما سمع صوت غناها الحزين، وقع في عشقها، وحررها من الشبكة وجابلها المية قبل جلدها ما يتشقق وتموت، وهي كمان لما شافت اهتمامه بها نسيت أنه أسرها في شبكته. تعرفي القصة دي بتفكرني بمين؟ ردت همس بسؤال: بمين؟ قماح وسلسبيل. تعجبت همس قائلة: مين!
قماح وسلسبيل؟ رد كارم: أيوا قماح وسلسبيل. متأكد قماح عنده مشاعر قوية ناحية سلسبيل بس بيخفي ده خلف بروده، بس نظراته لـ سلسبيل واضحة جداً ومن زمان كمان، بس معرفش ليه ما اتجوزهاش هي من الأول؟ يمكن عشان سلسبيل نفسها مش واخده بالها من النظرات دي. تبسمت همس تقول:
تعرف لما عمي قال لي إن سلسبيل هتتجوز من قماح في البداية ما صدقتش، مستحيل سلسبيل طول الوقت بتتجنب قماح، وبتقول عليه عنجهي وهوائي. بس شوف نصيبها تتجوز منه. فعلاً سلسبيل زي الحورية اللي كانت في حكاية الراوي، بتمنى تحب قماح زي الحورية ما عشقت صيادها كده. تبسم كارم يقول: الوقت بيغير كل شيء. وصلنا للجراج اللي كنت راكن فيه العربية قبل ما ندخل المولد. خليني أوصلك مع إني مش عاوز أفارقك، بس الوقت بدأ يتأخر.
تبسمت همس له وصعدت إلى السيارة. بعد قليل توقف كارم بالسيارة أسفل تلك البناية التي تعيش فيها همس. نزلت همس من السيارة، لكن قبلها قالت لكارم: شكراً ليك يا كارم، كانت فسحة حلوة. نزل كارم من السيارة خلفها وحمل أحد الأكياس وقال لها: نصيبك من الحمص اللي اشتريناه، خليني أوصلك لحد باب الشقة. ماله... قاطعها كارم يقول: مش هطمن عليكي غير لما تدخلي الشقة قدامي.
تبسمت همس له وصعد الاثنان بالمصعد الكهربائي. لوهلة شعرت همس بالخوف من بقائها بمكان ضيق مع كارم، لكن مثلت الهدوء إلى أن وصل المصعد أمام الشقة الخاصة بها. مد كارم يده لها بالكيس قائلاً: تصبحين على خير يا هاميس. تبسمت همس، وفتحت باب الشقة ودخلت وهي ترد عليه: إنت من أهله يا كارم. متنساش تدي لهدى حمص واتوصى، دي بتحبه قوي. تبسم كارم يقول:
عارف هدى وسلسبيل الاتنين بيحبوه، وأنا جايبه لهم أصلاً، بكفر عن سيئاتي اللي كنت بعملها في سلسبيل واحنا صغيرين لما كنت بكسر لها تماثيلها. تبسمت همس تقول: فعلاً سلسبيل كانت بتزعل منك بس عمرها ما كرهتك، عكس البارد حماد ابن عمتي عطيات، كنا بنكرهه إحنا التلاتة، كان غاوي غلاسه وبرود. تبسم كارم يقول:
بس أنا ما كنتش ببقى قاصد أكسرهم لها، أنا كنت بحب أفضل معاكي أطول وقت، وأنتم التلاتة كنتم بتتجمعوا طول الوقت في الأتيليه بتاع سلسبيل، فكان اللي بيحصل غصب، أو تقدر تقول لي لفت نظر. تبسمت همس بحياء وقالت: تصبح على خير يا كارم، الوقت اتأخر وممكن الجيران يفهموا وقوفك كده غلط.
تبسم كارم وتوجه نحو المصعد. بداخله كم يود أن يرى وجه همس التي تخفيه خلف ذلك النقاب، وكم يود البقاء معها. أخذ قرار، لابد أن يتزوج همس بأقرب وقت، وتكمل علاجها وهي معه. دخلت همس إلى الشقة وأغلقت الباب، وقفت خلف الباب تتنهد بقوة. كارم يستحق أفضل منها، هي الحية الميتة بنظر الجميع. حقاً هي اختارت ذلك، لكن هل هناك مفر آخر لما مرت به؟
بقائها ميتة بنظر الجميع أفضل من أن تبوح بسرها وتقول لهم أن من اغتصبها أخذ لها مجموعة صور وربما سجل شريط فيديو لها. تخفي وجهها خوفاً من عيون البشر، لكن ليس للقلب لجام. فلت اللجام منها كارم، التي سابقاً كانت تعرف أنه يحبها، وهي كان لديها مشاعر. إعجاب لقماح، ظنتها أنها كانت حب، لكن كانت مخطئة، مشاعرها مختلفة ناحية كارم. لكن هو يستحق الأفضل منها. *** بغرفة النوم. مازالت نائمة بظهرها على الفراش.
وجع جسدها الذي تشعر به لا شيء جوار وجع روحها التي أحرقها قماح. كانت تلك آخر نقطة تجعلها تتأكد أنها تبغضه. لا داعي للإهانة أكثر من ذلك. حسمت قرارها. استدارت برأسها تنظر لـ قماح وكادت تقول: طلـ... صمتت لم تنطق باقي كلمة الخلاص بالنسبة لها، حين وقع بصرها على وجه قماح الذي يتصبب عرقاً، واصبغ ببعض الاحمرار، يقاوم كي يفتح عينيه. ليس هذا فقط، بل يهلوس ببعض الكلمات.
حتى إن كنت غاضب ممن أمامك في لحظة، تتحكم بك إنسانيتك التي لم تفقدها بعد رغم قساوة أفعاله معك. برغم ألم جسدها، إلا أنها تحاملت على نفسها ونهضت تضع يدها فوق جبين قماح. جبينه مرتفع الحرارة للغاية، هو محموم.
أزاحت سلسبيل عنها غطاء الفراش ونهضت سريعاً ترتدي ذلك الإسدال مرة أخرى. خرجت من الغرفة بل من الشقة. لا تعرف كيف نزلت درجات ذلك السلم. دخلت مباشرةً إلى غرفة هداية، وأشعلت الضوء وتوجهت إلى فراشها. حاولت توقظها بهدوء حتى لا تفزعها. مدت يدها على كتف هدية، تناديها بهدوء. استجابت لها هدية سريعاً وصحت تقول: سلسبيل الساعة كام؟ أنا إزاي جت عليا نومة عمرها ما حصلت. هو الفجر أذن ولا إيه؟ ردت سلسبيل:
لأ لسه بدري عالفجر يا جدتي، بس قماح رجع من شوية، وفجأة تعب. أزاحت هدية غطاء الفراش سريعاً ونهضت من على الفراش حسب قدرتها وقالت بلهفة: خير أيه اللي حصل له؟ ساعديني يا بتي هات لي الجلابية بتاعتي اللي متعلقة هناك دي... آتت سلسبيل بتلك الجلابية لـ هدية، وساعدتها على ارتدائها وخرجن الاثنتين من الغرفة. تصدعان إلى شقة سلسبيل. كانت سلسبيل تساعد هدية في الصعود، تمسك يدها.
بعد دقائق معدودة، دخلن إلى الشقة منها إلى غرفة النوم. نظرت هدية نحو الفراش، كان أكثر من نصف جسد قماح عارٍ. الغطاء يستر خصره فقط. أخفضت بصرها وقالت: استري قماح يا بتي. دخلت سلسبيل وآتت بسروال وتيشيرت منزلي وألبستهم لقماح ثم شدت الغطاء على جسده. حين وقفت دخلت من خلفها هدية. نظرت له برجفة في قلبها. من خبراتها السابقة علمت سبب ارتفاع حرارة جسده وتعريقه وهلوسته بهذا الشكل. أخرجت من جيب جلبابها مفتاح وقالت لـ سلسبيل:
خدي انزلي افتحي آخر ضلفة في دولابي وهتلاقي مفتاح كبير في الصندوق بتاعي هاتيه وكمان هتلاقي شال أبيض في نفس الضلفة بس فوق شوية هاتيهم وتعالي بسرعة. أخذت سلسبيل المفتاح من يد هدية. بظرف دقيقة كانت عادت إلى هدية بمفتاح معدني كبير الحجم يشبه مفاتيح البيوت الأثرية القديمة ومعها ذلك الشال الأبيض. أعطتهما لهدية، تقول: المفتاح والشال أهم يا جدتي.
أخذت هدية الشال أولاً ولفته حول رأس قماح، ثم أخذت المفتاح ووضعته بمنتصف جبهة قماح، وعقدته بالشال وقامت ببرمه بلفات دائرية بإحدى يديها. واليد الأخرى كانت تقوم بتدليك عنق قماح من أسفل وصولاً لبداية ذقنه. ظلت تفعل هذا لدقائق، حتى شعرت ببداية زوال الحرارة عن قماح. تنهدت براحة، قائلة: الحمد لله الحرارة زالت عنه شوية. وضعت سلسبيل يدها فوق جبهة قماح وقالت: لأ دي زالت كتير. تنهدت هدية قائلة:
طب ساعديني بقى ناخد قماح نحط راسه تحت المية شوية. ردت سلسبيل: قماح شكله بدأ يرجع لوعيه شوية خليكي مرتاحة يا جدتي وأنا هساعده يدخل الحمام. قالت سلسبيل هذا وتحدثت لقماح: قماح لو قادر حاول تسند عليا وقوم معايا. رغم أن قماح مازال يشعر بالتوعك، لكن وضع يدهُ على كتف سلسبيل ونهض معها بضعف. سندته أيضاً هدية مع سلسبيل إلى أن دخلت سلسبيل به إلى الحمام. تحدثت هدية: نزلي مية ساقعة على جسمه يا سلسبيل.
بالفعل فتحت سلسبيل المياه الباردة، لتنسدل على جسد قماح، الذي شعر برعشة قوية حين نزلت المياه الباردة على جسده، لكن بعدها شعر ببعض من الراحة. نظرت لهما هدية وقالت: كفاية كده تحت المايه، نشفي جسمه وأنا هجيب لكِ له هدوم من الدولاب. بالفعل نشفت سلسبيل جسد قماح، وأخذت تلك الملابس من يد هدية، وساعدته في ارتدائها. من ثم ساعدته في الخروج من الحمام، إلى أن عاود التمدد على الفراش يغمض عينيه مرة أخرى... مستسلماً لتلك الغفوة.
انخضت سلسبيل، لكن تحدثت هدية: متخافيش قماح جسمه قوي، وهيجامل. تعجبت سلسبيل قائلة: هيجامل إيه؟ أنا هنزل أقول لبابا يطلب دكتور لقماح ده غمض عينيه... وشكله لسه عيان والحرارة شكلها هترجع تاني. تبسمت هدية رغم قلقها على قماح من لهفة سلسبيل وقالت لها: (ضربة شمس)
يا بتي مش صداع عادي، بس أنا خلاص أخدت الشمس من راسه، دي حرارة عادية، بالكمادات هتروح. روحي هاتى صحن بلاستيك صغير فيه شوية مية وحطي فيه حتتين تلج، ومعاهم شوية خل ومتخافيش، قماح هيبجى زين بإذن الله الشافي. امتثلت سلسبيل لقول جدتها وآتت بطبق بلاستيكي صغير به ماء وقطع ثلج ممزوج بالخل، وأعطته لها. أخذته هدية وقامت بوضع ذلك الشال بالماء المثلج وقامت بعصره ووضعه على جبين قماح، وقالت لـ سلسبيل:
روحي يا بتي غيري هدومك المبلولة دي لا تمرضي إنت كمان، وأنا هنه قاعدة جار قماح على ما تعاودي. أومأت سلسبيل لها وذهبت إلى الدولاب، أخذت بعض ملابس لها ودخلت إلى الحمام. خرجت بعد قليل تنظر لقماح. تبسمت لها هدية قائلة: هيجي كويس متجلجيش، تعالي اجعدي جاري عالسرير لما الشال ينشف بليه من المية تاني، أنا هقوم اتوضى وأصلي قيام الليل، وأدعي له بالشفا... وليكي براحة البال. أومأت سلسبيل رأسها لها تقول: حرمًا يا جدتي.
نهضت هدية وتركت سلسبيل تجلس جوار قماح على الفراش. نظرت لوجهه الذي بدأ يعود لطبيعته قليلاً. لأول مرة بحياتها تتأمل ملامح قماح، لاحظت ذلك النمش الخفيف حول أنفه ووجنتيه، يعطيه وسامة. ملامحه تبدو هادئة، لكن قارن عقلها بين ملامحه الهادئة وقسوته الذي يمارسها عليها طول الوقت. بالتأكيد ليس عليها فقط، هي رأته يصفع زوجته السابقة ويتعامل بحدة. بتلقائية منها، أخذت الشال وبللته بالمياه ووضعته على جبهته مرة أخرى. ودون شعور منها سارت يديها تمسد خصلات شعره الرطبة.
أما هو، كان يسبح في خياله، يشعر أن النور انطفئ أمامه فجأة يسير بطريق معتم. لم يختار. يتمنى أن يعود الزمن لوقت أن كان هذا الطفل بالعاشرة من عمره. رافقت خياله صورة والداته. تذكر كثير من المواقف له معها، والذكرى التي تركزت بعقله هي تلك الأمنية التي لم تحقق وليتها ما تحققت وظلت والداته على قيد الحياة يتمتع بحنانها الذي حُرم منه باكرًا.
أثناء دخول قماح ورباح إلى المنزل عائدين من المدرسة، اندفع رباح وهو يدخل خلف قماح وكاد يقع بأرضية الحديقة، لكن ساند بيديه على قماح الذي لم يتنبه وتزحلق بأرضية الحديقة المبلولة بسبب هطول أمطار غزيرة. رغم سخر منه رباح وقتها وضحك عليه، وتركه ولم يمد يده له يساعده على النهوض،
بل قال له: أحسن يا ريت رقبتك كانت انكسرت. لم يبكِ لكن الكلمة تركزت بعقله الصغير. أخيه يكرهه دون سبب. نهض من على الأرض أصبحت ملابسه ملوثة بالطين. دخل إلى المنزل ينادي على والدته. التي آتت تحمل طفلة صغيرة بين يديها. نظرت له بفزع تتحدث العربية لكن بكلمات صعيدية مكسرة اكتسبتها من عشرتها في دار العراب السنوات الماضية قائلة: قماح أيه اللي جرى لك. بتلقائية طفل قال: رباح زقني وهو داخل للدار.
ردت كارولين: طب معلش تعالي معايا للأوضة أغير لك هدومك. تبسم لها وسار خلفها، وضعت تلك الصغيرة التي كانت تحملها على فراش غرفة قماح، وأتت بملابس نظيفة لقماح ووضعتها
بجوارها على الفراش وقالت: يلا ادخل استحمي ونضف نفسك من الطين ده وتعالى هنا البس هدومك عشان مش تتبل ميه من الحمام. تبسم لها ودخل للحمام، اغتسل وخرج بعد قليل يرتدي مئزر قطني صغير مناسب له. نظر لها وهي تداعب تلك الصغيرة قائلاً: ماما أنا نفسي يبقى لي أخوات زي رباح كده. تبسمت له قائلة: رباح يبقى أخوك الكبير واخواته يبقوا أخواتك وكمان البيبي الصغير اللي في بطني هيبقى أخوك أو أختك زيهم بالظبط.
رد قماح: لأ يا ماما رباح واخواته مش بيحبوني، ورباح مش بيرضى يلعبني معاهم حتى في المدرسة أوقات بيخلي أصحابي مش يلعبوا معايا، ويقولهم ده ابن الأغريقية مش أخويا. مسدت كارولين على شعر رأسه بحنان قائلة: متزعلش نفسك، بكرة سلسبيل تكبر وتلعب معاها، شوف أهي بتضحك لك. نظر قماح لـ سلسبيل وقال: مش يمكن سلسبيل تبقى زي رباح ومترضاش تلعب معايا، أنا هستنى لما تجيبي أخويا او اختي والعب معاهم.
تبسمت كارولين له: طب يلا البس هدومك لا تبرد. تبسم قماح ونظر لـ سلسبيل التي تحملها كارولين قائلاً: غمضي عينك يا سلسبيل، عيب أما تشوفي راجل عريان. تبسمت كارولين على بسمة تلك الصغيرة، وتمنت أن يرزقها مثلها. لكن كان للقدر رأي آخر، أنجبت فعلاً فتاة، لكن فارقت الحياة بسبب ولادتها المبكرة قبل ميعادها. وليس فقط هي من فارقت، بعدها فارقت والدته هي الأخرى متأثرة بحمى نفاس. ليسير بعدها في درب من الحرمان.
فاق من هلوسته حين شعر بيد تمسد على خصلات شعره. للحظة ظن أنها يد والدته، فتح عينيه للحظات، لكن رأى وجه آخر غير أمه، وجه سلسبيل! سلسبيل هي من تمسد على خصلات شعره. أغمض عينيه سريعاً لا يريد أن تعلم سلسبيل أنه يشعر بها. انتبهت سلسبيل لعودة جدتها فشالت يدها من على رأس قماح. لاحظت هدية ذلك وتبسمت دون حديث. نهضت سلسبيل من جوار قماح وقالت: حرارة قماح تقريباً زالت يا جدتي. تبسمت هدية قائلة: عالصبح إن شاء الله هتزول خالص.
تبسمت سلسبيل وقالت: تعبتك يا جدتي، وصحيتك من النوم، وإنا عارفة إنك مش بتحبي تسهرى. ردت هدية: ده قماح يا سلسبيل متعرفيش غلاوته عندي جد إيه، ربنا يتم شفاؤه. ردت سلسبيل: وأيه سر غلاوة قماح بقى عندك نفسي أعرف.
تثائبت هدية قائلة: هقولك بس بعدين مش دلوقتي، دلوقتي، أنا عضمة كبيرة ومش جد إني أسهر اعتني بقماح، هسيبلك المهمة دي، هو جوزك وانتي استر وأولى برعايته. هنزل مقعدي، اتمدد عليه، بس مش هنعس خلاص جربنا عالفجر الأول، هسبح ربنا. ردت سلسبيل: نزول السلم هيتعبك يا جدتي، في هنا أوضة نوم تانية، مددي جسمك على السرير فيها، وكمان ممكن الحرارة ترجع تاني. تبسمت هدية بموافقة. قالت سلسبيل: خليني آخد يدك للأوضة ترتاحي يا جدتي.
تبسمت هدية قائلة: تسلمي يا بتي، ربنا ياخد بيدك ويرزقك بالخير على الدوام. هما ساعتين لحد نور ربنا ما يسطع، وقماح هتزول الحرارة من عليه. ربنا ما يرجد له جثة.
صمتت سلسبيل وذهبت مع جدتها لغرفتها. وعادت مرة أخرى لغرفة قماح. نظرت له تبسمت على حالها. كيف قبل ساعات كانت تود الطلاق ومازالت تود ذلك، لكن كيف تطلب هذا وهو مريض، والأدهى من ذلك هي من تجلس جواره في مرضه. هي فقط تشفق عليه لا أكثر هذا ما فسره عقلها. تمنت أن يأتي الصباح. ربما مثلما قالت هدية، أن قماح سيستعيد جزء صحته صباحاً. ربما شفاؤه السريع يعطيها فرصة للتخلص من هذا الزواج سريعاً. لا داعي للمماطلة أكثر.
بالفعل أتى صباح جديد. دخل النبوي إلى غرفة والداته تعجب حين لم يجدها. سأل إحدى الخادمات عنها فأخبرته: أنها استيقظت ولم تجدها بغرفتها. تعجب النبوي لذلك. في ذلك الوقت دخل ناصر يسأل عنها أيضاً، تعجب من رد الخادمة. تحدث النبوي يقول: وأمي صحيت بدري كده وراحت فين. كاد ناصر أن يقول له لا يعلم ولكن تذكر وجه قماح ليلة أمس. فقال: قماح امبارح بالليل رجع وشكل وشه كان تعبان ولما سألته قالي إنه كويس. تفتكر...
إنخض النبوي قائلاً: قصدك إيه بشكل وشه؟ أنا هطلع أطمن عليه. رد ناصر: خدني معاك. بالفعل صعد الاثنان خلف بعضهم، وتركوا تلك الحقودة قدرية التي سمعت حديثهم، فزاد الغل في قلبها تتمنى الأسوأ لقماح، قائلة بتهكم: جلبك حنين جوي يا نبوي لو واحد من ولادي ما كنتش هشوف عليه الخضة دي، بس طبعاً ده ابن الأغريقية اللي خطفت جلبك. ياريت قماح كان سبقها للموت. فتحت سلسبيل باب الشقة ليتحدث النبوي قائلاً: قماح فين؟ هو بخير.
تبسمت سلسبيل: قماح بخير يا عمي، جدتي داوته. دخل النبوي سريعاً إلى الشقة إلى داخل غرفة النوم، تبسم براحة، وهو يرى هدية تجلس جوار قماح، تمسك كوب تسقيه منه قماح الذي تماثل للشفاء. تبسم النبوي وقال: صباح الخير يا أمي، سلامتك يا قماح. تبسم ناصر هو الآخر قائلاً بعتب: ليه يا ولدي، لما كنت تعبان امبارح جلت إنك زين، شكلك كان باين، بس خال عليا، ربنا يتم شفاك. تبسم قماح لعمه بود.
بينما قالت هدية: دي كانت ضربة شمس وربنا لطف، شكله كان بيوقف في الشمس كتير اليومين اللي فاتوا، وشه اسود شوية، بس لسه حلو زي ما هو، حتى السمار زاده حلاوة. تبسم النبوي يقول: مالهم السمر يا أمي وبعدين هو بنته عشان نقول أبيض ولا أسمر ده راجل ومن عيلة العراب، حفيد الحاجة هدية.
تبسمت هدية وقالت: وجوز بت ناصر العراب، زينة البنتين. تبسمت سلسبيل داخلها تتهكم، كم تود إنهاء هذا الزواج في أقرب وقت، لكن بحديث هدية مع ولديها، يبدو أن الأمر أصبح مؤجل إلى وقت آخر. *** بعد مرور عدة أيام. صباحًا. تحدثت همس على الهاتف مع طبيبتها وقالت: أنا تعبت من السر اللي شايلاه جوايا، أخدت قرار وخلاص هحكي اللي حصل معايا. *** ظهراً.
نظرت زهرة إلى تلك الدماء التي تسيل منها. تبسمت بمكر ثعالب. هذا اليوم ستنهي كذبة حملها، وتكسب تعاطف الجميع معها. ادعت الألم واتصلت على رباح، الذي رد عليها قالت له: أنا تعبانة قوي يا رباح، واتصلت عالدكتورة وقولت لها على وجعي قالت لي تعالي لي العيادة، واتصلت على أمي وقولت لها هفوت آخدك نروح للدكتورة. رد رباح بخوف وخضة: قولي لي عنوان الدكتورة وأنا أقابلكم على هناك.
ردت زهرة: لأ خليك إنشاء الله خير، يمكن مغص ويعدي، ماما معايا ولو حصل حاجة هتتصل عليك. رد رباح: طيب خدي عمتك معاكم للدكتورة. ردت زهرة: لأ بلاش عمتي، ماما كفاية، أنا ما كنتش هتصل عليك أقلقك، بس قولت أقولك عشان هخرج محبش أخرج من دون علمك. رد رباح: طيب ابقي ردي على اتصالي.
تبسمت زهرة وقالت: حاضر يا حبيبي خير انت ادعي لي، يلا بالسلامة. أغلقت زهرة الهاتف، ورمته على الفراش تبتسم بظفر وراحة، ستنهي هذه الكذبة قبل أن تفضحها هدية التي تشعر أنها لديها شك بحملها، وكثيراً ما تلمح لذلك. *** بعد العصر بقليل. بمنزل العراب. دخلت سلسبيل إلى غرفة جدتها وجدتها تختم الصلاة. تحدثت: حرمًا يا جدتي تقبل الله.
تبسمت هدية قائلة: جمعاً يارب. تعالي اجعدي جانبي يا سلسبيل بت حلال كنت هخلص صلاة وهبعت أنده لك، عاوزاكي. جلست سلسبيل أرضاً جوار هدية. وقالت: خير يا جدتي. ردت هدية وهي تضع يدها على رأس سلسبيل تمسدها بحنان: خير يا بتي. كنت عاوزة أسألك على حالك مع قماح. ارتبكت سلسبيل قائلة: حالي معاه كيف يعني؟ تبسمت هدية وقالت: قماح بيعاملِك زين ولا..... ازدرت سلسبيل حلقها وقالت بخفوت: زين بيعاملني زين. نظرت هدية لعين سلسبيل واستشفت
عكس ما تقوله سلسبيل وقالت: طب مالك بتجوليها بصوت واطي كده. ليه حاسة زي ما يكون مفيش بينك وبين قماح وفاق (وفاق) ارتبكت سلسبيل وكادت تكذب على هدية. لكن هدية قالت لها: هجولك يا بتي كلمتين أمي جالتهم لي زمان لما اتجوزت جدك الله يرحمه. جالت لي يا بتي إحنا الحريم "مصاطب الذل". نظرت لها سلسبيل بعدم فهم وقالت: مش فاهمة تقصدي إيه يا جدتي. عاوزاني أذل نفسي لـ قماح!
ردت هدية بنفي: طبعاً لاه ما عاش ولا كان اللي يذل فرد من أحفادي لا البنين ولا البنات. هجولك يا بتي أمي كان قصدها إيه؟
كان قصدها إننا الحريم اللي بنحتوي راجلنا ونجدم له الراحة حتى وإحنا مش قادرين نقول لاه. بس ده مش معناه إننا ضعاف لاه ده جوه لينا. الست لازم تكون زي السفنجة لجوزها. تيجي غضبه وعصبيته وتبلعها تتشربها كيف ما تتشرب السفنجة الميه. الراجل مهما كانت قوته الست تقدر تحول قوته دي لضعف قدامها. يمكن ما وعيتيش على جدك رباح الله يرحمه، كان فيه خصال كتير من قماح. بس أنا سويت كيف ما أمي وصتني واتحملت طبعه الجاسي في الأول لحد ما لان
وبقى كيف الميه البيضة لونِت معاه العيشة. محدش كان يعرف بيننا إيه حتى ولادنا اللي معانا في الدار. إني خابرة قماح طبعه جاسي جوي يمكن بزيادة عن جدك، يمكن بسبب إنه اتربى بعيد عنينا مع الولية جدته الأغريقية لأكتر من ست سنين لما رجع لأهله كان عمره عدى سبعتاشر سنة يعني كان بقى راجل. وفعلاً كان راجل. قماح طول عمره راجل من وهو صبي صغير. مشاء الله عقله سابق سنه.
ردت سلسبيل بتهكم: آه عقله سابق سنة حتى عدد جوازاته. في خمس سنين اتجوز تلاتة والله أعلم لسه إيه اللي هيحصل. يمكن يجيب الرابعة كمان. ردت هدية: دي في يدك وبشطارتك انتي تخليه ميفكرش غير فيكي وبس ويزهد صنف الحريم من بعدك. تهكمت سلسبيل: وده هيحصل إزاي؟ هسحره إياك. تبسمت هدية قائلة: في يدك اللي أقوى من السحر. العشق. العشق يا بتي أقوى من السحر. خلي قماح يعشقك ووقتاها هتلاقي جسمه بقى حنين.
سخرت سلسبيل قائلة: يعشقني. هو قماح يعرف العشق. على يدك جوازته الأولى كانت من زميلته في الجامعة قال بيحبها واتجوزها وقبل ما تمر سنة كان مطلقها. حتى التانية كانت بنت تاجر من اللي بيتعامل معاهم وشافها ودخلت مزاجه واتجوزها ونفس الشيء حصل قبل سنة طلقها. قماح أسهل شيء عنده الطلاق. هو بيتسلى شوية باللعبة اللي في إيدك وبعد ما يزهق منها بيكسرها. وقبل السنة هفكرك يا جدتي هيعمل معايا نفس الشيء ويطلقني. أنا ما كنتش موافقة عالجوازة من الأول بس أنتم اللي غصبتوا عليا بسبب.
صمتت سلسبيل تكبت تلك الدمعة التي تحرق عينيها. لكن تنهدت هدية بألم وقالت: اللي حصل كان مكتوب وجوازك من قماح كمان كان مكتوب. وأنا مستحيل اسمح إن قماح يطلقك أبداً طول ما أنا عايشة. ردت سلسبيل بتهكم: تفتكري صعب عليه يا جدتي لما يزهق مني؟ حتى لو مطلقنيش سهل يتجوز عليا وأعيش ضايعة زي مرات عمي.
ردت هدية: انتي مش زي مرات عمك بلاش تقارني نفسك بيها. انتي عندك عقل وقلب عنها. وقماح مش زي النبوي. طب تعرفي إن الاتنين اللي طلقهم نفسهم لحد دلوقتي يرجعوا تاني لعصمته حتى لو بقوا ضراير. سخرت سلسبيل قائلة: على إيه عاوزين يرجعوا لعصمته تاني؟ والله دول يحمدوا ربنا إنهم بعدوا عنه. ردت هدية: هما مابعدوش عنه بخطرهم. لو بخطرهم عمرهم ما كانوا بعدوا عنه. لسه عاشجينهُ. تهكمت سلسبيل تقول: عاشجينهُ. جايز برضو.
فجاءت هدية سلسبيل وقالت: وأنتي كمان بكرة تعشقيه يا سلسبيل. وفي يدك تخليه عينيه متشوفش ولا عقله يفكر في حريم غيرك. افتحي جلبك له. تهكمت سلسبيل تفكر في داخلها تقول لنفسها:
وددت لو تصرخ وتقول لهدية: أي قلب عاوزاني أفتحه له وهو مفيش مناسبة غير وبيجيب سيرة أختي وبيحسسني إنه اتفضل ومن عليا لما قبل يتجوزني. ده غير كرهي لعنفه معايا. أنا بكرهه وبكره إنه يقرب مني أو يلمسني ولو بإيدي. كنت أفضل الموت عن إني أسيبه يعاملني زي الخادمة لرغبته المتوحشة. بس وقتها مش بعيد يستغل موتي ويؤذي "هدى" أختي بذنبي زي ما بيعمل معايا. ده شخص مريض محتاج لعلاج نفسي. لكن صمتت سلسبيل.
تبسمت هدية تقول: اسمعي كلامي وهتكسبى قماح. ردت سلسبيل بمهادنة: حاضر يا جدتي. بس ليا عندك طلب وعاوزاكي تقنعي قماح بيه. ردت هدية: وأيه هو الطلب ده؟ ردت سلسبيل: عاوزة أشتغل. وهو ممانع. قبل أن ترد هدية. رد قماح الذي دخل بتعسف: ومازلت ممانع. مفيش شغل وآخر مرة أسمعك تتكلمي في الموضوع ده. نهضت سلسبيل واقفة وقالت بشجاعة: ليه مش موافق إني أشتغل؟ رد قماح بتصميم: قولت مفيش شغل. أنا مبحبش أتعامل في الشغل مع ستات.
ردت سلسبيل: مش عذر وتمام بسيطة أنا هشتغل في الحسابات يعني بعيد عنك ومش هتضطر تتعامل معايا. نظر لها بتهكم قائلاً: قولت مفيش شغل. انتي مش محتاجة لشغل. ارتسمت القوة والتصميم على وجهها وقالت: ومين قالك كده. أنا أكتر واحدة محتاجة أشتغل. وقبل ما تقول مش محتاجة مادياً، هقولك مش كل اللي بيشتغلوا محتاجين الشغل عشان الفلوس، وانت أولهم. مش محتاج مادياً يبقى ليه بتشتغل. ارتسمت الحِدة
على وجه قماح ورد بتعسف: بشتغل عشان أنا الراجل. ولما أبقى محتاج وقتها ابقى اشتغلي. وده آخر قرار عندي، وممنوع الكلام في سيرة إنك تشتغلي دي تاني. استدارت سلسبيل تنظر لجدتها أن تساندها، لكن وقع بصرها على باب الغرفة. أغمضت عينيها ثم فتحتهما، وقالت بذهول: همس! ليُذهل عقلها وتقع مغشياً عليها. يتلقفها قماح بين يديه قبل أن تسقط أرضاً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!