في منزل بسيط في إحدى الأحياء السكنية الشعبية بالقاهرة يستيقظ ذلك الشاب من نومه يؤدي فرضه ويبدل ثيابه ويتجه ناحية المطبخ ليجد والدته تعد له طعام الإفطار قبل الذهاب للعمل. زين بإبتسامة: صباح الخير يا ست الكل. أجابته والدته بحب أمومي وهي سيدة في نهاية الأربعينات: صباح النور يا حبيبي يلا أقعد عشان تفطر.
جلس زين على تلك الطاولة البسيطة، فهو وحيد والدته، والده توفي قبل 7 سنوات وأصبحت والدته تهتم به رغم فقرهم وتعبها حتى أكمل دراسته وتخرج. وهذا أول يوم له في الوظيفة الجديدة، فبحكم أنه كان الأول في دفعته في كلية الهندسة، حصل على عرض عمل في شركة العطار لتصدير السيارات كمهندس برمجيات. أنهى زين فطوره وقبل جبين والدته وأردف قائلًا بحب: ادعي لي معاكِ يا ست الكل. أردفت كريمة بدعاء من كل قلبها: ربنا يقويك ويوفقك دايمًا يا ابني.
زين: لو احتاجتي حاجة رني عليا. سردت كريمة بإبتسامة حنونة: تمام يا حبيبي. كانت حياة زين مع والدته تصف بمعنى الكلمة أنه سواء كنت فقيرًا أم غنيًا فإن راحة البال والسعادة والصحة هم الأهم دائمًا. غادر زين نحو عمله تحت نظرات والدته الحزينة، فهي تزوجت والده بعد عناء طويل، لكن شاء القدر أن يخطف الموت منها زوجها.
سار زين في حيه بكل رزانة متألقًا بطريقته الخاصة، ونظرات من حوله متمركزة عليه، فجميعهم يحبونه ويفتخرون به. صاح أحد العاملين في المقهى وكان العم فتحي موجهًا حديثه لزين: الله يرضى عليك يا ابني، أجيب لك كوباية شاي؟ أجابه زين بهدوء واحترام: آميين يا عم فتحي آميين، تسلم يا غالي. أكمل سيره حتى وصل لموقف الباصات، ركب الباص المطلوب، ومن هنا سوف تبدأ رحلة جديدة في حياته. على الناحية الأخرى في إحدى الأحياء السكنية الفاخرة
وفي إحدى الفيلات الراقية تستيقظ تلك الفتاة التي تبدو في بداية العشرينات من عمرها وتتجه ناحية المرحاض لتنعم بحمام منعش. أنهت تبديل ثيابها ثم هبطت للأسفل لتناول الفطور. وجدت أن عائلتها قد أنهت طعام الإفطار بالفعل وكل واحد منهم يستعد للذهاب للعمل. صاح شقيقها قائلًا بمرح: الناس خلصت يومها والست سيدرا لسه هتبدأ دلوقتي هههههههه. أنهى حديثه لتنظر له سيدرا بغضب. أردف محمد بخوف مصطنع: آسف مش قصدي خلاص هسكت.
ردت سيدرا ببرود وتجاهل: أحسن لي. يضحك الجميع على مناقرتهم معًا، فهم اعتادوا عليها وأحبوها. أردفت والدتهم هدى بحنان: يلا اقعدي افطري يا سيدرا، أنتِ متأخرة أوي النهاردة. ردت سيدرا بإبتسامة: حاضر. ابتسم عمر وأردف بهدوء: أنا هروح الشركة، تعال معايا يا كريم، وأنت يا محمد وصل سيدرا الأول وتعال على الشركة. أجابه الأخوان بصوت واحد: حاضر يا بابا.
كان عمر العطار رجلًا في منتصف الخمسينات من عمره، لكنه يبقى دائمًا ذو هيبة وفخامة، وعائلته خط أحمر، من يقترب من أي أحد منهم فقد جنى على ذاته. كما أن كل الفتيات تتهاتفن عليه رغم كبر سنه، لكن تبقى ملكة قلبه امرأة واحدة فقط وهي هدى زوجته وأم أولاده الثلاثة.
بعد ذهاب عمر وكريم إلى الشركة ومحمد وسيدرا إلى الكلية، قامت هدى لتجمع الصحون، فهي امرأة صعيدية أصيلة حرة لا تقبل أن يخدمها أي أحد، فهي تطبق مقولة "كل الناس سواسية فيما بينهم فلا أحد يخدم أحد آخر". لذا رفضت أن يدخل أي خادم أو خادمة إلى بيتها وتقوم بكل شيء بمفردها، وأحيانًا تساعدها زوجة ابنها البكري هيا وابنتها سيدرا التي تود المساعدة، فتزيد عليهم أعمالًا أكثر مما هم فيه، فهي فاشلة ولا تتوافق مع أعمال المنزل أبدًا.
شعرت هدى ببعض الدوار حتى كادت أن تقع الصحون من بين يديها لولا تدخل هيا السريع. أردفت هيا بقلق يشع من عينيها: في إيه يا ماما، أنتِ كويسة؟ أجابتها هدى بتعب: ولا حاجة يا بنتي، بس أنا تعبانة، هطلع أرتاح وإن شاء الله هبقي كويسة. أردفت هيا والقلق ما زال مسيطرًا عليها: تمام، روحي ارتاحي وأنا هجمع الأطباق وباقي الحاجة. هدى: الله يرضى عليكِ يا بنتي، شكرًا. هيا بابتسامة: مفيش بينا شكر يا ماما.
ابتسمت لها هدى ابتسامة باهتة وصعدت لغرفتها حتى تأخذ قسطًا من الراحة، فهي من تعجلها في الصباح لتحضير الطعام، نست أن تأخذ دوائها. تنهدت وأردفت قائلة بدعاء: يا رب قويني يا رب، أنت السميع العليم. أخذت دوائها وتمددت على السرير لتنعم ببعض الراحة. في الكلية دخلت تسير بخطوات سريعة، فهي متأخرة كثيرًا هذا الصباح، تشعر بأن هناك شيئًا سيئًا سوف يحدث، لكنها لا تعرف ما هو. قاطعها صوت تلك المتعجرفة حياة التي اعترضت طريقها
وأردفت قائلة بسخرية: واو، أخيرًا الأميرة ديانا شرفت. أجابتها سيدرا بنفاذ صبر: حياة ابعدي عني، أنا مش طايقة نفسي أساسًا، فابعدي من وشي الساعة دي أحسن من إني أرتكب فيكِ جريمة. دفعتها بقوة وأكملت سيرها تحت نظرات حياة التي تكاد أن تنفجر من الغضب والغيظ. دخلت سيدرا قاعة المحاضرات فوجدت أصدقائها في انتظارها. أردفت ميرا بقلق: إتأخرتي ليه يا سيدرا؟ سيدرا بنبرة مهتزة
كأنها على وشك البكاء: معرفش والله، إتأخرت في النوم مش زي العادة، أنا حاسة إنه في حاجة هتحصل. نظر الأصدقاء لبعضهم للحظات ثم أردف كرم قائلًا بمرح: بس الموضوع ما يستاهلش كل ده يا سيدرا، لمجرد أنك اتأخرتي في النوم بقيتي حاسة إحساس وحش. ردت سيدرا بقلق: يا كرم الموضوع مش زي ما أنت فاكر، لو كنت مكاني كنت هتحس نفس الشعور.
اكتفوا بالصمت، فهم يعتبرون سيدرا مثل شقيقتهم وليس صديقتهم فقط، وما تشعر به ويؤلمها يؤلمهم أيضًا، لكن يحاولون ألا يظهروا هذا أمامها حتى لا يزداد قلقها. في شركة العطار دلف محمد للداخل بعد أن أوصل شقيقته إلى جامعتها، لكن استوقفه أحدهم بتساؤل: لو سمحت دي شركة العطار مش كده؟ التفت محمد لمصدر الصوت فوجد شابًا وسيمًا جدًا. محمد بصدمة: إيه ده!!!! استفاق من صدمته بعد ثوانٍ وأردف قائلًا بجدية: أيوه هي دي شركة العطار. اتسعت
ابتسامة زين وصاح بفرح: تمام، شكرًا جدًا. أردف محمد وهو لا يزال تحت تأثير الصدمة: العفو. بعد لحظات وقف زين أمام مكتب الاستقبال وسأل موظفة الاستعلامات: ممكن أقابل مستر عمر العطار لو سمحت؟ رمقته الموظفة باستهزاء وأردفت قائلة بسخرية: وأنت مين عشان تقابل مستر عمر؟ ابنه ولا ابن اخوه؟ لتضحك تلك المغرورة بمياعة تحت نظرات زين الغاضبة. قاطعها مجيء عمر العطار
الذي صاح في وجهها بغضب: سوزاااااااان، إلزمي حدودك، من أمتي بنتريق وبنستهزء على الناس كده؟ ده اللي بتكلميه كده بيكون مهندس البرمجيات الجديد اللي هو أعلى مرتبة منك ومن أمثالك وراتبه ضعف راتبك بأربعة مرات، قسمًا بالله لو شفتك بتتكلمي مع حد من ضيوفي مرة تانية بالطريقة دي لأكون طردك من الشركة ومن القاهرة كلها. أكمل بصراخ وغضب: فاهمة ولا أفهمك تاني؟ ردت سوزان بخوف: فاهمة… فاهمة… أكمل عمر موجهًا
حديثه لزين بابتسامة: حقك عليا يا ابني، يلا معايا عشان أوريك الشغل. أردف زين قائلًا بابتسامة بشوشة: حصل خير يا مستر عمر، حصل خير، بس حضرتك عرفت منين إنِ المهندس الجديد؟ ضحك عمر بخفة وأجابه: يابني مش أنت حاطط صورتك في الـ CV عشان كده عرفتك، وكمان أنا شوفتك قبل كده مرة من فترة وقت ما كانت الشركة بتختار الطلبة المتفوقين. زين: تمام فهمت. ابتسم الآخر وأخذه معه إلى مكتبه، وكان هناك كريم ومحمد. أردف محمد بتفاجؤ: أنت؟
رد زين بابتسامة: أيوه أنا، إحنا اتقابلنا من شوية، أنا زين الشناوي مهندس البرمجيات الجديد. تفاجأ كريم ومحمد، فهما توقّعا أن يكون صاحب هذا المنصب المهم شخصًا مغرورًا (رافع مناخيره في السما) ، لكنه كان عكس ذلك تمامًا، خصوصًا بعدما مد زين يده لمصافحة كريم الذي قبل هذا وصافحه هو الآخر بصدمة. كل هذا تحت نظرات عمر الراضية، فهو يبدو أنه قد اختار الشخص الصحيح. بعد لحظات
صدع صوت رنين هاتف كريم وكانت زوجته هيا. رفع الهاتف على أذنه وكاد أن يتحدث، لكنه تفاجأ بزوجته تبكي بشدة. وصل صوت بكائها العالي لمسامع الباقيين. هيا ببكاء: إلحقني يا كريم، ماما هدى. أردف كريم بخوف: في إيه يا هيا؟ أمي مالها؟ ردت هيا بانهيار: البقية بحياتك يا كريم. صدمة حقيقية حلت على الجميع ألجمتهم وجعلت ألسنتهم تُشل وتعجز عن التحدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!