لحظات من الصمت كانت كفيلة بتحطيم قلوبهم جميعًا. كريم مردفًا بصدمة بعد لحظات طويلة من الصمت: أنتِ بتقولي إيه يا هيا؟ قولي لي إنك بتهزري. ردت هيا ببكاء هستيري: مش بهزر. تعال بسرعة على الفيلا. أردف عمر بذعر وهو يشعر بألم في قلبه: كريم أمك كويسة مش كده؟ رد كريم بصدمة وعدم تصديق: ماما… ماما… ماتت. أردف عمر بجنون: أنت بتخرف بتقول إيه يا ولد. ترك كل شيء واتجه مسرعًا للفيلا والجميع خلفه حتى زين. في الكلية.
كانت سيدرا شاردة، غير منتبهة لما يقوله المُعيد. ليصلها إشعار من هاتفها، وكانت زينب شقيقة حياة هي من أرسلت لها رسالة محتواها كالآتي: "البقية بحياتك يا سيدرا هانم. أمك خلاص مش هتشوفيها تاني لأنها انتقلت لرحمة ربنا." كانت زينب هي سكرتيرة كريم، وقد استمعت لحديثهم في المكتب، لذا أرسلت رسالة إلى سيدرا لتشمت بها، لأنها أفضل من شقيقتها حياة. فالأختان نسختين متطابقتين في الشر والحقد.
ما إن قرأت سيدرا هذه الرسالة حتى نهضت مسرعة من مقعدها وركضت بسرعة تحت نظرات المُعيد الغاضبة والمتوعدة، ونظرات التعجب من زملائها. كانت سيدرا تركض بسرعة كبيرة في الطريق، غير آبهة بتلك السيارات التي تكاد تصدمها، وهي تبكي بشدة. أردفت قائلة ببكاء وعدم تصديق: لا… لا… ماما.. متسبينيش لو سمحتي… مامااااااااااااااااااااااااا…
لم تنتبه لتلك السيارة التي اتجهت نحوها، والتي لم يتمكن سائقها من التحكم بها، فصدمتها، ليصطدم رأسها بالطريق بشدة. وأغمضت عينيها بوهن، وأصبحت غارقة في بركة من الدماء. وصل عمر رفقة كريم ومحمد وزين في وقت قياسي للفيلا، ووجدوا هيا جالسة على الأرض تبكي بحرقة. أسرع إليها كريم وأردف قائلًا بلهفة: مالها ماما يا هيا؟ هي فين؟ عايز أشوفها، وحشتني في الشوية دول. أردفت ببكاء وانهيار: للأسف.. مش هنشوف ماما هدى تاني.
رد كريم بصدمة وجنون وهو يحطم كل ما تراه عيناه: إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟ أنتِ بتهزري مش كده؟ لاااااا ماااماااا أنتِ فين؟ ماااااماااا! صعدوا للأعلى بخطوات سريعة واقتحموا غرفة هدى، ليجدوا هناك مجموعة من الأطباء والإسعاف. وقد كان طبيب العائلة هناك، الذي أردف قائلًا بحزن وأسى: عظم الله أجرك يا عمر بيه. البقية بحياتكم.
كان عمال الإسعاف يغطون هدى بتلك القماشة البيضاء، ووضعوها على النقالة وأخذوها تحت نظرات عمر المنكسرة، ونظرات محمد وكريم غير المصَدقة، ونظرات زين الحزينة، والذي لم يفهم شيئًا مما يحدث حوله. أردف زين بحزن: عمر بيه لازم تكون قوي عشان كريم بيه ومحمد بيه. لم يجبه عمر لأنه ما زال تحت بوادر الحزن والصدمة.
كان زين حزينًا على محمد وكريم، فهو يعرف ذلك الشعور أن تترك والديك بصحة وعافية، ولا تعرف أنها آخر مرة ستراهم فيها. ذهب والده للعمل في صباح يوم ما، وبعد ساعتين تلقى خبر وفاته. والده كان رجلًا بسيطًا يعمل في الإنشاءات. أخبروه أنه وقع منها بالخطأ فمات على الفور. تجمعت الدموع بعينيه وهو يراهم بتلك الحالة، وتذكر يوم وفاة والده. استفاق من شروده على صوت عمر. أردف عمر بشرود وحزن شديد: زين يا ابني، ممكن تبقى معانا لو سمحت.
كانت تلك أول مرة لكريم ومحمد يرون والدهم يتوسل لأحد ما، فعمر كان دائمًا قوي الشخصية، لا ينحني ولا يتوسل لأحد. حاضر يا عمر بيه، هبقى موجود ومش هسيبكم. أكمله وهو يوجه حديثه لكريم: كريم، روح جيب أختك من الكلية وحاول ما تقولهاش حاجة غير لما توصلوا الفيلا. رد الآخر بحزن: حاضر يا بابا. كاد كريم أن يذهب، لكن جاءت هيا وعلامات وجهها توحي بأن هناك شيء حدث ولا يبشر بالخير أبدًا. طالعها الجميع بترقب. فأردفت بخوف:
عمو عمر… أنا عايزة أقولك حاجة بس لو سمحت خليك هادي. أجابها عمر بقلق: في إيه يا بنتي؟ ابتلعت هيا لعابها بخوف: اتصلوا من المستشفى دلوقتي وقالوا لي إن سيدرا هناك، عملت حادثة عربية خبطتها. وهم شافوا الحاجة اللي في شنطتها فعرفوا يتواصلوا معانا. حالة من الصدمة والصمت حلت عليهم مجددًا. لا لا يمكن أن يفقدوا أعز اثنين على قلوبهم في يوم واحد. لم يتحمل عمر المزيد من الصدمات، فسقط وهو يتألم ويضع يده على قلبه. في المشفى.
كان ذلك أسوأ يوم مر على تاريخ عائلة العطار. كان الأخوين يقفان أمام باب غرفة العمليات منذ 7 ساعات تقريبًا، وعملية سيدرا لم تنتهِ للآن. أردف محمد بنفاذ صبر وقلق: العملية دي مش هتخلص ولا إيه؟ أردف كريم بهدوء وروية في محاولة حتى يطمئن قلبه قبل قلب شقيقه: أهدي يا محمد. لما تخلص العملية هيقولوا لنا. وكمان أختك كان عندها نزيف داخلي، وربنا هيسترها إن شاء الله عليها وعلى بابا.
كاد محمد أن يجيبه، لكن قاطعهم خروج الطبيب من غرفة العمليات، والذي ما إن رأوه حتى أسرعوا إليه لمعرفة حالة شقيقتهم. أردف كريم بلهفة: حالتها عاملة إيه يا دكتور؟ هي كويسة صح؟ قول لي طمني عليها. أردف الطبيب بجدية وعملية: مش هكدب عليكم، الضربة كانت على الرأس، وده ممكن يسبب لها مضاعفات. لما تفوق بإذن الله هنعرف. إحنا دلوقتي هننقلها لأوضة عادية. وبالسلامة إن شاء الله.
هوى الأخوان إلى أقرب مقعد بانكسار وانهزام. فقد فقدا والدتهما في طرفة عين، ووالدهما تعرض لأزمة قلبية وهو الآن في غيبوبة مؤقتة قد تدوم لدقائق أو لساعات أو لأيام أو لشهور أو لسنين. وها هي شقيقتهما في حالة مجهولة، والله أعلم إن كانت ستستيقظ مرة أخرى أم لا. كم هو صعب جدًا أن تفقد كل أحبائك في يوم واحد. أردف زين بتشجيع: أنتم لازم تكونوا أقوى من كده عشان عمر بيه وسيدرا هانم. الإنهيار مش حل. انتبه محمد لذلك الذي لا يزال هنا،
فأردف بغضب حارق وصراخ: أنت قاعد هنا بتعمل إيه؟ غور في ستين داهية وشك وش شؤم لينا. في اليوم اللي جيت فيه حصل معانا كل ده. غور يا وش الفقر. لم يجبه لأنه يعلم ويقدر حالته. أردف كريم قائلًا بحدة: قسمًا بالله لو ما سكت يا محمد لهتشوف وش عمرك ما شفته مني ومش هيعجبك اللي هعمله. هو ده جزاء اللي وقف جنبنا؟ ممكن أعرف فين صحابك دول اللي بتتفاخر بيهم علينا صبح وليل؟ ها؟ قولي هم فين دلوقتي؟
طبعًا ما صدقوا أنهم يمسكوا عليك حاجة عشان يشمتوا فيك. استوعب محمد كلام أخيه، فالتزم الصمت وأخفض رأسه خجلًا. فهو بسبب حزنه الشديد لم يعرف ما يقوله. أردف كريم بصراخ ووحدة: ودلوقتي، اعتذر لزين حالًا. أردف محمد قائلًا بإحراج: أنا آسف يا زين، ماكنتش عارف أنا بقول إيه، بس والله ماكنش قصد. رد زين بابتسامة: ماتعتذرش، ده تصرف طبيعي وعذرك.
قاطعهم مجيء عمر الذي على ما يبدو أنه استيقظ من غيبوبته المؤقتة، ولم يتحمل البقاء في سريره أكثر من ذلك. وكانت معه ممرضة لكي تساعده. أردف عمر بضعف: طمنوني، سيدرا كويسة؟ بالله عليكم طمنوني على بنتي. أجابه كريم بقلق: بابا، أنت جيت ليه وأنت في الحالة دي؟ لازم ترتاح. ما تخافش، سيدرا كويسة وكلها فترة وهتفوق. زفر عمر براحة، وآتت الممرضة وأردفت قائلة بابتسامة: سيدرا هانم فاقت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!