نظرت إليها بدهشة، فهذه هي المرة الأولى التي يراها بها، وقبل أن يستوعب شيئًا كانت تقتحم مكتب الاستعلامات، اندفع الحارس ليعترض طريقها لكنها لم تعطه فرصة لفعل شيء، تجاوزته بخطوات ثابتة ونظرت للموظفة وتساءلت عن مكان مكتب ذلك الكريم بسعادة عارمة بادية جيدًا على وجهها. وما إن دلفت لمكتبه حتى تغنجت بصوتها قائلة بدلال: هاااي بيبي وحشتني أووي يا روحي أنت.
كان غارقًا في عمله حتى انطم سمعه بذلك الصوت الأنثوي الذي يجزم أنه يعرفه حق معرفة، رفع رأسه ببطء، وما كاد يصدق ما تراه عيناه، حتى نطق متلعثمًا: ل….ل…لوسيندا؟ أجابته بسعادة: اه أنا. رمقها باستنكار وتساءل بصدمة لم يستطع إخفاءها: أنتِ جيتي من أمريكا أمتى؟ قالت: إمبارح بليل. حاول التحكم في تعابير وجهه، وصاغ عبارته بمجاملة: طب ليه ماقولتيش ليا إنك جاية؟ كنت جيت خدتك من المطار أو كنت قولت لمحمد يجي ياخدك. ثم أضاف بنبرة
تجمع بين الصرامة والبرود: أنتِ في الأول والآخر بنت عمتنا. تجهم وجهها غضبًا من نبرته تلك ثم أردفت بغضب: أنا مش بنت عمك لأن أمي مش أخت أبوك، هي بنت خالته وبس. قهقه ساخرًا ثم تحدث بطريقة تستفز أي أحد: آسف هههه آسف معلش بس طنط فايزة زي عمتي وبابا معتبرها زي أخته. قالت: طنط؟ أخته؟ تنهدت وتجاهلت كلماته المستفزة التي تعرفها حق معرفة، نبست بضيق: طيب محمد فين دلوقتي؟ عايزة أسلم عليه. قال: ثوانِ هتصل بيه.
أخرج الهاتف من جيب سرواله بسرعة وهاتفه وما إن أجابه الأخير حتى قال له بنبرة تحمل كل جدية الكون: محمد تعال بسرعة فيه ضيف عايز يسلم عليك. صمت للحظة ثم عقد حاجبيه بتساؤل: ضيف مين الضيف ده وعايز يسلم عليا ليه؟ رد: لوسي لوسيندا بنت طنط فايزة. ساد الصمت الثقيل بينهما للحظات قبل أن ينفجر محمد بذعر وهو على وشك البكاء: يا ناااار أسود لوسينداااا أنت متأكد إنها هي؟ أكد: اه هي. سأل: تحب تكلمها؟ رد:
لا مش دلوقتي. هي جت أمتي المصيبة دي؟ هو أنا ناقص قرف؟ رد: لسه جاية إمبارح بليل. وقبل أن ينبس الآخر بكلمة واحدة تحدث كريم بصرامة: دقيقة واحدة وألاقيك واقف قدامي يلا بسرعة. تنهد الآخر والضيق لديه في أقصى مراحله: تمام. أغلق الهاتف ووضعه على الوضع الصامت والتفت مجددًا لتلك البغيضة: تشربي إيه يا لوسيندا؟ قالت: قهوة سادة يا حب ما أنت عارف ذوقي. زفر بضيق وتحدث بهمس ساخر:
وحش أما يبقى يلهفك حبك برص يا شيخة محسساني إني خطيبك وعارف كل حاجة عنك. قالت: تمام عايزة حاجة تاني؟ رد: نو. قالت: تمام. أومأت برأسه بخفة وضغط على زر الاتصال مخاطبًا سكرتيرته بنبرة آمرة: زينب عايز اتنين قهوة سادة على مكتبي. ردت: حاضر يا مستر كريم. تنهد وهمس للمرة الثانية: مستر أما يبقى يلهفك يا بومة أنتِ وهي. -في الكلية أنهت سيدرا محاضراتها وعادت إلى منزل زين فلم تجد أحدًا هناك. كزفرت بلامبالاة قبل أن تهمس لنفسها:
أحسن حاجة إن محدش فيهم موجود وهاخد راحتي. بدلت ثيابها بعد أن أخذت حمامًا منعشًا، ثم أعدت لنفسها بعض الفشار، واتخذت مجلسها أمام الحاسوب، تتابع فيلمًا عربيًا قديمًا. لقد تغيرت كثيرًا لم تعد تهوى المسلسلات التركية أو الكورية بل باتت تمقتها وبشدة. -في فيلا العطار استمع بصمتٍ إلى كل ما كانت تقوله زوجة أخيه وعندما أنهت حديثها خفض رأسه بأسى قائلًا بصوتٍ يعتصره الألم:
أنا آسف بالنيابة عن أبويا وأمي، أنا عارف إنهم غلطانين بس كان كل اللي يهمهم مصلحة ابنهم وعايزين الخير ليه. قاطعته كريمة بحدة والغضب يشع من عينيها: أنت لسه بتدافع عنهم ليه؟ تمام فهمنا إنهم عايزين مصلحة ابنهم، طب وأنا…..أنا ليه دمروا لي حياتي كده…..يعني عايزين سعادة ابنهم على حساب تعاسة غيره؟ رد: مش كده. نبست ببرود قاتل: خلاص يا عمر اللي فات مات، دلوقتي لازم نفكر في المستقبل. أطرق رأسه بخزى وأردف بنبرة منهزمة: معاكِ حق.
قالت: أنا لازم أمشي دلوقتي، سيدرا زمانها رجعت. رفع حاجبيه بدهشةٍ مصطنعة قبل أن يمازحها: مالك قلبتي على دور الحماة كده ليه؟ ردت: أومال سيدرا تبقي مين؟ إذا ماكنتش مرات ابني. نظر إليها بحزن بالغ قبل أن يوصيها قائلًا: سيدرا في أمانتك يا كريمة، خلي بالك عليها، أنا عارف إنها مش في حالتها الطبيعية وإنها لو كانت في طبيعتها ماكنتش عملت كل ده، هي طيبة جدًا وتتحب، أنا عارف إنها ممكن تقول لك كلام جارح أنتِ أو زين.
قاطعته وقالت بنبرة مطمئنة: ماتقلقش، دي في عينيّا، وبعدين أي حاجة هتعملها عارفة إنها خارجة عن إرادتها. -بالعودة مرة أخرى لشركة العطار كان محمد يجلس بصمت محاولًا أن يتجاهل وجود تلك المرأة التي يكرهها، ظل يحدق في الفراغ يتساءل عما جاء بها إلى هنا. أخيرًا زفر بضيق قبل أن يتصنع ابتسامةً قائلاً: أنا لازم أمشي، عندي شوية مشاوير لازم أخلصها. كاد كريم أن يجبره على البقاء لكن دخول زين دمر ما يريد فعله.
توقف زين عند الباب للحظة ثم حمحم بحرج قائلاً: أستاذ كريم كنت عايز… قبل أن يتمّ جملته وقعت عيناه على الجالسة فتوقف مذهولًا، بينما كانت عيناها تلمعان بإعجابٍ واضح، فذلك الزين أصبح متربعًا في قلبها منذ اللحظة الأولى التي رأته بها. نهضت بتأنٍ مدعية الاهتمام بينما قال زين بابتسامة هادئة: آسف على المقاطعة. كاد أن يغادر لكن استوقفه صوت نسيبه أو مديره أيهما أصح:
ماتمشيش يا زين، خليك، أنت مش غريب، أنت واحد من العيلة دي، لوسيندا بنت عمتنا. قالت: وده زين مهندس البرمجيات بشركتنا وجوز سيدرا يا لوسيندا. اتسعت عيناها بصدمة لم تستطع إخفاءها ثم تساءلت: جوزها؟ هي سيدرا اتجوزت؟ أمتي؟ وفين؟ وإزاي؟ وليه محدش قال لي؟ أجابها محمد بجفاء: اه اتجوزت من وقت قريب وكان على الضيق. أجبرت شفتيها على الابتسام وهي تهمس بفتور: مبروك. وهذه المرة أجابها زين: الله يبارك فيكِ.
واصلوا حديثهم بينما كانت لوسيندا تراقب زين خلسةً تضمر في قلبها شرًا لسيدرا وتلعنها بكافة لغات أهل الأرض وتردد بينها وبين نفسها بحقد: هخليكِ يا سيدرا تندمي وزين هيبقى بتاعي أنا، اصبري عليا بس. -بعد مرور شهرين دون أحداث تُذكر. في مكانٍ ما حيث الظلام سيد المكان. وقفت زينب في زاويةٍ خافتة الإضاءة، تتلفت حولها بحذرٍ شديد قبل أن تهمس بارتعاشٍ وخوف: أنتِ إيه اللي جابك؟ مش قلت لك ماتجيش الشركة؟ هعمل إيه لو مسكوني؟
ردت الأخرى بنبرةٍ واثقة: أنا مظبطة كل حاجة، ماتقلقيش، مش هيشكوا فيا حتى لو 1%. زفرت زينب بتهكم قبل أن تسخر منها: اه اه أنتِ هتقولي لي، تعرفي بقى إن كريم ابتدى يدور ورا موت هدى؟ اتسعت عينا المرأة في ذعرٍ واضح قبل أن تهمس بفزع: يا نهار أسود أنتِ بتقولي إيه؟ هو أنتِ بتتكلمي بجد؟ رمقها الآخر بنظرةٍ لا تخلو من لامبالاة ثم ردّت ببرود:
زي ما سمعتي، يلا غوري وما تظهريش غير لما أقول لك وأطلب منك، مش ناقصين مصايب، كفاية الجرايم اللي علينا واللي إيديها متلطخة بيها لحد دلوقتي. ابتلعت المرأة لعابها بصعوبة قبل أن تهمس بخضوع: تمام تمام مش هاجي تاني. أشاحت زينب بوجهها بضيق ملوحةً لها بيدها تجاه باب المخزن الخاص بالشركة وهي تردف بحدة: يلا مع السلامة. استدارت المرأة سريعًا وغادرت المكان غير مدركةٍ أن هناك عينين راقبتا كل شيءٍ عن كثب. -في مكانٍ مهجور
جلس هيثم في ركنٍ شبه مظلم، أنامله تعبث بولاعةٍ بين يديه وعيناه تحدقان في الفراغ مستغرقًا في أفكاره السوداوية. لقد أمضى الشهرين الماضيين في التخطيط بعناية مكرسًا كل جهده لاستعادة هيا بأيّ ثمن. قُطع شروده حين دلف خالد راسمًا على وجهه ابتسامةً ماكرة وهو يردف بنبرةٍ تبث خبثًا: عندي ليك خبر هيطير عقلك من مكانه. رفع هيثم رأسه نحوه ببرودٍ واضح قبل أن يرد بصوتٍ خالٍ من الاهتمام:
قول يا خالد بسرعة اللي عندك، أنا مش ناقص رغي كتير. نظر له خالد بضيق فلقد قاطع سعادته لإخباره عن المفاجأة: بني آدم هادم للملذات. تنهد ثم قال: لوسيندا هي هنا في مصر، هي رجعت من السفر من كام شهر وماعرفتش غير النهاردة. اتسعت عينا هيثم بصدمةٍ جليّة ناطقًا باسمها: لوسيندا؟!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!