في مكتب العميد ساد الصمت في المكان قبل أن يخترقه صوت ريان الحاد كحدة أشواك الزهور: إيه المسخرة اللي حصلت بره، ممكن أفهم مشكلتك إيه أنتِ وهي؟ تقدمت حياة من مكتبه بخطوات ثابتة وأردفت سريعًا بصوت يحمل براءة مزيفة وخبثًا دفينًا:
هي اللي اعتدت عليا حضرتك، أنا كنت قاعدة في حالي لا بيا ولا عليا بشرب قهوة وفجأة لقيتها اتهاجمت عليا ونازلة فيا شتيمة وضرب وسط زمايلي، وحتى ممكن تسأل أي حد من اللي كانوا موجودين وهما هيأكدوا على كلامي. وجه ريان نظره لتلك سدرة التي تفتعل مشكلة للمرة الأولى، طالعها بصرامة عاقدًا حاجبيه: الكلام ده صح؟ ابتسمت ابتسامة خافتة على شفتيها، ابتسامة ممزوجة بخبث، ثم قالت بثبات تُحسد عليه:
آه صح يا حضرتك، بس أكيد أنا مش مجنونة عشان أعمل كده من غير سبب. تأملها بنظرة باردة قبل أن يأمرها بجمود: طب اتفضلي قولي عملتي كده ليه. رفعت الأخرى رأسها بشموخ ثم أجابت بنبرة هادئة ولكن كلماتها كانت كالسيف القاطع: عشان لقيتها واقفة مع واحد في منطقة بعيدة في الكلية… صمتت للحظات ثم أكملت بخجل مصطنع: ومش قادرة أكمل اللي حصل. انتفضت حياة بصدمة وهي لا تصدق ما سمعت ثم صاحت بانفعال: يا كدابة! لكن قبل أن تكمل،
دوي صوت ريان الغاضب: اخرسي، مش عايز أسمع صوتك. أخذت سدرة نفسًا عميقًا ثم تابعت ببراءة شديدة لكنها بالتأكيد مصطنعة: فعشان كده كان لازم أعلمها الأدب. تأملها للحظات قبل أن يرد ببرود قاسٍ: آه بأمارة اللي أنتِ عملتيه، المهم ياريت اللي حصل دلوقتي ما يتكررش تاني، لأنِ ساعتها هاخد إجراءات صارمة ناحيتكم وهطردكم. أكمل بتحذير: وأنتِ يا حياة، دي آخر مرة أسمع عنك الكلام ده ولو سمعته تاني عقابك هيبقى وخيم. ابتسمت سدرة ابتسامة
خافتة ثم قالت بخبث خفي: بوعدك مش هكررها تاني. رفع حاجبه ساخرًا ثم نبس بنبرة متحفظة: هنشوف، يلا كل واحدة على محاضراتها. غادرتا الفتاتان وكل واحدة تتمتم بعدة أشياء. حياة تتمتم بغيظ وتوعد لسدرة. وسدرة كانت في عالم آخر، فهي لا تعلم ماذا ستفعل في هذه الكلية، هي بالأساس لا تعلم ماذا تدرس، هل تعلم بالأساس كيف تقرأ وتكتب؟ والإجابة هي لا بالتأكيد. في مكان آخر نذهب إليه لأول مرة. مكان مُتشح به الظلام كوشاح ثقيل.
في غرفة تملؤها رائحة التبغ، وكر الثعالب، جلس ذلك الشاب فوق كرسيه الوثير، يلف سيجارته بين أصابعه بعنف، يراقب الدخان وهو يتصاعد كأنما يُجسد نيران غضبه المستعرة. ضرب الكرسي بقبضته قبل أن ينطق بصوت متهدج يحمل بين طياتها وعيدًا: هتكوني ليا يا هيا، أنتِ بتاعتي أنا وبس، مش على آخر الزمن يجي جربوع زي كريم وياخدك مني بالبساطة دي. جاءه صوت هادئ مشوب بسخرية وخبث: ناوي على إيه يا صاحبي؟ تضيق عيناه بضيق قبل أن تبتسم
على شفتيه نصف ابتسامة: كل خير يا خلود، كل خير. وكيف هذا يا حبيب أخوك؟ أسند بظهره على الكرسي بكل أريحية ونبس بعدة كلمات مبهمة جعلت أعين الآخر تتسع بصدمة: إيييييييه! في شركة العطار. جلس خلف مكتبه الجديد، يداه متشابكتان أمامه، يفكر في تلك التي أصبحت زوجته. تتردد في ذهنه كلماته القاسية، كأنها خناجر تنهال عليه بلا رحمة. انتفض فجأة، ليضرب سطح المكتب بقبضته غاضبًا، قبل أن يهمس بصوت يُقطر ندمًا:
أنا إزاي طاوعني قلبي أقول لها الكلام ده. قاطعه صوت عقله الصارم الذي لا يعرف اللين: هي اللي ابتدت وهانتك وهانت رجولتك، واتطاولت في الكلام على مامتك، هي تستاهل أكتر من كده بكتير. لم يستطع قلبه التحمل أكثر، إذ انتفض مدافعًا عنها: بس هي قالت الكلام ده وهي مش في وعيها، دي مش سدرة، دي ليالي، أفهم بقى، دي مش سدرة الطيبة اللي الكل عارفها، وكمان هي ما عرفتش رجولتك للدرجة دي عشان تتعصب أوي كده. قهقه العقل بسخرية لاذعة
على ساذجة صاحبه العاطفي: غبي، وغبائك ده هيوديك وهيوديك في داهية. حتى لو هي مش في وعيها، لازم تحترمه، ده في الأول والآخر بقى جوزها وشريك حياتها. يهتم بكلماتها بل صرخ بحدة: اخرس بقى، اخرس، أنا بحبها، أيوه لسه بحبها، ومهما عملت هفضل أحبها. ازداد صوت العقل سخرية: ابقى خلي الحب ده يفيدك وهو بيقتلك بالبطيء. ضرب زين رأسه بكفيه ثم ضرب قلبه وصاح بانفعال: إخرسوا بقى، إخرسوا. ولكن لا العقل صمت… ولا القلب هدأ. في فيلا العطار.
وقفت أمامها بعد أن هاتفها أن تأتي، عيناها خليط من الحزن والجمود. تنهدت وتسألت: حصل إيه يا عمر؟ قلت لك تيجي عشان عايز أتكلم معاكِ شوية، بس اقعدي الأول. جلست على الأريكة المواجهة له منتظرة أن يكمل ما يريد. سبتي الفيلا ليه زمان؟ تنهدت ثم قالت بنبرة مشحونة بمرارة تحملتها لسنوات: وتتوقع أعمل إيه بعد ما أخوك مات وسابني مع أهلك عشان يعاملوني زي الخدامة عندهم؟
كنت غريبة وسط عيلة بتعاملني زي الدخيلة، ما احترموش إن كنت مرات ابنه وعاملوني زي الخدامة اللي مالهاش حقوق ولازم نحمد ربنا ونلم نفسها ونسكت. احتدم صوت عمر وقال: بس ده مش سبب، ما فكرتش في زين، هو إيه ذنبه؟ ليه يكبر من غير ما… تلاشت الحزن من عينيها وحل محله بريق مختلف، بريقًا ممزوج بقسوة وجمود: زين كبر وهو ما يعرفش غير أب واحد اللي هو خيري العطار. شهق عمر بصدمة وأردف قائلاً: خيري!!! أومأت الأخرى
برأسها وأردفت قائلة ببرود: أيوه، ابن عمك اللي أبوك أكل حقه من الورث واشتغل سواق عندكم، وبعد ما أنا سبت الفيلا اتجوزني وربّى زين كإنه ابنه الحقيقي اللي من صلبه. ارتسمت الصدمة على ملامح عمر وأردف بذهول: صدقيني، أنا وهدى كنا مسافرين وما عرفناش حاجة لا عن خيري واللي حصل معاه ولا عن مراد أخويا. ابتسمت ساخرة ثم قالت بحدة:
بس أبوك كان عارف، وبعد موت أخوك بأسبوع كان هياخد زين مني ويبعته لأمريكا عند مامتك عشان بنت خالتك تربيه ويطردني أنا بره الفيلا، وربنا شاهد على اللي حصل واللي هقوله دلوقتي، أنا ما يهمنيش لا الفلوس ولا الفيلا ولا الشركة ولا غيرها، كل اللي كان في بالي مصلحة ابني وبس، وأنت بقى قولي متوقع أعمل إيه بعد ما الخدامة قالت لي بخطة أبوك. اتسعت عيناه بصدمة ونبس قائلاً: الخدامة قالت لك! ردت ببرود: أيوه. مش ممكن تكون بتكدب.
ابتسمت ساخرة وأردفت: كنت بفكر زيك كده، بس للأسف اللي حصل بعد كده أكد لي إن كل كلمة قالتها كانت صح. إزاي؟ بعدها بكام يوم لقيت والدك مستنيني في الصالة قاعد بكل برود وقال لي صريحة، جه الوقت تلمي شنطتك وتمشي منها، والواد زين مش هيفضل معاك. ابتلع عمر لعابه بعدم تصديق وأردف بصوت منخفض: هو قال كده؟ هزت رأسها ببطء وأكملت:
آه، قالي كده بالحرف الواحد، أنا لحد دلوقتي مش ناسيه كلامه، ساعتها حسيت إن الدنيا قفلت في وشي وإنِ ماليش حد، وإنه لو خدت زين وهربت هيعرف يوصل لي وأي حد هيحاول يساعدني هيتأذي، بس هو كان غيرهم، هو كان مختلف، هو الوحيد اللي ساعدني رغم إنه عارف وعواقب ده. وبعد ما اتجوزنا قالي كلمتين عمري ما أقدر أنساها، قالي زين ابنك ومش من حق حد يحرم الإبن من أمه، وزي ما هو ابنك فهو ابني وحتة مني. وخيري فين دلوقتي؟
اللمعت عينيها بحزن وتنهدت: مات من 7 سنين في موقع البناء، وقع من فوق وتوفاه الله، الله يرحمه. ارتجف فكه بصدمة واللمعت عينيه بالدموع: الله يرحمه. وبس كده، دي كل حاجة حصلت. تنفس بعمق وكان على وشك البكاء، فنبس في محاولة لتهدئة نفسه: احكي لي كل حاجة وبالتفصيل، كن أول ما اتعرفتي على مراد لحد دلوقتي. حاضر. بدأت في سرد كل لحظات حياتها والدموع كانت تلمع في عينيه وأصبح يتذكر جميع لحظاته مع شقيقه وابن عمه. أمام شركة العطار.
وقفت تلك الشابة أمام البوابة الضخمة، عيناها تتأملان اللافتة التي تحمل اسم شركة العطار بخط بارز. تسللت ابتسامة إلى شفتيها وهي تهمس لنفسها بصوت بالكاد يُسمع: أخيرًا وصلت. لم تمضِ سوى لحظات حتى لاحظها أحد حراس الأمن، فتقدم نحوها بخطوات ثابتة، وقف أمامها مباشرة قبل أن يسألها بجدية: عايزة حاجة يا آنسة، أقدر أساعدك بإيه؟ مش دي شركة العطار، مش كده صح؟ صح. تمام، أنا…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!