الفصل 22 | من 57 فصل

رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ولاء رفعت

المشاهدات
22
كلمة
5,395
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

في المكتب القديم، كان بيبرس يتحدث في الهاتف. بيبرس: أوري العزيز، كيف حالك؟ أوري: نشكر الرب. بيبرس: كيف حال جميلتنا شيرا؟ أوري: إنها تشتاق لك دائمًا. بيبرس: قل لها لا تقلقي، كلها ساعات قليلة وسنتقابل. أوري: ألا تشتاق لبلدك يا بيبرس؟ بيبرس: ليس لي بلد سوى مصر. ولا تنسَ عزيزي أوري أن أبي مصري أبًا عن جد. أوري: لكن والدتك يهودية وأنت تنتمي لديانتها وبلدها.

بيبرس: هذا ليس وقت للجدال عزيزي. أنا أتصل بك لأخبرك بموعد الشحنة غدًا وسنسلمها لكم عبر البحر الأحمر. أوري: عظيم... لكن احذر، لابد أن الشرطة المصرية تراقبكم جيدًا. بيبرس: لا تقلق يا أوري، فأنا لدي الحصان الرابح. هل نسيت من أكون؟ أوري: لن أنسى عزيزي، أنك تلقب برأس الأفعى، ومن يقترب منك لا ينال سوى السم. ضحك بيبرس بصوت جهوري ومرعب، ولكن توقف عندما وجد ظل شخص ما من أسفل فتحة الباب.

بيبرس: عذرًا يا أوري، سأغلق الآن وسأتصل بك لاحقًا. سلام.

أنهى المكالمة وتقدم ببطء شديد من الباب. أحست بخطواته، رغم هدوئها الشديد، وهي تصعد بسرعة البرق لأعلى. بخطى سريعة نجحت في ذلك ودلفت للحجرة الشاغرة وأغلقت الباب على الفور. كانت تشهق وتزفر بقوة من الخوف. وضعت يدها على فمها لتكتم أصوات أنفاسها العالية عندما سمعت أصوات قرع أقدامه وهو يصعد الدرج. عندما أسندت يدها على الحائط، ضغطت بدون قصد على زر الإضاءة. وهي تلتفت لتغلقه حتى لا ينكشف أمرها، صرخت بقوة لما رأته يقف وجهًا لوجه أمامها.

*** في الفندق الذي يمكث فيه صقر، وبداخل غرفته. كان صقر يمارس تمارين الضغط ليخرج كل طاقة غضبه بها. صقر: يعني عايزني أعرف أنهم خاطفين خطيبتي وأسكت؟ أمير: كل شيء بالعقل يا فندم، ومتنساش ده واجبك اتجاه بلدك. توقف صقر ثم نهض وأخذ منشفة قطنية يمسح بها قطرات عرقه المتساقطة. صقر: أنا كل ما أفتكر إنها كانت نايمة قدامي ومعرفتهاش، وكمان في إيدين ولاد الـ... الدم بيغلي في عروقي وعايز أروح أشرحهم واحد واحد.

أمير: متقلقش عليها، عمرهم ما هيأذوها لأنها ده الكارت اللي هيلعبوا بيه. وأي غلطة أو تهور حضرتك عملته مش هيكون في صالحنا ولا في صالحك. صقر بغضب عارم وعروق عنقه بارزة: صقر: آها، وديني لما أمسك الو... اللي اسمه بيبرس ده. لأسف، فور رمل الصحرا كله غير العذاب اللي هيشوفه مني. هخليه يندم على اللحظة اللي فكر فيها يخطفها.

أمير: ما أنا قلت لحضرتك، دول عصابة مش بالساهل توقعهم. دول فرع من فروع كتير لمافيا كبيرة بره. وآخر معلوماتنا عنهم كان ليهم صفقات مشبوهة مع واحد اسمه يوري في روسيا، بيلقبوه بالقيصر، أصوله يهودية. وكان فيه إشاعة بتقول إن بيبرس من قرايبه، لكن بينهم عداوة منعرفش أسبابها. صقر وهو ينصت لحديث أمير بجدية: صقر: يعني معاكم كل المعلومات دي ومش قادرين تمسكوهم من زمان، إزاي؟

أمير: للأسف يا فندم، كل ما نعمل كبسة لأي عملية بيعملوها، بتطلع وهمية. والمشكلة إن الموضوع داخل فيه ناس تقيلة في الدولة، من ضمنهم رأس الفساد شوقي ضرغام، اللي مش عارفين نمسك عليه غلطة لحد دلوقتي. صقر: بإذن الله هيوقعوا على إيدي ومش هرحم حد فيهم، من أول أيمن الواطي اللي كان بيقول على خطيبتي إنها مراته، وبيبرس الكلب، لحد الرأس الكبيرة. أمير: ومتنساش، لازم نمسك الطرف التاني ونعرف هدفه. رن هاتف صقر ليرد: صقر: الو...

أهلاً أهلاً بحضرتك يا فندم... آها طبعًا عارف حضرتك، سمعتك سابقاك عندنا في الداخلية كلها... تحت أمرك... إن شاء الله قبل الميعاد هكون أنا وأمير عند حضرتك... مع السلامة. أمير: ده بالتأكيد سيادة المقدم كارم الطوبجي. صقر: آها، ده من أكفأ القيادات اللي بطلع معاها مهمات خاصة. بس مستغرب إنه طلب نقله هنا في الوادي الجديد ليه؟

أمير: لأنه هدفه نفس هدفك، بس بعيد عنك. ده خسر أعز ماله بسبب الكلب اللي اسمه بيبرس ده. دبح له مراته وعياله قدام عينيه، وكانوا مقيدين. صقر شعر بغصة تملكت من قلبه: صقر: ومعرفش ياخد حقهم؟ أمير: يا ريت، ده شاف العذاب ألوان معاهم، بس برضو ميأسش وحالف ياخد بتاره منهم. صقر: إن شاء الله. طب يلا عشان أجهز حاجتي، وأنت روح جهز حالك وعدي عليا عشان نروح مركز القيادة. أمير: تمام يا فندم، في ظرف نص ساعة وهكون عندك... سلام وعليكم.

وقالها ثم غادر. ليرد عليه صقر السلام. صقر لنفسه: صقر: معلشي يا قلبي، كلها ساعات وآخدك ما بين إيد الكلاب دول، وقبلها هكون مخلص على الحيوانات اللي اتجرأت وخطفوكي ومدوا إيديهم عليكي. وحسابك عسير معايا يا بيبرس الكلب. *** فيروز شهقت ذعرًا وبصوت متقطع: فيروز: أ..نـ..تَ أنتَ.. إ..ز..ا..ي؟ بيبرس بابتسامة مرعبة وهو يشير لها لباب آخر للغرفة ثم أردف: بيبرس: كنتِ واقفة قدام المكتب، عايزة إيه؟ فيروز ووجهها تلون بجميع الألوان:

فيروز: أنا.. أنا كنت جايلك عشان... قاطعها بالاقتراب منها وهو يحاوطها بذراعيه مستندًا على الحائط: بيبرس: عشان إيه؟ قالها وظل يحدق في عينيها وهي تشيح بنظرها للأسفل خوفًا منه ومن نظراته التي تدب الرعب بقلبها. فيروز ضاق نفسها وظلت تأخذ شهيقًا وزفيرًا بقوة: فيروز: ممكن تبعد لو سمحت؟ مش قادرة أتنفس. بيبرس واقترب من أذنها هامسًا: بيبرس: ليه؟ هو أنا مش مقاومش للدرجة دي؟ قالها وارتسمت على محياه ابتسامة خبيثة.

لن تشعر بيدها وهي تنهال على وجهه بصفعة جعلته يجن جنونه. فانحنت بخفة بجسدها من أسفل ذراعه وركضت للخارج مسرعة حتى ذهبت لغرفة أيمن. فتحت الباب لتغلق وراءها بالمفتاح. وكان يخطو بخطوات سريعة وهو يزمجر كالليث بقوة مناديًا عليها: بيبرس: فيروووووووووووووووووووووووز! أيمن الذي كان نائمًا استيقظ على تلك الزمجرة المرعبة فتفاجأ بوجود فيروز التي تحاول الاختباء في الخزانة وتقول له هامسة:

فيروز: بالله عليك أوعى تقول إن أنا هنا، ده ممكن يقتلني. أيمن: أنتِ عملتِ له إيه؟ فيروز برعب: أنا... استوقفها طرقاته الشديدة على باب الغرفة وصوته الجهوري وهو ينادي عليها. أيمن: طيب استخبي أنتِ وأنا هفتح له وألهيه بأي كلام. نهض أيمن من فراشه واتجه نحو الباب المغلق وفتحه بالمفتاح ليجد أمامه بيبرس كالثور الهائج وهو يدفعه بقوة ليقع على الأرض. بيبرس ويرمق أيمن بنظرات مرعبة: بيبرس: أنت قافل الباب بالمفتاح ليه؟

أيمن بخوف: أنا.. أنا نسيت وقفلته. بيبرس لاحظ طرف ثوبها المغلق عليه ضلفتي الخزانة. وفي لحظة فتح الخزانة بقوة حتى وقعت الضلفة، وهي كانت تبكي بقوة والرعب يتملكها للغاية. بيبرس بنظرات لا تبشر بالخير: بيبرس: تعالي هنا لأمد إيدي وأجيبك من شعرك. كان غضبه ليس من الصفعة التي تناولها منها، لكن من وجودها بغرفة أيمن. فهل أنه يغار عليها حقًا؟

فيروز خرجت بحذر ولسانها لم ينبس بكلمة من الخوف. وقفت أمامه وتنظر لأسفل لتتحاشى نظراته المرعبة. أمسك بيبرس يدها بقوة ويسحبها على غرفته. فتح الباب ليدلفا إلى الداخل ويلقاها على تخته وبصوت أجش يحذرها: بيبرس: عارفة لو شفت رجليكي بتخطو خطوة واحدة في أوضة أيمن هقطعها لك. تمالكت نفسها وجمعت قواها لتسأله بصوت جهوري: فيروز: وانت مالك بيا أصلًا وحابسني ليه؟

سبيني أروح لأهلي وأنا أوعدك مش هقول لحد أي حاجة. وأظن كفاية عقابك ليا لحد كده. بيبرس بنظرات تعجب وسخرية: بيبرس: انسَي إنك ترجعي وتشوفي أهلك خالص، لأنها كلها ساعات بالكتير وهتسافري معايا. انصدمت فيروز: فيروز: أسافر! إزاي؟ لالالالا، أنت بالتأكيد بتهزر. بيبرس بابتسامة ساخرة: بيبرس: أنا لما بقول حاجة بنفذها على طول. فيروز: ليه بتعمل معايا كده؟

بيبرس: عشان أنا عايز كده. وكفاية رغي كتير وساعة كده وهتوصل شنطة مليانة هدوم ولوازم ليكي عشان هنسافر بكرة. فيروز ركضت نحوه وهي تضربه بكل قوتها: فيروز: حرام عليك، سيبنييييييييييي في حالي بقي، عايزة أروح. أمسك بكفيها ونظر لها نظرة مرعبة أسكتتها وأردف: بيبرس: لو مش عايزاني أقرب منك ولا أعمل فيكي زي امبارح، بطلي اللي بتعمليه ده، فاهمة ولا أفهمك؟ قالها وترك يدها بقوة وغادر الغرفة وأغلقها بالمفتاح من الخارج. ***

ونعود للعاصمة، وفي إحدى المطاعم المطلة على نهر النيل. تجلس رنيم ويقابلها إياس على طاولة يحاوطها جو شاعري ونغمات الكمان التي يعزفها العازف الذي على مقربة منهما. إياس كان يتأمل وجه رنيم بدرجة أخجلتها منه كثيرًا، وهي كانت تفرك بيديها. إياس مبتسمًا: إياس: هتفضلي مكسوفة كده كتير؟ رنيم بتوتر: رنيم: احم.. عادي مش مكسوفة بس مستغربة إنك طلبت مني إننا نتقابل.. يعني مش خايف من جاسمين تشوفنا! قالتها بسخرية. إياس بضيق:

إياس: حتى لو شافتنا عادي يعني، هخاف من إيه؟ رنيم: عشان خطيبتك يعني، ومينفعش تخونها وانتوا لسه في الخطوبة. إياس ضحك على كلامها لأنها لا تعلم بخبر فسخ خطوبته بعد. فهو يريد إثارة غيرتها ومشاعرها لتبين حبها له. إياس: لا مش بخونها، جاسمين بحبها وهتبقى مراتي. رنيم أحست بنيران تشتعل بداخلها وأرادت بأن تقلب الطاولة على رأس ذلك الأجدب. تلون وجهها للحمرة من الغضب. ضحك إياس في سره على تعابير وجهها لأنه تثبت له حبها بدون قصد.

إياس: مالك ياروني ساكتة ليه وعنيكي بتطلع شرار؟ رنيم: لو سمحت، اسمي رنيم. روني ده محدش بيناديني بيه غير المقربين مني. إياس بنظرات خبيثة: إياس: طب وأنا بالنسبة ليكي إيه؟ رنيم بتصنع: رنيم: زي صقر مش أكتر. إياس واقترب منها: إياس: طيب عيني في عينك كده؟ أشاحت بنظرها اتجاه النيل لتغير مجرى الحديث فقالت: رنيم: حلو أوي المكان ده ومنظر النيل روعة، خصوصًا وقت الغروب والشمس بتكون جميلة أوي. إياس يسايرها:

إياس: آه الشمس جميلة وحلوة وعسل وأمورة أوي. رفعت إحدى حاجبيها: رنيم: نعم؟؟؟؟؟؟؟؟ إياس: نعم الله عليكي. بقول الشمس أنا جيت جنبك! جاء النادل ويقدم لهما كأسين من عصير الفراولة الطازج: النادل: اتفضل يا فندم.. أي خدمة حضراتكم؟ إياس: لا شكرًا. ابتسم لهما النادل ثم غادر. رنيم كانت تنظر لكأس العصير كأنها رأت شبحًا، حيث لديها حساسية شديدة من الفراولة، جاءت لها عندما بدأت في سن المراهقة. إياس: مالك مش بتشربي العصير ليه؟

متخافيش مفيهوش حاجة. أخذت الكأس من أمامها: رنيم: لاء عادي هشرب أهو. أرادت عدم الرفض حتى لا تحرجه. ارتشفت منه قليلاً ثم القليل مرة أخرى. وهو انتهى من كأسه الذي شربه مرة واحدة. إياس: شكله مش عاجبك، أطلب لك حاجة تانية؟ رنيم: لا، أنا بشرب أهو. ما أنت عارف بحب أشرب وأكل على مهلي. إياس مبتسمًا ليزداد وسامة:

إياس: آه فاكر يا قلبي، وفاكر لما كنا صغيرين وكنا بنلعب في الجنينة بتاعة الفيلا، ولما كسرتي دراعات الأتاري بتاعة صقر عشان مكنش راضي يخليكي تلعبي معانا. وأول ما عرف وبيجري وراكي عشان يضربك، روحتي استخبيتي ورايا ومسكتي في هدومي. حسيت وقتها بأنك بتقوليلي أنت اللي بحس معاه بالأمان. احمرت وجنتاها لأنه يصرح بمشاعرها اتجاهه فقالت: رنيم: إحنا كنا عيال يا إياس. إياس: بس أنا لسه شايف النظرة دي في عينيك.

رنيم ازداد توترها وبدأت تشعر بالضيق والاختناق، وكان إياس يحسب أنها متوترة من حديثه، لكن حالتها تتدهور. بدأ وجهها يحتقن به الدماء وتأخذ أنفاسها بصعوبة بالغة وتشهق بصوت جهوري. إياس انتفض من مقعده ليقترب منها: إياس: مالك يارنيم؟ في إيه؟ رنيم بصوت مختنق: رنيم: ا..نـ..ا.. ا... نـ..ا م..ش ق..اد..ره. قالتها بصوت متقطع وغير قادرة على التنفس.

ذعر إياس من حالتها فحملها مسرعًا وألقى على الطاولة ورقات نقدية ثم ركض كالمجنون وهو يحملها على ذراعيه. حارس ساحة الانتظار جري نحوه: الحارس: اديني المفاتيح، أساعدك وأنا أفتح لك العربية. إياس بخوف: إياس: خدها من جيبي بسرعة الله يخليك. أخذ الحارس المفاتيح وفتح له السيارة، وإياس وضع رنيم على المقعد المجاور لمقعد القيادة وربط حزام الأمان. والتف هو للناحية الأخرى وقاد السيارة بأقصى سرعة. ***

في بيت بيبرس، كانت فيروز تجلس على الأريكة بالغرفة المسجونة بداخلها. فتح بيبرس الباب ودلف لينظر لها: بيبرس: أنتِ لسه ملبستيش؟ فيروز بدموع: فيروز: أنا عايزة أروح، مش عايزة أسافر معاك. بيبرس وبدأ الغضب على ملامحه: بيبرس: يعني إيه مش عايزة؟ بصي، ربع ساعة آخرك معايا. امشي وارجع ألاقيكي لبستي وجهزتي حاجتك، ولو مسمعتيش الكلام هتشوفي مني وش هتتمني الموت وإنك متشوفيهوش. سلام وراجعالك تاني. قالها وغادر وصفق الباب بقوة خلفه.

أخذت تكفكف عبراتها وتدعو الله بأن ينجيها من براثن ذلك الوحش. فيروز: يارب نجيني يارب من الظالم ده واجمعني بأمي على خير واشوف حبيبي قبل ما يجرالي حاجة. ثم تنهدت وأخذت تحضر ثيابها الجديدة في الحقيبة وأبدلت ثوبها بثوب آخر جديد بلون الأزرق القاتم. طرق بيبرس الباب وهو يقول: بيبرس: ها، خلصتي؟ فيروز من الداخل: فيروز: آها، خلصت. بيبرس: طيب مستنيكي تحت.

قالها وهبط على الدرج ونادى على أيمن بأن يسرع ويذهب مع رجاله خلف المنزل حيث الحظيرة ليساعدهم في نقل القطع الأثرية وصناديق مغلقة بها الكثير من الأسلحة. انتهت فيروز من ما تفعله ثم خرجت من الغرفة وهي تسحب حقيبة ذات عجلات. دفع خلفها عندما رآها بيبرس، صعد الدرج وأخذ منها الحقيبة ونظر لها بدون أن ينبس بكلمة واحدة، لكن أحيانًا لغة العيون أقوى من لغة الألسنة، لا تستطيع الكذب وتفيض بكل المشاعر التي بداخلك.

هبطا لأسفل. فيروز كانت عاقدة ذراعيها أمامها وكأنها تدفئ جسدها، فكان الطقس بارد قليلاً، فالمعروف أن مناخ المناطق الصحراوية شديد الحرارة نهارًا وشديد البرودة ليلاً. لاحظ بيبرس ارتجافها من البرد وكان يرتدي معطفًا (الجوخ الألماني) فقام بخلعه ووضعه على كتفيها ليدثرها جيدًا به.

فيروز نظرت له بقلق، فإنها مندهشة من تصرفاته نحوها، فتارة يكون معها رجل حنون وتارة أخرى كالوحش الكاسر. لكن ما تعجبت له أكثر نظرات عينيه التي تشبه نظرات صقر لها. فهل يعقل هذا؟ هل ذلك الظالم يحبني؟ كيف؟ إنه بعمر والدي وأنا مثل ابنته. مهلاً، لا يوجد في قانون الحب ما يمنع ذلك. لكن في قانون عشق حبيبي هناك ما يمنع حتى لأي رجل ما التفكير بي، فأنا لصقر وصقر لي، ولا يفرقنا أحدًا سوى الموت. بيبرس بصوت أجش:

بيبرس: يلا تعالي ورايا، زمانهم خلصوا. ذهبا نحو سيارة ضخمة ذات الدفع الرباعي. أشار لها بأن تصعد للداخل أولاً. فنظرت له وقالت: فيروز: طيب ممكن طلب أخير؟ زفر بيبرس بقوة: بيبرس: اتفضلي قولي. فيروز بقلق وتردد: فيروز: أنا ممكن أشوف ماما لو من بعيد. بيبرس: نعم يا أختي؟ هو حد قالك إن أنا الدادة بتاعتك؟ فيروز وترقرق الدمع بعينيها:

فيروز: ما أنا مش عارفة، يا ترى هشوفها تاني ولا لاء، فارجوك متحرمنيش من إني أشوفها لو ليا عندك خاطر. قالتها ونظرت له من طرف عينيها لأنها لعبت على مشاعره اتجاهها. بيبرس بتفكير: بيبرس: ماشي، ممكن بس ليا شرط. فيروز وارتسمت بسمة على محياها: فيروز: اتفضل، وأنا تحت أمرك. بيبرس: أول ما هخلص الشغل اللي رايحه له ده هنسافر أنا وانت. اتسعت حدقتاها من الصدمة، لكن جاء لها صوت بفكرها قال لها بأن توافق على شرطه حتى تنفذ ما تخطط له.

فيروز: حاضر، اللي انت عايزه. بيبرس بابتسامة ماكرة: بيبرس: بموت فيكي لما بتكوني مطيعة. يلا ادخلي عشان الحق أخليكي تشوفي مامتك. صعدت فيروز لداخل السيارة وخلفها بيبرس وتحركت السيارة. وبعد 5 دقائق وصلوا بالقرب من منزل عائلتها. فيروز: ممكن أنزل؟ بيبرس: أنتِ طيبة أوي يافيروز، إزاي إن أنا خاطفك وهخليكي تشوفي مامتك؟ ده إيه الذكاء ده؟ قالها بسخرية. فيروز: اومال كنا بنتفق على إيه من شوية؟ بيبرس: ثواني هتعرفي.

أمر بيبرس إحدى رجال الحراسة بأن يذهب للمنزل ويسأل عن والدة فيروز ويعطيها ظرف به رسالة وهمية. وتعمد الحارس بأن يقابلها خارج المنزل حتى يتاح لفيروز بأن تنظر لوالدتها من نافذة السيارة. وانتهى الرجل ثم صعد السيارة وانطلقوا. لكن قبل الانطلاق، استغلت فيروز انشغال بيبرس بالحديث في الهاتف وفتحت النافذة قليلاً بدون أن يلاحظها وألقت منها بورقة مطوية. ***

وصل أخيرًا أمام مشفى السويفي الخاص ونزل من السيارة وحمل رنيم ودلف مسرعًا لداخل المشفى وهو ينادي. إياس بصوت جهوري: إياس: حد من الدكاترة يجي بسرعة. رنيم كانت في حالة سيئة، فنفسها كاد يتوقف، وبشرتها شديدة الاحمرار. رفأت طبيبة له مسرعة: الطبيبة: إياس بيه، أهلاً وسهلاً بحضرتك. إياس: مش وقته سلامات، الحقيها بسرعة. الطبيبة: تعالي بسرعة ورايا.

ذهب خلفها ودلفا حجرة من أجل الفحص. وضعها إياس على التخت. اقتربت منها الطبيبة وانحنت بجذعها وهي تتفحصها، فنادت على إحدى الممرضات بالخارج: الطبيبة: مي، هاتي لي كلاريتين لو سمحت وكوباية ميه. ثم أخذت جهازًا من على الطاولة المجاورة للتخت به كمامة بلاستيكية توضع على الفم والأنف. فضغطت على ذلك الجهاز ليعمل، فبدأ النفس ينتظم لدى رنيم وكانت تنظر لهم بعينين واهنتين. إياس بتوتر: إياس: مالها يا دكتورة؟

الطبيبة: مدام حضرتك عندها حساسية مزمنة وشديدة، والظاهر كده شربت أو أكلت حاجة ممنوعة عنها فبدأت الأعراض تيجي لها بالضيق في التنفس والاختناق. أنا عمومًا أدتلها جلسة استنشاق عشان يوسع الشعب الهوائية عندها وهديلها علاج الحساسية. إياس تذكر عندما شربت عصير الفراولة وأخذ يلوم نفسه ثم أردف قائلاً: إياس: طيب يا دكتورة، كده بقت كويسة؟

الطبيبة: آها، عادي ممكن تروح بعد ساعة كده عقبال ما أتابعها. أنا هسيبها ترتاح دلوقتي وهجيلها بعد شوية تكون خلصت الجلسة وهديلها العلاج. عن إذنك. إياس: اتفضلي حضرتك. اقترب من رنيم وجذب مقعد وجلس بجوارها ومسك يدها وينظر لها بحنان وخوف عليها ثم قال: إياس: كده يارنيم تبقي عارفة إن الفراولة غلط عليكي وتشربيه. نظرت له ثم ترقرقت عبراتها في عينيها وأشاحت وجهها للجهة الأخرى. إياس: طب بتعيطي ليه دلوقتي؟ أنا زعلتك في حاجة؟

طيب ممكن تبصيلي ومتوديش وشك الناحية التانية. نهضت بجذعها وهي تتخلص من الكمامة وتلقي بها جانبًا. إياس: بتعملي إيه؟ رنيم: أنا عايزة أمشي، ممكن تروحيني البيت لو سمحت؟ إياس: طيب استني تخلصي الجلسة الأول وتاخدي العلاج. رنيم بأنفعال: رنيم: بقولك عايزة أمشي... أو لاء، قولي همشي أنا أحسن. قالتها ثم مشت بخطى سريعة وهو أسرع خلفها ويمسكها من معصمها: إياس: مالك يارنيم؟ في إيه؟ رنيم وهي تتخلص من قبضته لتلقي بها بقوة واردفت

بصوت حزين ممزوج بالغضب: رنيم: في إنك واحد خاطب، ومينفعش أقف معاك حتى ولا نتقابل، لأن كده بغلط في حق نفسي وبرخصها. إياس: أنا فسخت خطوبتي يارنيم. رنيم: وأنا مالي؟ إياس: مالك! عشان أنا... قاطعته قائلة: رنيم: أنت متحبيش حد غير نفسك، وارجوك متضحكش عليا بكلام مش هصدقه، لأنك لو زي ما لسه هتقول إنك بتحبني، مكنتش تخليت عني من زمان. إياس: أنا وقتها كنت شايفك أخت صاحبي الصغير. رنيم: قصدك الطفلة زي ما قولتلي ساعتها.

إياس وزفر بغضب: إياس: طيب انتِ إيه اللي يرضيكي دلوقتي؟ رنيم: إن مش عايز أشوفك تاني، ويا ريت متتصلش عليا ولا أشوفك بالصدفة حتى. إياس بكبرياء: إياس: يعني انتي عايزة كده؟ رنيم بتحدي: رنيم: آها. إياس بنظرات سخط لها: إياس: حاضر، اللي انتي عايزاه. ومن هنا ورايح انتي هتبقي زي أختي. وقعت كلماته على مسمعها كالصاعقة، وكادت تبكي لكن منعت عبراتها بقوة حتى لا تكشف ضعفها أمامه. إياس وهو يولي ظهره لها:

إياس: يلا عشان أوصلك. وطول ما صقر وهو مش موجود، انتي مسئولة مني، يعني خروجك ودخولك البيت بحساب وبعلم. رنيم رمقته بغضب ولم ترد على كلامه لها. ثم ذهب كلاهما واستقلا السيارة وأوصلها أمام المنزل ونزلت وصفقت خلفها الباب بقوة، وهو لم يعير لها أي اهتمام وانطلق بالسيارة. *** في فيلا صلاح السويفي.

بدأت الموسيقى والإضاءة المتحركة بالتشغيل واجتمع جميع المعازيم بالحفل، حيث الطاولات الراقية المزينة بالزهور البيضاء والكريستال العاكس للإضاءة والمقاعد المزينة بالحرائر. وكان المكان الذي يخص العروسين في ركن هادئ أمام كل أنظار المتواجدين، حيث أريكة ذات أقمشة مخملية باللون الأبيض المتلألأ ومساندها معكوفة ومسند الظهر عبارة عن سياج من زهور الليلك ذات اللون البنفسجي. وأمام الأريكة ساحة كبيرة من الزجاج الشفاف وأسفله إضاءة بألوان متعددة، فهي ساحة ليتجمع عليها الحاضرين للرقص.

وفي مشهد، العروس خرجت من داخل الفيلا أثناء تهليل وتصفيق الحاضرين. ترتدي فستان بلون الأسود الذي جعل الكل يتهامسون بتعجب. وكان ينتظرها شهاب الذي كان يرتدي التوكسيدو ولونه مثل لون فستانها. اقترب منها وهو يعطي لها ذراعه لتضع يدها على ساعده المنحني (إنكجيه) . فاقترب من أذنيها التي كان يغطها شعرها المنسدل على كتفيها فهمس لها: شهاب: يعني بتعاندي معايا ولبستي فستان أسود عشان تحرجيني قدام الناس؟

لكن ده بعدك يا سيلي برضه، هكتب الكتاب إن شاء الله لو لبسك عفريت. لمست له هي الأخرى بشفتيها ذات الحمرة القاتمة ونظرت له بعينيها المزينة بالكحل والظلال الداكنة، فمن يراها يحسب أنها الأرملة السوداء وليست عروس في يوم خطبتها: سيلين: كتفك عفريت ما يلبسك انت. وعايزاك تكتب كتاب ومجلد زي ما تحب، بس إنك تلمس شعرة ده بعدك يا شيبو. قالتها بسخرية. شهاب ابتسم بخبث:

شهاب: بأمارة كل ما أجي أبوسك فجأة ألاقييكي تايهة ومستسلمة، ولا أنا غلطان؟ استشاطت غضبًا: سيلين: الليلة دي تخلص بس والناس تمشي، ولك عليا هخليك تندم على كل حرف قلته. قالتها ثم دهست بكعب حذائها الرفيع والحاد على قدمه فجعلته يتأوه بأنّين مكتوم حتى لا يلاحظه أحد، فضغط على يدها بثنية مرفقه وابتسم لها ابتسامة صفراء: شهاب: هنشوف مين اللي هيندم التاني يا روحي.

وصلا عند الأريكة ليبارك لهما جميع الحاضرين. وها هو المأذون الشرعي قد أتى وجلس أمام طاولة جانبية بالقرب من الأريكة، فهو في الوسط وشهاب وصلاح على جانبيه جالسين وسيلين بجوار شهاب. تمسك بباقة زهور باللون الأسود أيضًا. وبدأ مراسم كتب الكتاب بالخطبة: المأذون: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا... بارَكَ اللَّهُ لَكَ وبارَكَ عليْكَ وجمعَ بينَكُما في الخير.

انتهى المأذون وارتفعت أصوات الزغاريد والمباركات من الحاضرين. اقتربت هايدي من سيلين وهي تعانقها: هايدي: ألف ألف مبروك يا قلبي وعقبال يوم الزفاف. سيلين ترمقها بسخط: سيلين: اسكتي بدل ما أنفجر فيكي دلوقتي. وبعدين فين مايا المعفنة مجتش ليه؟ هايدي: بقالها كام يوم قافلة الفون بتاعها ولا بتفتح ماسنجر ولا واتس ولا أي حاجة خالص. تذكرت سيلين ما حدث لصديقتها فصمتت. شهاب اقترب منها: شهاب: مبروك علينا يا قلبي.

سيلين: كتفك وجع في قلبك. فأسقطها بقبلة في شفتيها أمام الجميع ثم سحبها من يدها إلى ساحة الرقص حيث بدأت الموسيقى الهادئة ليتراقصا عليها متعانقين. سيلين: آآآه.... تأوهت بسبب قبضة يداه على خصرها كانت بقوة. شهاب: هو انتي لسه شفتي حاجة! انتي خلاص بقيتي حرم شهاب السويفي وأخيرًا دخلتي جوه القفص يا روحي. سيلين: طلعت روحك يا بعيد. نتركهما معًا حيث تخبئ الأقدار لهما مصير سنعرفه لاحقًا في الأحداث القادمة. ***

وعودة مرة أخرى لمحافظة الوادي الجديد. في منطقة قريبة من الطريق الصحراوي بواحات الداخلة تقف عدة سيارات مصفحة تابعة لوزارة الداخلية وبها العديد من رجال القوات الخاصة، حيث الكل على أهبة الاستعداد. ونذهب لداخل إحدى السيارات التي تشبه غرفة صغيرة من الداخل، فهي غرفة العمليات أو مركز القيادة معدة من الداخل بشاشات حاسبات وأجهزة رادار وأجهزة لاسلكية.

يقف العقيد كارم الطوبجي على طاولة صغيرة وبجواره كلا من صقر وأمير وضباط آخرون يشرح لهم خطة الهجوم على أفراد العصابة. كارم بصوت أجش: كارم: دلوقتي كده أنا شرحت لكم الخطة بكل تفاصيلها الدقيقة، ويا ريت أتمنى مش عايز غلطة، لأن أي غلطة يبقى كل مجهودنا هيروح هدر غير الخسائر اللي ممكن تحصل. صقر: متقلقش يا فندم، إن شاء الله هنقبض عليهم متلبسين كمان، هم واللي هيستلموا الشحنة.

كارم: من غير ما تقول يا صقر، أنا واثق في ذكائك وإخلاصك في عملك، أومال أنا اخترتك معايا في الفريق ليه. صقر: ده شرف ليا كبير يا فندم. كارم: تسلم يا سيادة النقيب. أمير: يا فندم، جانا دلوقتي من المراقبة اللي قريبة من بيت بيبرس إنهم بدأوا بالتحرك. صقر وتملكه الغضب: صقر: أنا لازم أروح أخلصها من إيديهم بسرعة قبل ما يعملوا فيها حاجة.

كارم: اهدى يا صقر، ده أنا لسه كنت بشيد بذكائك. أنت كده هتضيع كل اللي بنعمله. خليهم فرحانين وفاكرين إنهم واخدينها رهينة، بس إن شاء الله هنرجعها بألف سلامة. صقر: يا فندم يعلم ربنا أنا مستحمل إزاي وضغط على نفسي جامد. كارم: إن شاء الله خير، متقلقش. وأنا يا سيدي هخليك في المقدمة. صقر: يااااااارب.

ثم أخرج من جيب بنطاله هاتفه الذي تركه على وضع الاهتزاز ليرى رقم غير مسجل يتصل به. فأغلق ليضعه في جيبه ليعود هاتفه للاهتزاز مرة أخرى. صقر لنفسه: صقر: ده مين الرقم ده؟ لما أرد ليكون فيه حاجة. قام بالرد: صقر: الو. والمتصل: ................. اتسعت حدقتاه وبصوت جهوري وهو يلقي هاتفه أرضًا بغضب عارم: صقر: يا ابن الـ........ وربنا ليكون موتك على إيدي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...