تحميل رواية «عشق الغرام» PDF
بقلم ندى ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
” أنتِ طَالِق ” هكذا صافحت العبارة أُذنيها ما أن همَّت بفتح الباب، فتحيَّرَ بصرها ودُهش ونظرت له مصعوقة لثوانٍ لا تقو على الحراك ولا على مفارقة محياه، وفغرت فاه وهمت بكلام لم يلبث أن عاد إلى جعبتها مطرق مندهش، كانت صدمة محال لقلبها الهَشْ أن يتحملها، ثُم هزت رأسها وهي تفسح الطريق متبسمة بابتسامة لا تكاد تبزغ على ثغرها الحزين، وغمغمت : _ إنتَ قُلت حاجة؟ ودت لو إن ما ألقى كان من محض مخيلتها فقط، لكنه حطم أملها عندما هز رأسه قائلًا في قسوة : _ آه، قُلت إنك طَالِق وإني جاي انهاردة بس عشان أطلقك. ضحك...
رواية عشق الغرام الفصل الأول 1 - بقلم ندى ممدوح
” أنتِ طَالِق ”هكذا صافحت العبارة أُذنيها ما أن همَّت بفتح الباب، فتحيَّرَ بصرها ودُهش ونظرت له مصعوقة لثوانٍ لا تقو على الحراك ولا على مفارقة محياه، وفغرت فاه وهمت بكلام لم يلبث أن عاد إلى جعبتها مطرق مندهش، كانت صدمة محال لقلبها الهَشْ أن يتحملها، ثُم هزت رأسها وهي تفسح الطريق متبسمة بابتسامة لا تكاد تبزغ على ثغرها الحزين، وغمغمت :_ إنتَ قُلت حاجة؟ودت لو إن ما ألقى كان من محض مخيلتها فقط، لكنه حطم أملها عندما هز رأسه قائلًا في قسوة :_ آه، قُلت إنك طَالِق وإني جاي انهاردة بس عشان أطلقك.ضحكت في مرارة، ضحكة غير مصدقة وهي تهمس بصوتٍ أضناه الضياع :_ إيه الهزار البايخ ده؟هز كتفيه بلامبالاة كأنه لا يهتم بكسر قلبها، وأردف قائلًا بجحود :_ مش هزار ولا حاجة، في حد يهزر في موضوع زي ده؟!حاولي تستوعبي عشان أنتِ خلاص طلعتِ من حياتي، وآه بكره هخطب، حبيت أأقولك بس عشان متصدميش لما تسمعي عن خطوبتي وتقولي إني قليل الأصل.كأنَّ دلوًا من الماء المغلي إنصب بغتةً على قلبها، فسعرت به النار وأوردته رمادًا دون حياة..دون نبض..دون أمل..فقط رماد لم تنثر ذراته فظل لهيبه يكويها كويًا..كانت تنظر له مبهوتة، ممتقعة الوجه…متى تزوجت لتطلق؟!إنهم منذُ أيام قلائل عقدا قرانهما، فهل ستصبح مطلقة دون زواج فعلي؟!تطلعت غرام إلى ملامحه الصارمة في ذهول، ثم هتفت:_يعني إيه هتخطب بكرة؟ أمال اتجوزتني ليه؟إذ كنت ناوي تطلقني عملت كدا ليه؟ أنا بنت عمك!زم طارق شفتيه بضيق، وتنهد قائلًا:_أنتِ بنت عمي وكل حاجه وعمي على رأسي من فوق، بس أنا مش بحبك؟ضحكت (غرام) كأنما أصابها مسٌ من جنون، وقاطعته قائلة:_لسه دلوقتي عارف إنك مش بتحبني؟ أمال إيه كلام الحب اللي كان بينا ده؟ وإنك بتحبني ومش هتتخلى عني وإني حياتك؟في برود أجابها بسأم:_غرام، أنا مكدبتش عليكِ في كل ده، أنا كنت بحبك بس اكتشفت إني مش بحبك وبحب واحدة تانية.هزت (غرام) رأسها في جنون، وصرخت:_أنت اكيد مجنون، الناس هتقول عليَّ إيه؟هز محمود كتفيه، وأجابها في هدوء كهدوء البحر قبل العاصفة:_ميهمنيش كلام الناس، أنا كل اللي يهمني نفسي.وسكت لهنيهة، ثم أستطرد قائلًا:_أنا مش هقول لك أسف عشان مغلطتش، وبالمناسبة مش عايزك ترجعيلي أي حاجه جبتها، وأتمنى تفهمي عمي عبد السلام إني عملت كدا غصب عني عشان مظلمكش معايا، سلام.ولم ينتظر ردها، بل أستدار منصرفًا، وانسابت دمعة حزينة على وجهها وهي تشيع رحيله، وما أن غاب عن بصرها حتى سقطت مرتكزة على كفيها فوق الأرض وهي تشهق بغصة مريرة.ماذا قد تقول لوالدها حين يعود؟كيف ستواجه الناس؟!بل ماذا سيقولون عن بنت تخلى عنها زوجها الذي هو ابن عمها قبل موعد الزفاف بأيام قلائل؟لا حياة لشخصٍ حزين أثقلته الهموم، ولا أمان لشخصٍ متقلب المشاعر خائن النفس، ظلت (غرام) كامنة في مكانها تبكي في صمتٍ حائر، وقد جزعت أشد جزع من مواجهة والدها، بل أفزعتها الوساوس وأخذت تحركها كريشة في مهب الريح.وبينما هي واقفة لدن الباب، إذ أنبعث صوت من داخل البيت لسيدة طاعنة في السن، تقول بهذيان:_بتعملي إيه يا بت عندك؟ وبعدين فين ابني عبده؟ إزاي سايبك واقفة كدا؟ألتفتت إليها (غرام) ولم تنبس ببنتِ شَفة، فتوسمت فيها المرأة النظر، وغمغمت وهي ترفع العصاة التي تتكأ عليها، وتلوح بها في وجهها:_أنتِ خدامة هنا ولا حرامية؟ انطقي يا بت ساكتة ليه؟!شهقت (غرام) في البكاء، وما تجدي العبرات عن حزنٌ استوطن القلب؟ فمحت عبارتها بأصابعها، واندفعت نحو جدتها ترتمي بين ذراعيها، فرقت لها المرأة العجوز وتركت العصاة من يدها وهي تربت على ظهرها، قائلة:_متبكيش يا بنتي خلاص لما يجي أبوكي من برا هخليه يجيب لك اللعبة اللي عايزها.فضحكت غرام من وسط دموعها، وهمست بصوت متهدج:_كفاية يا تيتا بقا، أنا تعبت..وسكتت لهنيهة، ثم أتبعت تقول:_ابن ابنك طلقني قبل فرحنا، الناس هتقول عليَّ إيه؟لكنَّ جدتها لم تعر عبارتها اهتمامًا، إنذاك انبعثت صوت نحنحة رجولية من ورائهما، ثم علا صوت عبد السلام، قائلًا بتلهف:_غرام، مالك يا بتي بتبكي ليه؟فأستدارت له غرام، وقد أحجمت عمَّا كادت أن تبوح به، ورمقته مليًا، ثم قالت في ثبات:_ طارق بن عمي كان هنا.اومأ والدها برأسه وهو يدنو منها، قائلًا في دهشة:_وماله، فين المشكلة؟ثم أستدرك وهو يحدجها بنظرة فاحصة:_أتخنقتوا ولا إيه؟هزت غرام رأسها نفيًا، ثم فجرت ما يعتمل في صدرها، وهي تهتف:_جه عشان يطلقني، ويقول ليَّ إنه هيخطب بكرا!حملق والدها فيها بصدمة وتقهقر للوراء في هلع، وسأل في تأنٍ وهو يصيخُ السمع لإجابتها:_أتخبلتي يا بت أنتِ، ولا إيه اللي بتقوليه ده؟! طلاق إيه وخطبة مين؟ترقرق الدمع في أعين غرام، وهي تجهش في البكاء، قائلة:_زي ما سمعت يا بابا طارق طلقني وبكرا هيخطب.فصرخ والدها وهو يدفعها من أمامه جانبًا:_دي ليلته طين ولد قاسمذ، إزاي يعني يطلقك قبل الفرح بأيام وهيخطب بكرا، لعب عيال هو ولا إيه؟ والله لقومها حريقة عليهم.وأندفع بخطوات واسعة للخارج، بينما حاولت غرام اللحاق به وإيقافه لكنها لم تفلح؛ إذ إن أبيها إذا أستبد به الغضب نما بداخله كبركان ينفجر في وجه الجميع دون تمييز!☆☆☆☆☆جلست (غادة) على طاولة الطعام، برفقة أخيها الوحيد وكل عائلتها بعد ما ماتا أبويها، وتناولت طعامها في جوٍ يسوده الصمت الثقيل، قبل أن ترفع بصرها عندما انبعث صوت شقيقها (يمان) يقول:_غادة، أنتِ بجد مش زعلانة مني؟شُخص بصر (غادة) عليه لوهلة، ثم افتر ثغرها عن بسمة مشرقة أضاءت وجهها، وقالت بنبرة يتفعمها الحنان:_وأزعل ليه بس يا يمان؟! أنت غلطان يا حبيبي أنا عمري ما أزعل منك، وعارفة ومتأكدة إنك طلبت مني اسيب خطيبي عشان سبب قوي، ومش هسألك إيه هو لإني واثقة فيك؟فمال (يمان) إلى الأمام، وهو يلتقط كفيها الرقيقين بين راحتيه، ويتمتم:_مكنش يستاهلك أبدًا، أنا عرفت عنه حاجات كتيرة وحشة خلتني اندم إني وافقت عليه من البداية، حقك عليَّ…قاطعته (غادة) وهي تقول بعتاب:_متقولش كدا أنا واثقه فيك وفـرأيك.لثم (يمان) كفيها في رِقة، وقال:_وعشان ثقتك فيَّ دي وإنك بنتي وأختي في نفس الوقت مش هجوزك إلا لشخص يقدرك ويحافظ عليكِ ويشيلك جوا قلبه، وإلا أنا إيه لذمتي لو جوزتك لشخص وحش؟!فضغطت (غادة) على كفيه في وِد، وغمغمت:_ربنا يديمك ليا وميحرمنيش منك أبدًا.فغمز لها وهو ينهض، قائلًا:_ولا منك يا حبيبي، هروح الشركة دلوقتي عشان أتاخرت، أوصلك معايا للكلية ولا مش رايحة انهاردة؟استقامت (غادة) وهي تلملم الأطباق، قائلة:_لا يا حبيبي روح أنت شغلك وأنا ساعة كدا وهطلع على الكلية عشان لسه بدري.فسألها باهتمام:_طيب، مش عايزة حاجة؟فأجابته ببسمة لطيفة:_عايزة سلامتك، خلي بالك من نفسك ربنا ينور طريقك ويجنبك ولاد الحرام.ارتسمت بسمة واسعة على محيا (يمان) وهو يؤمن على دعواتها التي تشرح صدره، ولثم جبهتها بعاطفة وهو يقول:_وأنتِ كمان خلي بالك من نفسك.لم تلبث (غادة) إن ذهبت إلى كليتها وأنهت محاضراتها، ثم عادت إلى البيت لتجهز الطعام لشقيقها، توقفت سيارة الأجرة أمام البناية التي تقطن فيها، فترجلت منها ويممت وجهها شطر المدخل مباشرة، لكنَّ فجأة برز خطيبها السابق أمامها فبرق بصرها من شدة الفزع وأرتدت للخلف مصعوقة من الغضب المتوحش في مقلتاه، وغمغمت في ارتياع:_رجب، أنت بتعمل إيه هنا؟هز (رجب) رأسه، وهو يقول بصوتٍ مبهم:_ولا حاجة جاي أشوفك وأعرف ليه سبتيني؟!ازدردت (غادة) لعابها في توتر، وقالت متلعثمة:_لإننا مش مناسبين لبعض؟فضحك (رجب) في غموض، وسألها بصوتٍ مخيف جعلها تتوجس خفية:_واكتشفتي على غفلة كدا إننا مش مناسبين لبعض؟!وتهدج صوته بغتة، وهو يهمس بصوتٍ خافت حزين:_أنا حبيتك!وأستل من جيبه قنينة زجاجية، وهو يستطرد بلهجة حادة:_وعشان حبيتك مش هسيبك تكوني لغيري، سامحيني لإن وشك وملامحك الجميلة دي مش هسمح لحد يشوفها غيري.توترت (غادة) وهي تتراجع، وعينيها تجوبان يمنى ويسر بحثًا عن أي مساعدة، لكن المكان كان خالي كقبرٍ موحش غادره المشيعون بعد أن أهالوا التراب على جسد عزيز، وأجهشت في البكاء، وهي تسأل في توتر:_أنت عايز إيه بالضبط؟نزع (رجب) غطاء القنينة وهو يقول بصوتٍ بدا لها كصوت فحيح أفعى سامة:_هشوه وشك!وأطل فزع هائل من أعين (غادة) وهي ترتد مصعوقة، وتتلفت حولها في لهفة تستنجد بأي عابر لينقذها..
رواية عشق الغرام الفصل الثاني 2 - بقلم ندى ممدوح
هشوه وشك!
رفع رجب القنينة التي تحتوي على السائل، وهو يتهيأ لدفع مياه النار على وجهها.
صرخت غادة في رعبٍ بدد السكون السائد، وهي ترفع ذراعيها لوجهها لتواري ملامحها عن مرمى يديه.
سرت في أوصالها رجفة، أرتج لها الفؤاد، وصراخها أنطلق يشق عنان السماء.
أحست ببعض قطرات المياة تندفع على ذراعيها الذين تحتمي فيهما، وتأوهت بأنين شديد من شدة الألم الذي أضناها وهي تسقط أرضًا.
ل تدفن وجهها بين قدميها، وتحوطهما بذراعيها، وأرتفع نشيجها، ولسانها يردد بصوت متلعثم:
لا، لا، لا حرام عليك متعملش كدا، أرجوك يا رجب.
كان جسدها ينتفض بهيئة يرقُ لها القلب، ولكنها لم تشاهد ما حدث.
لم تشاهده قط…
فـ أمامها مباشرةً، وبينما هَم رجب أن ينثر محتوى الزجاجة الذي لامس فقط ذراعيها، أندفع بغتة شاب واقفًا أمامه.
وغضب الدنيا كلها في عينيه اللاتين بدتا كعينا صقر، وقبض بقبضة فولاذية على ذراع رجب.
وبحركة واحدة كان يدفع يد رجب بمحتوى الزجاجة على وجه هذا الأخير، الذي دوى صراخه متتاليًا وهو يمسك وجهه بكفيه.
وبكل ألم وذعر الدنيا، صرخ رجب مجددًا، وهو يتراجع في عنف.
فخفت صراخ وبكاء غادة رويدًا رويدًا، وأنقشعت غشاوة الدمع عن مقلتيها شيئًا فشيئًا.
وفتحت جفنيها على صوت ينبعث من جوارها مباشرةً يسأل في اهتمام:
غادة، أنتِ كويسة؟ افتحي عيونك رجب مستحيل يأذيكِ!
فرفعت بصرها إليه، وتطلعت فيه في تأمل وقد سكن قلبها الخافق من نظرة الأمان والأحتواء في عينيه.
وغمغمت مجددًا باكية:
رجب هيشوه وشي بمية نار.
فأجابها نافيًا، بنبرة كلها حنان:
مستحيل يقرب منك وأنا موجود.
وألتف للوراء وهو يشير لها بكفه وعينيه، قائلًا:
رجب هياخد جزاته دلوقتي، برغم إنه خده كاملًا أصلًا.
وحادت غادة ببصرها لمَ يشير، فوجدت رجالًا يقودون رجب المنهار.
فوقفت ببطء وتمعنت النظر في وجهه ثم شهقت في ارتياع وقد هالها تشوهه الذي التهم كل ملامحه.
وعلمت إنها كانت ستكون مكانه، وتصورت وجهها بذاك التشوه، وتراجعت للخلف مصعوقة وهي تنفجر في البكاء.
وحاول الشاب أن يدنو منها وهو يطمئنها ببعض الكلمات التي لم تجدي نفعًا ثم سقطعت مغشيًا عليها.
وصوت رجب المرتعب يتسلل إلى اذنيها كفحيح أفعى:
متفكريش إنك أتخلصتي مني، أنا راجع هرجعلك وهيكون وقتها حسابي معاكِ أصعب مليون مرة مما تتخيلي، هحاسبك.
واندفع الشاب إليها في لهفة، ومال عليها واحتواها بين ذراعيه.
لا شيء مر على خير فالنكبة لم تزد الأمر إلا اشتعالًا، وتفرقة بين الأخين، وجدالًا حاد أنتهى بمقاطعة لا أحد يعلم مداها غير الله.
لكنَّ وفي غمرة تلك الجائحة نسى الجميع غرام..
غرام التي باتت مطلقة قبل زفافها بأيام قلائل..
والخائن ليس غريب، إنه ابن عمها..
ابن عمها الذي كان يجب أن يكون هو السند، الأمان، والظهر، فجاءت الطعنة منه حادة تعقر القلب دون ذرة رحمة.
وصلها نبأ خطبته فتهدم فؤادها الهَش إلى شظايا تناثرت في جُبٍ سحيقٍ، مظلم..
قضت بعض الأيام والليالي حبيست حجرتها، شاحبة الوجه لا تقو على لقاء أحد، لم يدخل جوفها من الطعام إلا القليل.
لكن قد آن الوقت لتخرج لتطمئن على جدتها، وتهتم بأبيها وتخرج من البيت..
إلى متى ستبقى منعزلة عن العالم؟
لقد آن وقت الخروج ولا مناص من ذلك.
أستيقظت ذات صباح وأطعمت جدتها، التي قالت لها بعقلٍ ذاهب:
مش قولت لك يا فقرية متوافقيش على الواد ده؟ قولتلك يا ليلى ولا مقولتش؟
وضحكت غرام وهي تهز رأسها في أسى، وغمغمت:
بنتك ليلى خلاص ماتت يا ستي، أنا غرام.. غرام بنت ابنك عبد السلام.
زمَّت جدتها فمها بغيظ، وأردفت:
موتة تاخدك يا بعيدة، قال بنتي ليلى ماتت قال، موت يلهفك متقوليش كدا، أنا قولت لعبد السلام ميتجوزكيش!
وأخذت تلوي شفتيها بقلة حيلة، وهي تسترسل:
معرفش عجبه فيكِ إيه تاه نيلة.
شوحت لها غرام بكفها في لامبالاة، وقالت لها:
طيب يا تيتا اشتمي في ماما براحتك، أنا هروح الغيط اودي الغدا لبابا والبت نهلة هتيجي تقعد معاكِ تخلي بالها منك.
لم تعيرها جدتها أيُ اهتمام، بينما أنصرفت غرام بعدما حضرت نهلة ابنة عمتها ليلى المتوفية لتهتم هي بالمرأة العجوز.
ويمَّمت غرام وجهها شَطر الأراضي الذراعية، ومعها الغذاء.
وبينما هي تسير تناهى لها همسات الناس حولها الذين كانوا يثقبونها بنظراتهم الحادة:
بيقولوا ابن عمها طلقها!
وهو في ابن عم يطلق بنت عمه إلا لو في سبب!؟
ياختي يمكن البت غلطت مع حد عشان كدا سابها!
صح امال هيسبها ليه؟
بنات أخر زمن وعاملة نفسها شيخة ولابسة اللبس الشرعي للدين استغفر الله يا رب كويس إن ابن عمها ستر عليها ومفضحهاش.
تسمَّرت غرام في مكانها، لم تقو على الحراك خطوة واحدة، الهمسات كانت تدوِّ في رأسها كصليل الجرس، وأحست بأن قلبها واجفًا، وانهمرت العبرات من جفنيها في صمتٍ.. وانكسار.
لكن لماذا الأنكسار؟
ما الجرم الذي اقترفته؟
لماذا أصبح الجميع قُضاء بغتة يحكموا عليها دون دليل؟!
دموعها تترى، والفؤاد واجفًا، والعقل منشغل، والهمسات تلاحقها، لأول مرة يتهمها الجميع في أخلاقها وسمعتها، والناس لا ترحم إنهم الموت إذ يجيء بلا إنذار.
رفعت رأسها في شموخ رغم آثار الدموع التي بلّلت وجهها، وأقبلت نحو النسوة الذين خاضوا في عرضها دون حياء، أو خوفٌ من الله.
فرحبت بها إحداهن، قائلة:
إزيك يا غرام يا بنتي عاملة إيه؟
فردت غرام في هجوم:
بنتك؟
ورمقتها بإزدراء، وصاحت بصوتٍ عال:
مش عشان أطلقت أبقى غلطت مع حد، ومش عشان ابن عمي سابني يبقى انا السبب، بلاش تعلقوا أخطاء الغير على الطرف المظلوم، ومش هبرر سبب طلاقنا لإن دي حاجه خاصة بينا، بس لازم تعرفوا إن الزواج ده نصيب من الله.
ونظرت إلى إحدهن، وتابعت:
أخلاقي غالية جدًا وعمري ما هقل من اللبس الشرعي اللي أنا لبساه.
ودارت بصرها بينهن، وهي تردف بنبرة أقل حدة:
أنتم ناس الواحد يشفق عليكم على تفكيركم المتخلف ده؟
البنت مش لازم تدفن عشان أطلقت، لإن ده مش عيب ولا حرام، اللي لازم يدفن هو عقولكم المريضة.
وسكتت لهنيهة تستطرد أنفاسها، وقالت:
ليه البنت لما تطلق عينكم بتبقى عليها في الرايحة والجاية، ليه تحكموا عليها لو تأخرت عن بيتها او خرجت مشوار، ليه مش لازم تخرج لوحدها لما تطلق؟
دا بدل ما تقفوا جنبها، وتساعدوها تقف على رجليها بتهدوها ليه؟
الطلاق مش غلط ولا عيبة، افهموا بقا، والمطلقة يحق لها الخروج عادي وإنها تعيش حياتها زي ما كانت سابقًا وأفضل.
وأنا عمري ما هغلط مع حد مش عشانكم ولا خوف منكم ومن كلامكم.
وهزت رأسها، وهي تتابع:
ولكن خوفًا من الله المطلع عليَّ وهيحاسبني، انتوا مين بقا عشان تحاسبوني؟
فوقوا واعرفوا إن المطلقة هي نفسها البنت اللي اتجوزت ومحصلش نصيب وانفصلت، انفصلت عشان محصلش توافق مش اكتر.
أنهت عبارتها وركضت جهة منزلها وهي تنفجر في البكاء، حاولت نهلة اللحاق بها ومعرفة سبب بكائها، لكن غرام لاذت بحجرتها وأغلقت بابها ورائها، وأستندت عليه وأنزلقت بظهرها إلى الأرض..
مؤلم أن ينبذ المرء من العالم أجمع لذنبٍ لم يرتكبه.
لم تدرِ غرام كم ظلّت على تلك الحالة، حينما رفعت رأسها وودت لو أن تعانق أحد وتبث له شجونها، فألتقطت هاتفها وذهبت إلى فراشها وفتحت تطبيق الفيسبوك.
حينئذٍ وجدت طلب صداقة من شابٌ لا تعرفه، فقبلته دون تردد، ولأول مرة تقبل بأحد غريب على صفحتها.
ومن هنا بدأت الحكاية..
وهنا أيضًا ستنتهي!
قد ينغمر المرء في الذنوب لينسى!
لكن هل تُنسي الذنوب مرارة الأيام؟
هل تمحو شهوات الآثام الآمًا في ثنايا القلب قد حُفرت؟
اندفع يمان بين أورقة المستشفى ما أن تناهى له نبأ وجود شقيقته فيها، فحضر متلهفًا وهز يرتعد من القلق، كانت عيناه تطل منهما الخوف والفزع جليًا.
وأدار أكرة الحجرة في عجل، وما كادت عيناه تقعان عليها حتى هرع إليها وضمها إلى صدره، وهو يهتف:
إيه اللي حصل؟ إزاي حصل كدا؟
لكن غادة استكانت في حضنه وهي تبكي دون أن تنبس ببنت شفة.
بينما انبعث صوت رجولي من ورائه، يقول في هدوء مهيب:
متقلقش أختك بخير متأذتش، ورجب دلوقتي في السجن بيآخد جزاؤه، الحمد لله إني كنت موجود وقدرت ألحقها.
فلاذ يمان بالصمت وهو يربت على رأس شقيقته في حنوٍ شديد، وهم أن يجيب هذا الصوت الرجولي، وأن يلتفت له.
لكن غادة شددت من أحتضانه بارتياع وهي تتشبث به اكثر، قائلة:
لا يا يمان متسبنيش!
فظل محتضنًا لها حتى كفت دموعها عن الجريان، وغفت بين ذراعيه.
فمدد جسدها على الفراش برفق، ولثم جبهتها بكل حنان الدنيا، وأطلت من عينيه نظرة مخيفة متوعدة، وقد أحسّ إن قلبه اقتُلِع من صدره.
وعلى حين غرة أحسّ بكفٍ ما تحط على منكبه، مصحوبة بصوتٍ يقول في هدوء:
إياك تفكر تعمل حاجة توديك في داهية، وفكر في أختك اللي ملهاش غيرك في الدنيا كلها.. وسيب القانون ياخد مجراه.
فتطلع يمان مليًا إلى الشاب الغريب الذي أنقذ، وأسعف شقيقته، وبانتْ ابتسامة على ثغر الشاب هدّأتْ من روعه.
فألتقط نفسًا عميقًا، وتمتم:
معاك حق.
وأستدرك قائلًا في اهتمام، وهو يثقب الشاب بنظراته المندهشة:
بس أنت مين؟ وإزاي فجأة أنقذت غادة، وجبت رقمي منين؟
فتراجع الشاب الغريب خطوة، وهز كتفاه العريضين في بساطة، وتبسم وهو يقول بنبرة باردة:
عادي، كل شيء في أوانه حلو.
وهم يمان أن يستفسر عن مغزى كلامه المبهم، أسكته طرقًا على الباب دخل على إثره رجلًا يناهز الخمسين عامًا، وهو يقول في لهفة:
يمان ابني حصل إيه؟ مال غادة يا حبيبي إيه اللي حصل؟
اندفع يمان إلى الرجل، وأمسك بذراعيه وهو يقول مهدئًا:
اهدئ يا خالوا، غادة كويسة الحمد لله.
ولم يلاحظ أحد تسلل الشاب الغريب خارج الحجرة، بعدما ودع غادة بنظرة عميقة دافئة كلها حنان.
بينما أزاح الرجل يمان عن طريقه، وجلس على طرف الفراش، وأخذ يمسح على رأس غادة ويقبلها وهو يقول:
يارتني كنت مكانك يا حبيبتي.. ولا اشوفك نايمة النومة دي.
وتسللت عبارته إلى أذن غادة، التي رفرفت بأهدابها وحدقت في خالها ومرت شبه ابتسامة على ثغرها وهي تقول:
خالوا.
فهتف خالها برفق، وهو يتلقفها بين ذراعيه:
يا عيون خالك.
وأسبلت غادة جفنيها وهي تستسلم لأمان ذراعيه، وران صمتٍ ثقيل قاطعه دفع الباب بحدة وصوت شاب يصيح في إنفعال:
إيه اللي حصل يا جماعة في إيه يا بابا؟
ونظر إلى غادة الممدة في حضن والده، فحوّل بصره إلى يمان وسأله:
إيه اللي حصل؟
وكوّر يمان قبضته، وهو يجز على اسنانه ، قائلًا ببركانٍ من الغضب:
مفيش يا زكريا الكلب رجب خطيبها السابق حاول يرشها بمية نار، لولا ستر الله.
وارتجف جسد غادة في حضن خالها الذي ضمها إليه أكثر ليبعث الأمان إلى قلبها، وانسابت دموعها في وجل، بينما جأر زكريا:
إزاي يعني اتجن ده؟ وإحنا هنسكت له؟
هز يمان رأسه، وقال وهو يتميز غيظًا:
في السجن اتقبض عليه، الشاب اللي مسكه بلغ عنه فورًا.
أبعد مختار غادة عن حضنه، وأستدار يواجه يمان، قائلًا بأمر:
غادة هترجع معايا أنا على البيت عندي، أنت فاهم مش هتقعدوا لوحدكم تاني بعيد عني.
وهَم يمان أن يجيبه بالرفض، لكن قاطع مختار ما كاد يفوه به، وهو يلوح بسبابته في غضب:
مش عايز اسمع صوتك كفايه اللي حصل لحد كدا، هو أنا مليش كلمة عليك ولا إيه؟ ولو مش عايز تيجي تقعد معانا متجيش لكن غادة هترجع معايا في بيتها، بيت خالها.
وأرتد يمان إلى صمته، وخاله يسترسل في غضب:
أنا كنت غلطان لما سمحت لك تاخدها وتقعدوا لوحدكم في الشقة….
وأرتج جسده، وتهدّج صوته، وترنح، فهرع إليه يمان وابنه، وأمسكا به لكن الدوار كان يفتك برأسه، وشعر أن الحجرة تدور به، وسقط مغشيًا عليه.
في بعض الأحيان لا يمر الليل، يكون كل شيء حالك السواد، في أعين المتألمين…
النجوم تأنس وحدتهم..والقمر يضيء عزلتهم..والليل يغشى كل شيء، حتى الأفئدة طالها بعضٌ من ظلامه..
هل يكون الليل قاتل أحيانًا؟
في بعض الأحيان نعم، يقتل ويميت ويوجع ولا مناص من ذلك.
وتلك الليلة وقفت غرام بقلبٍ يخفق من الحزن، ويتألم من الندوب، تراقب القمر المستدير الذي أطل من على صفحة السماء، لينير الأرض ويكون هدى للسائرين.
وأنتشرت النجوم وأضاءت السماء كأنها قناديل من الضياء، وهبت نسمة ريح معبئة بالشجون.
شجون الساهرون..وبكاء العيون..وأنين العابرون..
وأنهمرت دموعها كأنما تنسكب من دعاء مليء بالأوجاع، تبكي حالها وما آلت إليه أمورها.. وكيف صارت بعدما كانت..
وأخذت تتساءل..هل كانت ضعيفة الأيمان؟
هشت اليقين؟
لكن رنين إشعار رسائل توالت على هاتفها، لتجذبها من جُب الأفكار التي كانت تتقاذفها كريشة في مهب الريح، فجذبت هاتفها وأخمدت تأنيب ضميرها، وأفكارها وتغاضت عن كل شيء، وأخذت تجيب الشاب الذي أصبح أنيس حزنها على تطبيق مسنجر.
كان شاب غريب، أرسل إليها طلب صداقة فقبلته..أرسل إليها برسالة فردت عليها…والحديث توالى..والكلمات ازدادت يومًا بعد يوم..
كانت تجد فيه سلوى لحزنها الذي لم يدرِ به أحد، وتتوارى بهِ عن همومٌ حسبتها ستدفنها تحت الثرى حية.
وبغتة ارتفع رنين جرس الباب بتواصل ودون انقطاع، وعلا طرق الباب بقبضة تدقه دقًا..فألقت الهاتف من يدها، ووثبت واقفة وهي تهرع إلى الأسفل، وفتحت الباب..
ووجدت امام عينيها شابًا مديد القامة، أخذت تتفحصه من قمة رأسه حتى أخمص قدميه في ذهول، ثم أستقر بصرها على ملامحه الخشنة، وتسرب إلى أذنيها صوته الأجش وهو يقول لاهثًا:
مش ده بيت عبد السلام لطفي؟
وهزت غرام برأسها إيجابًا، وغمغمت تجيبه في استغراب:
ايوة، مين حضرتك؟ أنت مين؟
فأسبل الشاب أهدابه في راحة، وهو يقول بملامح لينة:
أنا يمان.. يمان عبد الرحمن.
رواية عشق الغرام الفصل الثالث 3 - بقلم ندى ممدوح
حملقت غرام في يمان في دهشة، وأخذت تتأمله في صمت، وعلى وجهها علامة استفهامٍ عميقة، ترجمها فمها سريعًا، فسألته:
يمان مين؟
تنهد يمان تنهدًا عميقًا، وقال في هدوء:
ممكن أقابل والد حضرتك؟
فغمغمت مندهشة:
في الوقت ده؟
ثم لاحظت آثار السفر التي تبدو جلية عليه، وقبل أن ينبس يمان ببنت شفة، انبعث صوت عبد السلام وهو يقول:
مين يا غرام في الوقت ده؟
فالتفتت غرام إلى أبيها، وهزت منكبيها في حيرة، وقالت:
واحد بيقول إن اسمه يمان عبد الرحمن!
فهتف عبد السلام متعجبًا:
يمان عبد الرحمن؟!!
هنالك اشرأب يمان برأسه، وصاح:
أنا يمان ابن أخت مختار العزيزي صديق حضرتك.
لانت ملامح عبد السلام وأشرقت، وهو يتقدم إليه وصافحه في حرارة، قائلًا:
يا أهلًا يا أهلًا بريحة الحبايب، تعالى أدخل يا ولدي أتفضل.
وقاده إلى صحن الدار، بينما يمان يقول:
الحقيقة إني جاي لحضرتك في موضوع مهم جدًا يخص خالي…
فلم يتمم عبارته بسبب مقاطعة عبد السلام له، وهو يهتف في حماس:
مستعجل ليه يا ولدي تريح الأول من السفر وبعدين تقولي كل اللي جاي علشانه.
وحاول يمان أن يتكلم لكن محاولته ذهبت سدى، عندما ارتفع صوت الرجل يأمر ابنته:
حضرلي أكل يا غرام بسرعة.
وفي حنق توجهت غرام للمطبخ، وقد كانت تتمنى الأستبقاء لمعرفة سر قدوم ذاك الشاب لوالدها.
لكنها أسترقت السمع وهو يقول لأبيها:
حضرتك مفيش وقت انا مش عاوز أكل ولا استريح ولا حاجة.
ومجددًا قاطعه أبيها، قائلًا:
مينفعش يا ولدي لازم تاكل حاجة و…
هنا صاح يمان ليكف عبد السلام من الاسترسال:
مينفعش وخالي في المستشفى وطالب يشوفك ضروري.
وشحب وجه عبد السلام في شدة، واكتسى بصدمة هائلة، وهو يقول:
إيه؟ مختار في المستشفى، ليه؟ إيه اللي حصل؟
همس يمان بصوت هاديء يطمئنه:
كالعادة جت له الأزمة مرة تانية، أنت عارف قلبه تعبان الفترة دي ومستحملش اللي حصل لغادة أختي.
فقطب عبد السلام جبينه، وتساءل في اهتمام:
وإيه اللي حصل لأختك سبب لمختار تعب جامد؟
أشاح يمان بوجهه بعيدًا، وغمغم في ضيق:
موضوع خاص.
“دا عريس ليَّ يا عبد السلام مش كدا؟”
ألقت بتلك العبارة والدة عبد السلام وهي تبرز فجأة من العدم، لتقف وهي مرتكزة على عصاها خلف ولدها في خجل كأنما هي عروس تزف للمرة الأولى.
وضحك عبد السلام في توتر، ونظر ليمان وهو يقول في خجل:
دي أمي معلش وست كبيرة وعقلها فوت.
هز يمان رأسه في بساطة، وهمس بارتياح:
لا، لا عادي ولا يهمك أنا مقدر.
هوت والدة عبد السلام على كتفه بالعصاة، وهي تأنبه في حدة:
انا عقلي فوت يا عبد السلام؟ طب ماشي.
وشهقت شهقات متتالية، وهي تتجه لتجلس بجوار يمان، وتلصق جسدها في جسده، وأخذت تشكي إليه حالها:
شوفت، شوفت بيعاملني إزاي؟ هنتجوز ونمشي إمتى؟
ازدرد يمان لعابه في قلق، وهو يبتعد بجسده عنها، بينما هي قد تشبثت بذراعه وألتصقت اكثر به، وتابعت:
إوعى تكون جاي للبت الخادمة اللي جوة؟
فهز يمان رأسه سريعًا وهو لا يدرك من تلك الخادمة التي تتحدث عنها.
بينما ارتفع صوت عبد السلام، وهو يصرخ:
تعالي خدي ستك يا غرام من هنا.
وأقبلت غرام ركضًا من الداخل، وحاولت بشتى الطرق أخذ جدتها، التي راحت تولول:
أهي جت الخادمة اللي ابني سايبني معاها طول النهار تعذب فيَّ.
وكظم يمان ضحكته في صعوبة، بينما غرام تقول في ضجر:
يا تيتا عيب اللي بتعمليه ده، قومي تعالي معايا.
فرفعت جدتها العصاة ولوحت بها في وجهها، وهي تقول:
أبعدي عني يا بت أنتِ بدل ما اضربك وافتح رأسك.
وأطرق عبد السلام رأسه في خجل، بينما نهض يمان مدافعًا عن الجدة، وهو يسحبها لتجلس بجانبه ويبعد العصاه لأسفل، قائلًا:
خلاص خلاص متضربيش حد، تعالي اقعدي.
وتبسمت الجدة في استحياء، وأخرجت لسانها لغرام، قائلة:
شوفي بيحبني إزاي؟
كتم يمان ضحكة كادت تفلت منه، ثم استأذن من عبد السلام، قائلًا:
سيبها تقعد معانا، هي مش مضايقاني ولا حاجة…
لكن بتر عبارته صوت الجدة، وهي تقول بصوت خفيض خجل:
هنتجوز إمتى؟ عشان زهقت من القعدة في البيت ده!
وضرب عبد السلام جبهته بكفه في غلظة، وهو يكبح غضبه كلا يثور عليها، بينما والدته تسأل يمان الذي أولاها اهتمامه، قائلة:
أنت شفتني فين وعجبتك؟! ولا أأقولك مش عايزة اعرف خلاص، قولي أنت ساكن فين؟
ظل يمان يساير الجدة في حديثها، حتى تجهز عبد السلام للسفر لرؤية صديقه… ليلبي نداء الصداقة.. ذاك النداء الذي لا يلبيه إلا الصديق الوفي…
وقبل أن يذهبا، أخذ ينصح غرام، قائلًا:
مش هغيب كتير كلها كام يوم اطمن فيهم على عمك مختار وهرجع، خلي بالك من نفسك ومن جدتك، وهكلمك كل يوم اطمن عليكم.
وودعها وأنصرف هو ويمان الذي أبى أن يرتاح وخاله طريح فراش المرض.
***
غادر عبد السلام السيارة التي توقفت أمام بوابة المستشفى، بعد ساعات من السفر الشاق الذي أبى بعده أن يستريح قبل أن يطمئن على صديقه، وأجتاز مدخل المستشفى برفقة يمان الذي قاده إلى حجرة خاله مختار، الذي تهلل وجهه كالبدر وقد زال كل أثر للإعياء فوق ملامحه، واستوى في فراشه مرحبًا بصديقه، قائلًا:
عبد السلام، كويس إنك جيت، خوفت أموت من غير ما أشوفك!
فنهره عبد السلام، قائلًا وهو يعانقه في ود:
بعد الشر عنك يا مختار، وبعدين أنت لسه شباب…
وغمز له، وهو يضيف:
وممكن أجوزك لو عايز.
فضحك مختار بخفة، وقال:
مش للدرجة دي الصحة مبقاش فيها، والسنين رايحة بينا مش راجعة، وإحنا النهاردة على وش الدنيا وبكرا تحتها.
فربت عبد السلام على كتفه، مردفًا في حنو:
ربنا يديك طولة العمر يا أخ عمري…
واعتدل وهو يسأل:
هاا طمنيني عليك، عامل إيه دلوقتي؟
هز مختار رأسه وهو يحمد ربه، قائلًا في صوت خفيض:
الحمد لله ربنا أداني عمر جديد.
ثم رفع بصره إلى يمان، وأردف قائلًا:
روح أطلب لنا أكل عشان عمك عبد السلام.
ونظر إلى عبد السلام، متابعًا:
طبعاً مش هقدر أشاركك الأكل بتاع بره عشان ده محرم على قلبي…
وقهقه في مرح، فتبسم عبد السلام وقد أستشف من طلبه من يمان إنه يود أن يختلي به بمفرده فلم يعقب.
وعندما خرج يمان تاركًا الصديقان بمفردهما، اعتدل مختار ليواجه عبد السلام، وهو يقول:
بصراحه كنت عايز اشوفك عشان أوصيك!
فتساءل عبد السلام مندهشًا:
توصيني على أيه؟
فتنهد مختار تنهدًا عميقًا، وأردف:
أنت عارف إن أنا إللي مربي اولاد أختي يمان وغادة بعد وفاتها هي وزوجها في حادث القطر اللي حصلت.
وأومأ عبد السلام برأسه ولم ينبس، فتابع مختار بنبرة تقطر حزنًا:
غادة كانت مخطوبة لابن شاب من شباب رجال الأعمال، وكنت شايفه حد كويس وابن ناس محترمين، لحد ما اكتشف يمان اخوها إنه بيتعطى مخدرات وماشي شمال في كل حاجة… وفكرت أنها كانت هتتجوزه بسببي دي بتعذبني.
وأطرق برأسه، وتنهد في حزن يفلق القلب، وقال:
مش كدا وبس، ابني زكريا كمان مبقاش زي الأول، بقي بعيد عني شبه مبعرفش عنه حاجه وطول الوقت برا البيت وخروجات وفسح وسايب الشركة والشغل مش بيقرب منه.
ورفع بصره إلى عبد السلام، وأستطرد:
تخيل أموت وهما يضيعوا من بعدي؟!
وبلهفة ضم كف عبد السلام بين راحتيه، وقال برجاء:
عبد السلام انا مش هوصيك لو حصل ليّ حاجه فالتلاتة أمانة في رقبتك… وخاصةً غادة.
ربت عبد السلام على كف صديقه، وقال في ثقة:
عيب عليك يا مختار عيالك هما عيالي وزي غرام بالضبط انت مش محتاج توصيني، ومتقولش كدا ربنا ان شاء الله يطول في عمرك ويحفظك لينا وتجوز التلاتة وتفرح بيهم.
وضحك قائلًا:
وفي ليلة واحدة كمان.
وأتبع يقول في حماس:
وشد حيلك كدا وأخرج من المستشفى بخير عشان هتنزل معايا أسيوط تغير جو أنت والولاد، ولا البلد موحشتكش؟
غمغم مختار في بهجة:
ولا وحشتني، فاكر يا عبد السلام أيام الغيط و….
وأخذا الصديقان يتجذبان اطراف الحديث، ويسترجعوا ذكريات الطفولة…
ومرت الأيام رتيبة دون احداث تذكر، سوا إن عبد السلام ظل رفيق مختار في المستشفى وأبى أن يغادرها إلا برفقته، حتى سمح له الأطباء بالخروج وخرجوا جميعًا إلى منزله وقد قرروا السفر إلى أسيوط مع عبد السلام ليروحوا عن أنفسهم.
ولكن يمان أصر على عدم الذهاب أمام خاله، الذي قال له في حدة:
لو مرحتش أنت فغادة هتروح لإنها محتاجة تغير جوا وتتعرف على صحبة جديدة ومفيش اجمل من هوا أسيوط وصحبة ناسها الطيبين.
فغمغم يمان في تأدب:
يا خالي اسمعني أنا مقدرش اسيب غادة لوحدها.
فأنبه مختار في حدة صارمة:
وأنا روحت فين؟ مش انا معاها وزكريا!
فازدرد يمان لعابه، وقال في همس:
ما هو عشان زكريا مستحيل اسيبها معاه في مكان واحد!!
لم يعي خاله ما فاه به، فسأل:
أنت بتقول إيه؟
أجابه يمان بضيق:
بقول إني حاسس إني محتاج أغير جو انا كمان وأروح معاكم.
وتبسم خاله في سعادة، وقال في سرور:
طب يلا روح على الشركة ألغي كل مواعيد اليومين اللي جايين وسيب غادة تجهز شنطتك يلا روح.
***
هبطت غادة من السيارة أمام البناية التي تقطن فيها لتجلب بعض الأشياء، لكن مجيئها بالأساس كان بسبب حاجة في نفسها قضتها… وهي رؤية الشاب الذي ساعدها! ذاك الذي ظهر فجأة وأختفى فجأة دون أن يذر أثر وراءه! لكنها كانت منجذبة لمعرفة من يكون؟ ما اسمه؟ وكيف كان على معرفة باسمها واسم شقيقها وعنوانهما؟ كان يثير حريتها ويشغل تفكيرها… وحاولت جاهدة معرفة اي شيء عنه فلم تفلح في معرفة حتى اسمه! وكان هذا يحزن فؤادها، ويجعل الفضول يأكل قلبها ويلتهمه التهامًا!
توقفت أمام مدخل البناية، بأعين تجول في المكان على أمل أن يبرز بغتة، وظلت في مكمنها لردحًا من الزمن حتى يأست وأصابها الأحباط… كانت تمني نفسها بحضوره… إنه سيأتي حتمًا… ستقابله مجددًا يومًا ما…
وأرتقت الدرج صوب شقتها وقد جهزت ما تحتاج إليه وحين فرغت غادرت الشقة والبناية كلها لكن! راعها إن وجدته فجأة مرتكنًا بظهره على سيارة سوداء اللون، ويرتدي حلة سوداء زادته جمالًا، فتسمرت مكانها وهي تتأمله في صمت، ورغم إنه كان يرتدي نظارة اخفت عينيه إلا إنها أحست ان عيناه تثقبانها، فدنت منه، وهي تقول بصوت متوتر رقيق:
هاي.
فرد عليها بما فاجآها:
سمعت إنك بتسألي عليَّ فقولت آجي أشوفك؟!
واعتدل في وقفته، وسألها في حنان:
طمنيني عليكِ عاملة إيه دلوقتي؟
فهزت رأسها في خجل، وقالت:
كويسة الحمد لله.
فبادرها قائلًا:
هاا قولي كنتِ عايزاني في إيه؟
ففركت غادة أصابعها في استحياء، وقالت وهي مطرقة في خجل:
كنت عايزة أشكرك…
فخلع نظارته وشملها بنظرة حانية، وهو يتمتم:
على إيه؟
فهمست بصوت خفيض:
على انقاذك ليَّ!
ثم استدركت تقول:
أنا سألت عليك كتير ولكن محدش يعرف عنك حاجه.
فتبسم في بساطة، وهو يقول:
متسأليش عني تاني، أنا عارف إمتى اظهر وإمتى اختفي!
قطبت غادة حاجبيها متعجبة، وقالت في دهشة:
يعني إيه؟
فرد عليها بصوت رخيم:
متشغليش بالك، خلي بالك من نفسك أهم حاجة لحد ما نتقابل تاني…
فقاطعته قائلة:
إحنا هنتقابل تاني؟
فأعاد نظارته على عيناه، واعتدل في وقفته وهو يتمتم في حنو:
أكيد، مع أنك معايا.
فتساءلت في غرابة، وقد استرابت جملته:
معاك؟
فتبسمت شفتاه وهو يمد يده مصافحًا، وقال:
خلي بالك من نفسك لما تسافري، وقريب هنتقايل تاني… سلام.
فغمغمت غادة:
أنتَ عرفت أزاي إني مسافرة؟
ففتح باب سيارته ودون أن يدلف لداخلها اجابها دون ان يستدير:
أنا لما أكون عايز اعرف حاجة بعرفها، فما بالك بحاجة خاصة بيكِ؟!
وألتفت برأسه وخطف نظرة سريعة تجاهها، ثم جلس أمام عجلة القيادة وانطلق، تاركًا إياها تفكر في كلامه الغريب المحير.
***
وصل الجميع إلى محافظة أسيوط، وتوجهوا إلى منزل عبد السلام الذي كان يعد الدقائق والثوان ليصل كي يطمئن على ابنته ووالدته.
لم يلاحظ عبد السلام وهو يسير برفقة مختار يتهامسون، تجهم زكريا الذي مال على أذن يمان، وهو يقول في غضب:
هو خالك اتجن عشان يجيبنا هنا؟ ولو هو عايز يغير جو وياخد غادة معاه جيبنا ليه معاه ويقرفنا؟! دي أماكن الناس تفسح فيها، إيه القرف ده؟ بقا انا اسيب صحابي وخروجة كانت في الغردقة عشان آجي المكان المقرف ده!
فجذبه يمان من ذراعه في حدة، وسحبه مبتعدًا عن غادة، وهو ينهره في حدة:
أحترم نفسك والمكان اللي إحنا فيه عشان خالي ميقلبش عليك وتعامل حلو مع الناس عشان إحنا ضيوف عندهم.
فزم زكريا شفتيه بضيق، وتوغل بأصابعه في خصلات شعره بنية اللون، وهتف في ضيق:
يعني يرضيك اسيب حبايبي وآجي هنا؟!
فعصر يمان ذراعه بين أصابعه، وزمجر قائلًا في عصبية:
لا يا حبيبي الحبايب مش هيروحوا لمكان اول ما هترجع هتلاقيهم مستنينك وياريت تعقل عشان هنا مش في مصر؟!
وربت على كتفه، متابعًا:
ربنا يتوب عليك، واعتدل عشان خلاص وصلنا.
وكان في آوان ذلك يدق عبد السلام على باب منزله، وسمع صوت خطوات سريعة تأتي أحس أنها لوالدته وقد كانت هي بالفعل…
تطلعت الجدة إلى ابنها بفم مزموم، وهي ترغي وتزبد قائلة:
من يومك يا عبد السلام يا ولدي وأنت مطفشني ومدوقني المرار وقاعد في الشارع.
فضحك الجميع بينما بادر مختار يمد يده مصافحًا وهو يقول:
ازيك يا حجة عاملة ايه طمنيني عليكي أنتِ مش فكرني ولا ايه انا مختار العزيزي…
فتقهقرت الجدة للخلف، وهي تبعد كفيها عن مرمى يديه، قائلة بازدراء:
ودا مين دا كمان؟ شمام من صحابك الشممين؟!
فكوَّر عبد السلام قبضة يده، وهو يصر على أسنانه، قائلًا بغيظ:
اسكتي يا أمه، عيب كدا.
وفجأة أشرقت ملامح الجدة، وحملقت في يمان بأعين لامعة وهي تقترب منه، قائلة:
خطيبي!
فأبتعد يمان للخلف في ارتباك، ولحقت به الجدة وتأبطت ذراعه وهي تقول:
جيت اخيرًا عشان تنقذني من ابني اللي بيعذبني؟!
ومالت برأسها على كتفه، وهي تقول:
ابن حلال كنت مستنياك من زمان، من زمان اوي.
ونظرت إلى زكريا بوجه غاضب، وهي تشير إليه قائلة بازدراء:
وأيه اللي جاب الواد ده كمان، الواد ده مش كويس ميدخلش البيت.
فلوى زكريا شفتيه بامتعاض وشوح بكفه لها وهو يتمتم بما يعيبها في همس، بينما ألتفتت الجدة إلى غادة، وربتت على ظهرها في حنو، وقالت:
متزعليش ربك هيعدلها.
فتبسمت لها غادة في إشراق، ودعاهم عبد السلام للدخول بينا الجدة متشبثة بيمان الذي أخذ يتهامس ويضحك معها في تسلية راقت له.
ونادى عبد السلام على غرام لكن لم يأتيه الرد، فاستأذن منصرفًا لحجرتها فتناهى إليه همس يأتي من وراء الباب المغلق، فاسترق السمع، وأصغى لصوت غرام وهي تقول بضحكة:
تشوفني إزاي بس؟ مستحيل مش هقدر
وسكتت قليلًا، ثم اردفت:
مستحيل ابعت لك صورتي…
وعاد السكون يعم المكان، وسمعها تهتف بلهفة:
أنا بثق فيك طبعًا اكتر من نفسي ولكن مقدرش…
ثم سكتت لهنيهة، وقالت في توتر وبما بدا له بتفكير:
طب بس سبني افكر وبكرا ارد عليك وممكن ابعتلك.
هنالك فقط تفجر بركان هائل من الغضب في أوصال عبد السلام، وجحظت عيناه في صدمة، وهو يقول بصوت سحيق:
دي غرام بنتي أنا؟ وتربيتي؟!
وتلاحقت انفاسه بعمق وجز على أسنانه وفتح الباب في عنف وهو يلهث، فـ أُجفلت وهي تهب من فوق الفراش وقد اتسعت عينيها من الرعب على آخرهما، وهمست وهي تتراجع:
بابا!
رواية عشق الغرام الفصل الرابع 4 - بقلم ندى ممدوح
نطق بالعبارة عبد السلام بهدوء شديد أرجف جسد غرام التي شرعت تهز رأسها نافية والدموع تسح من مآقيها في صمتٍ.
وفي تأن راقبت أبيها وهو يغلق الباب في هدوء أشد من هدوء ملامحها، وتناهى لها صوته يقول في همس:
_الحمد لله إني رجعت في الوقت ده عشان أشوف بنتي وهي بتستغفلني!
وجعل يقترب منها بأعين تطلق شرارًا من أتون متوقد، وأرتجف جسد غرام، وأنتفض فؤادها برعدة، وحاولت أن تبرر فعلتها لكنها أحست بلسانها قد عُقد، وأصابتها رعدة شديدة أرعدت جسدها الذي أخذ في الارتعاش، وهمست بصوت متهدج:
_اسمعني يا بابا.
وأجابها والدها بلطمة قوية فوق وجهها، وهو يهتف:
_اسكتي مش عايز اسمع صوتك.
وانهال عليها لطمًا وهو يضيف:
_بتغفليني يا غرام، عشان كدا ابن عمك سابك؟ وأنا اللي فكرته ظلمك واتخنقت مع اخويا بسببك وقطعنا بعض؟! أتريكِ مغفلة ابوكي، وموطية رأسي يا بت ال****.
سقطت غرام أرضًا من شدة الضرب، وانحبست صرختها من الألم، وأبيها بات كوحشٍ أنقض على فريسته بضراوة وهو لا يبغي تركها إلا جثة.
وسمع أبيها صوتها وهي تقول بوهن، وتلعثم:
_حرام عليك يا بابا.
فصاح وهو يجذبها من شعرها لتقف:
_حرام عليَّ أنا؟! أنتِ لسه مش شفتي حاجه.
جاهدت غرام لتفلت خصلات شعرها من يد والدها، لكن براثنه أصبحت منيعة أمام ضعفها، وشعرت بخصلاتها تنخلع في اصابعه، وكان الألم يفتك بها، فصرخت تستنجد بجدتها:
_يا تيتا الحقيني، تيتا….
فكتُم والدها فمها بكفه، وهدر في جنون:
_اخرسي مش عايز صوتك يوصل للناس اللي تحت.
ثم دفعها نحو الفراش، وهو يجأر بوحشية:
_لولا إن في ضيوف تحت مكنتش هسيبك إلا مي*تة، قومي اغسلي وشك وانزلي قدمي واجب الضيافة للناس.
ورمقها بنظرة مرعبة أصابتها بالرهبة والرعب وذهب وهو يتوعدها بالموت، ثم خرج صافقًا الباب وراءه، وأرتكز بكفه على الجدار وهو يحني ظهره كأن الهم قد أصابه فوق عمره أعمارًا، وهمس بدموع تلتمع في عينيه:
_ليه كدا يا غرام يا بنتي؟ كدا تخوني ثقتي فيكِ؟!
ثم تنهد تنهدًا عميقًا، واستجمع رباطة جأشه، وهبط السلالم وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة لا توحي بما يمور في صدره.
هل الابتسامة تصبح ميتة في بعض الأحيان؟
نعم، حين يكون القلب ينوء ببكاءٍ صامت، عندما يخسر نبضة من نبضاته، عندما يضطر ليواجه الحياة وهو يطوي على أشجانه.
جلس بجوار صديقه الذي سأله متعجبًا:
_امال غرام فين يا عبد السلام؟
فتبسم عبد السلام بسمة متوترة، وازدرد لعابه وهو يقول متحاشيًا النظر إليه:
_نازلة حالًا هي تقدر متنزلش تسلم عليك!
في أوان ذلك كان وقع أقدام تهبط الدرج في تؤدة، فالتفت الجميع نحو الدرج، وهتف مختار في بهجة:
_اللهم بارك بنتك قمر يا عبد السلام، كبرت إمتى وبقيت عروسة البت دي!
فرد عبد السلام في بساطة:
_البنات كبارة يا مختار.
وحدج غرام بنظرة صارمة، سرت في جسدها كما تسري النار في الهشيم، وتوجهت نحو مختار لتسلم عليه بملامح جامدة، بينما عانقت غادة في ود، واومأت برأسها نحو يمان فبادلها إيماءتها بأخرى مرحبة، ولمحت زكريا بنظرة سريعة خاطفة وكان هو يزدرد لعابه وتتسع حدقتاه بنظرة ماكرة، وهمس:
_الظاهر إني هحب المكان هنا، والفسحة مش هتكون ببلاش.
وارتسمت ابتسامة عريضة فوق شفتيه.
سارت غرام برفقة غادة في الأراضي الذراعية قبيل المغرب بينما الشمس تغرب بلونٍ مريحٌ للعين والجو يملؤه هواءً منعش جميل، كان الهم جاثم في مقلتيها، فوالدها قاطعها.
كف عن محادثاتها إلا أمام الضيوف.
كان الحزن يعتصر فؤادها، والقلق داهمها، والخوف يمزق أعماقها، كانت خجلى.
تخجل أن تراه وأن تتقابل عينيها بعيناه، كانت نظرة الخذلان في عيناه تعقر قلبها.
ما أقسى من وجعٍ يعقر الفؤاد بنصلٍ حاد ويذروه ينزف دمًا.
ولوهلة رفعت بصرها نحو السماء الذي غشاها لون الشفق الرائع، وخطر لها خاطر.
نعم تذكرت ربها!
ربها الذي نسيت إنه رقيبٌ بصيرٌ سميع.
يعلم ما تخفي الصدور.
إنها تخجل من أبيها هذا أكيد، ولكن ماذا عن ربها؟!
كيف سيقبلها بهذا الإثم الذي لم تتوب منه توبة نصوح؟!
هل يقبل الله عبدًا ذهب إليه راجيًا المغفرة؟!
ومن عساه يقبل أن لم يقبل هو؟
إنه يقبل التوبة إن كانت صادقة لا شائبة فيها، بل ويفرح بها.
لم تلاحظ الدموع التي أخذت تتحدر من حدقتيها مع هذا الخاطر؟!
كيف وصلت لتلك الحالة؟
كيف آل بها الموقف إلى هذا السلوك السيء!
يا ويح فؤادها أن ظلت على ذنبها دون أن تجثو أمام باب الرحمن لا تبرح حتى تبلغ ما أتت إليه.
يا حسرتا على دنيا تنتهي بها إلى النار!
وتأملت حالها آنفًا حين كانت تتوضأ قبل الأذان في لهفة إلى لقاء الله، فتجلس على مصليتها تناجي ربها حينًا وتقرأ القرآن حينًا آخر حتى يخترق الأذان سمعها فتنصت إليه بقلبٍ متلهف تردد مع المؤذن بصوتٍ شجي، وتهب في لهفة للقاء خالقها!
كيف باتت بتلك الحالة من الضياع التي أطاحت بإيمانها؟
متى أصبحت بذلك السوء والشتات؟!
تنبهت من شرودها، وبؤرة أفكارها، على صوت غادة، وهي تهتف:
_غرام أنتِ كويسة؟! بتعيطي ليه؟!
فالتفتت إليها بنظرة تائهة ضائعة، وهمت أن تقول شيئًا لكن أحست أن الكلمات تفر من حلقها فلاذت بالصمت، وكفكفت أدمعها وتابعت سيرها في هدوء، وهي تقول بصوتٍ شارد يقطر حزنًا:
_أنا كويسة الحمد لله، بس أحيانًا الإنسان منا بيبكي على حاله مع ربه!
فطالعتها غادة بغرابة ولم تنبس ببنت شفة، وأن راحت تسير بجوارها في سكونٍ تام.
تنبهت غرام إلى امرأتين عجوزتين كانت تقوم براعية إحداهما لإنها وحيدة بطيبة قلب، أخذت تلمزها بالقول مع الأخرى، ولم يخف عنها الحديث لا ريب إن الجميع لا يزال يتقول على البنت التي طلقها ابن عمها قبل موعد زفافهما، وأحست بغضبٍ هائل يصيب الشغاف من قلبها، فطلبت من غادة أن تعودا.
وبينما هما في طريق العودة، قابلهما زكريا الذي دنا منهما وهو يقول بنبرة ذات مغزى ونظره معلق على غرام التي لم تنتبه له:
_البلد هنا جميلة أوي، وشكلي هآجي هنا كتير، حبيت المكان جدًا واللي فيه.
وسأل غرام في اهتمام وهو يمعن النظر فيها:
_أنتِ مخلصة كلية إيه يا آنسة غرام، مش آنسة برضو؟
فرفعت غرام نظرها إليه متفاجئة، وحدقت فيه لثوانٍ بدا بتفكير، ثم قالت سريعًا:
_أنا مطلقة مش آنسة!
وتسمر زكريا مكانه بفمٍ مزمزم، وغمغم في نفسه:
_إيه القرف ده القمر دي مطلقة إزاي؟ دا مين الأعمى ده!
توجهت غرام إلى حجرتها بعدما وقفت غادة برفقة أخيها يمان، وجذبت هاتفها ودخلت على صفحة كاتبتها المفضلة (ندى ممدوح) كانت تهوى كتاباتها التي تذكر فيها قصص الصحابة التي أضحت مغرمة بها، وقرأت آخر منشور كان على الصفحة.
(حادثة الإفك.
كان النبي ﷺ عندما يخرج إلى غزوة من الغزوات يأخذ زوجة من زوجاته، وفي غزوة بني المصطلق كان الخروج من نصيب السيدة عائشة رضي الله عنها، وخلال العودة من هذه الغزوة إلى المدينة، فقدت سيدتنا عائشة عقدًا لها، فأخذت تبحث عنه وغفلت عن الجيش الذي شرع يتهادى في طريقه، وأقبل الرهط الذين كانوا يحملون هودجها فحملوه وهم عنها غافلين ويحسبون إنها فيه.
وكانت النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلهن اللحم، فلم يستنكروا خفة الهودج حين رفعوه، ووضعوه فوق الجمل، واستمر الجيش في المسير، والسيدة عائشة تبحث عن عقدها حتى وجدته، فتفاجأت بأنها وحيدة فجلست في مكمنها وظنت إنهم سيفتقدونها فيرجعون إليها ويأخذوها.
فبينما هي جالسة غلبها النوم فنامت.
وقتئذٍ كان صفوان بن المعطل في أكثر الغزوات في المؤخرة، استطلاعًا وتفقدًا.. فأدلج عند منزلها الذي تنام فيه، فهاله رؤية إنسان نائم، فدنا فعرف أنها السيدة عائشة، وقد كانت كاشفة الوجه فردد في ذعر:
_إن لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله!
فهبت السيدة عائشة من نومها فزعة على صوته، كانت وحيدة وسط صحراءً يعمها الظلام، فأسرعتْ بتغطية وجهها وقد كانت هذه الغزوة بعد نزول آيات الحجاب.
فأناخ لها راحلته، فركبت، وانطلق يقود الراحلة دون أن يكلمها كلمة، حتى بلغا الجيش.. واستمر في المسير حتى المدينة.
لم تدرك السيدة عائشة لمدة شهر أن عبد الله بن أبي ابن سلول قد خاض في عرضها بين المنافقين، وبث الأمر بين الناس وأخذوا يتقولون عليها بأنها تأخرت عن الجيش عمدًا حتى تلتقي بصفوان، وبين ليلة وضحاها بات عرض رسول الله ﷺ تتناقله الألسن، وكان الرسول يعلم ما يتقولونه عنها منذُ اللحظة الأولى لكنه أسر الأمر في نفسه ولم يبدهِ لها.
علمت عائشة بالأمر حينما خرجت مع أم مسطح لقضاء الحاجة، فتعثرت المرأة وسبتْ ابنها مسطح من شدة غضبها منه، فدافعت عائشة عنه وزجرتها من أن تغتابه، وتعجبتْ أم مسطح عجبًا شديدًا من أن تدافع عائشة عن شخصًا كان يتحدث عنها بسوء، ويغتابها.. وقصت عليها كل شيء.
وتلقت عائشة الخبر الذي نزل على فؤادها كصاعقة عاتية هبت هبوب الرياح الهوجاء ففطرت قلبها، فانهارت، وعادت إلى بيتها مصدومة ودت لو تسأل النبي في الأمر لكنها فطنت إنه لن يقول شيئًا فستأذنت منه في زيارة أبويها فأذن لها، وذهبت وسألت أمها فيما يقول الناس عنها وعلمت ما يتقولونه؛ فمكثت يومها ذلك لا ترقأ لها دمعة، ولم تكتحل بنوم…
لم تدرك عائشة إن الله تعالى مبرئها من فوق سبع سنوات، بقرآن يتلى إلى يوم القيامة.
لم تكن تعلم هذا الجزاء العظيم الذي ستناله.
وإن جزاء الصابرون المحتسبون الفرج من الله.
إليكِ يا من تظنين إنكِ في مأمن من ألسنة الناس، من منا أسلم من الألسنة؟!
من منا رحمته الناس؟!
من منا لم يخوضوا في عرضه، ويغتابوه؟!
تظنين إنك وحدك التي تقولو عليها؟!
لا يا عزيزتي فقبلك كانت أم المؤمنين وزوجة النبي عائشة رضي الله عنها، هي لم تسلم لتسلمي أنتِ؟!
لكن لا يجب أن يكون ذلك نهاية المطاف، نهاية حياتك، نهاية سعادتك، فعائشة فوضت أمرها إلى الله فرفع الله ذكرها في العالمين، احتسبي واصبري وتقوي بربك، فإن الله ناصر المظلوم.
المرء حين يهمه أمر قد يبتعد عن الله ويصبح كنود، قوي الإيمان فقط هو من يفقه إن الابتلاء لنزداد لا لنبتعد، لنقترب لا لنفر، لنتوب من ذنوبان تكبل استجابة الدعوة، لنطهر أرواحنا من أدناس الحياة كي ننال مغفرة رب العباد.
أي شرفٍ وفخر نالته عائشة إذًا؟
عائشة ظلت شهرًا لا تدري ما يقال عنها من وراءها، لا تعلم أنهم يخوضوا في عرضها، كان الرسول حريص ألا يصل لها الخبر، ألا يحزن فؤادها، كان متيقنًا من برائتها، لم تعلم عائشة إن الله هو من سيبرئها حتى تخرص كل الألسنة، لم تعلم معنى أن يتذكرها الناس بآياتًا تتلى إلى يوم القيامة، بل من العظمة أن أبا بكرٍ أبيها كان ينفق على عبد الله بن سلول لفقره ولقرابته فانقطع عن النفقة بسبب ما تقوله عبد الله على ابنته حتى أنزل الله عز وجل { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }[سُورَةُ النُّورِ: ٢٢]
وكان أبى بكر يحب أن يعفو عنه الله، وأن يصفح له يوم القيامة، وأدرك إن نفقته لله وليس لأحدٍ من البشر، فتراجع عن قوله، واستمر في النفقة.
هكذا هم الصالحون مهما ابتُليو من بلايا تراهم آمنين، منفقين، متصدقين يدركون إن الله معهم.)
فرغت غرام من قراءة المنشور، وأخذها الحنين إلى قصة (كعب بن مالك التائب الصادق) كي تتعلم التوبة النصوح، والتجرد من الذنب، فالروح إن لم تتجرد من ذنوبها هلكت، فالتقطت رواية (والتقينا) لكاتبتها المفضلة ندى ممدوح وجاءت بالفصل التي تضم بين جنباتها قصة كعب وأخذت تقرؤها بعينين تفيضان دمعًا أليم، ثم تركت الكتاب جانبًا عندما ارتفع أذان الفجر، فنهضت ووقفت أمام نافذة حجرتها تتأمل الليل الذي أخذ يغشى السماء بأعين حزينة يطل منها الحزن جليًا.
في أوان ذلك كان يمان يتحدث في الهاتف ورفع رأسه تلقائيًا لأعلى فرآها.
كان يأسرُه الحزن في عينيها.
يود أن يعلم سره؟
لما تلك العينين الجميلتين حزنتين؟!
وأسر ذلك في نفسه ثم خفض جفنيه وسار مبتعدًا عن أسفل نافذتها.
«مالك يا عبد السلام، ليه شايفك مهموم؟ من يوم ما رجعنا وأنت سرحان وكأنك شايل هم العالم فوق كتفاك؟»
وربت على ركبته، وقال:
_هون عليك يا حبيبي، وشاركني همك من إمتى وإحنا بنخبي على بعض؟!
فتنهد عبد السلام بثقلٍ، وزفر في ضيق، وشردت نظراته في الفراغ، وأردف:
_أقول إيه بس يا مختار؟! في حاجات ع*ار إنها تتقال؟!
فتحير مختار، وقال في دهشة:
_دا الموضوع شكله كبير، فضفض طب معايا يمكن لما أشوف أنا الموضوع من زاويتي ميكونش بالصعوبة اللي أنت شايفها دي!
ألتقط عبد السلام نفسًا عميقًا، وتطلع إليه، وقد حسم أمره في إفضاء ما في جعبته، وأخذ يقص عليه ما يعتمل صدره وكيف عرف أن غرام ابنته على علاقة بأحد الشباب، وعلى شكه في إن ابن عمها تركها لذلك السبب.
فهز مختار رأسه عندما انتهى عبد السلام، وقال بتفكير:
_حاسس إنك ظالم بنتك يا عبد السلام، وإن ابن عمها مسبهاش لنفس السبب ده، بل أشك إن غرام لأول مرة تعمل كدا بسبب اللي حصل لها؟!
فصاح عبد السلام مندفعًا:
_وهي كل واحدة تطلق تعمل كدا يا مختار؟!
قال مختار في هدوء، وحكمة:
_يا عبد السلام متستهونش باللي حصل، متبصش للموضوع من ناحيتك أنت! طب فكر بعد اللي حصل تقعد مع بنتك وتفهم منها إيه اللي هي حاسة بيه؟! إيه اللي عاشته! متستهونش بالضغوط النفسية النفس متاهة ممكن تخلي الإنسان يعمل أي حاجة بدون وعي.
وسكت بينما عبد السلام يتفكر في كلامه، واسترسل مختار قائلًا:
_ومتنساش إن ذنوب الآباء أوقات بتدفع تمنها الأبناء؟! دور في حياتك اللي مضت وشوف نفسك إيه الذنب اللي دفعت بنتك تمنه.
وفي هلع كان عبد السلام يحملق في مختار مبهوتًا، والآخر يضيف في صرامة:
_روح خد بنتك في حضنك وصدقني طول ما أنت قريب من بنتك وصديق ليها بنتك مش هتبص لبره أبدًا ولا هتفكر في كدا.
وحثه قائلًا ببسمة:
_يلا روح وأنا مستنيك هنا.
وأومأ عبد السلام برأسه موافقًا، وتوجه مباشرةً إلى حجرة غرام وتوقف أمامها حائرًا يفكر فيما قد يقوله لها، ثم طرق على الباب ببطء فلم يأتيه رد فقبض جبينه وفتح الباب بتأنٍ وهو يطل برأسه للداخل، هنالك رآها ساجدة وصوت بكاؤها يعلو يفطر قلبه، وسمع صوت استغفارها فأغمض عينيه، ودخل الغرفة وأغلق الباب وراءه، وانتظرها حتى تنتهي، فما كادت أن تسلم من صلاتها حتى التفتت إليه وتهدج قلبها، ونهضت وهي تطوي سجادتها، همت أن تعتذر منه لكنه أقترب واحتواها بين ذراعيه بصمت فبكت كما لم تبكي قبلًا حتى هدأت، فأجلسها والدها، وقال:
_زمان لما كنت كدا في عمرك، كان معايا صحاب بيعرفوا بنا*ت، فطلبت مني نفسي الأمارة بالسوء إني اعمل زيهم؟ اصل فيها إيه يعني طالما كله بيعمل كدا، ونسيت إن الذنب ذنب حتى لو العالم كله بيعمله، فطلبت منهم يشوفوا لي بنت أكلمها، وبالفعل جابولي رقم واحدة وفضلنا نتكلم لأيام والأيام جابت شهور كنت بتسلى بس البت تعلقت بيا وحبتني فعلاً للأسف وكنت بوعدها وعود زايفة اني هتجوزها ويشهد الله اني وعودي كانت زايفة وأني كنت بحتقره*ا في نفسي، الراجل عمره ما يأمن بيته ونفسه لوحدة خانت ثقة والدها، مهما وعدها بكل وعود العالم وحلف لها بأغلظ الأيمان وقالها كلمة بحبك مستحيل يتجوزها في الآخر، مستحيل يخليها أم لعياله، وسكن لبيته.
سكت عبد السلام وغارت عيناه بالدمع لذكرى شقيقته الراحلة، وأتبع يقول:
_مفيش حاجة فوقتني وقتها غير عمتك ليلى، لما عرفت اني على علاقة بالبنت دي، فسألتني لو هي مكانها هل كنت هرضى بكدا؟ وهنا فوقت.
أدركت إني كنت على خطأ، لم أتصور إن ممكن شاب يتسلى بيها وإن ذنبي يترد فيها فوقت لنفسي وبطلت أكلم البت دي.
وسكت لحظة، ثم تابع:
_أوقات كتير بينسى الآباء إن كل أفعالهم بتترد في أبناءهم، وبينسوا الإخوات إن كل أفعالهم بتترد في شقيقاتهم برضو الدنيا سلف ودين وكما تدين تدان وربك ليس بظلامٍ للعبيد، ياريت الكل يعرف كدا.
سلَّمت غرام رأسها إلى صدره، وضمته بذراعيه بأعين تذرف الدمع، ثم راحت تبثُ شجونها إليه بصوتٍ متهدج، وصدرٍ مختلج:
_لما طارق طلقني يا بابا وتاني يوم خطب حسيت إني وحشة أوي، إني متحبش، اني فيَّ حاجة ناقص*ة، أني مش جميلة حسيت اني مشوه*ة، كل ما بخرج من البيت الناس بتتكلم عليَّ بالباطل، بيقولوا إنه اكيد عرف إني غلط مع حد عشان كدا سابني، نظراتهم ليا كانت وحشة أوي، حسيت إني محتاجة حد يقولي أنتِ حلوة وجميلة وتتحبي، حد ميقولش عليَّ كلام وحش في وشي، فلما لقيت طلب الصداقة من الواد الغريب ده قبلته، بس انا مش وحشة يا بابا دي كانت اول مرة، اول غلطة، اكبر ذنب اعمله.
أنا اسفة اني خونت ثقتك فيا، أسفة إني زعلتك، أنا والله بتمنى اموت يا بابا.
ربت عبد السلام على ظهرها، وهو يهمس:
_متقوليش كدا يا حبيبتي انا خلاص سامحتك.
ورفع ذقنها لينظر إلى عينيها، وقال:
_مش هكدب عليكِ وهقولك إني هنسى بسهولة زلتك لأ، بس أنا متأكد إنك مستحيل تعملي كدا تاني مش عشاني ولا عشانك عشان ربنا عشان فوقتي لنفسك.. وعرفتي إن الدنيا مش دايمة وأنك كان ممكن تموتي وأنتِ بتكلمي الواد ده وتتحاسبي وتقفي قدام ربنا مكسوفة مش قادرة تبرري.
ومحى عبراتها بإبهاميه، وأستطرد:
_مش عايزك تخبي عني حاجة تاني حتى أفكارك اللي بتروح وتيجي في دماغك، واياكِ تخافي مني أبوكِ لو حتى وحش فمعاكي مش هيكون وحش، تعالي حطي راسك على صدري واشكي همك وهسمعك وهنصحك وهقف جنبك.
وقبل جبهتها واستوى واقفًا، وقال وهو يضحك بهدوء:
_ويلا قومي اغسلي وشك خلينا ننزل نعمل لقمة للناس اللي تحت دي وتاخدي جدتك عشان طفشت الواد يمان، وشكلي كدا هجوزهاله وريح.
وضحكت غرام بخفة وهي تنفذ ما قاله لها أبيها.
وتوجهت بعد ذاك لتحضر طعام العشاء، فوجدت غادة تدخل إليها وهي تقول:
_حاسة إن في حاجة متغيرة!
فأستدارت غرام، وقالت ببسمة:
_متغيرة إزاي؟
فعقدت غادة ساعديها أمام صدرها، وقالت:
_زي مثلا إنك مبسوطة حبتين، حساكِ مرتاحة جواكِ رضى غريب!
فتنهدت غرام في ارتياح، وقالت:
_يمكن عشان لقيت نفسي، تعالي نحطلهم الأكل ونطلع إحنا فوق ناكل براحتنا.
وتعاونتا على وضع الطعام للرجال، وبينما غرام تتناول طعامها برفقة غادة، إذ قالت لها وهي تستشف شيئًا ما:
_غرام، قوليلي إيه رأيك في زكريا ابن خالي؟
فمضغت غرام ما بفمها، وتطلعت إليها ذاهلة لم تكن تعلم شيء عن زكريا ابن صديق أبيها! ولا تذكر حتى ملامحه فإنها لم تهتم به أو برؤيته.
فهزت كتفيها وهي تقول في دهشة:
_رأيي فيه إزاي يعني؟
فأبتلعت غادة ما بفمها، وقالت في بساطة:
_يعني مثلًا جميل؟ ملامحه حلوة ولا إيه؟ شايفة انه حد كويس ولا لأ؟!
واسئلة غادة كانت لطلب من زكريا الذي لمح لها إنه يكن إعجابًا نحو غرام.
غمغمت غرام في جمود:
_وأنا مالي هو كويس ولا لأ؟! أنا أصلاً معرفش عنه حاجة.. وغالبًا مخدتش بالي منه أبدًا من لما جه.
ثم تنبهت إلى بعض الندوب المنتشرة فوق ذراعي غادة، فسألتها باهتمام:
_أنتِ محرو*قة في إيه؟
فحدقت غادة إلى حروق يدها بنظرة فزع مع تذكرها لما كاد أن يصيبها من خطيبها السابق، ثم حوَّلت بصرها جهة غرام، وهمست بصوتٍ خفيض:
_دي حر*وق بسبب خطيبي!
فقطبت غرام حاجبيها مندهشة، وقالت في صدمة:
_خطيبك حرق*ك إزاي يعني؟!
ازدردت غادة لعابها، وافصحت في هدوء:
_اصل يمان اخويا اكتشف عنه حاجة مش كويسة فنفصلنا، فاتجن غالبًا وكان هيكب مي*ة نا*ر على وشي بس ربنا ستر وجت على قد كدا والحمد لله.
فرفعت غرام حاجبها، وقالت في إشفاق:
_لا إله إلا الله، هو في حد بيفكر كدا؟!
رمشت غادة بأجفانها، ثم سألتها وهي تنظر إليها بطرفٍ خفي:
_وأنتِ اطلقتي ليه؟
زفرت غرام في توتر، وقالت:
_كان ابن عمي وكتبنا الكتاب وفجأة حصلت ظروف واطلقنا.
وتفهمت غادة فهزت رأسها ولاذت بالصمت عندما أحست أن الأمر يؤلم غرام.
بينما في الأسفل كان مختار يسأل عبد السلام وهو يتناول طعامه:
_بكره فرح ابن اخوك طارق، واكيد هتحضر وكفاية خصام كدا.
فهتف عبد السلام بأنفعال:
_هروح إزاي يا مختار بس؟ العروسة اللي بكرا دي كان المفروض بنتي مكانها!
فربت مختار على كتفه، وقال:
_بس اخوك ملهوش ذنب يا عبد السلام، والراجل جه لحد عندك كذا مرة يستسمحك ويطلب منك تيجي الفرح لإنك الكبير وإلا مش هيحضر.
ورمق يمان في اهتمام الرجلين وهو ينصت في اهتمام ليربط حزن غرام بطلاقها من ابن عمها الذي سيزف غدًا على أخرى كان يجب أن تكون هي مكانها، وتسلل إلى أذنيه صوت خاله وهو يقول بصدقٍ:
_انتوا اخوات يا عبد السلام والدنيا مش دايمة متخليش الشيطان يفرق ما بينكم في آخر أعماركم كدا، الدنيا مش مستاهلة يا صاحبي، ولو أنت عايز الصح فالمفروض تاخد بنتك غرام بكرا معاك ونروح كلنا.
فهب عبد السلام واقفًا وهو يخبط المائدة بكفه في غضبٍ، وصرخ:
_أنت اتج*نيت ولا إيه؟ آخد بنتي على فرح طليقها؟!
رواية عشق الغرام الفصل الخامس 5 - بقلم ندى ممدوح
ثمة حزن يطفئ القلب، ويخفت له النبض، ويسلب منا الضحكة، ويسرق منا بسمة العينين.
هنالك حزن يقتلنا أحياء.. يذرنا داخل قبر من الوحشة يخمد فينا كل جميل.
كانت غرام تهبط الدرج برفقة غادة عندما تناهى لها صوت أبيها وهو يصرخ، قائلًا:
__ أنت اتجننت ولا إيه؟ آخد بنتي على فرح طليقها؟!
فتخشب جسدها لوهلة، هل تذهب حقًا زفاف ابن عمها؟!
تُرى هل تستطيع يومًا أن تسامحه عما اقترفه في حقها؟!
وأصاخت السمع عندما نهض مختار ليسحب أبيها من ذراعه بعيدًا ليجلسا، وهو يقول:
_ اهدى يا عبد السلام، العصبية مش هتفيد في حاجة.
وأغمضت عينيها في عنف، عندما فتحتهما تلاق بصرها مع أعين يمان فأطرقت وأستدارات لتنصرف من حيثُ أتت، وتبعتها غادة لأعلى، وهي تهتف:
_ استني يا غرام!
وظل يمان يتابعها ببصره حتى توارت عن الأنظار، لكنه بقى شاردًا حتى أتاه صوت زكريا يهمس بجوار أذنه:
_ صعبة عليك البنت دي مش كدا؟! ولا أنت معجب بيها؟!
ازدرد يمان لعابه وهو يستدير ليواجه زكريا في صلابة، وغمغم بضيق وهو يحدجه شذرًا:
_ مش صعبة عليَّ ولا حاجة بالعكس حاسس إن ربنا نجاها من زواج فاشل، وزوج أفشل.
هز زكريا رأسه، وقال وهو يمعن النظر في عينيه:
_ والسؤال التاني؟!
ردد يمان في دهشة:
_ اللي هو؟!
تبسَّم زكريا تبسم الواثق، وقال وهو يدس كفيه في جيبيّ بنطاله:
_ أنت معجب بيها؟!
فرفع يمان حاجبًا مندهشًا، وقال في صدق:
_ وهو أنا اعرفها عشان أعجب بيها؟! الشكل مش كل حاجة.
ورمقه بنظرة سريعة ثم أبتعد، فتمتم زكريا في صوتٍ خفيض وهو ينظر في أثره:
_ وحتى لو معجب مش هتكون ليك أبدًا.
وتوحشت عينيه بنظراتٍ بدت كالبركان الخامد.
في ذاك الآن كان عبد السلام يستدرك فعلته الحمقاء بحق ضيفه وصديقه، ويقول في إنفعال صادق:
_ حقك عليَّ يا مختار مكنش ينفع انفعل كدا واتعصب عليك وأنت في بيتي.
فهز مختار رأسه في بساطة، وتمتم:
_ براحتك عادي ولا يهمك أنا مقدر اللي أنت فيه وانفعالك عشان بنتك، وأنا لو مكانك هنفعل كدا.
ثم أعتدل يواجهه، وأستطرد:
_ مش عايزك تفكر في لحظة غضب، روق كدا واهدى واسمعني.
وزفر زفرة مشبعة بالحنق وهو يضيف:
_ ابن أخوك طارق دا شخص ميتأمنش، مش عارف أنت زعلان ليه؟
رمقه عبد السلام بنظرة مستهجنة، وكاد يعلق عما يقول، لكنه أحجم عن ذلك، عندما بادر مختار يستوقفه بإشارة من كفه، وقال:
_ أيوه أنت لازم تحمد ربنا إن الجوازة دي متمتش، لإنها لو تمت كانت غرام هتتبهدل مع واحد قليل الأصل زي طارق كدا.. وملهوش أمان.
لانت ملامح عبد السلام وبدا إنه يسترخي في جلسته وقد تنهد في راحة وحمد، وأردف مختار:
_ وإحنا لإن بنتنا مغلطتش لازم ناخد بعضنا ونحضر الفرح كلنا ونبين للناس إن مفيش أي حاجة، ونثبت لطارق إنه مكنش يستحق بنتنا من الأول.
ردد عبد السلام في تفكير:
_ أيوا بس!
فغمغم مختار مستنكرًا:
_ بس إيه؟ مفيش بس إحنا هنروح.
_ أيوه يا بابا إحنا هنحضر فعلًا.
انبعث صوت غرام بغتة، فالتفتت العيون إليها، وهب عبد السلام واقفًا وهو يحدق في وجه ابنته في دهشة، وقال وقد زوى ما بين حاجبيه:
_ موافقة إنك تحضري، متأكدة؟! دا ضغط نفسي عليكِ كتير!
فرفعت غرام رأسها في شموخ، وقالت بإباء:
_ لا ضغط نفسي ولا حاجة بالعكس محتاجة إني أشوفه عشان أتحرر منه، وأثبت له إنه ولا حاجة بالنسبة ليّ وأني استحق اللي أحسن منه مش حد وخلاص.
نظرة إعجاب أطلت من أعين مختار، الذي وقف بجوارها قائلًا في حماس:
_ أيوا كدا يا بت تعجبيني.
فتبسمت له غرام خجلة من الإطراء الذي حازت به، وأطرقت في صمت، ثم قالت:
_ رايحة أجهز نفسي أنا وغادة وهشوف نهلة تمشي معانا.
وقفت غرام تطلع إلى نفسها في المرآة، بعدما تجهزت لحضور حفل زفاف ابن عمها..
الذي هو طليقها السابق..
تمعنت مليًا في تأمل ملامحها الرقيقة، وبشرتها التي تميل إلى السواد قليلًا، لكن عينيها كانتا نَجْلاويْن جذبتين، يحفهما أهدابٌ طويلة ما أن لامسهم الكحل حتى بدتا كبحرٍ من عسل..
هل تُرى العيب فيها؟!
هل لم يراها طارق جميلة؟
لماذا لم يكمل حياته معها؟!
لماذا طلقها قبل زفافهما!
اليوم كان من المفترض أن تكون هي العروس، وأن تزف الليلة.
أغروقت مآقيها بالدموع، وهذه الخواطر تتوافد إلى ذهنها في تتابع مذهل، وأحست بأنهيار..
بالأنهيار في قلبها..
كأنه تحول في صدرها إلى بركان، طفق يلقي حممه فتذيب كل وجدانها.
هل تعلم ما هو أصعب ألم قد يحسه المرء؟
ذاك الألم الذي لا نعرف كيف نصفه، أو نعبر عنه…
ألمٌ هو يقتات على فؤادنا فيهلكنا ويردينا قتلى وما نحن بقتلى..
أحياء ولسنا بأحياء..
نواجه الدنيا بكل طاقتنا لكنها توارينا الثرى ونحن فوقها.
“غرام، غرام.. أنتِ يا بنتي! ”
تنبهت غرام من شرودها على صوت نهلة، التي طرقت الباب وعندما لم يأتيها رد، دفعت الباب لتجد غرام تحدق في المرآة بصمت..
تطلعت غرام فيها عبر المرآة وهي تقول:
_ نهلة.. معلش مخدتش بالي.
فهزت نهلة رأسها وهي تقول في بساطة:
_ ولا يهمك يا ستي..
ثم أستطردت في شغف:
_ أيه القمر ده كله؟
كانت صادقة وترمقها بنظرة منبهرة، جعلت غرام تشعر بالحياء، وارتسمت بسمة هادئة على ثغرها وهي تقول:
_ دا أنتِ إللي قمر..
نقر خفيف هاديء انبعث من لدن الباب، ثم أتبعه صوت غادة وهي تقول في حماس:
_ إيه يا بنات خلصتوا؟
ولم تترك لهن فرصة للرد، بل لجت للداخل وهي تصيح:
_ أنا مش مصدقة إني أخيرًا هحضر فرح صعيدي.. وهشوف رقص بلدي!
تبسمت غرام، ثم سألتها بغمزة:
_ ومش كدا وبس احتمال ترجعي بعريس.
فقهقهت غادة، وغمغمت:
_ مش اوي كدا يا ستي.
فسحبت غادة نهلة من كفها، بينما أخذت ذراع غادة لتتأبط ذراعها، وقالت:
_ يلا يا بت منك ليها بلاش نتأخر عن كدا.
وجدوا الرجال في أنتظارهم أمام الدار، وهتف عبد السلام:
_ كل ده تأخير يا بنات؟
فتمتم مختار مبتسمًا وهو يحتوي غادة بعينيه:
_ هي البنات كدا يا عبد السلام براحتهم يا عم التأخير يستاهل البنات نازلين قمر.
فزمت غادة شفتيها ودنت منه تسأله بضيق:
_ يعني أنا كنت وحشة يا خالوا ولا ايه؟
فطوق مختار كتفها في حنو، وقال بنبرة تقطر بالعاطفة:
_ أنتِ قمر في كل حالاتك يا حبيبة خالك..
وحاد ببصره نحو ابنه ويمان وبدا كأنه كاد يقول شيئًا أحجم عنه حين لمح ابنه وهو يتفرس النظر في غرام، فنقل بصره بينهما ببسمة عريضة، وغمغم يمان بضيق جلي:
_ مش يلا ولا إيه؟
لكن الجدة تأبطت ذراعه، وقالت:
_ يلا نمشي أنا وأنت ونسيبهم.
فربت يمان على كفها في حنو، وهمس:
_ حاضر..
فرمشت الجدة بأجفانها وهي تطلع إليه بحالمية، فكظم يمان ضحكته وقال لها محاولًا إقناعها:
_ يلا روحي امشي مع البنات لحد ما نوصل الفرح.
فسألته في اهتمام وهي ترنو إليه بأعين تضوي:
_ هو إحنا رايحين فرحنا؟ يعني خلاص كدا هنتجوز!
اطلق مختار ضحكة عالية، بينما تبسم عبد السلام وهو يضرب كفًا بكف في قلة حيلة، واقتربت غرام تسحب جدتها وهي تبتسم في شكر ليمان الذي تبسمت لها عيناه واومأ لها في سلام.
توجهوا جميعًا صوب حفل الزفاف الذي كان يقام في الشارع، وقبيل وصولهم إلى المكان تلألأت أعمدة الإنارة التي كانت معلقة عاليًا تمتزج بكل الألوان، ومروا الفتيات بين رهطٍ يرقصون بالعصى ثم ذهبوا إلى حيثُ مجلس النساء المتجمعات..
ومالت غادة على أذن غرام، وأرتفع صوتها ليصل إلى الأخرى بسبب الموسيقى والأغاني الصاخبة، وهي تقول:
_ أفراحكم غريبة اوي.
فجذبتها غرام وهن يتوغلن للداخل، وغمغمت:
_ أنتِ لسه شوفتِ حاجة تعالي.. تعالي.
ثم لم يلبثن أن أنخرطن بين النسوة وتجمهرن يصفقن حول مجموعة من الراقصات مجاملة للعروس..
وفجأة تقابلت غرام مع زوجة عمها وجهًا لوجه، توترت، وارتبكت والأخرى تبتسم في خبث ومكرٍ ودهاء وهي تقبل إليها لتعانقها بمودة زائفة، وهي تقول:
_ مكنتيش جيتِ يا غرام!؟
فردت غرام عليها بثبات:
_ ودي تيجي يا مرات عمي دا الواجب!
فغمغم زوجة عمها وهي تلوي شفتيها:
_ بت اصول يا حبيبتي، ولكن مكنش حد هيزعل كلنا مقدرين إنك مش هتقدري تشوفي طارق طليقك جنب وحدة تانية المفروض تكوني أنتِ مكانها.
ونظرت غرام لها مصعوقة، والأخرى ترمقها بشماتة واضحة، قائلة:
_ اصل عمك لما اقترح على طارق يتجوزك طارق وافق رضا لأبوه، مع إني كنت شايفة له وحدة تانية…
ونظرت جهة العروس الجالسة بجانب عريسها على منصة خاصة، بطريقة واضحة تعني أن زوجة عمها قد أفلحت وتزوج ابنها بمن اختارت هي.
ألتمع الدمع بأعين غرام، وزوجة عمها تواصل:
_ مسافة ما طلقتوا كنت أنا بكلم أم نيرة مرات ابني اصل ابوها متوفي..
إذن فزوجة طليقها تدعى نيرة!
هكذا وقر الاسم في ذهنها وهي تلتفت لتنظر لتلك نيرة بنظرات خاصة، أخرجتها منها زوجة عمها وهي تربت على كتفها، قائلة:
_ معلش يا حبيبتي دا نصيب وأنتِ مش من نصيب طارق ابني.
“الحمد لله ألف مرة إنه مش من نصيبها، وإلا كانت هتبقى مصيبة”
هكذا غمغمت نهلة لتدافع عن ابنة خالها في بسالة، ثم احتوت كتف غرام مؤزارة، وهي تتابع بنبرة جافة:
_ اصل الغالي ملهوش إلا الغالي يا مرات خالي، والرخيص دايمًا بياخد الرخيص إللي زيه.
تمعنت النظر إلى غرام، وفي صوت خفيض، أستطردت:
_ وغرام دي ست البنات متتاخدش إلا واحد أمين يشيلها جوا القلب.
وبدا أن المرأة تغلي من الغيظ، ورحلت من أمامهن غاضبة وهي تشتعل من الحقد الذي ليس له مبرر، بينما همست نهلة في أذن غرام:
_ مضايقيش نفسك ما أنتِ عارفه مرات عمك مبتحبش حد، وعمك ملهوش كلمة في البيت مراته هي إللي ممشية كل حاجة، والآمر الناهي في كل شيء، رجالة آخر زمن.
كانت تدرك غرام إن خالها يجب أن يكون رجل البيت، لكنها دائماً ترى أن زوجته هي رجل البيت..
إذ هي تقرر هو يذعن في طاعة عمياء..
الكلمة لها…
والفعل لها…
وهو بالاسم رجل البيت تحركه امرأة كيفما تشاء.
تبسمت وتصنعت السعادة، كان يجب أن تستدعى الفرح إلى ملامحها ولا تظهر لأحد ضعفها، في حين أنها تتمزق..
نعم كانت تتمزق إلى أشلاء..
وعينيها لا تحيدان عن طارق وعروسه..
كان من المحتسب أن تكون هي بجواره!
فأنَى حدث ما حدث واحتلت أخرى مكانها.
العين دامعة، بينما الثغر باسمًا، والقلب يهتف مرفرفًا كالذبيح:
_ سامحك الله يا طارق عن هذا الألم المميت، وأذاقك الله أضعافه، فقد شيدنا منزلنا لبنة لبنة، فهدمته أنت دفعةً واحدة.
كانت تحدق فيهما بنظراتٍ خاوية، وقلبًا فارغًا من الضياع..
عند مجلس النساء كان طارق قد فارق عروسه، وأصبح في صف الرجال يصافح من جاءه مهنئًا، حتى أصبح قبالة عمه الذي أشاح وجهه بعيدًا، ورفض أن يصافحه..
فلم يحاول طارق ولم يسع لينال العفو من عمه، بل صافح مختار الذي بادله بفتور، ثم زكريا ويمان..
وعند يمان توقف على صوت رجل، يسأل في فضول:
_ هو إيه اللي حصل يا عبد السلام عشان طارق يطلق بنتك.
وازدرد عبد السلام ريقه، بينما شحب وجه طارق شحوبًا شديد والتفت إلى الرجل كإعصار وهم أن يجيب، بينما تابع آخر:
_ غرام اللي الكل يتحاكي بأخلاقها برضو تتساب.
فرد عليه آخر في غلظة:
_ يا عم الله وأعلم إيه اللي عرفه عنها ابن عمها وسابها، ما خفى كان أعظم من الظاهر…
وغمغم آخر:
_ حرام عليك متتكلمش عليها كدا، منه لله اللي كان السبب لإن بنات الناس مش لعبة، ودا المفروض ابن عمها بعد ما سابها مين هيتقدم لها…
وبتر الرجل عبارته، وعقدة كل الألسن عندما هدر مختار بانفعال:
_ بس.. كله يسكت ويدخل لسانه جوا بقه، غرام اللي الكل جايب سيرتها بالباطل مظلومة، العيب على اللي عمل نفسه راجل وتزوج وطلق لمجرد إنه كان بيكلم وحدة على التلفون وحبها وطلع قليل الأصل.
وصرخ طارق وهو يتميز غيظًا وينفجر غضبًا:
_ أنا اللي قليل الأصل يا رجل يا خرفان أنت؟!
وقطع عبارته عندما جذبه يمان من ذراعه وهوى على وجهه بلطمة قوية، وهو يهتف في جنون:
_ مين اللي خرفان يا اض أنت؟! أنت تعرف نفسك بتكلم مين؟!
ودخل الاثنان بشباك بالأيدي، بينما الغِل في قلب يمان لم يهدأ بدا كأنه ينتقم لغرام لا لشيء إلا أنه قد تصور أن شقيقته مكانها..
وقد تزوجت من رجل مثل طارق ثم طلقها..
فانهال عليه ضربًا وكان سيواصل ذاك الشجار العنيف، لولا مجموعة من الرجال الذين تكالبوا عليه ليفصلوه عنه، فأبتعد وهو يرغي ويذبد، وصرخ عبد السلام وهو يدق بعصاه الأرض:
_ أي حد هيقول كلمة في حق بنتي هقطع لسانه، وقبل ما تحكموا على حد بعد كدا أبقوا اتاكدوا إنه يستاهل.
ثم نظر إلى ابن أخيه بنظرة ازدراء وهو يقف مترنحًا ويمسح خيط الدم الذي انساب من طرف شفتيه.
بدا زكريا مستمتعًا بما يحدث، بينما اندفع يمان نحو خاله ليغادروا المكان، إلا أن خاله فجر قرارًا لا يدرِ إن كان قد أتخذه سابقًا، أم حتمه الوضع واندفع من فِيهِ تلقائيًا:
_ غرام ست البنات مخطوبة لابني زكريا… ويشرفني ويسعدني إني أجوز ابني من وحدة بأخلاق وجمال غرام واللي هي بنتي مش بنت صديقي.
وتعالى الهمس، وصُدم يمان، وارتسمت بسمة واسعة على شفتا زكريا وقد برقت عيناه، بينما أيد عبد السلام كلام صديقه قائلًا:
_ غرام دلوقتي في حكم المخطوبة لزكريا…
ولأجل أن تعلم الناس من زكريا، ضم كتف زكريا إليه وهو يقول في فخر:
_ بنتي ربنا عوضها باللي احسن من جوزها.
وأطل غضبٍ هائل في أعين طارق وهو يرمق زكريا في عداء واضح، بينما بدا يمان مذهولًا، مأخوذًا بما حدث…
فكيف ومتى تم خطبة غرام وزكريا؟!
أنَى لفتاة مثل غرام بتلك الرقة تكون شريكة لشخص مثل زكريا؟!
كيف حدث هذا؟!
هل خرجت غرام من كنف رجلٌ خسيس لتدخل في كنف رجلٌ أخس منه؟
ماذا فعلتِ يا غرام لتنالي هذا البلاء؟!
رواية عشق الغرام الفصل السادس 6 - بقلم ندى ممدوح
لم تدرِ غرام بما دار بين الرجال.
لم تعلم أنها قد خُطبت للتو.
لم تعرف شيئًا عن مصيرها البائس المنتظر.
فقد خطت إلى الأمام، وارتقت درجات المنصة، ويمّمت وجهها شَطر العروس الجالسة بعد رقصة مرهقة، ومنهكة.
وأحست بساقيها لا تحملانها إلا بإعجوبة.
ورغم الخاطر الحائر الذي كان يلح عليها بالفرار فقد تغلبت عليه ببسالة.
كانت كمن ملك قوة غير مرائية قُذفت بغتة إلى اعماقها فحملتها فوق المنصة.
ورغم أن الصخب كان عاليًا، وصوت الأغاني يصم الأذان، ألا أنها بدت متغيبة كأنها أُصيبت بالصم.
تقافزت ذقات قلبها في جنون، وبكل توتر الدنيا توقفت أمام العروس.
تطلع إليها في غرابة.
وتساؤل أيضًا!
أهي أجمل منها؟ أم بها شيء مميز لا تدركه عينيها!؟
وظلت تحدق فيها متجمدة الأطراف، حتى لاحظت العروس فتأملتها بدورتها، وبادرتها في اهتمام:
_ أنتِ بتشبهي عليَّ ولا أيه؟
هُنا فقط تنبهت غرام إلى نفسها، وأنتزعت ذاتها من شرودها الذي سيطر عليها إنتزاعًا، وغمغمت وهي تهز رأسها في تيه بيَّن:
_ لا أبدًا مش بشبه ولا حاجة.
ومدت كفها مصافحة، وأردفت:
_ جيت أأقولك مُبارك وجودك في عيلتنا!
فارتسمت بسمة واسعة على ثغر نيرة وهي تنهض في بطء حذر، وصافحتها في وِد قائلة:
_ الله يبارك فيكِ، بس أنتِ تقربي إيه لطارق؟!
أرتدت غرام إلى صمتها لردحًا من الزمن، وفي عقر قلبها أنتفض وتينها في فزع لا مبرر له، وشخصت البصر في نيرة، ثم إزدردت ريقها وقالت بصوت شاحب للغاية:
_ أنا غرام بنت عمه عبد السلام!
فرددت نيرة في إنفعال يشوبه العصبية:
_ طليقته؟! أنتِ طليقت طارق؟
وأمعنت النظر فيها بدورها بنظرة عدوانية وقد تلاشت كل ملامح السعادة عن وجهها الذي بدا كالوحة جامدة.
وحدقت كلٌ منهم في الأخرى، بنظرات يشوبها الغيرة، حتى تقدمت بعض الفتيات من أقارب العروس، وجذبتها بعيدًا لتشاركهن في إحدى الرقصات.
فتنهدت غرام تنهدًا عميقًا، ثم أطلقت زفرة مشبعة بما يعتمل في صدرها، وأستدارت لتهبط درجات المنصة وهي تتهيأ لمغادرة الساحة.
فتأبطت ذراع كلٍ من غادة ونهلة وانسلوا من بين النسوة خارج الفرح.
وحتى يكتمل اليوم، وتصل همومها إلى الذروة، ولكي تقتات ضغوطها النفسية على ما تبقى من ثباتها وجدت نفسها وجهًا لوجه أم طارق.
فتوقفت عن السير.
وتوقف بدوره.
وهدقا في بعضهما مليًا.
لم يخف عن أعين غرام تلك الندوب التي بدت واضحة وضوح الشمس على ملامح ابن عمها، وأدركت أن العريس خاض شجارًا حاد.
وفجأة حولت بصرها عنه وهمَّت أن تتابع سيرها، فما كادت أن تتجاوز طارق، حتى توقفت على صوته البغيض يقول في حقد:
_ مبارك الخطوبة يا بنت عمي!
أيُّ خطوبة؟
هكذا تساءلت غرام في نفسها وهي تلتفت إلى طارق بنظرة مندهشة.
فتقدم هذا الأخير خطوة بدت عدوانية إلى حدٍّ كبير، وغمغم في شراسة:
_ طب حتى كنتُ عزمتينا ولا قُلتِ عشان نعمل الواجب!
فهتفت غرام في انفعال:
_ خطوبة إيه يا طارق أنت أتجننت؟ ولا حد ضربك على دماغك؟!
فضرب طارق كفًا بكف، وصاح في عصبية مفرطة:
_ وكمان عايزين تخبوا؟! يلا بنت عمي تتهني بخطيبك، ويا ترى ناوية تعزمينا على الفرح ولا هنعرف زي الأغراب؟!
أتقدت حدقتا غرام بالغضب الذي بدا كبركان ثائر على وشك الاندلاع، وكادت أن ترد عليه، لكن جذبتها غادة من ذراعها، وهمست في هدوء:
_ سيبك منه يا غرام خلينا نمشي من هنا دا شكله اتجن.
فأومأت غرام برأسها موافقة، وحدجت طارق شذرًا، ثم أولته ظهرها وهي تجز على أسنانها، قائلة:
_ مبارك زواجك يا بن عمي.
وصك طارق على أسنانه في غيظ، وهو يشيع رحيلها بعينين مفعمة بالغل.
جلس عبد السلام حائر مما فعل، وبجواره مختار الباسم الثغر، بينما ظل يمان وزكريا خارج البيت.
يمان يغلي من الغضب كأن رأسه قدرٍ يغلي فيه الدماء، وظل زكريا يراقبه متبسمًا كمن يروق له قلقه.
غمغم عبد السلام بحنق مشوب بالحيرة:
_ أيه إللي عملناه ده يا مختار يا خويا!
فتمتم مختار بنبرة هادئة للغاية:
_ عملنا أيه؟
أردف عبد السلام مغضبًا:
_ إحنا خطبنا العيال لبعض من غير مشورتهم، طب الناس هتقول أيه لما يعرفوا أن مفيش خطبة ولا حاجه؟!
رد عليه مختار بذات النبرة الهادئة:
_ والناس مالها ومالنا يا عبد السلام هنفضل لأمتى خايفين منهم؟
واعتدل في جلسته ليكون إزاءه، وتبسَّم في ظفر، وهو يقول في هدوءٍ شديد:
_ ثم مين قالك إني مش عايز أخطب بنتك فعلًا لزكريا ابني؟ أنا كنت ناوي بالفعل أفاتحك في الموضوع قريب، خاصةً أني لاحظت إعجاب زكريا بغرام، بس عايزين نمهد الموضوع ليهم البنت يلا طالعة من زواج فاشل، وعلاقة فاشلة، وأكيد مش هطيق ترتبط دلوقتي.
سكت لهنيهة يلتقط أنفاسه، بينما بدا عبد السلام يقلب الموضوع في ذهنه، في حين عاد مختار يقول في راحة:
_ بصراحة أنا عندي خطة عشان نقربهم من بعض!
أطل تساؤل متلهف في حدقتا عبد السلام، فغمغم مختار سريعًا:
_ غرام هتنزل معانا القاهرة تشتغل في الشركة عندي بشهادتها.. تغير جو وتنسى إللي حصل هنا، وتهون من ضغوطها النفسية شوية، خاصةً أن هنا متاح ليها تشوف طارق كل شوية وده هيدمر البنت.
سكت لائذًا بالصمت لثوانٍ، قبل أن يتابع:
_ غرام هتبقى تحت عيني، وزيها زي غادة وزكريا وأكتر، وهخاف عليها ومش هخليها محتاجة حاجة وهتكون هي وغادة سوا اصلًا يعني متقلقش، وبكدا هتكون قريبة من زكريا ولو حصل قبول يبقى نتوكل على الله.
فتمتم عبد السلام في حيرة شاردة:
_ أنا مش عارف أأقول أيه؟
فربت مختار على ركبته وقال في خفوت:
_ فكر براحتك.. وتأكد أن يهمني مصلحة غرام زيك واكتر.
خرج مختار من الدار، ووقف على عتبت البيت، وهو يستنشق الهواء في بهجة، بينما دنا زكريا، ورنا إليه بنظرة ثاقبة، وهو يقول:
_ أيه إللي أنت عملته ده يا بابا في الفرح؟ أنا عارف أن عشان تنقذ الموقف قُلت كدا، ولكن الناس لو عرفت أن مفيش خطبة هنعمل أيه؟
فأجابه مختار عاقدًا ساعديه أمام صدره:
_ ومين قال أن مش هيكون في خطبة؟
فازدرد زكريا ريقه، وقال بصوتٍ خفيض:
_ تقصد أيه؟
فتبسم مختار وهو يحل عقدة ذراعيه ليقبض على كتفيّ ابنه، قائلًا:
_ يعني أنا عارف أنك معجب بغرام، وانا مش هلاقي لك واحدة أحسن منها.
تطلع زكريا في والده بصدمة طغت على ملامحه التي أستحالت إلى الجمود التام، ثم قال بصوت شاحب:
_ أنت بتهزر يا بابا مش كدا؟ أنت تقصد خطبة وزواج ليَّ أنا؟!
انفعل مختار وهتف:
_ امال ليا أنا؟ هتفضل لحد إمتى مش متجوز، ولا عايز تتجوز؟
صاح زكريا وهو يشير بسبابته على صدره:
_ أنت عايزني أنا اتجوز واحدة زي غرام؟!
فقبض والده في ثورة من الغضب على مقدمة قميصه، وصرخ:
_ ومالها غرام يا روح أمك؟! دي ألف من يتمناها.
غمغم زكريا وهو يفلت يد والده:
_ إلا أنا!
هم مختار أن يثور مجددًا، لكن زكريا قال وهو ينصرف من أمامه:
_ مستحيل.. مش هتجوزها.
تجمدت أطراف مختار حائرًا.
هل اخطأ في تقدير الأمور؟!
ألم يرَ بنفسه نظرات ابنه على غرام؟!
لم يدرك حينها أنها نظرات شيطانٍ رجيم!
تحرك مبتعدًا عن الدار وهو يفكر ويرتب الأمر في ذهنه مجددًا، حتى وجد يمان يسير بجانبه.
كأن يشاركه التفكير.
قال يمان وهو يدس كفيه في جيبيّ بنطاله:
_ الحقيقية أن أنا شايف أنك تسرعت.
فرد مختار في لهفة كغريق يتعلق بطوق نجاة:
_ بجد؟ أنت شايف كدا؟
اومأ يمان في هدوء، وقال:
_ الأمور دي مبتجيش بالأسلوب ده، وأنت تسرعت لما اعلنت كدا من غير ما ترجع لزكريا ولا لغرام.
وفي أسى ردد مختار:
_ كانت نيتي خير.
طوق يمان بذراعه كتف مختار، وهو يقول:
_ متشيلش نفسك ذنب اللي حصل أنت كنت تقصد خير.
وتنهد تنهدًا عميقًا مرتاحًا وقد ظن أن غرام قد نجت.
لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
جلس زكريا يفكر في الأمر، وإذ راح عقله يستحضر صورة غرام.
أنها تروق له لن ينكر.
لكنه يومًا لم يفكر في الزواج ما دام كل شيء بين يديه!
لقد ألتقى بفتيات أجمل منها ولكن.
لماذا!!
لماذا لا يوافق على اختيار أبيه ويتزوج، وهو يعلم أن واحدة بأخلاق غرام لن يجدها في مجتمعه كثيرًا، خاصةً أن من حوله من فتيات لا يعرفون معنى كلمة أخلاق.
حسن ليتزوج لتحمل اسمه فتاة جيدة ذات خلقٍ ودين وعائلة.
وليمارس هو كل ما يبغيه دون علم أحد.
سيكف والده عن الإلحاح عليه بالزواج؟!
سيرحمه من السؤال ليل نهار عن مكانه، وماذا كان يفعل؟!
الحقيقية أن زواجه من غرام رحمة من تسلط أبيه؟!
ووحدة في براءة غرام لن تدرك ما يفعله قط.
توقف سيل أفكاره عندما تسللت إليه أصوات وضحكات أنثوية، فرفع بصره إلى مصدرها فتراءات له البنات وهن يتقدمن إلى البيت ويتسامرون.
فأمعن النظر في تفحص شديد إلى غرام من قمة رأسها حتى أخمص قدميها.
واستشعرت غرام أن هناك من يثقبها بنظراته، فتلفتت في حيرة لتقابل عينيها اعين زكريا.
ولم يخف عليها تلك النظرة الفاحصة التي يرمقها بها، ولأول مرة تركز في ملامحه.
كان جميلًا.
ذا بشرة بيضاء، وأعين عسلية، وخصلاتٍ ناعمة.
لكن هل كل جمال يقبل؟
في اليوم التالي وما أن فتحت غرام عينيها حتى وجدت الباب يطرق وتدخل بعد النسوة مهنئين لها على خطبتها.
وأستقبلت هي التهاني مندهشة، مذهولة وهي تردد:
_ مين اللي اتخطب؟!
فلم تجد إجابة شافية، حتى اجابتها إحدى الجارات قائلة:
_ كدا برضو يا غرام يا بنتي هان عليكِ العشرة، تتخطبي لزكريا بن مختار صاحب أبوكي من غير ما تقوليلنا مكنش العشم يا بت.
فتطلعت إلى المرأة ذاهلة، وقالت في توضيح:
_ حضرتك غلطانة أكيد أنا متخطبتش!؟
فلكزتها المرأة، قائلة:
_ بتنكري ليه يا بت، خايفة من الحسد ولا أيه؟ وبعدين انا جوزي هو اللي قالي على اللي حصل إمبارح في الفرح.. وعلى الخطوبة.
رفرفت غرام بأهدابها في حيرة، وهي تقول بوجهٍ ممتقعما أن تذكرت حالة طارق وقد حسبت أن أبيها قد خاض معه جدالًا:
_ هو إيه اللي حصل إمبارح في الفرح!؟
فأنبعث الرد من ورائها مباشرةً، بصوت أبيها عبد السلام يقول:
_ حصل خير يا حبيبتي، شكرًا يا ام رفعت على تعبك ومجيئك لتهنئة بارك الله فيكِ.
فغمغمت المراة وهي تتهيأ للرحيل:
_ دا الواجب يا عم عبد السلام، أفوتكم بعافية.
ألتفتت غرام إلى أبيها في تساؤل حذر، وقبل أن تنبس ببنت شفة، قال عبد السلام في صرامة:
_ تعالي ورايا!
وتطلع الجميع إلى أثر غرام وعبد السلام وهم يأخذون ركنًا قصي للحديث، بينما مال زكريا على أذن أبيه هامسًا:
_ أنا موافق على الزواج من غرام يا بابا.
وتهللت أسارير مختار وهو يلتفت له، قائلًا في لهفة:
_ بجد يا زكريا بجد؟
فعمغم زكريا بإماءة من رأسه:
_ بجد يا بابا، أنا فكرت ولقيت أن مفيش وحدة تستحق تشيل أسمي إلا غرام؟!
فضمه والده في شغف، وهو يقول مهللًا:
_ حبيبي يا زكريا، انا هكلم عبد السلام ولو غرام وافقت يبقى نشبك.
ووجم يمان في صدمة، وتجهم المحيا، واكفهرت ملامحه.
كان عسيرٌ عليه أن يقبل بزواج غرام لشخص مثل زكريا بعدما أستضافوهم وكان بينهم عيشٌ وملح.
أنَى يوافق على ذلك دون أن يشعر بتأنيب الضمير؟!
في ذات الآن كانت غرام تساءل أبيها:
_ هو في ايه يا بابا أنا مش فاهمة حاجة!؟
فاحتواها عبد السلام بعينين براقتين، وهو يقول في هدوء:
_ عمك مختار عايزك تسافري معاه تشتغلي في الشركة عنده.
وتلكأ وهو يتابع:
_ وكمان هو.
صمت في حيرة عما يقول، لكن استحثته هي قائلة:
_ وأيه؟
فغمغم سريعًا وهو يشيح بوجهه:
_ طلبك لابنه زكريا.
فرددت غرام في دهشة:
_ زكريا!
ونقلت بصرها إلى زكريا الذي تطلع إليها بدوره، واختلجت الأمور في نفسها، فرددت ذاهلة:
_ زكريا!
رواية عشق الغرام الفصل السابع 7 - بقلم ندى ممدوح
لحظة فارقة في حياة المرء قد يتغير بعدها كل شيء، ربما إلى الأسوء.. أو الأفضل من يدري ما النتيجة، وكلمة قد نتفوه بها دون تفكير قد تقلب حياتنا رأسًا على عقب.
أكثر شيء قد يسعد الفتاة هو الزواج وأن تكون مرغوبة، وغرام وجدت نفسها فجأة مرغوبة بعدما تم رفضها من اقرب الناس إليها، وحين علمت بطلب زكريا بالزواج منها وافقت دون تردد على أن يتم عقد القران خلال شهر، وها هي ذا تصبح خطيبة زكريا بن مختار صديق والدها وتسافر إلى القاهرة برفقتهم…
كل شيء تم بسرعة أدهشتها بسبب ضرورة تواجد مختار في شركته بعدما قضى وقت لا بأس به في أسيوط.
وهناك أنبهرت بكل شيء فالحياة في مصر كانت مختلفة تمامًا عمَّا تخيلت، ظلت ليومين بين خروجات برفقة غادة إلى أخرى برفقة عمها مختار وقد قام زكريا بتجنبها تمامًا في تلك الأثناء.
ما أن بدأ الفلق ينبلج في السماء؛ حتى كانت غرام قد أستيقظت لتبدأ أول يوم في العمل، وكانت تشعر بحماسٍ شديد يتمشَّى في أوصالها، وشغفٍ لتلك الحياة الجديدة المقبلة عليها.
كانت دائمًا تتمنى أن يكون لها دخلٌ خاص من تعبها هي، وكيانٌ خاص أيضًا وها هي ذا تنال بغيتها وما تمنت دائمًا، ما أن أدت فرضها حتى كانت ترتدي ملابس عملية نوعًا ما لا تخل من الأحتشام، وبينما هي تلف خمارها وتطلع في مرآتها تناهى لها طرقٌ خفيف على الباب، فأستدارت وسمحت للطارق بالدخول، لم تلبث أن طلت غادة من لدن الباب، وهي تقول بصوتٍ خفيض:
_صباحوا.. جاهزة ولا أيه؟ قُلت آجي أشوفك قبل ما تمشي.
أعقبت عبارتها بإغلاقها للباب ودلفت للداخل، وغرام تجيبها:
_حاسة أني خايفة أوي وعايزة أتراجع!
فتبسَّمت غادة تطمئنها، وقالت في هدوء:
_وليه الخوف اهدي كدا وخدي نفس عميق وأبعدي التوتر ده كله هيعدي تمام وأنا جنبك ومعاكِ خطوة بخطوة.
فزحف الأرتياح على ملامح غرام التي استكانت، وتنهدت تنهدًا عميقًا وأسبلت جفنيها في أرتياح، وغمغمت:
_حاضر.
ثم زفرت في ثقل ما يعتمل فؤادها من توتر، ونظرت إلى غادة في اهتمام.. وسألتها:
_أنتِ ناوية تعملي أيه النهاردة؟
تمتمت غادة في بساطة:
_ولا حاجة هروح النادي شوية وهقعد مع صحباتي وهرجع بس.
همَّت غرام أن تجيبها، لكن انبعث صوت مختار من الخارج يقول:
_غرام أنتِ جاهزة؟
فتحركت تجاه الباب، وهي تهتف:
_أيوة يا عمو جاية.
ووجدته في أستقبالها خارج الحجرة، وبادرها قائلًا:
_أيه يلا بينا ولا لسه؟!
فنقلت بصرها إلى غادة وقد عادها التوتر والتردد، فقالت غادة بدلًا عنها وهي تتأبط ذراعها:
_أيوة جاهزة وهوصلها لحد العربية عشان تستناكم هناك.
ثم مالت وهمست لها:
_يا بنتي أجمدي كدا دا شغل عادي هتستلميه مفيش أي قلق.
فدمدمت غرام:
_حاضر حاضر.
في انبهار سارت غرام جوار مختار داخل شركته، عينيها تجولان في كل مكان إلى العملاء الذين أصطفوا وراء مكاتب صغيرة جميعهم وقفوا احترامًا له وتحية، ثم توجه بها مع يمان إلى مكتب فتح بابه وتنحى جانبًا مفسحًا لها الطريق وهو يقول في هدوء:
_وده مكتبك يا ستي.
فدلفت غرام للداخل بعينين تبرقان انبهارًا، ودخل في إثرها مختار الذي قال:
_أنتِ هتكوني مسؤلة من يمان، هيعلمك كل حاجة بصراحة هو افضل من زكريا ابني في الموضوع ده وباله طويل وانا..
وأتبع يقول وهو يضع كفه على كتف يمان بفخر:
_واثق فيه.
ثم دنا من غرام وقال بنبرة حنونة:
_أنا هسيبك دلوقتي وهروح مكتبي لو احتجتي أي حاجة متترديش تطلبيها من يمان أبدًا تمامًا.
اومأت غرام باسمة وهي تختلس نظرة إلى يمان الصامت الذي استرق النظر إليها ثم أشاح بوجهه بعيدًا، غادر مختار ووجدت غرام نفسها برفقة يمان فقط، وساد بينهما صمت مفاجيء، قطعه تنهيدة يمان، ثم تنحنح وقال ببسمة طافت على ثغره سريعًا ومرت كالسحاب:
_طيب أنا معاكِ وهنمشي وحدة وحدة عادي جدًا، شغلك مش هيكون صعب أنتِ بس هتحددي ليّ مواعيدي مع العملاء واوقاتي، وهتكتبي الإيميلات اللي هقولك عليها، وممكن نخرج في مقابلات عمل وهكذا و…
وسكت لبرهة وهو يزدرد لعابه وقد أرتج عليه الحديث، ثم أعاد البصر إليها كرةٌ أخرى، وتمتم متسائلًا في استدراك:
_أنتِ بتفهمي في الكمبيوتر كويس؟
هزت غرام رأسها نفيًا في حياء، وخجلت من النطق بعدم معرفتها باستخدامه جيدًا، فأكتفت بهز رأسها وفي تفهم اومأ هو بعينيه، وقال في استسلام:
_ولا يهمك مش مشكلة كله بيجي مع الشغل ومع الوقت هعلمك كل حاجه ونبدأ سوا.
ثم لاذ بالصمت لثوان وأشار إلى مكتبه القريب قائلًا:
_أنا هدخل المكتب وهسيبك ترتاحي وتاخدي على المكان وبعدين نبدأ.
وتحرك من أمامها بينما بقت هي متسمرة تشيع رحيله بشرود.
جالسة في شرود، تطلع إلى الفراغ، ترتكز بذقنها في راحتها ترتشف من فنجان القهوة، يتسلل إلى ذهنها صخب النادي وضحكات الأطفال من حولها، أحست غادة فجأة بمن يجلس بجانبها، ثم انبعث إلى أذنها صوت دافيء يهمس في حنان:
_عاملة أيه؟ طمنيني عليكِ؟
وازداد الهمس وهو يردف في هدوء:
_وحشتيني.
ازدادت دقات قلب غادة وهي تلتفت إليه في لهفة، فتلاقت الأعين في لقاء حنون، كان يتأملها بعينين مفعمتين بالأشتياق، أسبلت غادة جفنيها وأشاحت بوجهها بعيدًا وهي تكظم بسمة رائعة كانت تزين ثغرها كلا يفتضح أمر لهفتها لرؤيته.. وغمغمت بصوت مرتبك:
_أنت هتفضل غامض كدا عني، تظهر فجأة وتختفي فجأة.. مش هتقولي أنت مين؟
فشبك كفيه أمام وجهه، ومال إلى الأمام، واحتواها بعينيه وهو يقول بصوتٍ رخيم:
_أنا حبيب بيتنمالك كل خير.. أياكِ تخافي مني!
فالتفتت إليه وتلاقت أعينهم مرة أخرى وهي تلمع بالعاطفة، رفْرفت غادة بعينيها وأبتعدت بهما عن عيناه وهي تتمتم:
_أنت مين؟
فقال وهو ينهض:
_تيجي نتمشى ونتكلم أفضل!
فأومأت موافقة وهي تهب واقفة وتسير بجانبه في هدوء وكلاهما لائذ بالسكون، حتى قال هو في هدوء قاطعًا الصمت:
_قضيتِ وقت حلو في الصعيد؟
فأومأت له دون أن تلتفت، ثم سألته في حدة:
_أنت عرفت إزاي أني في النادي؟ أنت بترقبني؟
لكنها لم تتلقَّ ردًا، وظنت أنه لن يجيب فرفعت رأسها تنظر إليه، فرمقها بنظرة سريعة ثم قال بما جعلها تتوقف:
_يوسف.. اسمي يوسف نسيم.
وتوقف إزاءها فبرقت عينيها ولم تنبس ببنت شفة، وقرأ هو في عينيها أنها تريد معرفة المزيد عنه، فتبسم في حنان وهو يغمغم بود:
_إحنا متقابلناش قبل كدا ولا بينا سابق معرفة، ولكن شوفتك في مرة في البناية القديمة اللي كنتوا ساكنين فيها أنتِ وأخوكِ يمان من وقتها وأنتِ ليكِ مكانة عندي وتخصيني.
ازدرد يوسف لعابه، ثم تنهد وأتبع يقول:
_أنا ساكن في المنطقة هناك في بناية قريبة من البناية بتاعتكم عايش مع ابويا وامي ومليش إخوات.
وتطلع إلى عينيها في إمعان حان، ثم أردف:
_غادة أنا عارف إنك لسه متعرفنيش كويس، وهديكِ الوقت اللي تحدديه لحد ما تطمني ليّ ولكن خلينا قريبين.
وسكت لهنيهة، ثم هتف سريعًا:
_غادة تتجوزيني؟
وأطلت الصدمة من عينيها وهي تتقهقر خطوة مصعوقة للخلف وتطلع إليه في هلعٍ ثم رددت:
_أتجوزك؟
خرج يمان من كتبه وتبسم في وجه غرام التي هبت واقفة ما أن رأته فأشار إليها بالجلوس وهو يتوجه نحوها قائلًا:
_خليكِ قاعدة، أنا طلبتلك فطار عشان عارف أنك مفطرتيش أكيد لما يوصل أبقي فطري.
ثم جلس أمام مكتبها وأدار اللاب إليه وهو يقول:
_ركزي معايا شوية هعلمك شوية حاجات مهمة والأساسيات..
وأنصتت غرام بكل حواسها، ورويدًا رويدًا كان شعورٌ بالأمان يسرى في أوصالها ويتخلل قلبها شيئًا فشيئًا، أسرتها جديته في العمل وشرحه المبسط بكل رفق وهو يعاملها في هدوء وعندما انتهى رفع بصره إليها، وأستوى في جلسته وهو يقول:
_لو في حاجه مفهمتهاش قوليلي وهعيدهالك.
فهزت رأسها سريعًا، وهي تقول:
_لا ابدًا كله تمام.. حضرتك وضحت ليّ كل حاجة.
أسترخى يمان في جلسته، وغمغم:
_بلاش حضرتك دي، وبرضو أنا معاكِ لو في حاجه حسيتها واقفة معاكِ.
كادت غرام أن تجيبه عندما أرتفع رنين هاتفها، فألتقطته وردت في لهفة تقول:
_نهلة عاملة أيه؟
لكن أتاها صوت جدتها، وهي تصيح:
_ازيك يا بت يا غرام، كدا يا بت تسافري ومتسأليش؟
ولم تمهلها فرصة للرد، بل أتبعت تقول على عجل:
_ويمان حبيبي يا بت عامل ايه كدا تاخديه مني يا بت؟! دا أنتِ حتى حتة خدامة هنا.
قهقهت غرام وقد تناست تواجد يمان الذي تطلع إليها وهي تضحك لثوانٍ ثم غض بصره، وسمعها تقول بنبرة صادقة:
_وحشتيني يا تيتا جدًا، عاملة ايه يا حبيبتي طمنيني عليكِ؟
فتنهدت الجدة وهي تقول:
_كويسة ياختي الحمد لله.. الواد يمان مفيش عندك يا بت ولا قولي له يكلمني.
فأختلست غرام نظرة حذر إلى يمان، وقالت:
_عايزة تكلمي يمان؟!
كانت تخشى أن ينزعج من الحديث مع جدتها، لكنها تفآجئت به يمد يده لها، قائلًا ببهجة أطلت من ملامحه:
_هاتيها.
وناولته الهاتف وراقبته وهو يندمج في الحديث مع جدتها بكل حنان ورفق فكان يضحك تارة وكان يصمت يستمع إليها في اهتمام ويوافقها الرأي على أي شيء.
ثم أغلق معها عندما وصل الطعام الذي طلبه لها، فاستأذن منها ليدخل إلى مكتبه لإدراكه أنها ستخجل من تواجده لكن ما أن هم بفتح باب المكتب حتى تسمرت يداه مع فتح باب مكتبها هي وصوت عمه مختار، يقول:
_يمان استنى تعال أنت وغرام عشان هعلن للموظفين خطوبة زكريا وغرام.
فتجهم وجهه وأسودت ملامحه وهو يستدير متطلعًا إلى غرام التي أطرقت في حياء ثم سارت وراء مختار الذي أشار إليها قائلًا:
_روحي مكتب زكريا اللي ورتهولك عند دخولنا وهاتيه وتعالي.
فاومأت برأسها إيجابًا وسارت شطر المكتب وهي تنوي إخباره.
وداخل المكتب كان زكريا يجلس وراء مكتبه وثمة فتاة تجلس فوق ساقيه ويفعل ما حرمه الله..
قالت الفتاة بضيق:
_يعني أنت خطبة البت الصعيدية دي وهتتجوزها!
فاومأ زكريا بعينيه إيجابًا، وقال في هدوء موضحًا:
_ايوة، ولكن إحنا هنتقابل في الشقة عادي وهنخرج ونطلع هي هتكون مجرد زوجة وبس.
كانت غرام قد اقتربت ومدت كفها إلى مقبض الباب وهمَّت بفتحه…
رواية عشق الغرام الفصل الثامن 8 - بقلم ندى ممدوح
همت غرام بأن تدير مقبض باب المكتب، لكن باغتها صوت يمان وهو يهتف بنبرة أثارت فزعها:
_ غرام استني عندك.
فألتفتت إليه بأعين فزعة، وهالها وجهه الذي طافح بالغضب، وأفلتت المقبض من بين أصابعها، وفركت كفيها في توتر، وغمغمت بصوت حائر:
_ هو في إيه؟
فأستجمع يمان شتات نفسه، وكبح غضبه وأحجم عن غيظه، وأغتصب بسمة على ثغره قسرًا كي يدحر عنها الفزع الذي يطل من أعينها. كان يدرك تمامًا جل ما يقترفه زكريا في مكتبه، ولم يكن ليسمح لها أن ترَ ما يحدث.
لقد خشى على حيائها!
همس في هدوء بدد مخاوفها:
_ مفيش حاجة، روحي أنتِ عند عمك مختار، وأنا هجيب زكريا وهآجي.
فأسبلت غرام جفنيها في ارتياح، وقد راق لها قراره، وأومأت له برأسها وهي تقول في إستسلام:
_ حاضر.
وتحركت مبتعدة بينما أستدار هو ناظرًا إلى طيفها الراحل حتى غابت عن بصره، ففتح الباب في عنف، وأنتفضت الفتاة التي كانت تجلس فوق ساق زكريا في وضع غير لائق، وهبت مذعورة وهي تكاد تموت رعبًا، ثم نقلت بصرها إلى زكريا في حيرة، فأشار إليها هذا الأخير بالخروج دون أن يبدو عليه أي شيء، فهرولت منصرفة بينما هدر يمان في غضب بدا كبركان ثائر مجنون:
_ أنت مش هتبطل عمايلك دي وسافلتك في الشركة؟
فتراجع زكريا في استرخاء مثير للدهشة، وردد في برود ونبرة جافة:
_ وهبطل ليه؟ هي كانت شركتك وأنا مش عارف؟
ورمقه شزرًا فأندفع يمان شطره وقبض على مقدمة قميصه وهو يصرخ:
_ يعني إيه تبطل ليه؟ تبطل عشان بنت الناس اللي بقت خطبتك دلوقتي.. وعشان والدك اللي لو عرف بعمايلك هيروح فيها.
نزع زكريا أصابع يمان في عنف ودفعه للوراء ووثب واقفًا وهو يجأر:
_ وأنت مالك بتدخل ليه في اللي ملكش فيه؟
ولاذ بالصمت عندما تناهى له صوت أنثوي يقول:
_ أستاذ يمان الأستاذ مختار بيطلب حضرتك أنت وأستاذ زكريا.
ألتفتا الاثنيين إليها، ثم تبادلا النظر في تحدٍ وعناد، ثم تبسم زكريا في استفزاز ليمان وهو يتحرك خارجًا ويقول:
_ روحي أنتِ، وأنا جاي حالًا.
جز يمان على أسنانه وأراد أن ينفس عن غضبه الذي شعر به يغلي كالمرجل في صدره الفائر من الغيظ، فضرب إحدى المقاعد أثناء رحيله، ووجد مختار يضم من كلا الجانبين زكريا ومختار وهو يعلن خطبتهما، فأختلس النظر إلى غرام المطرقة في خجل وهي تستقبل التهاني في إستحياء، ثم صر على أسنانه وتوجه داخل مكتبه وهو يصفق الباب وراءه.
******
تراجعت غادة في دهشة، وغمغمت دون تفكير:
_ أنا مستحيل أوافق، أنا معرفكش وبعدين أنت إنسان غريب أوي.
ثم هزت رأسها كأنها تقنع نفسها وهي تردد لنفسها:
_ مش ممكن هقبل لأ.
أراد يوسف أن يقول شيئًا، أي شيء..
لكنها حدجته بنظرة سريعة ثم هرولت من أمامه مبتعدة، وألتقطت حقيبتها ثم أستدارت تلقي نحوه نظرة سريعة ثم وبخطوات واسعة غادرت النادي وهي تضع نظارة شمسية فوق عينيها.
كانت حائرة.. مرتبكة لا تدري ماذا تفعل، وقد باغتها بعرضه الذي لم يخطر لها على بال.
أرادت أن تحادث أحد بما يجول في خاطرها، أن تجد ناصحًا ينصح لها بما ينفعها، فلم تجد إلا غرام التي غدت كأخت لها، فقادت سيارتها إلى شركة خالها، وحين وصلت ركنت السيارة في مكان مخصص لذلك، ثم ترجلت منها بأعين تترقرق بالدمع، كان لديها علم بأن غرام تعمل مع أخيها، لذا فقد توجهت فورًا إلى مكتبه وبالأخص إلى مكتب سكرتيرته الخاصة، لكنها آثرت فجأة أن تمر بخالها قبله، لذا فقد غيرت رأيها وذهبت إليه.
كانت بحاجة إلى ضمة حنون منه.
بحاجة أن تشعر بالأمان والسند.
في ذات الآن خرج يمان من مكتبه، فراعه أن ألفى غرام تنكب فوق كتاب ما باكية، فهاله ذلك ووقف على كثب منها متسائلًا في دهشة:
_ غرام أنتِ كويسة؟ بتبكي ليه؟
فرفعت رأسها عن دفتي الكتاب وشخصت البصر فيه، كان قسيم وسيم وهو يرمقها بتلك النظرة المهتمة، فأسرعت بمحو دموعها وتجفيف ما علق منها على وجنتيها بمنديل ورقي، ثم نهضت وهي تقول بصوت متهدج من أثر البكاء:
_ أبدًا مش ببكي!
فرفع حاجبًا مندهشًا من إخفاءها للأمر، وتطلع فيها حائرًا.. ثم قال موضحًا:
_ لا كنتِ بتبكي أنا شوفتك. كل حاجة تمام؟
فرفرفت بأهدابها وهي تتحاشى النظر إليه، وقالت موضحة بصوت مفعم بالحياء:
_ كنت بقرأ وتأثرت!
فقطب جبينه مشدوهًا، وغمغم وهو يعقد ساعديه أمام صدره:
_ اسمه إيه الكتاب ده؟ ولا دي رواية؟
فهزت رأسها نافية، وهي تتمتم:
_ مجالس الصحابة.
فحدق فيها صامتًا، لائذًا بالسكون لحين من الوقت حائرًا، ثم مد كفه قائلًا:
_ طيب ممكن أشوفه!
ناولته غرام الكتاب في يده، وهي تقول في بساطة:
_ اتفضل.
فرفع الكتاب إلى وجهه، وقرأ قائلًا بصوت مسموع:
_ مصعب بن عمير.. أعطر أهل مكة.
ووضع سبابته فاصلًا بين الصفحات وهو ينظر لغلاف الكتاب قارئًا:
_ مجالس الصحابة لندى ممدوح.
ثم رفع بصره إليها، وسألها في اهتمام متشوق:
_ ينفع أستعيره منك لبعض الوقت؟
لكنه رمقته بنظرة مقت، كأنه قد انتزع منها نبضة من نبضات قلبها، وظهر هلع في عينيها أدهشه، ثم هزت كتفيها في استسلام وقالت في اقتضاب حزين:
_ طيب.. بس خلي بالك منه.
فتبسم بسمة كضوء الفجر حين ينبلج ليبدد دياجير الظلام، وقد تفهم ولعها في الكتاب، وقال في ثقة:
_ متقلقيش عليه وهرجعولك بسرعة!
فأومأت برأسها في ارتياح، واستأذن هو عائدًا إلى مكتبه وقد تناسى ما خرج لأجله.
لم تلبث غرام أن وجدت بغتة الباب يندفع، وتبرز غادة على أسكفته وهي تقول:
_ غرام.
فنهضت غادة وهي تردد ذاهلة:
_ غادة.
أغلقت غادة الباب، ثم توجهت نحوها وهي تقول بصوت خفيض:
_ طلع اسمه يوسف نسيم.
غمغمت غرام في دهشة:
_ مين ده؟
جلستا الاثنتين إزاء بعضهما أمام المكتب، وغادة توضح في هدوء:
_ الشاب اللي كلمتك عنه…
وأخذت تروي لها جل ما حدث معها، وعن طلبه للزواج، فعقبت غرام:
_ أحسن أنك رفضتِ، لأنك لسه متعرفيش حاجة عنه، دا مجنون ده ولا إيه؟
سكتت غادة مفكرة حينها، ثم همهمت في شرود:
_ في رأيك ممكن يحاول تاني.
هزت غرام كتفيها وهي مزمومة الفم، وبقى السؤال يستجلب الحيرة في أعماق غادة.
ترى هل يكف عن الظهور؟
أم أنه سيظل وراءها حتى ينال بغيته؟
******
وقف يمان في شرفة مكتبه الفاخر، ثم ابتسم ابتسامة واسعة ملأت وجهه كله، وهو يتطلع في ارتياح إلى تلك الحديقة الغناء، التي يطل عليها مكتبه، واستنشق الهواء في عمق وهو يتأمل الكتاب الذي بين يديه في حماس يخامره الشغف، ثم تنهد في نشاط، استعدادًا لبدء القراءة، ويجلس على أريكة أثيرة لديه أمام واجهة المكتب المطلة على الحديقة، وشرع يقرأ بعينيه وقد اختلج قلبه بعاطفة قوية..
مصعب بن عمير
أعطر أهل مكة
رحلتنا اليوم إلى رحلة ستتعجب منها الأذهان، وستذهل لها الأرواح، وستمتلأ بها الأفئدة بهجة وحبًا.
أننا أمام شاب من شباب مكة المرموقين.
وحين نقول شاب فلا تدع ذهنك يأخذك إلى شباب هذا الجيل، إنهم في سن الرجال نعم، ولكنهم أبعد ما يكونون عن صفة الرجال.
فلا تنظر إليهم، بل أنظر إلى فتى مكة المترف، الذي يحيا في نعيم، ورهافة العيش.
قد لا تعرف من يكون؟
فلا بأس، ستعلم من يكون الآن، سيأخذ مكانًا في قلبك وسيحفر هنالك!
إنه مصعب..
نعم، مصعب من عمير..
فهل عرفته؟
ربما نعم، وربما لا..
ولكن فلتصغ القلب والجوارح، ولتتمعن في قصة هذا المغوار، إنه صنديد من صناديد الإيمان.
لقد كان سيدنا وحبيبنا مصعب من عمير عليه السلام في الجاهلية، يحيا في ترف ونعيم.
قد تحتار نعم أن يكون حديثنا عن هؤلاء المترفين، وحق لك التعجب، فإن المرء ليقف أمام هؤلاء الشباب فيعجب..
هل يكون من هؤلاء مجاهدين؟
أيمكن لهؤلاء في يوم من الأيام أن يحملوا السيوف والرماح، وأن يغبروا وجوههم برهج المعارك؟
لذا فأعجب لذلك السيد الكريم الشريف الذي نشأ في أحضان النعيم، وكانوا يلقبونه (أعطر أهل مكة). لقد كان نضر الوجه، وضاء الجبين، مختال الثياب، ولكن كيف تحول مصعب من حياة الترف والبذخ والنعيم إلى حياة الزهد والتقشف والجهاد وتحمل شظف العيش وشدته..
هنالك رفع يمان وجهه عن الكتاب وقد علا وجيف قلبه، وألتقط نفسًا عميقًا آخرجه زافرًا في تمهل، كيف لمترف أن يكون مجاهد؟
أولع بقصة مصعب ولعًا شديدًا واستوى في جلسته في اهتمام، وأخذت عيناه تجري على الحروف في لهفة طغت على ملامحه..
ألا فليتعلم العالم كله أعظم دروس التربية وترويض الأخلاق!
بل فليخر العالم كله راكعًا تحية لهذا المعلم والمربي محمد صل الله عليه وسلم.
تحية لذاك القائد العظيم الذي روض تلك الأيدي الناعمة على إمساك السيف.
ألا… كيف تحولت تلك الأيدي الناعمة إلى أيد خشنة غليظة يثبت السيف في يدها فتصول وتجول في أرض المعارك تبعث الرعب والفزع في نفوس أعدائها.
بل كيف تحول هذا الفتى المدلل ليصبح المقاتل المغوار؟ بأي يد سحرية ضرب محمد صل الله عليه وسلم على قلبه ليثبت هذا القلب الرقيق الذي يكاد يطير رقة وخفة على الإيمان.
ولا غرو!
إنه الإيمان حين يخالط القلوب.
بلغ نبأ النبي محمد صل الله عليه وسلم مصعب بن عمير، فما كان منه إلا أن هب واثبًا يسأل عن مكان النبي في شغف ليسمع منه، ليتعلم القرآن، وليدخل الإسلام، وليؤمن بالله.
فلم يكد يعرف مصعب أن الرسول في دار الأرقم بن أبي الأرقم. نعم مدرسة الحبيب محمد صل الله عليه وسلم، والمعهد الديني الذي كان الصحابة يتلقون فيه أعظم درس تربية على يد أعظم معلم وجد على ظهر الأرض.
حتى ذهب من فوره واستمع إلى حديث النبي صل الله عليه وسلم وما تلاه من كتاب الله عز وجل، ولم يكد ذلك القلب الطيب الرقيق يسمع كلام الله حتى خلصت إلى شغاف فؤاده فعملت فيه عمل السحر، فانقلب في تلك اللحظة الفتى المدلل إلى أسد يزأر ليخيف أعداءه فيفرون من وجهه الغضوب.
أضمر مصعب إسلامه في نفسه، لكن مكة حينئذ لم يكن ليخفى عليها سر. فذات يوم، وبينما مصعب في دار الأرقم بن أبي الأرقم أبصره عثمان بن طلحة وهو يدخل خفية إلى دار الأرقم. ثم رآه بعد ذلك وهو يصلي، فانطلق يسابق ريح مكة إلى أم مصعب يلقي عليها نبأ ابنها.
حاولت خناس بنت مالك أن تردع ابنها عن الإسلام، لكن مصعب لم يكن ضعيف الإيمان رغم أنه جديد في الإسلام، فأبى أن يسمع كلامها وظل يواجهها بصلابة، حتى بلغ بها الأمر وحبسته في ركن من دارها وأغلقت عليه.
ولكن الحبس لم يكن ليوهن قلب مصعب، فما أن تناهت له الأخبار بهجرة بعض المسلمين حتى غافل أمه وحراسه ومضى إلى الحبشة مهاجرًا في سبيل الله.
هاجر مصعب إلى الحبشة وترك أمه خناس بنت مالك يتقطع كبدها عليه حسرات.
ثم عاد مصعب من هجرته الأولى إلى مكة، ليبعثه النبي محمد صل الله عليه وسلم سفيرًا له في المدينة، داعيًا إلى الله ورسوله، ليكون أول سفير في الإسلام وحامل لواء الدعوة في المدينة.
جاء مصعب إلى المدينة يوم بعثه النبي محمد صل الله عليه وسلم وليس فيها سوى اثنى عشر مسلمًا هم الذين بايعوا النبي من قبل بيعة العقبة.
أقام مصعب في المدينة في ضيافة أسعد بن زرارة، وكان أسعد دليله إلى مجالس القوم. فأخذا يغشيان الناس في مجالسهم وبيوتهم ونواديهم فيدعونهم إلى عبادة الله الواحد الأحد.
لقد غزا مصعب أفئدة أهل المدينة بحلاوة حديثه، وعذوبته، ورقة أخلاقه، وإخلاصه وزهده، ورجاحة عقله وحكمته.
وتأمل معي موقفه العظيم مع أسيد بن حضير، حين أتى مصعب وسعيد مهتاجًا يشهر حربته في وجهيهما، ويقول وهو مهتاج ثائر:
"ما جاء بكما إلى حين تسفان ضعفاءنا! اعتزلانا إذا كنتما تريدان الحياة."
إنه يهدد بالقتل! أما أن يذهبا أو يموتًا! ولا مناص من إحدى الاثنتين مع أسيد!
فالغضب قد ران على قلبه، لكنه فتى أريب عاقل.
ومصعب لم يهب مهتاجًا يبغي الثأر أو الجدال، بل بكل هدوء ورجاحة عقل، علت على وجهه ابتسامة مشرقة، انبثقت في قلب أسيد كشعاع من نور هل على فؤاده بالإيمان، وتكلم بصوت كأنه الندى، قائلًا وهو ينظر إليه بكل هدوء:
"أيها السيد الجليل، ألا تتفضل فتجلس فتسمع ما نقول؟ فإن رضيت أمرنا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره."
لقد دعا مصعب إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة.
يا من تدعي إلى الإسلام هلا ترفقت في حديثك!
استمعت وأنصت بكل رحابة صدر!
تحدثت بكل لين مهما بلغ غضب من أمامك!
فإن ديننا دين يسر وليس دين عسر!
دين محبة وليس دين عداوة.
فهل لك أن تتعلم من مصعب كيف يكون الداعية، ذا صبر وحكمة وهدوء ولطف؟
ولإن أسيد رجل عاقل، ومصعب قد أخذه بأدبه وحكمته، فترك حربته جانبًا، وجلس وهو يجيب مصعب في هدوء:
"أنصفت..."
ولقد أنصف مصعب حقًا ولم يدع له حجة ليعارض.
أصغى أسيد إلى مصعب وهو يتلو كلام الله فتسللت إلى قلبه تتساقط كما تتساقط قطرات الماء على أرض يابسة متلهفة للسقيا.
وبزغ نور الإيمان في صدر أسيد، وأسفر بها ملامحه التي توهجت كالقمر المنير في ليلة من ليالي الدجى، وكاد قلبه أن يطير وهو يردد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
إنهم قوم كان الإسلام يظهر على ملامحهم، وسماتهم، وأفعالهم. قوم صدقوا مع الله فأصدقهم.
ولنأتي إلى معركة أحد.
تلك المعركة التي سنودع فيها بطلنا العظيم. وداع حزين نعهده فيها على التلاقي في الجنة.
في تلك المعركة ركزوا فيها أعداء قريش على الرسول، وتربصوا به ليقتلوه، وأدرك مصعب ذلك. كان الرماة قد خالفوا أمر الرسول، وأحدقوا أعداء الله بالنبي، وكانت الراية في يد مصعب حينئذ، فقبض على سيفه في يد، والراية في يد واندفع كالسهم يدافع عن رسول الله، ويقاتل دونه، وهو يزأر زئير الأسد. كان كل هم مصعب أن يشغل الأعداء عن رسول الله، أن يلهيهم عنه. وأخذ يقاتل وكأنه جيش وحده، يد تحمل الراية ويد تضرب في عفو ان.
إنها قوة الإيمان ومحبة الرسول.
وتكاثر الأعداء على مصعب يودون القضاء عليه، ليعبروا من فوق جثته إلى حبيبنا محمد. وبينما العزيز يدافع عن الحبيب صل الله عليه وسلم، إذ هجم عليه رجل هو ابن قمئة، وقد ظنه النبي فقطع يمينه. لكن مصعب لم يستسلم وظل يدافع عن النبي ويهجم على الأعداء بجسده، حتى قطعت شماله.
وأصبح بطلنا بلا يدين. لكن كانت روحه لا تزال في جسده. كأنه أقسم ألا يقترب أحد من النبي حتى الرمق الأخير فيه.
وحين تعبوا الأعداء منه ذبحوه.
وسقط مصعب. وسقط اللواء.
وقع الشهيد بعد أن أثخن فيهم الجراح، وذهب إلى ربه في جنة عرضها السماوات والأرض.
اللهم ارزقنا صحبته هو والنبي وجل الصحابة.
وحين انتهت المعركة، وبينما الرسول يطوف ببصره على الشهداء رأى مصعبًا، ففاضت عيناه.
وكفن مصعب في بردة لم تغط جسده كله، فكانوا إذا غطوا قدميه بدت رأسه، وإن غطوا رأسه بدت قدميه، حتى قال الرسول: "غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر." والإذخر هو حشيش أخضر طيب الريح.
وهذه كانت حياة مصعب، لن نشبع منها أعلم، ولم نكتف، لكن تطرق الكلمات خجلًا على ذاك الفتى الهصور، الذي عاش في ترف، وارتدى أغلى الثياب، وتعطر بأفضل ريح، فلم يجدوا عند موته إلا بردة لم تكفه ليكفنوه فيها.
فالسلام عليك يا مصعب. السلام على أول داعية في الإسلام.
لم نمل من حديثك أيها الطيب. إنما خجلنا أمام عظمتك.
ولنا لقاء يا مصعب في جنة رب العالمين.
إنها كلمات تستدر الشئون وتدل التائهين على الله وتنبه الغافلين وتهز الأفئدة.
أغلق يمان الكتاب وقد ضمه إلى صدره. وأسبل جفنيه. أحس لوهلة أنه قد ضم مصعب ابن عمير إلى قلبه الخافق في جنون في صدره. وشعر بدموع لا تتراءى تهطل من عينا قلبه. وعقله أخذ يتصور ويتخيل مصعب وهو يدافع عن النبي محمد صل الله عليه وسلم فقطعت يمينه وظل كما هو شامخ الهامة، عظيم القامة يدافع عن حبيبه النبي حتى قطعت شماله فلم يتزعزع ولم يتقهقر بل لقد زادته الجراح بقوة عظيمة جعلته يقف كأسد يزأر في وجوه أعدائه حتى قتل.
ولكم حزن هذا. كان لأول مرة يقرأ قصة من قصص الصحابة، ونوى أنها لن تكون الأخيرة أبدًا أبدًا.
قام وجلس خلف مكتبه، وضغط على زر جهاز الاتصال الداخلي، الذي يوصله بغرام، قائلًا:
"تعالي لي عايزك."
في مطعم فاخر ضم مختار عائلته على إحدى الطاولات لتناول العشاء، فتحلق الجميع حاول المائدة العامرة بألذ الأطعمة، وقد جلست غرام وغادة يتسامرون في مواضيع شتى.
وبينما غرام تتناول طعامها، توقف الأكل في حلقها، وأخذت تسعل وهي تبعد قدميها بعدما أحست بساق تحاول لمسها من أسفل الطاولة. فنظرت بهلع نحو زكريا ويمان الذي بدآ هادئيين يتناولان طعامهما في صمت، فاسترابت وأطلت برأسها أسفل الطاولة فلم تبصر شيء. ناولتها غادة كوبًا من الماء وهي تربت على ظهرها، قائلة في همس:
"مالك يا غرام وشك شاحب كدا ليه؟"
وبدا وجه غرام شاحبًا ممتقعًا بالفعل وهي تنظر إليها في ذهول، ثم نظرت إليها كالمتغيبة وهزت رأسها وهي تعود لتناول الطعام في تؤدة شاردة خائفة.
وكان زكريا يكتم ضحكة متسلية في نفس الآن، فخرجت على هيئة بسمة كظمها سريعًا، ولم يرتدع بل مد ساقه من أسفل الطاولة لتتلمس طريقها في محاولة للمس قدم غرام، فأحمر وجهه فجأة وكتم تأوهًا متألمًا عندما دعست قدم يمان على أصابع قدمه القريبة منه، فنظر إليه في حدة، فأشار له الأخير بالتزام الأدب، فحدجه شزرًا.
كان صباحًا صحوًا، يبعث النشوة والبهجة في القلوب، وكانت غرام تمارس عملها في نشاط وقد ازدادت علاقتها قربًا بيمان، فتحب الحديث إليه، وتطمئن لوجوده، ويشعرها بالأمان.
وبينما هي في مكتبه تدون ما يمليه عليها في اهتمام، إذ فتح الباب دون استئذان، فالتفتت نحو القادم، لتشاهد طفلة صغيرة وغادة ومعها فتاة ما. جميلة. بل مليحة الوجه.
ثم تنبهت من تأمل الفتاة على اندفاع الطفلة الصغيرة، الذي يتطاير شعرها وراءها، وقد أشرق وجهها الصغير، وهي تهتف في سرور:
"بابا يمان."
وراقبت بعينين مندهشة، يمان وهو يغادر مكتبه ويتلقفها بين ذراعيه في بهجة وأخذ يدور بها في سعادة خلبت لبها، بينما قالت الفتاة في عتاب:
"كدا برضو متجيش تشوفنا خالص يا يمان؟!"
ونظرت لها غرام في غرابة. وألح عليها سؤال مهم: هل يمان متزوج وأب أيضًا؟
والخاطر أورثها حزنًا هائلًا ظلل عينيها.
رواية عشق الغرام الفصل التاسع 9 - بقلم ندى ممدوح
تأملت غرام بمقلتين مرتاعتين يمان وهو يقبل الطفلة في شغفٍ، ويلثم وجهها بقبلاتٍ متفرقة.
يا له من حنون أن كان أبيها!
ويا له من رجل أن لم يكن!
يا ويح فؤادها أن خسر..
صرفت بصرها إلى الفتاة الباسمة في سعادة مشرقة الوجه وهي تراقبه كيف يدلل ابنتها، ثم قالت في نبرة عتاب واضحة:
_تسبيح كانت مصممة تيجي تشوفك عشان تقولك إن بكرة عندها حفلة وأنت لازم تحضرها، وكانت زعلانة منك بسبب غيابك الطويل عنها بس غالبًا نسيت الزعل بعد ما شافتك.
انتزع يمان عينيه كي يحولهما إلى الفتاة التي توجه له الحديث، ثم تبسم لها في هدوء وهو يقول:
_تسبيح مش بتزعل مني أبدًا.
ثم أستدرك وهو يشير إليها بالجلوس:
_اقعدي يا هند أنتِ واقفة ليه؟
فأتخدت هند مجلسًا في صمت، ثم حدقت في غرام فبادرت غادة تعرفهما على بعض:
_غرام دي هند بنت عمي، هند دي غرام خطيبة زكريا وبتكون سكرتيرة يمان.
فنهضت هند لتصافحها، بينما راقب يمان الحوار الدائر بينهن في صمت، ثم استأذنت من يمان لتنصرف فسمح لها موافقًا، خرجت من المكتب غائرة العينين.
لا تدرك سببًا لهذا الضيق الذي اجتاحها وأطاح بفؤادها في مقتل..
فؤادها الذي أحست به يبكي في صدرها دون سبب.
أمازال خافقها حيًا بداخلها..
يا له من وجع لا يحتمل..
أستيقظت من شرودها على فتح باب مكتبه، وانبعث صوته ليسرى إلى أعماقها وهو يقول:
_خلاص كدا تسبيح هتقضي اليوم معايا وهرجعالك بالليل.
ورأت الصغيرة وهي تضم رقبته بذراعيها وقد سلمت رأسها إلى كتفه وهي مغمضة العينين فجزت على أسنانها في فضول، ولم تلاحظ رحيل هند ولا صوت غادة التي تهتف:
_غرام أنتِ يا بنتي مالك بكلمك.
فرمشت بجفنيها مجفلة، ثم نظرت إليها تقول في هدوء:
_نعم، كنتِ بتقولي أيه؟
غمغمت غادة موضحة:
_يمان خلص شغل وهيمشي هنخرج أنا وهو وتسبيح تحبي تيجي معانا؟!
ثم صاحت نافية في إصرار:
_القرار مش قرارك أنتِ هتيجي معانا اصلًا.. يلا.
فأختلست غرام نظرة إلى يمان الذي رفع بصره شطرها في ذات الآن، ولمحت بسمة مرت على ثغره، ثم أردف ليزيل الحرج عنها:
_ياريت تيجي معانا فعلًا.
ولم تشعر بتلك الابتسامة الواسعة التي ملأت وجهها تلقائيًا مع قوله، وقد أحست أنها تستطير فرحًا، وما كادت أن تلملم أشياؤها حتى كانت غادة تجذبها من مرفقها وهي تقول:
_يلا بينا.
أخذهن إلى حديقة الملاهي، وهنالك نست غرام نفسها، نست الواقع الذي تحياه، كانت في منأى عن البشر أجمع، وأصبحت في محرابه.
حين يبتسم في رزانة تظن أن الشمس قد أشرقت.
وإبان تلويحت يده إلى الصغيرة تودُ لو يلوح لها.
كان صديقًا يؤنس الروح، ويألف له القلب.
وتطمئن إليه النفس.
وبين الأجوحات أخذت هي وغادة يشاركن الصغيرة تسبيح كأنما عادتا صغيرتان، وأكلن المثلاجات بينما راقبت الصغيرة وهي تطعمه من حلواها.
كم هو جميل لا يكسر بخاطر أحد.
انتهى اليوم ولم تدرك أنَّى مرت الساعات بتلك السرعة الفائقة، وقد تمنت لو تطول أو تتوقف عقارب الساعة، تناولن طعامهن برفقته ثم أعادهن إلى البيت وذهب ليسلم تسبيح إلى والدتها، وقد علمت أن تسبيح قد توفى والدها وأن يمان هو من يسبغ عليها بحنانه فكان لها أبًا ثان.. لذا فالصغيرة تناديه بـ بابا يمان.
“أنسة غادة في حد ساب لحضرتك الطرد ده”
ألتفتت غادة إلى مصدر الصوت، ورأت الخادمة تقف في احترام، وبين يديها طردًا ما، فضيقت حاجبيها وهي تقول باستفهام حائر:
_متعرفيش من مين؟
فهزت الخادمة منكبيها، وغمغمت:
_لا.
فتبادلت غادة نظرة متسائلة مع غرام، ثم أخذت الطرد وفتحته بينما غرام تقول:
_يا ترى من مين؟
_هيبان دلوقتي!
قالتها غادة وهي تفتح الطرد، ثم شهقت في انبهار وهي تخرج فستانًا جميل كان قد راق لها آنفًا في إحدى المحلات لكنها لم تؤثر إقتنائه، ووضعته على جسدها وشرعت تدور به في حبور، وهي تتمتم:
_واو كان عجبني اوي بس مكش في مناسبة عشان أجيبه.
كان بامكانها أن تجيبه، فالمال لا يسبب لها مشكلة، لكنها لم تكن من ذاك النوع المسرف، ولا تقتني ما لا ترتدي.
أخرجتها غرام من شرودها وبهجتها وهي تساءل:
_مش مكتوب مين اللي بعته.
فتوقفت عن الدوران في جمود، وقد جهمت الملامح، واكفهرت.. وأستدارت إلى غرام وقد همها الخاطر، وراحت تُفتش عن أي شيء يدلها على المرسل، حتى وجدت رسالة كان مضمونها فقط اسمًا واحدًا علمت منه مرسل الطرد والهدية..
“يوسف نسيم”
نعم كانت كلمتين فقط في الورقة، بخط يد أنيق فكورت الورقة بين أصابعها وهي تطلع إلى غرام قائلة:
_من يوسف.
فقطبت غرام جبينها في دهشة، وسألتها:
_وهيبعت لك فستان ليه؟
لم تنبس غادة ببنتِ شفة لحينًا من الوقت، لم تكن أيضًا تعرف لما أرسل تلك الهدية، وهذا الفستان بالأخص، فتنهدت تنهدًا عميقًا وهزت كتفيها في حيرة، ولملمت الفستان لتعيده داخل علبته وهي في حيرة من أمرها.
والفستان لم يكن إلا البداية.
ففي صباح اليوم التالي أيقظها طرقٌ على باب غرفتها، تلاشى على إثره كل ذرة من سبات، وأزاحت الغطاء الخفيف عنها في حنق، ثم صاحت في ضجر:
_دقيقة وحدة.
وفتحت الباب فوجدت الخادمة تمد لها يدها بباقة ورد رائعة الجمال خلبت عينيها، فتناولتها منها وهي تردد:
_الله.. من مين دي؟
فردت الخادمة في هدوء:
_معرفش مين باعتها لحضرتك، بس وصلها حد وقال إنها للأنسة غادة.
أومأت غادة برأسها وأوصدت الباب وراءها وهي تدلف لتجلس على طرف فراشها تستنشق أريج الورد، وتضم الباقة إلى صدرها، ثم سقطت عينيها على ورقةً ما، ألتقطتها في لهفة وفتحتها بأعين مفعمة بالشغف لتجد فيها.
(إلى عزيزتي غادة أحبك)
التوقيع كان (يوسف نسيم)
وشردت عينا غادة في الفراغ بلمعة تتلألأ، وقد تسللت بسمة جميلة على ثغرها.
يا له من رومانسي!
ويبدوا أنه لن يهدأ له بال حتى ينال حبها؟
أترآه يحبها لهذا الحدّ؟
**********
وفي تلك الليلة تأنقت غرام بفستانٌ جميل أهداه لها مختار بمناسبة الحفلة التي تُقام والتي يجب عليها أن تحضرها لسببين.
إحدهما بسبب أنها خطيبة زكريا.
والسبب الآخر لأنها سكرتيرة يمان.
وأعتذرت غادة عن الحضور لإصابتها بحمى مفاجئة أرقدتها في فراش المرض بإعياء.
كانت تهبط الدرج بينما ينتظرها الثلاث رِجال ببذل ذادت من وسامتهم في صحن الدار، تجولت نظرات زكريا على جسدها في تأنٍ وشهوة كأنما يجردها من ملابسها، نظراتٍ لمحتها غرام واسترابت منها دون شك، فضمت جسدها بذراعيها، بينما رمقها يمان بنظرة خاطفة ثم غض الطرف عنها، أما قلبه فلم يغض، إنما قد أسرته بطلتها.
وفتح مختار ذراعيه وهو يقترب من الدرج، مهللًا بوجهٍ مستنير:
_أيه الجمال ده كله.
ثم ضم وجهها بين راحتيه في حنو، وقبل جبهتها بعاطفة أبوية، وهمس بصوت يقطر بالصدق:
_ربنا يحفظك يا حبيبتي.
نكست غرام رأسها في حياء كان يخلب قلب يمان، بينما يحنق زكريا.. ثم توجهوا جميعًا إلى السيارة التي قادها يمان إلى صالة الحفل المقام.
والحفل كان مختلطًا ما بين رِجالٍ ونساء، ولم تكن غرام تعرف أي أحد من الحاضرين، لم تكن قد كونت صداقات مع موظفين الشركة بسبب شخصيتها التي تجنح إلى العزلة، تجولت بعينين ضجرتين ما بين الوجوه في وجوم عابس لم يروق لها الحال، وودت لو ترحل سريعًا، وما زاد الطين بلة، هو أن يمان قد استأذن منهم وانصرف ليقف إلى بعض الرجال، هنالك أحست بالأمان يتسرب من بين يديها..
وأنها في مكانٍ مكشوف لا يوجد ما يسترها..
وضاقت بها نفسها، وقد أضناها رحيله، وفجأة وجدت رجال يأخذون عمها مختار الذي قال موصيًا:
_خلي بالك يا زكريا من غرام ومتسبهش.
والأحق فهو أراد أن يترك لهما مساحة بالحديث بمفردهما بحسن نية.
أجتاحها توتر سرى في أوصالها مع نظرات زكريا المصوبة نحوها بكل دقة وإمعان، فراحت تتلفت حولها لتشغل نفسها عنه، وتجنب عينيها رأيته المربكة، لماذا لا تشعر بالأمان في حضرته؟!
لماذا حين يكون موجودًا يملأها خوفٌ عظيم؟
كانت مقلتيها تفتشان عن يمان بين الوجوه، لماذا أختفى بغتة لا تدرِ وهذا الخاطر يجعل قلبها واجفًا راجفًا.
أن فقط رأته قريبًا كان سيكفي ليسكن رجيف قلبها.
تنبهت من شرودها على صوت زكريا الذي قال وهو يدّس كفيه في جيبيّ بنطاله:
_تحبي أجيب لك حاجة تشربيها!
فهزت رأسها نفيًا، وغمغمت:
_لا مش عاوزه أشرب حاجة.
هز زكريا رأسه دون أن يعقب، وغابت عيناه في متابعة أجساد النساء، راقبت غرام شابًا كان قريب منهما يتجرع بما بدا لها بالخمر يقترب منهما فتوجست خيفة في نفسها، وأحست بالخطر، قال الشاب الذي دنا منهم لزكريا وعينيه على غرام:
_أيه يا زكريا محدش شايفك ليه؟ مش هتعرفنا؟
ودون اكتراث غمغم زكريا في بساطة:
_دي غرام خطيبتي وغرام دا علي الحاوي.
مد الشاب يده إليها، وقال:
_تشرفت بحضرتك.
فضمت غرام أصابعها وهي ترتد خطوة إلى الخلف، وزاغ بصرها بحثًا عن يمان، بينما تمتم زكريا في برود:
_مالك ما تسلمي عليه؟!
فحوَّلت بصرها إليه في حدة، ثم أعادة البصر إلى الشاب الذي قال بنبرة متسلية:
_أنتِ مش شايفة أيدي الممدودة ولا أيه؟
_معلش أصل في أيادي أوقات مبتبنش من وسخاتها.
قالها يمان وهو يقف قبالة علي في تحدٍ ونبرة تنذر بالشر، فتراخت كف علي وتهدلت بجانبه ثم زم شفتيه وقال في ضيق وقد أبتلع الإهانة بإرادته:
_تمام.
ثم أنصرف، بينما أستدار يمان إلى زكريا قائلًا:
_غالبًا معدش في نخوة عند بعض الشباب ولا أيه؟
فأشاح زكريا البصر عنه وهو يهتف بضيق:
_خليك في نخوتك أنت.
كانت غرام قد عادت لها ثقتها في نفسها عندما جاء، وهدأت نفسها وسكن وجيف قلبها المتصاعد، وأحست بالارتياح، وشعرت بطائر الطمأنينة يدخل إلى قلبها ليحلق هناك في أمان في سماء لا خوف فيها ولا هياب.
غاب زكريا بعد ذاك عنهما متابعًا فتاة سلبت لبه ثم أبتعد ليبقَّ قريبًا منها، في حين كان يمان يسأل غرام في اهتمام:
_أنتِ كويسة؟
فأومأت له بعينيها المسبلتين، وهمست بصوتٍ خفيض:
_أيوة الحمد لله.
فأشار إليها إلى مقعد عن كثبٍ منهما، وقال بنبرة آمرة:
_طب تعالي اقعدي هنا.
وأذعنت لطلبه في رضا تام، وسارت بجانبه لتجلس حيث أشار، ثم استأذن منها بعدما طمئنها أنه سيبقَّ قريبًا منها ولن يبتعد.
وظلت غرام جالسة في سكون شارد وهي تتابع حركة الحاضرين بغياب ذهن، فجأة حدقت بعينيها إلى ما أصابها بذهولٍ شديد، وقد ساورتها الشكوك.
فأمامها كان زكريا يخرج برفقة فتاة ترتدي فستانٌ ضيقٌ قصير لا يتعدى ركبتيها، ويغادر الحفل دون حتى أن يخبرها بذلك، وقضت الحفلة ذاهلة يأكل قلبها القلق، وتراودها الأفكار البشعة.
أيمكن أن يكون زكريا على علاقات ببناتٍ غيرها؟!
أتراه بتلك البشاعة!
فغرت فاه وابتلعت صرخة كادت تمزق أوتار قلبها مع الخاطر الأخير، وتداركت دموعٍ علقت في آماقي العين.
عندما عادوا إلى البيت لم تظهر لأحد ما يجول في خاطرها، لكن يمان قد شعر أنها لست بخير.
وكيف أحس بذلك لا يدرك؟!
ثمة رباطٌ ما يربطه بتلك الفتاة يحثه على حمايتها.
لم ترقأ من عينيها دمعة تلك الليلة وهي تحاول النوم، الذي أبَى أن يزور جفنيها قط، فظلت شاردة تنظر إلى سقف حجرتها وحوافر الهم تنبش في راحتها، فظلت مسهدة، حتى تناهى لها قبيل الفجر صوت مكابح سيارته، فحسمت أمرها بعد تردد دام لبرهة ثم خرجت من غرفتها وهي تناوي مقابلته والمواجهة.
نعم ستواجه؟!
ستسأله عن الفتاة التي خرج معها؟! وعن علاقته بها، وبمن تكون!
وكان زكريا يترجل من سيارته مترنحًا، وسار للداخل بقدمين تتخبطان، وفجأة فغر فاه وابتلع صرخة كادت تمزق سكون الليل عندما تعثر في شيئًا ما لا يعرف كنهه، فوضع سبابته إلى فمه بالصمت ثم أطلق قهقه عالية وهو يتدارك جسده قبل أن يسقط أرضًا، وتوازن مرة أخرى وهو يتابع السير في حذر شديد، متسللًا على أطراف أصابعه.
كان يريد أن يخفي تلك النائبة عن والده؟!
لكن الليلة قد تناسى نفسه فأسرف في الشرب.
وتذكر كيف ترصد والده حتى تأكد من أنه لا يراه،ثم خرج برفقة الفتاة التي تعرف عليها ليذهبا إلى إحدى الملاهي الليلة الصاخبة، وهناك شربا خمرًا حتى أصابهما السكر، ورقصا معًا وتناسى هو غرام.
وكل شيءٍ آخر.
عدا متعته..
رواية عشق الغرام الفصل العاشر 10 - بقلم ندى ممدوح
فتحت غرام باب حجرتها وهي تنوي الخروج، فما كادت تفعل حتى تسمرت مكانها، وتجمدت قدميها، وهي تحجم عمَّا نوت وتعود أدراجها للداخل لتصفق الباب ورائها، محال أن تقابله في هذا الوقت من الليل!
والساعة قد تخطت الرابعة فجرًا، ماذا سيقول عنها من يراها؟
وفي فراشها تدثرت بالغطاء، بعدما أدت فرضها، وأوت لتنام لكنَّ النوم أبَى أن يأتيها بإصرار فظل يؤرقها، فأضجعت على ظهرها، وظلت عيناها مفتوحتين دون أن تتحركا، أو يطرِف رمشهما، حتى انْبَلج الفلق وأرخى على الكون بسُدُوله، قامت من فراشها وغادرته وهي تتثاءب في إرهاق، وبدلت ملابسها ونزلت إلى صحن الدار وهي تتمنى أن تراه قبل أي أحدٍ آخر.
لكن أول الحاضرين كان يمان، مما أورثها حنقًا شديدًا، بينما قال هو وهو يهبط الدرجات في تؤدة:
_صباح الخير يا غرام.
فأجابت تحيته بنبرة لم يزايلها الحنق:
_صباح النور يا يمان.
وران عليهما الصمت، حتى جاء مختار برفقة ابنه زكريا ذو العينين المحمرتين والناعستين، وبعدما اطمئنوا على غادة ذهبوا إلى الشركة، وهناك شرعت غرام تزرع حجرة المكتب جيئة وذهابًا بقلقٍ بنبش في فؤادها، حتى حسمت أمرها بالذهاب إلى مكتبه لحسم الأمر.
يكفي قلقًا.
يكفي خوفًا.. لن تبقَّ هكذا تترك نفسها فريسة لبراثن الشك.
وإن لم تُصب مبتغاها فما الضير من المحاولة!
ولا مناص من المواجهة الوشيكة.
توجهت شَطْر مكتبه في تردد بدا جليًا على ملامح وجهها الوضيئة، وهنالك سمحت لها السكرتيرة بالدخول فورًا لمعرفتها بعلاقتها برب عملها، لم ترُق السكرتيرة لغرام ولا هيئتها، لكنها أسرت ذلك في نفسها ولم تبديه، وفتحت باب مكتبه فرفع بصره عن الأوراق التي كان منكبًا عليها في اهتمام، ثم اتسعت ابتسامته في استقبالها وهو يقف قائلًا في ترحيب ونبرة مهللة:
_غرام! أأقفلي الباب وتعالي أدخلي.
فضيق عينيه في حيرة وتعجب وحنق عندما وجدها تقبل نحوه وقد تركت الباب منفرجًا، ثم قالت في توتر لم يخف عليه:
_الحقيقة أنا جاية أتكلم معاك في حاجة مهمة.
فأشار لها بالجلوس وهو يعود إلى جلسته قائلًا:
_أنا تحت أمرك، اقعدي الأول اتفضلي دا مكتبك برضو.
فجلست وهي منكست الرأس مفكرة حينًا، فبادر هو قائلًا ليبدد جو التوتر السائد بينهما:
_تحبي تشربي أيه؟
فهزت رأسها وهي تقول في صوتٍ خافت:
_ولا حاجة.
فقال بضحكة بسيطة وهو يرفع سماعة الهاتف الداخلي:
_مينفعش طبعًا لازم تشربي حاجة، هطلب لك أنا عصير على ذوقي.
وأبلغ السكرتيرة بما يريد وأعاد السماعة إلى مكانها، ثم أولى اهتمامه كله إليها وهو يميل بجذعه إلى الأمام وعقد ذراعيه على المكتب، وغمغم:
_ها يا ستي اتفضلي قوليلي إللي جيتي عشانه.
وأصغى سمعه وراقب عينيها التي تجولان في أنحاء المكتب هربًا منه، ثم بدأت تقول في صوت متلجلج:
_لما كنا في الحفلة شوفتك وأنت خارج مع بنت بس معرفتش هي مين ولا مشيت معاها ليه؟ وغبت إلى الفجر.
ثم ألتفتت إليه بنظرة متقدة، وأردفت بحدة:
_أنت كنت معاها الوقت ده كله؟!
فازدرد زكريا لعابه، وتراجع إلى ظهر مكتبه، وهو يتفرس النظر فيها.
يبدو أنه كان مخطئًا في تقديرها! فها هي ذا تسبب له المشاكل وتسأل من قبل أن تصبح زوجته! هل ستعيق غرام حياته هي الأخرى!
تجهم المحيا لوهلة، وزم شفتيه عابسًا، ثم ابتسم في هدوء ومال إلى مكتبه مجددًا، وكان متهيًأ ليختلق كذبة ليبرأ نفسه، ثم أردف يقول:
_غرام مش كل حاجة تشوفها العين بتكون دايمًا صح، طبعًا أنا سعيد أنك جيتِ وسألتيني ودي حاجة عايزها تكون بنا فعلاً لما حد فينا يتصرف تصرف ما يورث الشك في قلب التاني يسأله بكل صراحة عن مخاوفه.
ثم تنهد وأستطرد بصوتٍ خفيض:
_أنا خرجت فعلاً مع البنت من الحفلة لأنها عميلة مهمة عندنا وكانت محتاجة حد يوقف لها عربية توصلها فأنا عملت كده فعلاً، ومحبتش أرجع الحفلة لأني مليش في جو الأحتفالات دي، فجيت الشركة كملت شغلي الناقص، وخرجت مع صحابي الشباب وسهرنا سوا فمحستش بالوقت معاهم عشان كدا رجعت متأخر.
وتراجع لظهر المقعد، وهو يغمغم في بساطة:
_بس يا ستي دي كل الحكاية.
وتنفست غرام الصعداء، وأذهب كلامه شكوكها فتبسمت في ارتياح، ثم نظرت إليه باسمة فبادلها الابتسام وقال:
_ها في حاجة تاني عايزة تستفسري عنها؟
ورفع عينيه إلى الباب الذي دق ولجت السكرتيرة لتضع كأس العصير أمام غرام، وتسأله في احترام:
_تأمر بحاجة تاني يا أ. زكريا.
فأشار إليها بالخروج وهو يتمتم:
_لا روحي أنتِ.
وحوَّل عينيه إلى غرام في اهتمام وهو يصيخ السمع ويحثها على الحديث، فقالت:
_لما كنا في الحفلة وفي شاب جه..
قاطعها زكريا قائلًا وهو مقطب الجبين:
_تقصدي علي الحاوي؟
فهزت رأسها إيجابًا، وتحاشت النظر إليه وهي تسترسل:
_لما جه يسلم عليَّ أنت ببساطة قولت ليّ سلمي وأنا مبحبش كدا ومش بسلم على حد.
فجز زكريا على أسنانه في امتعاض وحنق، لكنه أخفى ما يشعر به في داخله وتبسم في هدوء قائلًا بلا اكتراث:
_مكنتش أعرف انك مش بتسلمي اصل دي حاجه عادية هنا، بس اوعدك أنها مش هتتكرر تاني ولا أحطك في موقف زي ده تاني.. أنا بعتذر ليكِ.
فأومأت غرام بعينيها، ونهضت وهي تقول:
_طب هستأذن أنا.
فحاول إستبقاءها لرغبة في نفسه، وهو يقول:
_لا طبعًا اشربي العصير الأول.
فأوضحت في هدوء:
_معلش اصل مستأذنتش من يمان.
فنظر لها بحنق، وخبأ ضيقه وبغضه تجاه يمان، وهو يقول في برود:
_آه.. طب تمام روحي.
وأنصرفت إلى مكتبها لتجد يمان يقف في منتصف الحجرة، بعيون تتقد نارًا، وتقدح شررًا، وكل وجهه ينطق بالغضب وكان قد رأها تخرج من مكتب زكريا، ولم يدرِ ما سر ذلك الغضب الذي أشتعل في صدره، هل هو من الخوف عليها؟! أم هو شيئًا آخر لم يعرف كنهه بعد؟!
هال غرام منظره فتطلعت فيه ذاهلة، لكنه بخطواتٍ واسعة اقترب منها وهو يصرخ بنبرة أرجفت قلبها، وأجفلت جسدها:
_كنتِ فين؟
فأرتدت إلى الخلف، وهمست في خفوت:
_كنت عند زكريا.
وسرت قشعريرة في جسدها عندما كور أصابعه ليضرب قبضته في الجدار بجانب رأسها فأصابها الذعر وهي تنظر إليه في صدمة، مع صيحته:
_تاني مرة متسبيش المكتب بدون أذني وتخرجي.. المواضيع تستنى لحد ما ترجعي البيت، هنا أنتِ في شغل وبس.
ترقرقت عينيها بالعبرات فتلاقت أعينهم، وبرد غضبه عندما رأى دموعها، كأنما استحال إلى شخصٍ آخر، وبدا كأنه سيتفوه بشيئًا ما من إنفراجت شفتاه، ثم أطبقهم في عنف وهو يصر على أسنانه ثم أولاها ظهره ودخل مكتبه صافقًا الباب وراءه.
جلست غرام وراء مكتبها واجمة.
الدموع تلتمع في مقلتيها، وبدا أنها على وشك البكاء، فظلت ساهمة في شرود، لم تلبث أن تناهى لها صوت باب حجرته يفتح، فنظرت شطْره بطرفٍ خفي، وشاهدته وهو يرتدي جاكته لتعلم أنه سيخرج، وأغلق الباب وراءه فأطرقت برأسها كلا تصطدم عينيها فيه، ثم ازداد وجيف قلبها عندما سمعت خشخشت قدميها تقبل نحوها، وظلل عليها ظله وهو يقف أمامها صامتًا، ساكنًا دون أن ينبس ببنت شفة، كان يشعر بالذنب لأنه عاملها بتلك الطريقة.
ويؤنبه ضميره ويؤرق مضجعه.
فأنَى له من سبيل لكي يخبرها أنه يخاف عليها.
وانبعث صوته يقول في هدوء، وبنبرة رخيمة:
_تعالي عشان خارجين عندنا شغل.
ولم تعيره اهتمامًا أو ترفع حتى جفنًا إليه، بل هبت واقفة وألتقطت حقيبتها وسارت من ورائه في جمود.
وتفاجئت به يوقف سيارته أمام محل لألعاب الأطفال، ويقول وهو يغادر السيارة:
_لحظة وحدة وهآجي.
فأومأت دون أن تعقب بحرف.
ولم يلبث أن عاد وهو محملًا بالكثير من الحقائب، ثم تركهم في المقعد الخلفي، ورجع إلى المحل مرة أخرى ثم خرج وفي يده شيئًا آخر متغلفة بطريقة رائعة وبدت لها كهدية.
ثم أحتل مقعد القيادة، وأنطلق بالسيارة لم يلبث أن وقف جانبًا في مكانٍ لم تذهب إليه قط، فجالت ببصرها في المكان عبر نافذة السيارة، وسقط بصرها على دارٍ للأيتام بدا لها أنها وجهته، وكان يمان قد غادر السيارة وتناول الحقائب من المقعد الخلفي تاركًا الهدية، ثم مال قليلًا برأسه عبر نافذة السيارة، وطرق بسبابته عليه، وهو يقول:
_مش هتنزلي ولا أيه؟
فنفخت بضيق وهي تترجل لتسير بجواره في صمت، وما أن أطل على الأطفال حتى رأتهم جميعًا يندفعون إليه فترك الحقائب من يده، وجثى على ركبتيه ليستقبلهم ببهجة فاتحًا ذراعيه، بينما وقفت هي تتابع ما يحدث بأعين لامعة تبرق بالسرور، وقد أشرقت ملامحها كشمسٍ وهاجة، وتابعته وهو يلتقط اللعب ويوزعها عليهم ثم يخبرها في هدوء:
_مالك واقفة ساكته كدا ليه؟! تعالي ساعديني.
واتجهت نحوه في حماس وهي تحذو حذوه، كانت دائمًا تتمنى أن تزور ملجأ للأيتام وها هو ذا يحقق لها أمنيتها! كم رائع هو محب للجميع ومحبوب.
تأملته غرام وهو يمازح الأطفال ويلهو معاهم بمقلتين تشعان حبًا وعاطفة.
لم تلبث أن أشتركت معهم في اللهو، وبدا لها أن الجميع على علاقة طيبة به في الملجأ وليس الأطفال فقط، فقد ذهب برفقتها إلى مكتب المديرة التي نهضت تستقبله بكل سرور وترحاب، وأشارت لهما بالجلوس، ثم ناولها شيكًا لم تعرف كم دون به، وانصرفا وهو يقول لها بينما يسيران في طريقهما إلى الخارج:
_أنا كل فترة بحب أأقضي اليوم هنا مع الأطفال.
وسكت لهنيهة لوح فيها بكفه إلى بعض الصغار، ثم تابع السير بجوارها، وهو يقول بوجد:
_بنسى نفسي هنا حرفيًا، بحس كأني رجعت طفل صغير، وأحيانًا كنت بجيب غادة معايا، واوقات لوحدي.
كانت تستمع إليه مشدوهة، مأخوذة كليًا به، وأستطرد هو ببسمة هادئة رزينة:
_لما الدنيا بضيق بيا أوي، وبحس بخنقة، وأن في هموم مش لاقي لها حل، وبحب أكون لوحدي بآجي على هنا على طول، بسمة الأطفال دي بتنسيني الدنيا وما فيها، وبتعرفني أن الهموم مهما طالت مسيرها إلى الزوال، لأن ربنا كبير مش بيسيب حد.
وسكت عندما فتح لها باب السيارة ليدعوها إلى الدخول وأغلقه ورائها، ثم جلس خلف عجلة القيادة وأدار محركها، وهو يقول:
_والنهاردة جيبتك معايا كأعتذار على اللي حصل مني.
فهزت رأسها في ارتياح، وقاطعته قائلة:
_تعرف أني دايما كنت بتمنى أزور دار أيتام..
فقاطعها هو قائلًا وهو ينظر إليها من مرآة السيارة:
_بجد؟!
فأومأت برأسها إيجابًا، وغمغمت:
_بجد آه وأنت حققت ليّ الأمنية دي! عمري ما فرحت كدا زي النهاردة، مش هنسى اليوم ده أبدًا.
انبلجت بسمة على ثغره مشبعة بالحنان، ثم رمقها بنظرة سريعة وهو يقول:
_تحبي تيجي معايا أدي تسبيح هديتها؟!
فهزت رأسها مرارًا في حماس، وهي تهتف في مرح:
_طبعًا.. طبعًا معاك.. دا سؤال.
وأثناء الطريق هبط من السيارة ليقتني بعض الأشياء، وتوقفت بجانبه وهو يرن جرس الباب وسمعت صوت خطوات تعدو ثم فتح الباب وأطلت الصغيرة تسبيح من ورائه، وهي تصيح:
_بابا يمان جه.
ثم قفزت عليه لتتعلق بعنقه بينما تلقفها هو في حنان، ودعتهما هند إلى الدخول وأجلستهما في صحن الدار، بينما تقول:
_تاعب نفسك أنت على طول معانا كدا! مفيش داعي لكل الحاجات دي!
فرمقها بنظرة عتاب، وقال مغضبًا:
_عيب عليكِ الكلام ده هو أنا بجيب لمين غير لأختي.
ثم وجه حديثه إلى تسبيح الجالسة فوق قدميه، وهو يقول:
_بابا يمان جاب لتسبيح هدية حلوة.
فصاحت الصغيرة وقد استنار وجهها:
_بجد يا بابا يمان؟!
أعطاها يمان الهدية فقبلته شاكرة ثم وثبت من فوق قدميه لتدخل إلى حجرتها.
ولم يمكثا طويلًا فقد غادرا إلى البيت، بذكرياتٍ ستبقى محفورة في قلب غرام خالدة أبد الدهر.
***
توالت الهدايا على غادة من يوسف يوميًا، حتى أسرتها وباتت تكن له مشاعر إعجاب أخذ يتذايد في أعماقها، وبغتة توقفت هداياه وأورثها ذلك حزنًا وقلقًا عليه، وأخذت الأفكار تعصب بها، والحيرة تنهشها.
هل أنقطع يوسف إلى الأبد؟!
هل كف عن حبها؟!
هل نساها؟!
أما أنه قد تعرض لشيء أحال بينه وبينها؟!
هل ثمة خطرًا ما داهمه؟
لا غرو! إن أنقطاعه جعلها هزيلة، مصابة بالإعياء، كليلة البال، شاردة دائمًا، وغائبة حينًا.
لقد طالت غيبته ونالها الشوق، وابتغت لو تراه.. وحزنت حزنًا شديدًا أَمَضَّ فؤادها، وبينما هي ذات يومٍ تقف في شرفة حجرتها، وترتكز براحتيها على إطار الشرفة وتطلُ برأسها تتأمل الغائدين والرائحين، إذ أرتفع رنين هاتفها فرفعته إلى أذنيها بخمول ودون اهتمام وهي تجيب رقم مجهول، قائلة:
_السلام عليكم..
فجأها صوته ليعيث في قلبها فسادًا وهو يهمس بصوتٍ خافت حانٍ فشعرت بقلبها يقبل عليه كإقبال الظآمي إلى مورد عذب:
_طمنيني عليكِ عاملة أيه؟
فأختلج قلبها وتلاحقت أنفاسها، وهي تهمس بدورها:
_يوسف؟!
فسألها بنبرة جادة:
_أفتقديني؟
فلم تنبس غير أنه لم يهتم، وهو يقول:
_غادة أنا حاسس بالذنب إني كلمتك، أنا عمري ما عملت كدا مع أي بنت، ولكن شوقي ليكِ مقدرتش عليه ولا أني مسمعش صوتك، أديني فرصة ومش هقولك خطوبة حتى الخطوبة هتكون مبعدانا عن بعض أنا هقول نكتب الكتاب ونعرف بعض وهديكِ الفرصة اللي عايزاها ولو حبيتي بعد كدا ننفصل هننفصل بهدوء مش هعترض بس اوعدك أن ده مش هيحصل.
وسكت لهنيهة، ثم أتبع يقول:
_قُلتِ إيه؟!
لاذت غادة بالصمت طويلًا، ثم غمغمت بحسم:
_موافقة، وأتمنى مندمش في يوم على موافقتي.
فتمتم وهو يستطير فرحًا:
_أوعدك أنك مش هتندمي أبدًا.
في ذات عَشِيَّةٍ مُقْمِرَة، حضر يوسف برفقة والديه وأستقبلهم مختار مرحبًا هو والشابين، وكان يمان قد سأل عنه لكن الجميع أجمع أن ليس له أصدقاء.
وأن لا أحد يراه كثيرًا.
وأن عائلته ليست مختلطة بالناس من حولهم.
لكنه شاب هاديء، يمر كنسمة هواء ليس له صوتٍ أو حركة، ويبدو غامضًا في بعض الأحيان.
فآثر يمان ملاقاة يوسف بمفرده، وتقابلا وتحادثه وقد راق له كثيرًا.. ذكي، مثقف، يعمل في إحدى شركات المقاولات.
واتفق الرجال فيما بينهم على كل شيء تلك الليلة، ثم أتت غادة لتقدم واجب الضيافة وتجلس بجانب والدته وتشاركها في حديثٍ طويل، علمت منها أنها طيبة الشمائل، مرحت الروح، طيبة القلب، ثم جلست برفقة يوسف بمفردهما وتحدثا وحددا موعد خلال أسبوع لعقد القران.
***
خرجت غرام من مكتب يمان وأوصدته وراءها وقد افتر ثغرها عن بسمة رائعة، واسعة ففي كل مرة تكتشف في هذا الرجل صفة تجعلها تشعر كأن الحياة قد خلت من الرجال إلا هو، ولملمت أشيائها لتستعد للذهاب معه إلى إحدى المطاعم لمقابلة عمل، حين أرتفع رنين هاتفها فرفعت الهاتف في شوقٍ جم، لترد على أبيها قائلة:
_بابا عامل أيه طمني عليك؟ وتيتا عاملة ايه؟
فجائها صوت أبيها وهو يقول:
_كويسين يا حبيبتي الحمد لله، أنتِ عاملة ايه؟
فردت بأعين دامعة:
_أنا الحمد لله، انتوا وحشتوني اوي.
فرد بلطف بنبرة مبهمة:
_هانت خلاص وهنتقابل قريب؟!
فغمغمت حائرة:
_أنت جاي!؟
لكن قبل أن تسمع رده سمعت طرقًا على الباب لا ريب أنه تناهى لها فأغلق معها، بينما سمحت غرام بالطارق بالدخول فأنفرج الباب وأطل زكريا برأسه وهو يقول بمرح:
_أدخل ولا ارجع؟
فتبسمت وهي تشير له بالدخول قائلة:
_تعالى أدخل يا زكريا أتفضل.
دلف زكريا في هدوء للداخل، وجلس أمام مكتبها وهو يفك أزرار سترته، ثم ألتفت إليها في اهتمام، وقال:
_أنتِ فاضية ولا مشغولة دلوقتي؟!
فتمتمت موضحة في هدوء:
_يعني على حسب لو هتقولي حاجه سريعة فقول عادي فاضية.
فاومأ برأسه ودمدم:
_طب حلو، اسمعي بقا يا ستي.
وحدق في عينيها، بينما أصاخت هي السمع، وقال هو بنبرة هادئة للغاية:
_الحقيقة أني فكرت كتير انا وبابا وخدنا قرار لازم تشاركينا فيه.
ففتحت كفيها وهي تسأله في دهشة:
_رأيي أنا.
فأوما لها بعينيه، وتمتم بصوتٍ خفيض:
_رأيك أهم من رأينا طبعًا!؟
فتراجعت بظهرها لظهر المقعد، وهي تقول في حيرة التهمت وجهها:
_رأيي في أيه بالضبط؟
تنهد زكريا تنهدًا عميقًا، وابتسم وقد خيم عليه الصمت لثوانٍ، ثم قال:
_ أيه رأيك نعقد قرانا مع غادة ويوسف؟! يعني أنا شايف بما أننا في مكان واحد سوا في البيت أو الشركة فهيكون من الأفضل أننا نعقد قرانا معاهم.. والرأي رأيك برضو.
ونظر إليها فوجدها واجمة، ممتقعت الوجه بشكلٍ جلي، تطلُ الصدمة من عينيها، تفاجئت غرام بطلبه، لكنها وجدت أن معه حق فما دام أنهما في مكانٍ واحد وبيتٍ واحد فلا يوجد سبب لتأخير عقد القران، فطرفت ببصرها وقد احتارت، وأحست بقبضة في قلبها، ثم غمغمت بصوت متهدج كأنما توشك على البكاء:
_أنا موافقة كدا هيكون أفضل فعلاً ولكن بابا..
فقاطعها قائلًا بتهليل:
_بابا كلم والدك وهو بصراحة كان موافق وطلبوا مني أفاتحك في الموضوع.
وفي توتر ومقلتين تفيضان دمعًا هزت رأسها إيجابًا.. وبالكاد استطاعت سماعه وهو يقول:
_يبقى لازم نستعد بقا عشان خلاص كلها أيام وتبقي مراتي.