تحميل رواية «عشق الغرام» PDF
بقلم ندى ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
” أنتِ طَالِق ” هكذا صافحت العبارة أُذنيها ما أن همَّت بفتح الباب، فتحيَّرَ بصرها ودُهش ونظرت له مصعوقة لثوانٍ لا تقو على الحراك ولا على مفارقة محياه، وفغرت فاه وهمت بكلام لم يلبث أن عاد إلى جعبتها مطرق مندهش، كانت صدمة محال لقلبها الهَشْ أن يتحملها، ثُم هزت رأسها وهي تفسح الطريق متبسمة بابتسامة لا تكاد تبزغ على ثغرها الحزين، وغمغمت : _ إنتَ قُلت حاجة؟ ودت لو إن ما ألقى كان من محض مخيلتها فقط، لكنه حطم أملها عندما هز رأسه قائلًا في قسوة : _ آه، قُلت إنك طَالِق وإني جاي انهاردة بس عشان أطلقك. ضحك...
رواية عشق الغرام الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندى ممدوح
ماذا لو ألقى المرء نفسه في التهلكة؟
أيخرج منها سالمًا، أم تراه يخرج متهدمًا ضعيفًا محبطًا!
أن يلقي المرء نفسه من فوق جرفٍ هارٍ يدرك أنه سينهار بهِ في واديٍ سحيقٍ في دياجيرٍ من الظلام.
فرغ يمان من لقاء العمل ورحل العملاء الذين كانوا برفقته، فزفر بضجر وهو يتراجع مسترخيًا إلى ظهر المقعد وقد عقد ساعديه أمام صدره، وحدق في غرام الشاردة من بداية اللقاء في حيرة تجلت فوق قسمات وجهها، ثم تنحنح قائلًا باهتمام:
_غرام، مالك سرحانة في أيه؟ شكلك مضايق في حد ضايقك؟!
فلم يتلقَّ ردًا منها، بل ظلت على حالها ترتكز بمرفقها على الطاولة وقد سلمت ذقنها إلى راحتها، فحرك رأسه متعجبًا، وعلا صوته وهو يقول في حدة:
_غرام.. غرام أنا بكلمك.
فأنتفضت تنظر إليه بهلعٍ، وقد أجفلها صوته، ورددت:
_نعم، كنت بتقول أيه؟
فمال بجذعه على الطاولة، وهو يشبك كفيه أمام وجهه، وأردف:
_بسألك أيه إللي مضايقك؟
فهزت رأسها وهي تقول بصوتٍ شاحب:
_مفيش حاجة.
فغمغم يمان بثقة وهو يهز رأسه نافيًا ما قالت:
_لا في.. أنا متأكد.
وأتبع يقول بصوتٍ خفيضٍ هاديء:
_لو عايزة تتكلمي أنا هسمعك.
فأسبلت جفنيها لبرهة، ثم نظرت إليه وهي تبتسم، قائلة:
_شكرًا جدًا ليك بس بجد أنا بخير مفيش أي حاجة.
رمقها بنظرة مشككة، غير مصدق ما تقول، لكنها أستطردت تقول وهي مطرقة الرأس:
_أنا وزكريا هنكتب كتابنا مع غادة أختك، أكيد عرفت.
فنظر لها في جمود ممزوج بالصدمة، وتمتم:
_دا بجد، إمتى خدتوا قرار زي ده؟
فهزت منكبيها وهمست في بساطة:
_من شوية.
فحدجها شذرًا ثم سألها بنبرة صارمة:
_أنتِ عايزة تكملي بجد مع زكريا؟ مينفعش تفكري كويس! أأنتِ بجد عايزة تتجوزيه.
فظلت لردحًا من الزمن لائذة بالسكون التام دون رد، وقد عصفت بها الأفكار عصفًا.
كانت خائفة كريشة في مهب الريح، لا ريب أن تجربتها السابقة لا تزل عقبة في طريقها، يجتاحها الوجل من أن يعاد ما مرت به سابقًا! ماذا لو حصل وطلقها زكريا بعدما صارت زوجته؟ أيمكن أن يكون مثل طارق؟
كالرياح الهوجاء أخذت تمور الأفكار بين جوانحها، ثم رفعت رأسها لتقول بنبرة حاسمة.. صارمة:
_زكريا حد كويس وزوج مناسب غير أنه ابن صديق بابا ومتعرفش انا بحب عمي مختار قد أيه وواثقة في تربيته.
فزم شفتيه، ورفع حاجبًا مندهشًا، وقال ذاهلًا:
_أنتِ عشان كدا موافقة عليه؟!
وجهم المحيا وأكفهرت ملامحه، ثم أتبع:
_أنتِ محتاجة تعيدي ترتيب أمورك، لأني شايف العكس، زكريا مش مناسب ليكِ!
فتطلعت فيه بحدة، وهاجت قائلة:
_وأنت يعني عارف أيه المناسب ليَّ؟!
ثم هبت واقفة وهي تقول بعصبية:
_خلينا نمشي أنا مش عارفه إحنا قاعدين ليه بما أننا خلصنا!
فرمقها بنظرة مشتعلة، ثم نهض في هدوء وسار أمامها وهو يشعر بالغضب..
بالغضب من نفسه..
لأنه قد تدخل فيما لا يعنيه..
*********
جاء اليوم الموعد، اليوم الذي ستقترن به بحبيبٍ فعل لأجلها المحال لينالها، كانت غادة تكاد تطير فرحًا والأرض لا تسعها ومنذُ أن أشرق الصباح وهي تتجهز، عكس غرام التي كانت فاترة لا تفتأ عن الشرود الذي سلبها من الناس، وسلب منها الفرحة، مختار لم يقصر مع البنتين فقد أحضر لهما الهدايا وكل ما يحتاجانه في هذا اليوم، أنتهت غرام من وضع (المسك) على وجهها، ثم غسلته وجففته وخرجت إلى الشرفة لتحادث أبيها لتعلم إلى أين وصل، فما أن همت بأن تتصل به، حتى أعترتها فرحة هائلة، فلقد رأته وهو يترجل من السيارة ويعاون جدتها على النزول، فصرخت في ابتهاج كأن الروح قد عادت إلى جسدها المنطفيء فأنار، واندفعت تعدو خارج الحجرة وتهبط الدرج وهي تصيح في شغفٍ ولهفة:
_بابا..
والتفت إليها عبد السلام وقد هش وبشر، وقال مسرورًا:
_غرام.
رمت غرام نفسها بين ذراعيه، ثم أجهشت في البكاء، وغمغمت:
_وحشتني أوي يا بابا.
فربت عبد السلام على ظهرها برفقٍ، وقال بحنو:
_دول كلهم كام أسبوع بس، أمال لما تبقي في بيت زوجك هنعمل أيه بقا؟
فأبتعدت غرام وحدقت فيه بحزنٍ، وتمتمت:
_يبقى بلاش أتجوز أحسن.
ثم أستدارت نحو جدتها التي تأبطت ذراع يمان وأندمجت معه في حديثٍ ما، فدنت غرام منها وهي تقول:
_تيتا عاملة ايه وحشاني؟!
فنظرت إليها الجدة وقد زوت ما بين حاجبيها، ودققت فيها البصر، وغمغمت في فتور:
_أنتِ مين يا بت أنتِ؟ وأيه تيتا دي أنا هكون ستك منين؟
فحوَّلت غرام بصرها نحو أبيها، ثم التفتت مجددًا إلى جدتها، وقالت في هدوء:
_أنا غرام بنت ابنك!
فدمدمت الجدة مفكرة وهي تبتعد عن يمان:
_هو أنا معايا عيال؟
رفعت غرام حاجبها في دهشة، وهمت بأن تجادل جدتها، لولا نهلة التي جذبتها من ذراعها وهي تقول:
_سيبك من جدتك إللي بقا عندها زهايمر دي وتعالي سلمي عليَّ يا عروسة.
فأفلتت غرام ذراعها من بين أصابع الأخرى، وقالت في جدية:
_أنا حاسة أن ستي مش بخير!
فأجابتها نهلة بوجهٍ اكتسى بالحزن:
_أبدًا بس ستك كبرت في السن وبجد بقى عندها زهايمر يعني هي مش بتهزر معاكِ زي ما كانت بتعمل.
فإزدردت غرام لعابها في ألمٍ، ثم أنصرفت برفقة نهلة وهي تأخذ الجدة معها قائلة:
_تعالي يا ستي مش أنا هتجوز النهاردة!
فصعدت الجدة درجات السلم في ثقل، وهي تقول باندهاش:
_بجد يا بت وهنعمل فرح وهنرقص.
فضحكت غرام في خفوت وهي تسندها، قائلة:
_أيوة، هتفرحي بغرام النهارده افتكرتيني.
فأومأت الجدة مرارًا، وهي تقول:
_أيوة أيوة غرام أفتكرتك أنتِ سفرتي وسبتني ليه يا بت؟!
وكان أجمل عتاب يأتي لغرام، التي أشرق وجهها وأخذت تثرثر برفقة جدتها التي لم تلبث أن همست في حيرة:
_أنتِ مين يا بت أنتِ؟ وبتعملي هنا أيه؟
*************
تم عقد القران، وفي غمضة عين وجدت غرام ذاتها زوجة لزكريا مختار، استقبلت التهاني بفتورٍ، ورحبت بالمدعوين ببسمة مجاملة، عكس غادة التي كانت بسمتها متسعة والبهجة تطلُ من عينيها، لا شيء يدوم ولا شيء يبقى على حاله، ولا أحد يعلم ما المخبأ غدًا.
جلس يوسف إلى غادة، وطَفِقَ يحدثها عن أحواله.
ويكشف لها عن سر حبه لها..
وهي تستمع إلى ما يقول في إنصات، وبغتة قرر أن يخرجا معًا وذهبت لتستأذن من شقيقها الذي سمح لها بذلك، وعادت إليه فوجدته يتحدث في الهاتف في مكانٍ منزويٍ، في أقصى ركنٍ بالحديقة، وقد امتقع وجهه، وبدا القلق جليًا يحفر على ملامحه مكانًا رحبًا، فتوجست خيفة من أن يكون ثمة أمرٍ جلل، ثم أغلق هاتفه وتقدم إليها بخطواتٍ واسعة، سريعة، كأنه يعدو، ثم قال بعجلٍ:
_غادة أنا.. أنا لازم أمشي عندي شغل ضروري؟
فغمغمت وقد تلاشت فرحتها:
_شغل في يوم زي ده؟ مش قولت ليّ هنخرج سوا؟
وترقرقت عينيها بالدموع، فتبسم في حنو، وضم كفيها بين راحتيه، وهمس:
_حقك عليَّ مكنتش أحب يحصل كدا بس دا واجبي ولازم أأديه على أكمل وجه بدون ثغره.
رن هاتفه مجددًا فنظر إلى شاشة الهاتف، وأسرع يغادر وهو يقول دون أن ينتظر أي كلمة منها:
_معلش يا غادة لازم امشي، بلغي بابا أني مشيت وهو هيفهم.
ظلت غادة متسمرة في مكانها تشيع رحيله بعينين تسحان بالعبرات.
***********
جلست غرام إلى زكريا منفردين، أعتراها الخجل فنكست رأسها في توتر، وهي تفرك أصابعها ف ارتباك، تأملها زكريا طويلًا في تمعن، بل كانت عينيه تتوغلان النظر فيها في تدقيق، ثم ابتسم بسمة واثقة، وغمغم:
_مبارك يا غرام.
فهمست بصوتٍ شاحب وهي تدير وجهها بعيدًا عنه:
_الله يبارك فيك، ومبارك ليك أنت كمان.
مد زكريا كفيه ليضم يديها بين راحتيه، فما كادت أصابعه تمس بشرتها مسًا، حتى انتفضت في ذعر وهي تهب واقفة لتبعد قائلة بوجل:
_أنت بتعمل أيه؟
ضحك زكريا في تهكم، وقال في سخرية:
_بعمل ايه؟ مراتي وبمسك أيدها أيه يعني اللي عملته؟ ولا أنتِ اول مرة تتجوزي؟!
ثم نهض وسار نحوها بخطواتٍ وئيدة حتى غدا قاب قوسين أو أدنى منها، ومال بوجهه شطر وجهها وتمتم بصوتٍ خفيض:
_ولا طارق مكنش بيمسك أيدك؟!
وشرع يقهقه، فتميزت هي غيظًا وقد دفعته بعيدًا عنها، وقالت في انفعال:
_أنت قليل الأدب على فكرة!
فصاح زكريا في تهكم:
_أنتِ لسه شوفتي قلة أدب!
فتوجست غرام خفية وهي تتقهقر بعيدًا عنه، فما أن باتت في منأى غمغمت في تلعثم:
_أنت تقصد أيه؟!
أدرك زكريا أن عليه أن يلملم الموضوع قبل أن يستفحل، ويحدث ما لا يتوقع، فأضفي إلى صوته بكل قدرٍ من جدية وحنان، وأردف:
_غرام يا حبيبتي مقصدش أي حاجة، بس أنا مش عايزك تتكسفي مني ولا تخافي أنا خلاص بقيت جوزك.
واقترب منها وأمسك كفيها في راحتيه فلم تمانع هذه المرة برغم العاصفة التي عصفت بكل كيانها.
تمتم زكريا في اهتمام:
_احكيلي عنك يا غرام.
فتمتمت في دهشة:
_عايز تعرف أيه؟
وبدآ في حديثٍ دام إلى ساعاتٍ.
أيمكن أن يتولد حبٌ من مستنقع الرزيلة؟!
**********
ظل يمان ليلته تلك مسهدًا، مما لا غرو فيه أنه قد شعر بالبهجة والراحة أنه قد سلم شقيقته لزوجٍ يستحقها، لكن ظلت غصة تُنَغَّص عليه فرحته لم يعرف كنهها قط، لماذا أحس بحزنٍ حين عقد قران غرام وزكريا؟!
كأنه كان يختنق، بأن قلبه أخذت دقاته تخفت كأنها تتلاشى؟!
أهو الذنب؟ أم شيءٍ آخر لم يدركه بعد!
وفيما هو غارقًا في هواجسه هذه، دق الباب فتنبه من شروده ونهض لفتحه فوجد غادة أمامه وهي تقول:
_يمان، أنت صاحي؟!
فأومأ قائلًا:
_آه يا حبيبتي صاحي تعالي.
فترددت للحظة ثم هزت رأسها، وهمست وهي تفر بعينيه عن عيناه:
_أنا كنت بطمن عليك بس، ورايحة أسهر مع غرام ونهلة.
فتبسم لها قائلًا في هدوء:
_تمام يا حبيبتي.
ثم دنا بوجهه ولثم جبهتها في حنان، وأستطرد:
_تصبحي على كل خير في الدنيا.
فضمته وهي تسبل جفنيها، قائلة:
_وأنت بخير يا كل خيري في الدنيا.
وارت عنه هواجسها تجاه يوسف الذي بدأت تشعر أنه يخفي شيئًا ما، ثمة شيء مبهم لا تعرفه، طوت جوانحها على خواطرها وراحت لتتسامر مع البنات، حتى غفت نهلة وبقت هي وغرام مسهدتين، سألتها غرام بعد ما لاحظت شرودها الدائم، وهمها الجلي:
_مالك يا غادة حساكِ مهمومة؟!
فأفصحت غادة عن مخاوفها وهي تلتفت إليها بكل حزنٍ ألَم بها ونَغَّص سعادتها:
_حاسة أن يوسف في حاجات كتير مخبيها عني!
قطبت غرام جبينها في دهشة، وهمست ببسمة متوترة:
_حاجات زي أيه؟
فهزت غادة منكبيها وهي تقول في حيرة:
_معرفش يا رتني أعرف، بس هو غامض متأكدة أن في حاجه مخبيها عني.
ثم أطرقت في همٍ جثم على روحها وأضنى فؤادها.
************
مرت الأيام برتابة عاد فيها عبد السلام مع والدته وابنة شقيقته إلى بلده، وعادت غرام إلى وحدتها كان كل شيء يمر بفتورٍ عليها، كل الأيام متشابهة، من الشركة إلى البيت، أو الخروج مع يمان في لقاء عمل.
يمان الذي تغير كليًا معها، لم يعد يحادثها كالسابق أصبح الكلام بينهما بخصوص العمل فقط وبنبرة جامدة، أصبح كئيبًا أم غريبًا، أم بعيدًا لم تعرف لكن به شيءٍ قد تغير.
ذات يومٍ وقد كان يوم إجازة من العمل، وبينما غرام تتناول طعامها، قال مختار فجأة:
_أيه رأيك يا زكريا تاخد غرام معاك إلى باريس منه تغير جو وتشوف الدنيا هناك.
ثم التفت إلى يمان وقال:
_ويمان يسافر هو يخلص الشغل، وأنت خد غرام وفسحها وخليها تغير جو ولا أيه؟
وربت على كف يمان وهو يقول:
_أنت مش هتكسف خالك أكيد وهتروح تخلص الشغل.
أومأ يمان موافقًا، وقد دار بصره إلى غرام التي تشاغلت عنهم ولم تنبس، في حين قال زكريا في بساطة:
_أنا معنديش مشكلة يا بابا طبعًا.
ثم جهم المحيا واكفهرت ملامحه، فقد ضاع عليه كل شيء خطط له.
فهو كان يود لو يسافر بمفرده يقابل الفتيات، ويشرب الخمر كما يشاء دون رقيبٍ أو عتيد، لكن كل خططه ذهبت أدراج الرياح بما قاله والده.
لكنه آثر السلامة والهدوء لذا لم يعترض حتى لا يثير شكوك والده تجاهه.
في آن ذلك، رفع مختار بصره إلى غرام، وغمغم في اهتمام:
_أيه رأيك يا غرام يا بنتي؟!
لم تجبه غرام أو ترفع رمشًا إليه، كانت واجمة مما سمعت، لكنها أيضًا كانت مبتهجة فمن صغرها وهي تحلم بالسفر إلى الخارج لترى العالم، لتعلم كيف يعيشون، لم تدرك أنها النهاية.
نهاية حياتها هي في تلك البلد، التي هي حلم بالنسبة لها.
استيقظت من هواجسها على صوت مختار يقول:
_مسمعتش ردك يا غرام! لو مترددة فأنتِ مش هتسافري مع حد غريب دا جوزك وأكتر حد هيخاف عليكِ، وكمان معاكِ يمان وتخلصي معاه الشغل أنتِ بقي عندك فكرة كبيرة عنه وواثق أنكم هتخلصوا سوا كل حاجه على أكمل وجه.
فأومأت غرام برأسها إيجابًا، وأشرقت ملامح مختار، بينما نكزتها غادة بمرفقها، وغمزت لها قائلة:
_يا بختك يا ستي.
*************
جلست غادة في إحدى الكافيهات في إنتظار يوسف الذي طلب منها الحضور، وقد كانت ثائرة فمنذُ عقد القران ورحيله المفاجئ لم يتقابلا، لم يتصل بها، واختفى فجأة وهي لن تتحمل أكثر من ذلك، يجب عليها أن تعلم ما يخبئه عليها.
_أنتِ هنا من بدري ولا أيه؟
قالها يوسف وهو يسحب المقعد ليجلس إزءها، لكنها لم تعره اهتمامًا وتجاوزت عن سؤاله، وهي تتدفع قائلة بصوتٍ حاولت أن يكون خافتًا:
_أنت أيه يا يوسف؟ أنت إزاي كدا؟ أنت اتجوزتني واختفيت من حياتي فجأة بدون حتى ما ترفع سماعة التلفون تقول أي حاجة تطمني، هان عليك إزاي؟
فتبسم بسمة أثارت غيظها وغضبها أكثر وقال في هدوءٍ بارد مستفز:
_ممكن تهدي يا غادة!؟
فصرخت غادة في جنون وبلهجة حادة عالية جعلت كل الرؤوس تلتفت إليهما:
_اهدى إزاي؟ بكل بساطة كدا اهدي يا غادة؟ أنت اتجوزتني عشان ترميني؟
فصاح يوسف وهو يضرب راحته على الطاولة بنبرة صارمة:
_قُلت اخرسي الناس كلها بتبص علينا.
فجال بصرها على الناس التي تطلع إليها في فضول، وأطرقت في أسف، فتمتم يوسف في هدوء:
_أنا مبحبش حد يرفع صوته عليَّ يا غادة، بس أنتِ مش أي حد.
وشبك كفيه أمام وجهه متابعًا:
_كان عندي شغل وكنت مسافر والتلفون ضاع مني عشان كدا معرفتش اتواصل معاكِ.
فتشاغلت عنه، ولم تجبه، فتنهد هو في ضيق، واستطرد:
_عايزك تعرفي أن مفيش حاجه في الدنيا تبعدني عنك أبدًا، وإني لما أغيب بيكون غصب عني..
وقال بنبرة مبهمة:
_دا واجب فيه حياة يا موت.
فاسترابت وهمست بشك:
_يعني أيه؟
فأخذ كفيها بين راحتيه وقرب شفتاه ليقبلهما بكل حنان الدنيا، ونظر إلى أعينها هامسًا بصوتٍ رخيم:
_يعني عايزك تتأكدي أني لما بكون بعيد عنك بتبقى روحي مفارقاني لعندك، وبيكون قلبي مشغول بيكِ، وأني غصب عني..
فأصابتها عدوى الحنان، وانبلجت بسمة كضوء الفجر على ثغرها، وقالت:
_طب أنت مفيش حاجه مخبيها عني؟!
فهز رأسه قائلًا بكل تأكيد:
_كل حاجه في وقتها حلو.
***********
جلست غرام في الطائرة بخوفٍ ملأ جوانحها خاصةً بعدما أقلعت، فكانت تركنُ إلى يمان فتطمئن، ويسكن ضجيج قلبها، وحين وصلوا توجهوا إلى إحدى الفنادق ذات الخمس نجوم، والتي بهرت غرام، بل الحق أنها كانت منبهرة بكل شوارع باريس وهي تجلس في السيارة التي تقلهم إلى الفندق تنظر عبر النافذة إلى الأزقة بأعين متسعة في انبهار، ذلك اليوم تناولوا عشاءهم معًا في صمت وكأنَّ على رؤوسهم الطير، ثم أووا إلى غرفهم بينما آثر يمان أن يبقَّ مع رفيقًا له هناك، مما أورث في قلب غرام فراغًا ممتلئًا بالخوف، والضياع.
في اليوم التالي أصطحبها زكريا في جولة رائعة لم تحياها يومًا إلى برج إيفل وهناك تناولا الطعام في المطعم التابع للبرج، ثم وقفا معًا يشاهدان باريس من عليائه، وقد ارتكزت غرام بساعديها المعقودين على إطار البرج وراحت تتأمل المدينة بأعين لامعة، دون أن تلاحظ زكريا الذي أخرج هاتفه وراح يصورها، وقضت اليوم برفقته هنالك دون أن يظهر يمان أو تعرف عنه شيئًا، بينما تجنب زكريا التواجد معها في مكانٍ أرتاده سابقًا كلا تتعرف عليه إحدى الفتيات التي قضى معهن علاقة.
لن تنس غرام إطلالة مدينة باريس من فوق البرج الذي صورت كل ما تستطيع فيه كي تبقَّ ذكرى لها.
وذهبا إلى قوس النصر والتقطت بعض الصور وتابعا تجوالهما في المدينة.
واصطحبها في يومٍ آخر إلى متحف اللوفر أكبر متحف في العالم، وهناك راحت تلتقط الصور لنفسها أو يصورها زكريا مع اللوحات وخاصةً لوحة الموناليزا للفنان دافينشي، ومع تمثال فينوس، وبعض المنحوتات والتماثيل.
الحق أن زكريا لم يقصر معها، ومع كل يومٍ جديد كان يأخذها في جولة جديدة إلى أماكن مختلفة، متصنعًا أنه أحسن رجل في العالم، ومتقنًا لدور الانسان المحترم، كي تتم تلك الزيجة على خير، وبعد ذلك أن علمت بأمره فلتعلم لن يخشى شيئًا.
أكثر مكان لم يرق لغرام، وجعل فؤادها ينقبض كان سراديب الموتى؛ وهي شبكة من الأنفاق المتفرعة، تحت الأرض تحوى رفات الملايين من الناس، فخرجت ممتقعت الوجه، لكن التجربة كانت تستحق فقد شعرت بأنها تخوض مغامرةٍ ما.
كانت تجلس في مطعم الفندق مع زكريا يتناولان طعامهما حين تقدَّم يمان منهما، فنظرت إليه في لهفة وقد ظهر أخيرًا قائلًا:
_مساء الخير، عاملين أيه؟
قالها وهو يسحب مقعدًا ليجلس، بينما رمقته غرام بنظرة عتاب لم يفهمها، وغمغمت:
_كنت فين كل ده؟
فتمتم في هدوء يجيبها وهو يدير عينيه بعيدًا عنها:
_كنت بخلص الشغل وقعدت عند حد من أصدقائي.
ولم يتح لها فرصة لأي كلامٍ وهو يردف:
_هقضي اليوم النهاردة في الفندق عشان نحجز على أأقرب طيارة ونرجع.
لم يعره زكريا اهتمامًا ولا حديثًا، بل ضم كف غرام الصغير في راحته وهو يقول في حنان مزيف:
_حبيبتي تحبي نخرح نتمشى شوية؟!
فاختلست غرام نظرة إلى يمان الذي كوَّر قبضته في غضبٍ ثم سحبت كفها في هدوء وهي تقول نافية:
_لا، كفاية خروج وهطلع اصلًا دلوقتي على أوضتي أنام.
ثم استأذنت منهما وغادرت، بينما نظر زكريا في حقد إلى يمان وتراجع في مقعده، وقال وهو يحرك كوبًا فارغ على الطاولة:
_غيران مش كده؟! حاسس قلبك بيولع صح؟!
ثم قهق عاليًا فحدق فيه يمان بازدراء، وهتف مغضبًا:
_أنت اتجننت غيرة أيه، أيه اللي بتقوله ده؟
فمال زكريا إلى الأمام بأقصى حد يستطيعه، وصدد بصره في أعين يمان في تمعن وهو يقول في ثقة:
_أكدب وقول أنك مش بتحبها؟!
في تهكم شديد غمغم يمان في توتر:
_وهكدب ليه؟ مفيش أي حاجة من اللي في دماغك انا مش بحب حد أبقي بص كويس أو عالج نفسك.
فزم زكريا شفتيه، ورفع حاجبه وهو يقول بغلظة:
_برضو أنا اللي اتجوزتها ومش هتكون ليك أبدًا.
بركانٍ هائل من الغضب تجمع في حدقتين يمان وهو ينهض في عصبيه قائلًا:
_أنت انسان مستفز لا تطاق بجد.
ثم مضى في سبيله إلى سيارته بخنقه، وهو يفك ربطة عنقه، ويغلق باب سيارته وراءه، وقبض على عجلة القيادة وظل جامدًا لهنيهة مشخصًا البصر إلى الفراغ، ثم انكب برأسه على ذراعه الذي انثنى أمامه، وأسبل جفنيه محاولًا دحر منظر يد زكريا وهي تضم كف غرام!
لماذا هذا المشهد لا يفارقه؟!
ما ذاك الشعور الذي احتل قلبه من الألم؟!
لماذا أراد وبشدة أن ينقض على زكريا ويقطع يده!
لماذا شعر بسهمٍ من نار رشق في وتينه وسويدائه فأحال قلبه إلى رماد لم تذره الرياح!
تأجج فؤاده بمشاعر شتى، لم يجد لها تفسيرًا غير شيئًا واحد!
هل غدا يحب غرام؟!
هل أمسى يحبها حقًا؟!
متى؟ كيف؟
أبعد أن طارت من بين يديه وأصبحت زوجة؟! لا يزل أمامه وقت ليحل كل شيء.. أيمكن؟!
أيمكن أن يحل كل شيء بتلك البساطة حقًا؟
أحين يولع بأحدهن تكون متزوجة؟ بأسًا لك أيها القلب.
رفع رأسه عن ذراعه ثم أدار محرك القيادة وأنطلق بسيارته يجوب الطرقات والأزقة وهو يشعر كأنه يتعذب في نارٍ مسعرة.. متوقدة داخل أعماقه.
جلس زكريا القرفصاء فوق فراشه وقد وضع على ساقيه الحسوب، ودقق النظر في شاشته مصبًا كل اهتمامه وجوارحه عليه وهو يتابع المقاطع المحرمة.
غافلًا عن ربه الرقيب البصير الذي يعلم ما تخفى الصدور وما تعلن.
غافلًا عن أن البصر نعمة من نعم الله عز وجل التي أنعم بها علينا وقد أمرنا بغض البصر، لم يهتم بسخط الله عليه، ولم يهتم بذنوبه التي أخذت تستفحل، لم يعلم أنه في لحظة قد يسلب الله منه نعمة البصر فهو القادر على ذلك سبحانه، لكنه الكريم يمهل ربما يتوب العبد، ربما يدرك خطؤه، ربما يؤوى إليه ويتخذه موئلًا وملاذًا.
عيناه لم تحيدان لثانية عن الشاشة، وفي يده زجاجة خمر كان يتجرع منها مرارًا.
يظن بعد الناس أن المال الكثير نعمة تغنيه عن الحاجة والفقر وهو كذلك بالفعل، لكن المال قد يصبح نقمة على صاحبه يسلب منه انسانيته وإيمانه ويجعله يغوص في وحلٍ من المعاصي والآثام.
لو لم تكن غرام هنا كان ليكون قد جلب إحدى الفتيات، نظر إلى فراشه بحنق لو أن تلك زوجته ليست معه لكانت تنام هاهنا بين أحضانه إحدهن، لكن لماذا يفعل؟! لماذا يقترب من فتاة غريبة بينما زوجته قريبة؟
والهاجس الأخير جعله يشتعل، فأغلق الحاسوب وألقاه دون أكتراث وترك قنينة الخمر جانبًا، ومد قدميه فما كاد يستوي واقفًا حتى تعثر وكاد يسقط أرضًا لكنه تدارك نفسه، وتوازن سريعًا، وتابع طريقه خارج الحجرة..
إلى حيثُ غرام..
أغلقت غرام الأتصال مع نهلة، ثم أبدلت ملابسها وأوت إلى فراشها في سبيلها إلى النوم، ثم سمعت طرقًا على باب حجرتها جعلها تضيق عينيها في تركيز، وهي تقول في قلق:
_مين؟
واعتدلت جالسة وقد احتل الخوف قسماتها، ولم يأتيها رد غير أن الدق عاد أقوى بألحاح شديد، جعلها تجذب هاتفها في لهفة وتتصل بأول شخص خطر على بالها..
نعم، يمان..
لكنه لم يجب..
فأعادت الأتصال مجددًا ولم يجب..
فنهضت مضطرة لترَى مَن الطارق وقلبها يرتجف بين ضلوعها خوفًا، ففتحت فرجة يسيرة وأطلت من ورائها لتبصر زكريا الذي دفع الباب في عنف لترتد هي إلى الخلف في فزع، وصرخت:
_زكريا مالك أنت اتجننت؟
فصفق الباب في عنف وهو يترنح يمنى ويسر، قائلًا بسكر وهو يحرك كفيه:
_تؤ تؤ مش جنون يا مراتي يا حبيبتي.
وألقى نفسه عليها فدفعته بعيدًا عنها وهي تقول باحتقار، واشمئزاز:
_أوعى كدا، أنت شارب خمرة ايه الريحة المقرفة دي؟!
فهمس وهو يقترب منها:
_طبعًا، شارب فعلاً وجاي انام في حضنك مش أنتِ مراتي برضو؟!
ومضى يحث الخطى نحوها وهي تتراجع في ارتياع، عند ذلك انحدرت من عينيها دمعتان كبيرتان، وقالت والدموع تملأ مقلتيها:
_زكريا فوق وأخرج بره.
فهز رأسه نافيًا، وهو ينظر لها بشهوة، ثم انقض عليها كما ينقض الصياد على فريسته ودفع بها فوق الفراش ورمى نفسه فوقها، رعبٍ هائل سرى في أوصالها وهي تحاول ردعه عما ينوي..
حاولت أن تفلت منه..
حاولت أن تضربه..
لامساته كانت تثير فيها شعورٌ بالموت، قوته الجسدية فاقت قوتها الهَشة، وعندما وجدها تعافر لتبعده أنهال عليها ضربًا ففقدت كل ما تملك من قوة، وغابت عن الوعي بعدما سلبها جوهرة العفاف.
واغتصبها..
زكريا اغتصب زوجته..
ذبحها بدمٍ بارد..
وسحقًا لكل زوجٍ آثم متغيب الانسانية.
الموت في بعض الأحيان رحمة من أن يظل المرء حيًا وقد وارت روحه الثرى..
رواية عشق الغرام الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندى ممدوح
ألقت غرام نظرة طويلة على زكريا الذي يغط في سباتٍ عميق بعدما سلبها جوهرة عفافها دون ذرة رحمة.
نظرة لم تسترجعها إلا مبللة بالدمع.
ثم أغلقت الباب ورائها في حذرٍ شديد كأنما تخشى أن يهب من رقاده كأسدٍ هصور وينقض عليها فيفترسها.
ثم سارت وهي تستند بكفها على الحائط كانت خائرة القوى، صارت جسدًا دون روحٍ، بقلبٍ دون نبضٍ، بأوردة دون دمٍ لتحيا، سُلبت منها الحياة بغتة مِن مَن حسبته الحياة، فكانت كشبحٍ فقد كل ذرة من حياة.
خذلتها قدميها فتوقفت، وأحست أنها تنهار رويدًا رويدًا، فسلمت ظهرها إلى الجدار وأنشأت تبكي بكاءً مرًا، فأدنت وشاحها من وجهها تخبأ عبراتها التي تهطل كمطرٍ صامت دون برقٍ أو رعد.
ونشجت نشيجًا محزنًا شَطر قلب المقبل عليها وهو يعدو تجاهها بعدما قامت بالأتصال به، في لهفة اندفع يمان يقول بلهاثٍ ودقات قلبٍ متلاحقة بوجل:
_غرام، مالك حصل أيه؟ أيه الحالة دي اللي أنتِ فيها؟
لكن غرام لم تكن ترآه، صوته تلاشى من محورها كأنما أصيبت بالصم، لقد سقطت في دياجير الظلام وفي ليلة من ليالي الدآدي.
ضاعت فيها أحلامها، وأمانيها.. وضاعت هي؛ بل تاهت ربما دون عودة للنور.
أليس الظلام لا يلبث أن يعقبه نهار؟
بلى، لكن ليلها هي يبدو أنه لن ينتهي بعد اليوم، لن يعقبه نهار، ولا شمسٍ تشرق في عليائها.
تبًا للحياة عندما تسلب منا الروح ونحن أحياء.
كيف تخبره بفجيعها؟! أنَى لها بقدرة كي تقول: لقد أعتدى عليَّ زوجي.
والمسمى الأكثر إيضاحًا كان إغتصابًا دون حياء.
انتفضت غرام مرتجفة، عندما هدر يمان بقوة:
_قولي حصل أيه؟
فالتفتت إليه من وراء سحابةٌ من العبرات التي تسح من مآقيها، وهمست بصوت متهدج بئيس:
_أنا عايزة ارجع البيت، رجعني البيت يا يمان أرجوك.
وأسبلت جفنيها في ألمٍ مما عانت، فهتف يمان في لهفة وقد أوجعه رجاؤها:
_أنا حجزت وهننزل فعلاً النهاردة.
فهزت رأسها تقول بجزع:
_لا، أنا عايزة انزل الصعيد رجعني بيتي.
فأومأ يقول بسرعة:
_حاضر هرجعك متخافيش..
ثم تلفت حوله وهو يقول:
_هو زكريا مش هنا؟
وبارتياع رفعت بصرها إليه وتطلعت فيه بفزع، وهتفت بجنون وهي تتراجع:
_زكريا لأ أرجوك زكريا لأ.
وأدرك يمان ما خُفى، وكان دوره ليرتد للخلف مصعوقًا، لم يظن أن يكون زكريا بذلك السوء الذي يجعله يعتدي على زوجته، ويأخذها قسرًا.
كان يعلم مساوؤه كلها وأفعاله الشنيعة والزنا الذي كان ينغمر فيه دون رقيبٍ أو عتيد، لكنه لم يحسب يومًا أنه قد وصل لذلك السوء.
تطلع فيها بوجهٍ شاحب في ارتياع، دون أن يتفوه بحرفٍ، فتمتمت غرام في رجاء:
_خلينا نمشي أرجوك أنا معرفش غيرك هنا مش هعرف ارجع لوحدي.
فهز رأسه موافقًا في وجومٍ عجيب، ثم جلس يقود السيارة بجانبها إلى المطار وهو متغيب البال، يسترق إليها النظرات المؤلمة من مرآة السيارة، توجعه دموعها بل تكوي فؤاده كيًا.
كانت تسند رأسها على نافذة السيارة عينيها مغلقتين برموشٍ مبللة يتساقط منها الدمع بغزارة.
الذنب ذنبه.. نعم، لقد أخطأ عندما لم يخبرها بشخصية زكريا المتوارية.
لقد دفعت هي ثمن صمته.. حبيبته التي نبض القلب بالحياة لأجلها بسببه تم الاعتداء عليها.
ليته قال.. لكنه لم يريد أن يفضح عبدًا ستره الله.
أترى الله قد يغفر له صمته عن الحق؟!
أترى غرام قد تغفر له يومًا صنيعه في حقها؟!
*******
غفى زكريا إغفاءة طويلة، ثم صحى منها منتفضًا وهب مذعورًا ما أن استرجع ما فعله مع غرام أثناء سكرته.
في هلع تطلع في الفراش الخالي الذي خلى إلا منه وساوره القلق ونهش من قلبه وأخذ يقتات من روحه.
غادر الفراش في ارتياع وهو ممتقع الوجه وفتح الخزانة لكنه وجد كل شيء في مكانه.. ملابسها لا تزل في الحجرة.. حقيبتها أيضًا موجودة..
في مقت تلفت في الحجرة، وبُهت وجهه وهو يرَ دورة المياة أيضًا فارغة.
فبدل ملابسه في سرعةٍ ثم خرج من الحجرة وهو يعدو وهنالك سأل عنها فعلم أنها غادرت مع يمان، وأدرك أنها لن تتركه يفلت بصنيعه.
وقد تفضحه أمام أبيه فيسلبه كل شيء.
ويحرمه مما يملك.
فصعد إلى حجرته وتلقفته الأفكار، فجلس على طرف الفراش يضم بكفيه رأسه الذي ضج بالأفكار السوداء، وفجأة ومضت عيناه بوميض الظفر، حين قفزت إحدى الخطط إلى عقله كفقاعة كانت تطيرُ في الهوء وبغتة فقعت.
ورفع رأسه عاليًا وقد لاحت شبح ابتسامة رزينة واثقة على ثغره، وألتقط هاتفه وأجرى أتصال وهو يتنحنح متصنعًا الرعب، والكآبة ما أن فُتح الطرف الآخر، حتى صاح يقول بانفعال مزيف:
_شوفت اللي بنتك عملته فيَّ يا عم عبد السلام؟
هَب عبد السلام من جلسته منتفضًا، وارتجفت شفتاه وهو يقول بجذع:
_مال غرام يا زكريا يا بني؟ بنتي فيها أيه هي كويسه؟
صاح زكريا بكرهٍ بيَّن:
_تغور بنتك في داهية، أنت لو عرفت هي عملت أيه هتموتها بأيدك؟!
شحب وجه عبد السلام وأخذ يسير عشوائيًا وهو يقول بوجهٍ ممتقع:
_غرام عملت أيه يا زكريا؟!
وأصاخ السمع وتوقفت ساقاه عن السير، وازدرد لعابه في ترقبٍ، وزكريا يقول بنبرة مبهمة:
_بنتك شفتها مع يمان في وضع مش كويس، ولما عرفت هي وهو أني شفتهم مشيوا وسبوني ومعرفش هيعملوا أيه ولا هيقولوا أيه، بس أكيد هيشوفولهم كدبة يداروا بيها اعمالهم القذرة، اسمع يا عم عبد السلام.
ولاذ بالصمت لثوانٍ كاظمًا بسمة، ثم عاد يقول في فحيح:
_بنتك متلزمنيش تاني، واعرف اني مش هسكت ولا هغفر لها اللي عملته.
وأغلق الهاتف في وجهه، ثم قهقه قهقةٍ عالية كشيطان رجيم أفلح في حياد عبدٌ من عباد الله عن الصراط المستقيم.
وألقى بالهاتف دون اكتراث وقد أحس بالارتياح يغمر قلبه غمرًا، وجلس في ارسترخاء كأنه لم يودي بحياة أحدٍ توًا.
وكأنه متنصلًا من كل الذنوب والخطايا.
ثم لم يلبث أن غادر الفندق إلى المطار كي يستقل أول طائرة تقلع إلى حيثُ وجهته.
*******
(هتقولي أيه لأبوكِ)
ألقى يمان السؤال في اهتمام بعدما قضى على كل تفكيره، فتأبَّد قلب غرام وهي تلتفت إليه في حدة وقد أصابها الهلع، فهي لم تفكر قط فيما قد تقوله لأبيها!
ماذا قد تخبره؟ أتقول له لقد أعتدى عليَّ زوجي؟!
وأن علم ماذا سيقول؟ هل سيصدقها؟ هل سيطلب طلاقها ويؤزرها؟
أم سيجبرها على إكمال الزواج؟
وأنشأت تفكر وقد مارت المشاعر في صدرها، لكنها لم تعرف بما تجيب، بل حادت ببصرها إلى نافذة الطائرة وأخذت تتأمل السحاب بأعين غائرة بالدمع!
سبحان مغير الأحوال، فمنذُ أيام قلائل كانت تجلس نفس الجلسة ببهجة وأعين تلمع بالفرح وهي تتأمل السماء عن قُرب، اليوم فهي منطفئة، لا تشعر بأي شيء إلا باليأس والقهر.
ماذا فعلت ليتخل عنها زوجها ويطلقها قبل الزفاف بأيام؟ ثم يعتدي عليها الآخر؟!
ما ذاك الجرم الذي فعلته؟!
سلمت جفنيها إلى النوم في محاولة للهرب من واقعها الأليم وقد غاضت مدامعها.
مرت بعد ذلك الساعات في صمتٍ تام، حتى أوصلها إلى باب البيت وكان قد حل الليل وألقى على الأرض بسدوله.
طرق يمان على الباب فتناهى إليه فورًا صوت عبد السلام وخيل إليه أنه كان في انتظارهما.
فتح الباب وأطل عبد السلام واجمًا، واندفعت غرام إلى حضنه، ولم تقوى على تحمل عبراتها فانسابت كمطرٍ منهمرٍ، لكنه لم يبادلها الحضن، ولم يرفع ذراعيه ليطوق جسدها الضئيل.
وتصور يمان أن عبد السلام سينهال عليها ضربًا بسبب نظرته السوداوية، فشعر بأشفاق من صوت نشيج غرام الذي ذاد من شعوره بالذنب، وهم بأن يقول شيئًا أي شيء؛ قد يبرد نار قلبها لكنه لم يقل فلم يجد ما يقوله.
ولم يدرك كم من الوقت وهم يقفون بتلك الطريقة الغريبة، حتى رفع عبد السلام بصره إليه في حدة وكرهٍ غير معلوم، ثم أبعد غرام وقال وهو ينظر في أعين يمان بصرامة:
_ادخلي جوه!
فأنصاعت ومضت إلى الداخل لكنها عادت مجددًا، كي تشكر يمان وتطلب منه الدخول لكن والدها سد عليها الطريق وأحال بينها وبين ذلك، فاضطرت إلى الدخول دون نظرة وداعٍ أخيرة إلى طيف الأمان الذي ضمها في أحلك أوقاتها.
حاول يمان أن يتبسم أو يقول شيئًا، لكن عبد السلام قال:
_صحيح أن مش كل الوجوه بتبين اللي في القلوب، وأنت من الناس اللي وجوهم بتبين أنهم ذو مرؤوة وكرم وشهامة لكن قلبك قلب أسود.
ضيق يمان عينيه مستريبًا ولم يفهم شيئًا وهم أن يستفسر، لكن عبد السلام دفعه للوراء على غفلة، وصفق باب بيته ورائه وانقض عليه وراح يضربه في جنون، وهو يهدر:
_أمنتك على بنتي تعمل فيها كدا ليه؟ ربنا يرد اللي بتعمله في بنات الناس في أختك.
كان يمان يستقبل ضرب عبد السلام دون أن يوقفه أو تند عنه نظرة دفاعٌ حتى، احترامًا له ولسنه، لكن عندما جاء بذكر أخته حتى أتقدت عيناه بالغضب، وقبض على ساعديّ عبد السلام وهو يهتف في تعصب:
_إلا أختي، وبعدين إيه اللي انا عملته في بنتك؟ دا بدل ما تشكرني أني رجعتهلك بعدما قضى عليها الكلب زكريا؟! أنت اتجننت ولا مالك؟ هو زكريا اتصل بيك!
فأفلت عبد السلام ذراعيه وأرتد للخلف وهو يصيح:
_أيوة أتصل بيَّ.. أتصل عشان يقول ليّ على علاقتك ببنتي؟!؟
فتبسم يمان في سخرية، وقال في تهكم:
_علاقة أيه؟ علاقتي انا ببنتك وأنت طبعًا صدقت من غير ما تدور على الحقيقة فين ولا تسال بنتك.
وتلاشت بسمته المتهكمة، وقال في جدية:
_لو أنت شايف أن الحب حرام ولا حاجه، فأعرف أني بحب بنتك.
فرفع عبد السلام ذراعه بنية لطمه وهو يجأر:
_اخرس يا كلب.. بتحب بنت متجوزة؟!
لكن يمان قبض على ذراعه وبأعين تشتعل قال:
_بنتك متستهلش شخص زي زكريا؟! ذنبها ليوم الدين في رقبتك ورقبتي.
كان لا يزل يقبض على ذراعه وهو يقول بعتاب:
_ذنبك أنك وافقت على عريس لبنتك بدون ما تسأل عنه ولا تعرف عنه اي شيء لمجرد أنه ابن صديقك بس.
وأطرق في أسى، وقال بشجن:
_وذنبي عشان سبتها توافق بدون ما اعرفها حقيقته؟!
ثم ترك ذراعه وتراجع للوراء وهو يقول بوجد:
_حق غرام لازم يرجع وأنت لازم تطلقها من زكريا!
فتبسم عبد السلام في تهكم، وغمغم وهو يصفق بكفيه:
_تصدق كنت هصدق أنك شخص كويس والناس كلها هي اللي وحشة، امشي من هنا ومتخلنيش اشوف وشك تاني لأن ده مش غلطك وحدك دا غلط بنتي أنا ولازم تدفع تمنه قبل ما توطي راسي في الأرض!
استراب يمان وأحس بالقلق ينهش قلبه مخافة أن يفعل عبد السلام شيئًا في غرام وقد بدا أنه معمي البصر والبصيرة وأن زكريا أكل بعقله حتى شبع، فتمتم:
_أياك تعمل حاجه تندم عليها.
ومضى في سبيله مغادرًا، غافلًا عن نهلة التي شهقت في ارتياع وقد سمعت جُل حديثهما ورأت ما رأت من شجارهما وكان عليها إنقاذ غرام من براثن غضب أبيها.
مضى يمان يسيرُ وسط السائرين هائمًا يجوب الطرقات والأزقة على غير هدى دون أن يهتدي إلى سبيلٍ يؤويه، لساعاتٍ وضميره يعذب فيه، وعقله لا يفكر إلا في غرام، حتى ألمته قدماه وهده التعب وأضنى فؤاده، فتوقف يتلفت ذات اليمين وذات الشمال وقد جنح إلى الراحة قليلًا، فرأى أنه على كثبٍ من كورنيش نيل (أسيوط) الساحر، بمياهه الزرقاء الهادئة، والسفن التي تبحر بمظهر يخلب الألباب، فمال بجذعه إلى الأمام وقد قبض بأصابعه على حافة السور وشردت عيناه على صفحة الماء الراكد، ضجيج الناس المارة من وراءه لم يكن له صدى في أذنيه كأنه في وادٍ آخر وهم في آخر.
ثم لم يلبث أن تراجع ليجلس وقد أولى ظهره البحر وجعل عيناه تراقبان السيارات.
**********
في همٍ جلس عبد السلام واضعًا رأسه بين راحتيه في وجعٍ وقد شعر أنه قد طُعن، ليس لديه أدنى شك فيما قاله له زكريا عن ابنته، فغرام قد فعلت ما يجعله يصدق فيها أي شيء!
ألم تحادث قبلًا شابًا من وراءه؟ ألم يسمعها بنفسه؟!
هل ستجلب له العار بعد كل هذا العمر؟!
هل ستدفن رأسه في الوحل وهو على أعتاب القبر؟!
لن يسمح لها بذلك؟! لن يقبل؟! سيدعس فؤاده تحت قدميه وسيتخلص من عارها.
نهض وهو يتوجه صوب المطبخ لولا أن تنبه لصوت الباب فأنثنى شطره ليجد نهلة وهي تهتف في توتر:
_عمي عبد السلام انا عرفت ان غرام جت عايزة اشوفها!
أومأ عبد السلام برأسه وأشار لها بالدخول دون أن ينبس ببنت شفة، أو يسألها كيف علمت بمجيئها!
ركضت نهلة للداخل وصعدت الدرج عدوًا إلى حجرة غرام، التي كانت مستلقية على ساق جدتها بأعين لم يرقأ لها دمع.
فاتجهت بأعين تفيضُ بالعبرات وجلست بجانبها في صمت، بينما كانت غرام تقول بصوتٍ شجيّ:
_هعمل ايه يا ستي دلوقتي؟
فضيقت جدتها عينيها في دهشة، وغمغمت:
_أنتِ مين يا بت؟
فضحكت غرام من بين دموعها وهي تتمتم:
_يا ستي انا غرام بنت ابنك عبد السلام!
فزوت الجدة ما بين عينيها وهي تقول في تعجب:
_هو عبد السلام أتجوز أمتى وخلف كمان؟ هو الواد ده كان متجوز من ورايا.
فابتعدت غرام عنها، وهي تقول:
_والله يا ستي أحسن حاجه انك بتنسي يارتني أنسى.
غمغمت نهلة تسألها:
_أنا سمعت حاجات كتير ما بين والدك ويمان وهما بيتخانقوا.
فاستوت غرام في صدمة في جلستها، وهمست بضيق:
_هو بابا ويمان كانوا بيتخانقوا؟
اومات نهلة في لهفة:
_ايوة وفهمت ان عمي مش هيسكت وأنه.. أنه ممكن هيعمل فيكِ حاجه دلوقتي؟! أأيه اللي حصل معاكِ يا غرام؟!
انهمرت دموع غرام بينما تقول:
_زكريا اعتدى عليَّ!
شهقت نهلة في هلع، وصاحت في ارتياع:
_إزاي يعني.. وعمي ليه قالب عليكِ؟ طيب انا مش فاهمة حاجة غير انك لازم تهربي من هنا.
فهمست غرام في انهاك:
_اهرب ايه بس وليه ومن مين؟
كانت جدتها تصغي السمع، ثم ضمتها إلى صدرها وهي تقول:
_أنا قُلت الواد ده مش كويس بس ابوكي مسمعش الكلام.. أنا مش هسكت له بعد كدا وهقف له!
ثم مسدت على رأسها في حنان، قبل أن تضيق عينيها وتغمغم:
_إلا صحيح أنا بعمل أيه هنا؟!
لكنَّ غرام تأبه بها هذه المرة، بل صبت جل اهتمامها مع نهلة التي هتفت بلوعة:
_انا قلبي مش مطمن، غرام امشي بجد!
_هتمشي تروح فين؟ قالها عبد السلام وهو يدلف إلى الحجرة، فهبت غرام من جلستها ملتاعة من النظرة السوداوية في أعين والدها، وتراجعت هي ونهلة إلى الوراء واجفتين، بينما نهضت الجدة وهي تصيح:
_أنا مش قولتلك الواد ده ميتجوزشي البت؟!
لكن عبد السلام لم يعيرها اهتمامًا بصره كان مصوبًا على غرام بطريقة آثارت الرجفة في أوصالها فأخذ جسدها يرتعد، وشرع يسير صوبها بخطواتٍ متأنية كفه اليمنى متوارية وراء ظهره وهي تقبض على مقبص سكينٍ لمع نصله بشهوة الدم.
وعندما اقترب منها لمعت عيناه بالدموع، وقال بحزنٍ دفين:
_طول عمري وأنا بعمل لك كل حاجه عايزها، مخلتكيش محتاجة حاجه أبدًا، حبيتك كأب وكصديق وأخ وكنت ليكِ السند..
وتابع وهو يهز رأسه في أسى:
_ليه يا بنتي توطي راس ابوكي في الأرض؟ ليه تجيبلي العار؟
سكبت مآقي غرام الدمع أنهارًا، وهي تنفي قوله بهزة من رأسها وبنظرة ارتياع أطلت من عينيها سمعت أبيها يقول وهو يتهيأ لطعنها بالسكين:
_أنا لازم اتخلص من عاري يا بنتي، أنتِ الموت ليكِ رحمة.
ورفع نصل السكين وهوى به على بطنها.
وطعنها في حدة.
دون ذرة رحمة.
وقد دار بكل جبروت بالسكين في ضغطة حادة بمعدتها.
كانت غرام تنظر إليه وقد تجمدت العبرات في مآقيها وقد فغرت فاهً من الصدمة، بينما لطمت نهلة وأخذت تصرخ، وهتفت الجدة وهي تدفعه بعيدًا:
_بتي..
رواية عشق الغرام الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندى ممدوح
لا أحد يدري كم مر من الوقت، فقد مرت الساعات وغرام داخل حجرة العمليات. تلك الحجرة الكئيبة التي يكاد المريض فيها يصرخ طلبًا للنجاة منها، فهي تبدو كأنها شبح يبتلع الناس تحت الثرى.
وتم عمل محضر في عبد السلام، بينما جلست نهلة مع الجدة في صالة الانتظار، تدعوا من كل قلبها لغرام كي تنجو، وأن تتعافى. لم تنس صراخها في عبد السلام واتهامها له بأنه السبب، وذنبها سيبقى مطوقًا عنقه حتى يواري الجسد الثرى.
بقدمين ثقيلتين مقيدتين دخل يمان إلى بيت خاله، وهو يضع سترته على ذراعه المثني أمامه. قابله مختار جالسًا في صحن الدار وعلى وجهه غضب مبهم، فأدرك أن زكريا خاض في الحديث الكاذب عنه مع والده، وأن خاله قد صدق. فحاد بخطواته إليه وهو يفكر أن يفضح زكريا أمام أبيه.
لكنه كان يخشى الله.
يهاب أن يحاسب.
فنهض مختار ووقفا قبال بعضهما، وألتمعت أعين مختار بالدمع، والخزي. وهو يقول بصوتٍ يقطر حزنًا:
_مكنتش متخيل أنك بالوحاشة دي؟
وبسط راحتيه وهو يلقي جُل ما في جعبته من شجون:
_ربيتك بأيدي دي فتعضهم بأقسى ما تملك.
فجز يمان على أسنانه، ثم قال مقاطعًا خاله في صدق:
_أنا عمري ما كنت قليل الأصل عشان أعض أيدك يا خالي، ولا ازعلك أبدًا.
فألتهبت أعين مختار بالغضب، وهو يهتف:
_مش عايزك تكدب.
ثم دنا منه وهو يدفع كتفه للوراء، قائلًا في حدة:
_قول ليّ أنت بتحب غرام ولا لأ؟
والسؤال جعل فؤاده يرتجف، هل يكذب أم يقول الصدق؟
لكنه لم يعتاد الكذب. لما يكذب حبًا بات في قلبه آمنًا مستقرًا.
أحس بعينين تراقبانه في شماتة، وحدسه كان في محله، فقد رأى زكريا يقف أعلى الدرج، يعقد ساعديه أمام صدره، في عينيه نظرة متسلية، وعلى وجهه تتجلى الشماتة، وإمارات الظفر.
هل خلف خاله شيطانًا؟ يهوى اللعب على الناس حوله.
_رد عليَّ جاوبني، بصلي هنا.
يجأر بها مختار، وهو يدير وجه يمان إليه. المواجهة كانت مؤلمة، عسيرة على قلب يمان، أن يقف ندًا بند أمام خاله، لكنه لن ينكر. لم ولن يخشى إلا الله.
فالمحب أن أنكر حبه كيف يكون حبيبًا؟
تفرس النظر في أعين خاله في تمعن، وغمغم في هدوء:
_أنا بحب غرام فعلًا.
والإجابة كانت لطمة قوية من اليد التي ربته حتى شَب. نظرة مصعوقة أطلت من أعين يمان إلى خاله الذي أرتد متقهقرًا، مصدومًا من أنه قد فعلها.
وقد أوجعته اللطمة كأنها هوت على قلبه.
لكن صدمته في يمان الذي كان يرآه ملاكًا حطمت ثقته في الجميع.
حولت قلبه إلى شظايا لا تصلح للإصلاح.
صك يمان على أسنانه في غضب، وأطرق برأسه لثوانٍ قبل أن يرفع عيناه إلى زكريا، ولمح بسمة متشفية تمر على ثغر هذا الأخير فتميز غيظًا، وصوب بصره إلى مختار، يقول وهو يقترب منه:
_هسيبك لحد ما تكتشف الحقيقة بنفسك، وتعرف أنك كنت مأيد شيطان.
حاد بصره مع عبارته الأخيرة إلى وجه زكريا الذي أسود وهو كظيم، وتابع قائلًا في وجوم:
_هيجي اليوم اللي تعتذر فيه مني، ولحد ما يجي اليوم ده مش هتشوف وشي تاني.
وتراجع بظهره وهو يتمتم:
_سلام يا خالي.
ولم يكد يستدير، حتى أقبلت غادة وهي تعدو باكية، تقول في لوعة:
_استنى يا يمان أنا هاجي معاك، رجلي على رجلك في أي مكان تروحه.
وأستدارت إلى خالها الذي بدا شاحبًا شحوب الأموات، لا يصدق أنه قد خسر ابنًا للتو. الصدمة أورثته فوق عمره أعمارًا. هتفت غادة تقول بلهفة:
_أنا اسفة يا خالوا بس أنا همشي مع يمان.
فهز مختار رأسه في جزع وهو يقول بخوف:
_لا متروحيش مني أنتِ كمان خليكِ معايا.
ربت يمان على كفها الموضوع على كتفه وقال مؤيدًا خاله:
_خليكِ مع خالك يا غادة.. متسبهوش.
ونظر إلى امتقاع وجه خاله بقلق. كان يعرف أنه إذ سلب غادة من خاله ستكون الطامة التي ستودي بحياته. إن كان الله قد رزقه بابنٍ عاق فلن يكون هو كذلك.
صاحت غادة ترفض ما قاله بإصرار:
_أنا مش عايزة أفضل هنا عايزة ابقى معاك.
فربت على كفها مجددًا وهو يقول:
_معلش.
فصاحت وهي تعدو إلى الأعلى:
_أنا لا هفضل معاك ولا معاه اصلًا انا همشي من بيتكم من غير فرح.
انصرف يمان وجلس مختار على أقرب مقعد منهارًا.
***
ما أن أفاقت غرام حتى وجدت الضابط يأخذ أقوالها، لكنها وبدون تردد نفت أن والدها هو من طعنها، وأنما عللت بذلك بأنها قد سقطت وهي تقطع شيئًا ما فطعنت نفسها دون قصد.
كانت نهلة تزرع الحجرة جيئة وذهابًا في غضب، حتى غادر الضابط وقد أُغلق المحضر. وتمتمت:
_ليه متهمتهوش؟! إزاي بطلعيه براءة بعد كل اللي عمله.
فهمست غرام في وهن:
_مستحيل أكون السبب في دخول بابا السجن.
قالتها منكسرة. لقد كسرها أبوها وكسر الأب لا يندمل قط.
لم يدم الكثير من الوقت وحضر مختار وابنه زكريا وغادة. كان عبد السلام يجلس خارج الحجرة، لم يقو على مواجهة ابنته، ولم يستطع رفع عينيه في صديقه وولده خزيًا، فظل منكس الرأس تلتمع الدموع العالقة في أهدابه، كتفاه متهدلان. كان كسيرًا، محبطًا، ثقيل الروح والقلب من الهموم. حط مختار كفه على كتف عبد السلام، وقال بإشفاق:
_عامل أيه يا عبد السلام.
لم يأبهْ عبد السلام بالإجابة فقد هز رأسه دون أن يعلق بشيء، ولاذ مختار بالصمت. فنهض زكريا وغمغم:
_أنا هدخل اطمن على غرام.
لم يجيبه أحد، فطرق الباب ودخل لتنظر له نهلة بأعين مشتعلة، وهدرت في عصبية:
_أنت أيه اللي جاييك هنا؟
أشاح زكريا بوجهه جهة غرام التي كانت تفر بوجهها منه في امتعاض، وقال:
_جاي اطمن على مراتي.
فصرخت نهلة كمن أصيبت بمسٍ من الجن:
_أطلع برا!
قاطعت غرام صراخ نهلة، عندما قالت في همس:
_سيبيه يا نهلة.
التفتت نهلة إليها بانفعال، وهمت أن تصيح في وجهها لكنها أحجمت عن ذلك لحالة غرام، وآثرت السلامة، فخرجت صافقة الباب وراءها من الغيظ. بينما تقدم زكريا من فراش غرام، وسحب مقعدًا وجلس عليه في صمت، فدارت غرام وجهها لتنظر إلى الحائط. فقال زكريا شاعرًا بالندم:
_أنا أسف، مكنتش أعرف أن والدك ممكن يعمل كدا!
فضحكت غرام ساخرة، وغمغمت في تهكم:
_والله!
ثم التفتت إليه ثائرة، هائجة، وهي تهتف:
_أنت مش انسان يا زكريا، أنت شيطان شايف أنه يقدر يعمل كل حاجه وهو ضعيف جبان.
قاطعها زكريا يقول بحنق:
_تصدقي أنا غلطان أني جاي اعتذر منك وأأقولك أسف!
حدجته غرام بإشمئزاز، وقالت بإزدراء:
_أنت قُلت أيه لبابا خليته قلب عليَّ وعلى يمان كدا؟
فتبسَّم زكريا بفحيح وهو يتراجع لظهر المقعد في استرخاء، قائلًا ببساطة:
_ولا حاجة. قُلت له أنك ويمان على علاقة ببعض وأني قفشتكم في وضع مش كويس، عشان كدا أنتِ رجعتي معاه وانتوا مخططين تتهموني بتهم أنا بريء منها.
ومال بوجهه على وجهها وهو يقول:
_وصدق بكل بساطة.
ثم تراجع واضعًا قدم فوق الأخرى، بينما صاحت غرام:
_أنت مجنون إزاي تقول له حاجه زي كدا منك لله حسبي الله ونعم الوكيل.
فقست ملامحه وهو يميل نحوها، قائلًا بهمسٍ مخيف:
_هشش مسمعش صوتك، أنا هقول أن يمان هو اللي حاول يغويكِ وأنك رفضتي وقاومتيه وأن ملكيش ذنب في اللي حصل وهكمل زواجي منك.
ومال بوجهه مجددًا، قائلًا:
_وإلا لو طلاقتك مين هيرضى يتجوزك؟
غمغمت غرام بقرف:
_أنت حقير.
نهض زكريا من مقعده، وقال:
_مش هكلمك دلوقتي على غلطك فيَّ عشان أنتِ على فراش المرض، وأياكِ تقولي حاجه غير اللي قولته دلوقتي.
هبت غرام تصرخ في جنون:
_أنا مستحيل أوافقك أأقول حاجه زي دي عن يمان حرام عليك أنت أيه؟
فقال زكريا وهو يتوجه إلى الباب:
_يبقى أبوكي هيموت بحسرته، سيبيني ألم الموضوع واتفرجي وأنتِ ساكتة.
وخرج مغلقًا الباب وراءه، بينما وارت غرام وجهها في راحتيها واندفعت في بكاءٍ مرير.
***
جلس زكريا بجانب عبد السلام المطرق في أسى، ولاذ بالسكون من هيبة الموقف. ثم رمق أبيه بنظرة سريعة وضم شفتاه في وجوم، ثم تنحنح وزفر ما يعتمل في صدره، وقال وهو يربط على ظهر عبد السلام:
_عمي.
فلم يجيبه عبد السلام ولو بهمسة، وظل على حاله من الإطراق، فغمغم زكريا وهو يزدرد لعابه:
_ليه عملت كدا في غرام، غرام متستهلش يحصل فيها كدا، هي ملهاش ذنب في اللي حصل، الغلط كله على يمان لكن بنتك اللي هي مراتي كويسة وأنا واثق فيها، انا لما كنت بكلمك كان دمي حامي، ويمان عرف إزاي يضحك على غرام فكان واجب علينا ننبها بس.
ثم سكت لهنيهة وتابع في انشراح:
_إيه رأيك اول ما غرام تخف وتطلع من المستشفى نعمل الفرح على طول؟
ورد عليه عبد السلام وهو لا يزل مطرق الرأس، جامد الجسد:
_لما تطلع خدها على البيت من غير فرح!
غمغم مختار متفاجئًا:
_بس يا عبد السلام.
قاطعه عبد السلام هائجًا دون أن يلتفت إليه:
_لو ابنك لسه عايز بنتي يبقى ياخدها على بيتها من غير فرح!
فربت مختار على كتفه قائلًا:
_طيب طيب اهدى اللي أنت عايزه، هو اللي هيحصل!
***
لم تبق غادة إلا يومٍ اطمئنت فيه على غرام ثم عادت إلى أخيها في شقة والديهم. كانت حائرة في أن تخبره بما حصل لغرام أم لا. لكنها آثرت أن تكتم ذلك في قلبها. دلفت إلى حجرته وعلى أسكفة بابها تسمرت والعبرات تملأ جفنيها، وهي تراه واقفًا مرتكزًا براحتيه على إطار النافذة، يشرئبُ برأسه يراقب السيارات المارة في شرودٍ تام. بدا لها بهمٍ جثيم يجثم على صدره يكاد يشطره إلى نصفين ثم يحيله إلى رماد تزروه الرياح، فدفعت قدميها لتسير نحوه وتحط بيمينها على منكبه فلا يأبه بها، كأنها غير موجودة. همست غادة بصوتٍ خفيض كأنما تخشى أن تبدد شروده:
_يمان أنت كويس؟
لم تتلقَّ ردًا، ولا إلتفاتة من رأسه، ولا رفرفة من أهدابه، فمالت برأسها على كتفه، وهي تقول بثقة:
_أنا عارفه ومتأكدة وواثقة أنك مستحيل تعمل اللي زكريا قال عليه.
ثم سكتت لثوانٍ، وأتبعت تقول باهتمام شديد:
_بس أيه إللي حصل هناك معاكم، ليه أنت رجعت مع غرام؟ ليه زكريا بيقول كدا؟
فالتفت برأسه إليها، وحدق فيها طويلًا دون أن ينبس، ثم أسبل جفنيه ودار رأسه بعيدًا عنها، وتمتم في هدوء:
_مش مهم تعرفي حاجة.
فأحست غادة أنها مهمشة في حياة شقيقها، وشعرت بغضبٍ عارم يغمر فؤادها، فأرتدت للوراء وهي تصيح بانفعال:
_يعني أيه مش مهم أعرف؟! أنت ليه دايمًا كل حاجه مخبيها عني! هو مش أنا أختك الوحيدة ليه بتعمل معايا كدا وشايف أن مش من حقي أعرف أي حاجة؟
نفخ يمان بضيق، وأشاح بكفه لها وهو يقول بعنف:
_أنا مش ناقصك.
وألتقط جاكته من فوق المشجب وهو يتحرك خارج الشقة صافقًا الباب وراءه. يجوب الطرقات هائمًا دون سبيلٍ يهتدي إليه. دون أن يعرف أي سبلُ السلام يسلك! إلى أين يسعى؟ هل يبلغ في نهاية المطاف نورها؟
تميزت غادة غيظًا، وجلست وهي تحرك قدميها في غضبٍ، ثم رن هاتفها برقم يوسف، فردت عليه تقول بعصبية:
_نعم.
فرد يوسف متعجبًا:
_أيه يا بنتي مالك؟ أيه العصبية دي!
فألتقطت نفسًا عميقًا، ثم أجابته في هدوء:
_مفيش حاجة شديت بس شوية مع يمان اخويا.
فتمتم باهتمام:
_في حاجه طيب؟
فنفت قائلة:
_لا لا عادي، أنا وهو بنشد كدا مع بعض ومنكملش دقيقة ونتصالح عادي يعني.
فران عليهما الصمت قليلًا، ثم أردف يوسف بجدية:
_هاا قررتي هنعمل الفرح إمتى؟ ولا هنستنى غرام وزكريا؟
غمغمت غادة باندفاع:
_زكريا وغرام مش هيعملوا فرح، وانا كمان مش عايزة اعمل فرح، وياريت تاخدني في أأقرب وقت.
فلاذ يوسف بالسكون مفاجئًا، ثم تنفس الصعداء وهو يقول:
_أنتِ مش عايزة نعمل فرح بجد؟
_ايوة.
_ليه؟
تنهدت غادة تنهدًا عميقًا حائرة وقد أحجمت عما أردت أن تقول، ريثما تنتقي كلماتٍ مقنعة، ثم أردفت:
_عادي يعني شايفة إن إحنا بدل مصاريف الفرح نعمل بيهم حاجه تنفعنا، زي مثلًا نساعد حد عايز يتجوز، ولا نطلع بيهم عمرة.
تمتم يوسف مبتهجًا:
_أنا كنت عايز اقترح عليكِ بكدا فعلًا، ولكن خوفت ترفضي الفكرة فقولت هعملك فرح منعزل.. بس الحمد لله انا كدا ارتحت، خلاص هتصل بيمان وهحدد معاد معاه نتفق فيه.
فغمغمت غادة وهي تزدرد لعابها في توتر:
_تمام.
***
اتفق يوسف مع يمان على تحديد يومٍ للزفاف، الذي سيقام بحفلة بسيطة على إحدى السفن التي تطوف فوق المياه الراكدة، الصافية، بضمة عائلية من جانب كلا العائلتين فقط. وكان الاتفاق خلال أسبوع واحد.
طلب يمان من شقيقته أن تحادث خالها وتخبره ليأتي، لكن في ذلك اليوم لم يحضر مختار وظن يمان أنه لم يأتِ بسببه دون أن يدري أن تأخيره بسبب غرام وأنه ليس موجودًا.
تألقت غادة في فستانٍ أبيض مع قليلٌ من الزينة البسيطة، وتصورت بعض الصور برفقة يوسف وأخيها، ثم جلسا على طاولة فوق السفينة يتناولون طعامهم، وقضوا ساعاتٍ من السمر معًا، ثم ودعت شقيقها بحضنٍ دافيء والكثير من عبرات الفراق، لتبدأ حياة جديدة. و رحلة جديدة. مع شريكًا جديدًا للحياة.
بساقين ترتعشان، ترتجفان وطأت بقدميها داخل شقتها الجديدة، وحياتها الجديدة وخطت للداخل في توتر. ثم وقفت مترددة. ثم دنا منها يوسف بخطواتٍ وئيدة، وأخذ كفيها بين راحتيه برِفق، وتمتم بحنو:
_مش عايزك تخافي من حاجه خالص أنا معاكِ وجنبك على طول.
ثم ابتسم وهو يقول بصوتٍ يقطر بالعاطفة:
_مبارك عليَّ أنتِ.
ثم لثم جبهتها بقبلة طويلة، وتلاقت الأعين وتبسمت الشفاة.
في صباح اليوم التالي باكرًا كانت تغط في سباتٍ عميق إثر سهر البارحة، عندما إيقظها هو بهزة بسيطة من كتفها وهمسه جوار أذنها:
_غادة غادة اصحي.
فتململت بكسل وهي تتأفف بضجر، لتستلقي على ظهرها وهي تقول:
_أيه يا يوسف بتصحيني بدري ليه!
فزم يوسف شفتاه وهو يغمغم بفكاهة:
_تصدقي انا غلطان اني محضرلك الأكل وجايبه لحد عندك، اضرب بالجزمة بصحيح.
فضحكت في رقة وهي تعتدل جالسة، لتضم كتفه في مرحٍ وهي تقول:
_خلاص يا عم متزعلش صحيت اهوو.
ثم تناولا طعام إفطارهما معًا، واستوى يوسف في جلسته ولمحت غادة على وجهه لمحة توتر، وبدا عليه الغموض وهو يبتسم قائلًا بصوتٍ بدا مبهمًا:
_محضر لك مفاجأة!
فتنبهت جم حواسها وهي تستدير إليه بكل كيانها، وتجيبه في اهتمام:
_أيه هي.
ثم ارتكزت بمرفقيها فوق الطاولة وقد ضمت براحتيها وجهها وهي تحملق فيه في انتظار إجابته، حين قال يوسف مبتسمًا في هدوء مريب:
_عايزك تجهزي لشهر العسل، عشان هنسافر النهاردة.
فضحكت ضحكة متوترة بسيطة وهي ترتد لظهر المقعد، قائلة:
_هنسافر إزاي يعني؟ أنت مش قولت ليّ أن بسبب شغلك مش هنقدر نسافر إلا بعد فترة.
فرد عليها وهو يعقد ساعديه أمام صدره:
_ما قولت لك عشان تبقى مفاجأة.
فلاذت بالصمت لفترة؛ تحدق فيه النظر علها تستشف ما يريح هواجسها، ثم قالت في تردد:
_طب تمام انا هجهز الشنط.
فنهض وهو يسحبها من مرفقها قائلًا:
_إحنا المفروض هنسافر بعد ساعة مفيش وقت يلا.
فهتفت في دهشة وهي تسير معه بينما يقودها إلى حجرة النوم لتجهز الحقائب:
_بعد ساعة ايه بس يا يوسف، دا أنا لسه حتى مكلمتش يمان.
فتمتم في غموض:
_معلش يلا عشان مفيش وقت.
اكتفت غادة بأن اتصلت بشقيقها يمان لتخبره بأنها ستسافر، ووعدها على أن يلتقيها في صالة المطار قبيل مغادرتها، في ساعةٍ واحدة كانت قد وصلت إلى صالة المطار، ووجدت شقيقها في انتظارها في الخارج، وظل معها حتى أتخذت مقعدها هي ويوسف في الطائرة، وأقلعت بهما، فتنهد ثم زفر بضيق وقد خلت به الحياة.
فتحت غادة نافذة باب الحجرة في إحدى الفنادق في روسيا وتنفست بعمق وهي تتأمل المدينة في انبهار وبهجة عكرها يوسف حينما سحبها للداخل وأوصد النافذة وهو يقول:
_بلاش تفتحي الشبابيك هنا.
فهزت كتفيها في تعجب، قائلة في ذهول وهي تقعد ساعديها:
_دا ليه بقا!
فضحك في هدوء وهو يقودها إلى الخارج قائلًا:
_تعالي قبل ما نغير هدومنا ننزل نتعشى.
وبينما هما يمران الطرقة، سألته غادة في اهتمام:
_بس أنت مقولتليش قبل كدا أنك بتعرف تتكلم كذا لغة.
فغمز لها قائلًا في بساطة:
_واديكِ عرفتي يا ستي.
فتفرست النظر فيه وهي تغمغم في وجد:
_ولسه هكتشفك أكتر.
فأكتفى بنظرة مختلسة نحوها ولم يعقب، وجلسا في مطعم الفندق يتناولان الطعام في جوٍ هاديء وسكونٌ تام، قاطعه يوسف وهو يقول:
_النهاردة نستريح وبكرا هاخدك نتفسح براحتنا.
فتبسمت وهي تومأ إليه موافقة، ثم صعدا حجرتهما وأويا إلى فراشهما. لم يمر طويلًا وفتح يوسف جفنيه وأزاح الغطا في حذر، وتسلل خارج الفراش والحجرة حذرًا ثم مضى خارج الفندق.
استشعرت غادة خلُ الفراش بجانبها، ففتحت جفنيها ولم تجد يوسف فتوجست خيفة في نفسها، ونهضت لتراه في دورة المياه فوجدتها فارغة، وقد خلت الحجرة منه، فجلست في انتظاره وقد اعتمل الخوف قلبها، عينيها تعلقت بعقارب الساعة المعلقة على الحائط، ومرت ساعاتٍ دون أن يجيء أو يراه، ونهضت تتحرك في الحجرة بقلق، ثم أحست بالباب يفتح في بطء فأنطلقت جهة الباب تستقبله والهلع يطل من عينيها، ثم اندفعت إلى حضنه وقد سال دمعها على خديها، وهي تقول:
_أ.. أنت سبتني وكنت فين يا يوسف؟
فربت على كتفها في حنان وهو يغلق الباب، قائلًا:
_دا أنا نزلت اتمشى عادي ومرضتش أأقلقك.
وسار بها للداخل وهو لا يزل مطوق كتفها ويضم رأسها إلى صدره فما كادا يجلسان حتى ارتفع دق شديد على الباب فالتفت يوسف بعنف وهو يدفعها إلى حجرة النوم، قائلًا بعجل:
_ادخلي جوا.
فهتفت في ارتياع:
_ادخل إزاي مش لما اعرف مين؟
فهدر وقد اسودت عيناه وهو كظيم:
_قُلت ادخلي!
فتسلل الخوف إلى قلبها، وزحف القلق في أوصالها وهي تسير شطر الحجرة برأسٍ ملتفة للوراء، وشهقت في فذعٍ وهي تراه يستل سلاحًا صغير من وراء ظهره، ويسحب زناده ليرتد بصوتٍ أجفلها، فصرخ بيها بالدخول للداخل فهرعت والهلع بلغ منها منتهاه، فراقبته من فرجة يسيرة من باب الحجرة وهو يفتح الباب ويطل برأسه منه، لم يلبث أن أعاد المسدس وراء ظهره، وقد لانت ملامحه إلى الارتياح. ثم إلى الهلع وهو يستقبل شابًا ملابسه ملطخة بالدماء.
رواية عشق الغرام الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندى ممدوح
أحس يمان أن وترًا كاد أن ينقطع، وأن مهجته تتسرب منه رويدًا رويدًا، وهو يعبر شركة خاله مختار، بعدما تناهى له مجيئه من محافظة أسيوط هو وابنه وزوجة ابنه. أدرك أن عليه ألا يسكت. يجب أن يجأر بالحق!
لماذا كتمت غرام جرم زكريا، ووافقت على أن تكمل حياتها معه؟ الويل له أن لم يبوح بما لديه ويفصح عن أفعال زكريا إلى خاله.
بخطواتٍ سريعة ووجهًا مكفهرًا كان يمر بين موظفين الشركة لأول مرة دون أن يبادل أحد التحية ولا يلتفت إليها، فتعلقت كل الأبصار فيه وهو يفتح باب حجرة مكتب خاله ويدلف إلى الداخل وقد تغلغل ألمٌ مُمِضّ في سويدائه وغشيته الغاشية.
ما أن رآه مختار حتى هَب واقفًا وهو يهدر في عصبية:
_ أيه أنت داخل كدا وخلاص هي مغارة على بابا؟ أيه اللي جايبك هنا اصلًا؟ ليك عين تيجي!
صفق يمان باب المكتب وأستدار بجسده كله ليواجه خاله، وهو يقول في هدوء:
_ جاي عشان أأقول لك حقيقة ابنك قبل ما يدمر حياة الانسانة الوحيدة اللي بحبها.
تأجج الغضب في قلب مختار وهو يتحرك من وراء مكتبه ليتقدم إليه وهو يجأر في غيظ:
_ أنت بقيت قليل أدب ومتربتش، ليك عين تيجي قدامي وتقول كدا؟!
غمغم يمان في برود مستفز:
_ أنا مبقاش يهمني حد أصلًا، ولا عامل خاطر لحد زي الأول، ابنك هو اللي وصلني لكدا!
حدق فيه مختار مندهشًا، مصدومًا، وتمتم في حذر:
_ ابني؟ أنت لدرجة دي بتكرهه يا يمان؟
تطلع فيه يمان بصمت، ثم بعد هنيهة قال بنبرة تقطر صدقًا:
_ عمري ما كرهته…
فقاطعه مختار قائلًا في تهكم وبسمة ساخرة في برود:
_ عشان كدا غيران منه، عايز تاخد منه كل حاجه حتى مراته؟!
غمغم يمان بنيرة مذهولة:
_ أنا غيران منه؟ أنا؟!
ثم رفع رأسه وشد قامته وومضت عيناه وهو يقول:
_ طيب بما أنك مصدق كل كلمة بيقولها ابنك زكريا يبقى لازم تعرف اللي حصل، وليه أنا رجعت مع غرام وسبنا زكريا هناك.
زوى مختار ما بين حاجبيه في ترقب، بينما ازدرد يمان لعابه وأطرف بعيناه وقال سريعًا مخافةً أن يتراجع عما أراد أن يصفح:
_ ابنك اعتدى على غرام وإحنا هناك عشان كدا جبتها وجيت!
وسكت لائذًا بالسكون يحدق في مختار الذي يتفرس النظر فيه كأنما يبغي التأكد، وظن أن خاله قد صدقه عندما طال سكوته لكنه تفاجأ به يضحك مقهقًا بصوتٍ عال ثم صرخ فيه بصوتٍ أرتج داخل جدران الشركة:
_ أنت ليه بتعمل كده يا بني، أنا عملت لك أيه؟ جاي تتهم ابني بحاجة زي دي عشان يسيب مراته ليه؟ هتكسب أيه من كل ده؟
ثم فتح الباب وهتف:
_ اطلع برا متورنيش وشك تاني.
ونظر له يمان بخذلان، وألقى عليه نظرة سريعة وهو يغادر المكتب في حسرة، وتسمرت قدماه وهو يجد جُل موظفين الشركة قد تجمعوا على إثر صوت رب عملهم وابن شقيقته اللذان لأول مرة تتعالى أصواتهم، ويتشاجرا.
***
بين ليلة وضحاها أصبحت منبوذة؛ نبذتها الحياة كما تنبذ ريشة في مهب الريح، وكأن السعادة باتت على خصامٍ معها. وكأنما أفتعلت خطأً جثيمًا حال بينها وبين كل شيءٍ جميل. أليس مؤلم أن يتوجع المرء من طعنةِ شخصٍ حسبه ملاذًا وموئلًا يومًا؟
ما بين طرفة عين وجدت غرام نفسها في منزل زكريا زوجة له، خرجت من المستشفى إلى السفر في الحال. دون وداعٍ. وكأنها تُقاد إلى القبر وليس عروس تزف إلى منزل زوجها.
العبرات لم ترقأ من عينيها وهي تجلس في حجرة زكريا التي أمست غرفتها أيضًا، لم تخبر والدها كيف تخبر أبًا صدق ما قيل عنها دون أن يستفسر منها او يسألها؟ كيف سيكون الخذلان أن أخبرته فلم يصدقها؟! يا لها من حسرة أن كذبها! لذلك لم تخبره، خشت ألا يصدقها! ما دام قد صدق ما قيل عنها كيف يكون أبًا بعد ذلك؟! لا تقول على الجرح جرحًا إذ لم يكن من أقرب ما لك!
تنبهت من شرودها وهي تجلس على أريكة جانبية في الحجرة على صوت زكريا وهو يهدر في عصبية مفرطة:
_ ما كفاية عياط بقا يا ستي، دا مش جوازة دي قلبتيها جنازة يا ستي اخرسي بقا قرفتيني.
كيف! كيف تتطلع إلى وجه زكريا بثقة وقد كسرها أبيها أمامه؟! لكنها استجمعت شجاعتها ورفعت بصرها إليه، وغمغمت:
_ وأنت مالك؟ أياك تتكلم وتقولي اخرسي تاني على فكرة أنت سبب الدموع دي منك لله حسبي الله ونعم الوكيل فيك فرقتني عن أهلي وكرهت ابويا فيَّ وكرهتني فيه ربنا ينتقم منك.
فجز على أسنانه واندفع شطرها في غضبٍ نما كالبركان فوق ملامحه وقبض بأصابع حادة على فكها وهو يهتف:
_ ميهمنيش لا أنتِ ولا ابوكي، أنا يهمني مصلحتي بس غير كدا تغور كل حاجه في داهية، إياكِ تفكري أني وافقت عليكِ حبًا ولا من جمال عنيكِ…
وسكت هنيهة، ثم هز رأسه وأردف يقول بأعين مشتعلة:
_ لا اتجوزتك بس عشان بابا يهدى عني واعمل اللي انا عاوزة أنتِ مجرد صورة بس لكن أنا برا حاجة تانية خالص واعرف بنات اكتر من عدد شعر راسك وبعمل علاقات حميمية عادي جدًا.
إلى هنا وانتفضت غرام، ووثبت واقفة بأعين جاحظة وفمٍ فاغر، وشرعت تصيح في لوعة وصدمة:
_ زاني! أنت بتزني؟! أستغفر الله العظيم يا رب…
أخذت تستغفر ربها وهي تنهار في البكاء أكثر، بينما تأفف زكريا وشوح لها بكفه وصرخ:
_ عياط عياط عياط أنا قرفت منك.
شيعت غرام رحيله بأعين تذرف العبرات، كيف آل حالها إلى هذه النقطة؟! تزوجت من زاني يفعل كبيرة من الكبائر، أي جرمٍ هذا؟ بل أي ليلة زفاف هي تلك؟! أنها ليلة جنازة وليس زواج!
***
ظلت غادة في حجرة النوم بقلبٍ واجف، وعقلٍ حائر! هل تزوجت قاتل أم مجرم؟ من يكون يوسف بالضبط؟ أيهم هو؟!
تناهى لها خشخشت أقدام ترحل وغلق الباب فتوجست خيفة وهمت أن تطل من وراء الباب لتستطلع المكان لكن قبل أن تفعل وجدت الباب يندفع ويبرز من وراءه يوسف بهامته المديدة، وهو يقول في هدوء، وبسمة لطيفة:
_ عاملة أيه؟
فنهضت في بطء، وظلت تتأمله في تفكير شغلها عن الرد، كانت تفكر كيف تنجو منه؟ كيف تهرب؟!
فتمتمت في ترقب:
_ أنا عايزة أرجع مصر و…
فحثها على الكلام وهو يسألها بهزة من رأسه:
_ و…؟
فازدردت ريقها وهي تسبل جفنيها، قائلة بصوتٍ يقطر بالألم:
_ و هرجع على شقة أهلي…
سكتت فأومأ لها برأسه وهو يدس كفيه في جيبيّ بنطاله في إنتظار تكملت أحاديثها، بينما أتبعت هي بعجل:
_ وعايزك تطلقني وأنا هناك، مستحيل أفضل معاك مش هبقى مع مجرم.
فاتسعت ابتسامته بغرابة ادهشتها وقال في برود:
_ وهوه كذلك، اللي أنتِ عايزاه.
***
تفاجئ يمان ما أن فتح الباب بشقيقته أمامه، فوقفا قبالة بعضهما لهنيهة، زوى يمان م بين حاجبيه في دهشة، ما الذي أتى بشقيقته بتلك السرعة؟ هل حدث خطبًا ما؟ أيكون شيئًا قد حدث!
انفرجتا شفتاه بسؤالٍ حائر مندهش:
_ غادة، أنتوا رجعتوا بسرعة كدا؟
ثم تفرس النظر في ملامحها الممتقعة، وهتف في جزع:
_ مالك أيه اللي حاصل معاكِ!
أستندت غادة على إطار الباب براحتها، ثم غمغمت وهي تغمض عينيها:
_ أنا بخير يا يمان خليني ادخل الأول.
صاح يمان وهو يسندها إلى الداخل مطوقًا كتفيها إليه في وِد:
_ تعالي.. تعالي.
قادها إلى الداخل وأجلسها بقلبٍ يأكله القلق وقبل أن يستفسر منها استوت في جلستها لتواجهه وقد طفحت دموعها من بين أجفانها وهي تقول:
_ يوسف طلع مجرم.
حدق يمان فيها ذاهلًا غير مستوعب ما تتفوه به، ثم تمتم بضحكة خفيفة:
_ مجرم أيه بس يا بنتي؟ أنتِ بتتكلمي على جوزك؟
شهقت غادة شهقة عالية وهي تقول بنشيج:
_ أنا عارفه انا بقول ايه هحكيلك كل حاجه بس تطلقني منه مش هعيش مع واحد مجرم.
ضم يمان وجهها بين كفيه وأزال دموعها بسبابتيهِ، وهمس:
_ طيب اهدي ولو كان زي ما بتقولي هشرب من دمه.
توحشت عيناه بغتة، وأصغى السمع بكل حواسه، وبدأت هي تقص عليه كيف تسلل من حجرة الجناح في الفندق وخرج، ولم يعد إلا قبيل الفجر، فما كاد يجلس حتى وجدا على الباب شابًا ينفزف.
همس يمان في خفوت:
_ ماشي بس مش كل شخص مسك مسدس يبقى مجرم، يمكن في حاجة إحنا مش فاهمينها.
نفت غادة برأسها قائلة بحزنٍ يفطر القلب:
_ لا مش كدا، لو كنت ظلمته كان وضحلي كل حاجه، مكنش سبني انزل لوحدي من بلد غريبة، يوسف مجرم يا يمان.
هتفت بها ودست رأسها في صدره باكية، وشرع هو يمسد فوق رأسها في حنان وهو منشغل الذهن، لا يصدق أن يوسف مجرم!
أما غادة لم يبرح خلدها مشهد آخر لقاء بينهما، عندما أوصلها إلى المطار دون أن ينبس ببنت شفة وظل معها حتى اقلعت الطائرة، آخر ما قاله كان:
_ خلي بالك من نفسك.
وكانت هذه آخر مرة تسمع صوته، الذي بدا لها أنه يحوى حنان الدنيا كلها.
***
أليس عجيبًا أن تتوقف الحياة من حولك؟ تمر الأيام برتابة، ليس بها جديد! أن تتحول حياتك إلى جحيم، وقلبك إلى جبٍ سحيق يبتلع كل فرح ويذر كل حزن يؤلمك؟! أليس من المؤلم أن تتألم بمفردك؟ ألا تجد من يحتوي دموعك بحنانه؟ من يكون ملاذك عند الحزن!
في تلك الفترة كان كل هم غرام أن تلتمس بصيصًا تهتدي به إلى مخرج ينجيها من قبر هذه الظلمات المطبقة عليها من كل جانب. أن تجد ثقب تنفذ منه إلى النور؛ ولذا ولأن نور الله لا ينطفيء أبدًا فقد جعلت ليلها كله قيامٌ لربها تناجيه حينًا وتبكي مستغفرة من كل ذنب حينًا، وتارة تقفُ بين يديه تشكوه شجونها وتبثه لوعتها فمن غير الله قد يسمعها!
وجعلت نهارها صيامًا علّ ظمأ الهواجر ينجيها من ظمأ يومِ القيامة، وفي الصيام وجدت نفسها الغائبة، كانت تشعر أنها تطيرُ فوق السحاب، وأنه يبثُ فيها رضى بكل اختبارات ربها لها، كان الصيام يربيها.. يربي روحها.. ويطهر فؤادها.. يُزهدها في الدنيا ويرغبها في الآخرة..
هي وزكريا زوجا بالاسم فقط فأمام مختار هما زوجان عاديان، بين نفسيهما فلا يدار بينهما أي حديث إلا مختصرًا كأنهما غريبان إلتقيا على محطة قطارٍ عابرة، كان يسهر ولا يعود إلا فجرًا وتكتم غصة كالحنظل وهي تعلم أنه يخونها دون أن يكون لها القدرة على أن تمنعه من ذلك.
ذات يومٍ كانت تصلي صلاة الفجر عندما جاء هو من الخارج غافلًا عن نداء الله العظيم. متغاضيًا عن لقاءه.. مدحرًا التفكير في ربه.. ناسيًا أن الله قد قال في كتابه العظيم (ويلٌ للمصلين) نعم للمصلين وليس لمن لا يصلون فثمة فرق فتارك الصلاة آثام إثمًا أكبر، وكبيرة من الكبائر، أمَّا الله فقد توعد المصلين الذين يؤخرون صلاتهم.. ربما بسبب مكالمة هاتفية.. ربما لأجل مسلسلٍ ما.. أو لعمل شيءٍ ما.
ما لك يا صاح نسيت أنك ربما في ذلك الآن الذي تقول فيه سأنتهى مما أفعل ثم أصلي تتغافل عن نداء الله (الله أكبر) فتستمر في تيهك أفك يا هذا ربما يأتيك ملك الموت بغتة، لعل الله يرزقك الموت وأنت في الصلاة فتقابل ربك بأفضل ما تكون.
كانت غرام تقرأ سورة النور التي تحفظها عن ظهر قلب، لم يأبه زكريا حتى بالنظر إليها، ولم يسترع انتباهه شيء، إلا عندما شرعت غرام تسرد بصوتٍ شجيٍ رقيق:
{ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [سُورَةُ النُّورِ: ٢]
والتفت إلى غرام بجسده كله، قلبه بات واجفًا فجأة مرتعبًا، كأنما يسمع كلمة زاني لأول مرة. ثم هز رأسه وزم شفتيه بعبوس، كانت غرام قد أنهت صلاتها فوجدته يقف متسمرًا لا يحرك ساكنًا كأن على رأسه الطير، فشعرت بأنها بحاجة أن تنور بصيرته، أن يكون لها دور في هدايته رغم أنها لا تكن له أي مشاعر إلا مشاعر البغض والازدراء.
فطوت مصليتها وهي تردد الأذكار، ثم ثنتها فوق ذراعها المثني، وتبسمت بسمة تلألأ لها وجهها نورًا، وهمست بعدما أولاها ظهره يخلع سترته:
_ تعرف يا زكريا أن الزنى حرام وهو أكبر الكبائر بعد الشرك والقتل؟ مش هقول لك كلام من عندي، أنا هجيب لك آية من كلام الله لو قلبك أصغى ليها هيفوق وممكن تنقذ نفسك من عذاب النار.
بدا لها أنه متشاغلًا، لكنه كان مصغيًا لكل حرفٍ تنطق به في اهتمامٍ شديد حتى قالت (عذاب النار) فانتفض قلبه يا لها من كلمة لم تمر عليه إلا قليلًا.
واصلت غرام حديثها وهي تتلو:
{ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا } [سُورَةُ الفُرْقَانِ: ٦٨]
ثم ألتقطت نفسًا عميقًا وأردفت تقول:
_ ممكن مقتنعتش؟! وممكن اقتنعت لكن هل أنت عارف حكم الزنى؟! ومش هجيب لك من عندي حاجه، دا حديث عن حبيبك النبي…
لم تلاحظ أنه على ذكر (حبيبك، النبي) فقد أسبل جفناه المبللين بالدمع وأطرق. متى كان النبي حبيبه؟ متى صلى عليه؟! متى ذكره؟
أضافت غرام في هدوءٍ:
_ عن عبادة بن الصامت عن النبي_صل الله عليه وسلم_أنه قد قال: خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.
ودلوقتي أيه رأيك؟ فالأعزب الزاني عقابه جلد مائة واغتراب سنة، والزوج عقابه الرجم حتى الموت. بس ممكن تتوب يا زكريا، لسه قدامك وقت، لسه الموت مجاش يعني تقدر تلحق نفسك من النار، { قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [سُورَةُ الزُّمَرِ: ٥٣]
ربنا سبحانه وتعالى بيغفر الذنوب كلها مهمًا كانت يلا مستني ايه توب بإخلاص لله، أوعده أنك هتبعد عن الذنب ده ومش هترجع له تاني، أندم على كل لحظة عصيته فيها قوله أنك مش هترجع تعمل كدا تاني، توب يا زكريا خليك من أهل الجنة، دا ربنا سبحانه وتعالى بيفرح بتوبة عبده أكتر من فرحة العبد بتوبته فتوب، بلاش تضيع نفسك.
سكتت عندما التفت إليها بوجهٍ جامد لا يعبر عما يجيش بداخله وهدر:
_ خلصتي؟
أومأت غرام برأسها دون أن تنبس بينت شفة واسترابت امره، فحدجها بنظرة مبهمة، ثم جز على أسنانه وغادر تاركًا الحجرة مجددًا. وزفرت غرام بيأس.
***
لم يمر عليها يومًا إلا وهي شاردة فاقدة طعم الحياة، أبت الخروج وهو لم يسأل. يوسف لم يأتيها، ولم يكلف نفسه بإتصال حتى! وأنقطعت أخباره وأنقطع هو؟! وراحت هي تعالج طول الوقت حزنًا أقسم ألا يغادر قلبها.
هي وشقيقها كلٌ في وادٍ بمفرده، لا يجتعان إلا على طاولة الطعام، يذهب يمان إلى عمله في إحدى الشركات التي وجد بها وظيفة وتظل هي حبيسة الجدران.
“أيه رأيك نخرج نتعشى برا النهاردة” قالها يمان محاولًا إخراجها من حزنها وشرودها، محاولًا أن يهون ما بها، لكنها قالت دون أن تنظر إليه:
_ لا مش عايزة أخرج!
فتنهد بضيق وهو يتوجه صوبها وجلس بجانبها وهو يقول:
_ يا حبيبتي مينفعش الحبسة دي، أنا سألت عن يوسف بس أهله كل اللي يعرفوه أنك أنتِ وهو في شهر العسل محدش يعرف حاجه فمحبتش أتكلم قبل ما نعرف الحقيقة.
فضحكت ضحكة هازئة، وقالت في تهكم:
_ حقيقة أيه يا يمان اللي لسه عايز تعرفها؟! حقيقة أن يوسف مجرم.
فغمغم يمان في عصبية وهو يتحاشى النظر إليها:
_ لا إله إلا الله يا بنتي أنتِ يعني ملقتيش إلا كلمة مجرم دي للي حصل في مليون سبب.
وعندما وجدها غير مفتنعة نهض متوجهـا إلى دورة المياه في يأسٍ وهو يقول:
_ اجهزي عشان هنخرج غصب عنك.
ما أن غاب يمان حتى ألتمع الدمع في عينيها وهي تهمس بألم:
_ وحشتني يا يوسف هان عليك متسألش عليَّ كل ده؟
ثم سمعت دقًا على الباب رتيبٌ سريعٌ، فمحت دموعها التي هطلت من عينيها وذهبت لتفتح الباب، فطالعها وجه شابٌ غريب، سألها باهتمام:
_ حضرتك مدام غادة زوجة يوسف إسماعيل؟!
تأملت غادة بائن الطول الواقف أمامها متوجسة خيفة من القادم، وتفرست النظر في جسده العريض في رهبة، وهمست في خفوت حذر:
_ أيوة أنا!
هتف الشاب بوجهٍ جامد خال من أي تعبير:
_ أنا جاي أبلغك أن يوسف بين الحياة والموت وهو دلوقتي في العناية المركزة، وللعلم هو كان في مهمة خاصة ببلده عشان كدا خبى على حضرتك حقيقة شغله و…
وسكت عندما شحب وجهها وامتقع واتسعت عينيها على آخرهما وهي تحدق فيها وتتراحع بظهرها، قائلة:
_ يعني أيه بين الحياة والموت؟!
وأصطدمت بجسد يمان الذي أمسك بكتفيها، فأستدرت له تقول بلوعة:
_ يوسف يا يمان!
بينما هتف الشاب بنبرة أجشة:
_ حضرتك كويسة يا مدام غادة؟!
رواية عشق الغرام الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندى ممدوح
شعرت غادة بقلبها يكاد يتوقف من فرط الرعب على يوسف، ثم ذهبت مع شقيقها يمان برفقة الشاب الذي أخذهما إلى المستشفى التي يعالج بها يوسف. وهناك طال انتظارها لتعرف عنه خبرًا يغنيها عن الدنيا وما فيها، فلم تجد. كانت تغمض عينيها ويسيح دمعها كنهر جارٍ، تتراءى لها نفسها تقف في الظلام تتلفت، تنظر على إثر يوسف وهو يغيب في الظلام راحلًا بعيدًا عنها، تاركًا لها أطيافًا من الذكريات تطوف حولها.
هكذا كانت تجد نفسها كالضائعة التي تبحث عن مأوى، وحضن يوسف فقط ملاذها.
كانت تحترق ألمًا وتفنى ضياعًا، أيمكن أن يحور قلبها للحياة! قلبها الذي تلفع بحزن بدا كظلام بهيم.
وأعينها التي أسودت بهما الحياة فلا ترى اطمئنان ولا راحة، بل خوف ورعب ووحشة.
أخذ يمان يغدو ويروح في الرواق بعجز عن أن يفعل شيء يهدأ به شقيقته.
ومضى الوقت بهما جالسين في الانتظار حتى خرج الطبيب لهما بالبشرى بإفاقة يوسف وتجاوزه للخطر، هنالك سجدة غادة شكرًا لله العظيم على أنه منحه فرصة جديدة في الحياة.
دخلت لتراه وتطمئن فؤادها المفجوع عليه، فهالها رؤيته شاحب الوجه، متهالك الجسد موصلًا به بعض الأجهزة، فشهقت تجهش في البكاء وهي تكمم فمها براحة يدها، وتقترب ببطء من فراشه خيفة أن توقظه، لكن عينيها ألتقطتا رفرفت أهدابه في وهن، فجلست على طرف الفراش على كثب من رأسه، واحتوت كفه بين يديها في حنو، وبملامح تطفح بالحب مالت تلثم جبهته بقلبة عميقة، ثم سلمت جبهتها إلى جبهته وشرعت دموعها تقطر فوق وجهه، وتناهى لها همسه الخفيض باسمها وهو يقول بصوت ضعيف:
_غادة.
فرفعت رأسها لتضم وجهه وهي تقول في لهفة:
_يوسف.
افتر ثغره عن بسمة واسعة وهو يغمغم ضاحكًا في مشاكسة:
_دا أنت ولا عفريتك ولا أنا بحلم!
فوكزت ذراعه بخفة وهي تقول بضحكة ممزوجة بالدمع:
_تعرف أنك حد بارد جدًا!
فتبسم وهو يقول ببساطة:
_عارف.
كفكفت عبراتها وهي تتأمله بنظرات امتلأت بالعتاب، ثم تمتمت بنبرة تقطر حزنًا:
_ليه كدا يا يوسف! ليه خبيت عليّ أنك بتشتغل في المخابرات!
أسبل يوسف جفناه وهو يقول مفصحًا في هدوء:
_لأن شغلي لازم يكون في سرية تامة محدش يعرف بيه!
فهتفت بانفعال وهي تهب واقفة:
_حتى مراتك يا يوسف!
أردف يوسف في وضوح:
_كنت هقولك بس مجتش فرصة.
ضحكت غادة في تهكم وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، وقالت في سخرية:
_آه وعشان كدا بقا خدتني معاك في مهمتك وأنت معرفني أننا في شهر عسل.
تنهد يوسف تنهدًا عميقًا وألتفت يتطلع إليها قائلًا:
_اقعدي يا غادة الأول وهفهمك!
فلم تأبه به أو تعره اهتمامًا فجذبها من ذراعها برفق وهو يدمدم:
_اقعدي يا بنتي هفهمك.
جلست غادة على مضض، بينما أستطرد هو يقول مفصحًا:
_مش عاوزك تقاطعيني لحد ما تسمعي اللي عندي، أولًا مكنش هينفع أأقولك أي حاجة عن شغلي في فترة الخطوبة لأن كان ممكن منكملش سوا، وطبيعي مش هقولك في يوم فرحنا يوم الصبحية كان نداء الوطن بيناديلي ملبيش النداء، ومكنش هينفع أأقولك اني مسافر من اول يوم جواز عشان كدا خدتك معايا.. على أساس أننا في شهر عسل ودا اللي كان هيكون فعلا، كنت هخلص مهمتي اللي متكفل بيها وهنقضي وقت كويس هناك.
نظرت له غادة بعتاب وهي تقول:
_ومخفتش يحصل لي حاجة!
هز يوسف رأسه نافيًا وهو يقول في ثقة:
_مستحيل كنت أسمح لأي حاجة تأذيك!
ثم وضع كفه فوق كفها وقال بصوت خافت:
_حقك عليّ يا غادة مكنتش أتمنى تشوفي اللي شوفتيه هناك بس المهمة دي كانت مهمة لأنقاذ واحد صاحبي.
قطبت غادة جبينها، سألته في اهتمام:
_صاحبك مين ده!
شردت عينا يوسف وأشاح بوجهه بعيدًا، وانبلجت بسمة على وجهه وهو يهتف في وقار شارد:
_الصنديد.
تنبه من شروده على صيحة غادة:
_مين!
فزوى ما بين حاجبيه، وغمغم:
_متخديش في بالك!
لكن غادة هتفت في فضول:
_صاحبك اسمه أيه يوسف! وايه الصنديد دي!
أردف يوسف بنبرة أجشة:
_اسمه (سلمان) والصنديد ده لقبه ويعني الفارس الشجاع.
ثم أبتعد بعيناه وهو يقول:
_سلمان صنديد من صناديد زمان بيضحي بروحه عشان طفلة صغيرة لا من وطنه ولا من دينه ولا يعرف عنها حاجة.
غمغمت غادة في فضول حين لاذ بالصمت:
_وأيه كمان!
فتابع كالمتغيب:
_الطفلة كان والدها من المافيا وفي حد من خصومه قتله هو ومراته وكان هيقتل الطفلة بس سلمان أنقذها ومن الوقت ده وهو بيحمي الطفلة.
تمتمت غادة في دهشة:
_هو مسيحي ولا مسلم ولا ايه نظامه.. اسمه اسم مسيحي صح! وبعدين هو كان بيعمل ايه مع المافيا ده وشافه وهو بيقتل الطفلة.
ضيق يوسف عينيه في ضيق ونظر لها في حنق وهو يقول:
_سلمان اللي كان المفروض يقتلها.. وبعدين وهو اي حد اسمه سلمان يبقى مسيحي أنتِ معندكيش عقل يا بنتي، مقرتيش قبل كدا قصة سلمان الفارسي صاحب رسول الله صل الله عليه وسلم الباحث عن الحق.
ثم ضحك قائلًا:
_دا انا حافظ قصة الصحابي ده زي اسمي من كتر ما سلمان بيحكيها لينا وهو فخور ان اسمه على اسم صاحب رسول الله.
سلمت غادة ذقنها إلى راحة يدها وهي تتأمله بأعين تشع حبًا، مغمغمة:
_احكيلي باقي قصة صاحبك ده! إزاي كان هيقتل الطفلة وبعدين انقذها.
_ياااه دا عمل حرب وقتها عشانها.
جاء زكريا ليلاً يبحث عن غرام فلم يجدها في الغرفة، فتوجه إلى المطبخ ربما تكون هناك، وبالفعل صدق حدسه فلم يكاد يدخل حتى راها تجلس على المائدة تتناول الطعام فأدرك أنها تنوي الصيام غدًا، وكان يتعجب لا غرو من صيامها، تلك الأيام التي تكون فيها متغيرة!
نشيطة، مرحة، متسامحة، ذات وجه مشرق لا تبرح سجادة الصلاة، ولا ترقأ من الدعاء ببكاء، كان كل ذلك يبهره.
كيف يصنع الصيام كل ذلك فيها!
لماذا لا يجرب!
تقدم منها واستهل الحديث عندما تنبهت لوجوده:
_مساء الخير.
فغمغمت غرام دون أن تلتفت إليه:
_مساء النور.
ثم رفعت بصرها إليه وهي تردف في اهتمام:
_راجع بدري النهارده!
فسحب مقعدًا قبالتها وهو يقول:
_عادي.
ثم شرع يتناول بعض اللقيمات وهو يستطرد قائلًا:
_أنتِ صايمة بكرا!
فأومأت برأسها دون أن تنبس ببنت شفة أو ترفع نظرها إليه، فغمغم مقرًا:
_وأنا كمان.
فاحتلت الصدمة وجهها وهي ترفع رأسها إليه في ذهول تام طغى على كل شيء، فتبسم لها وهو يقول:
_نويت أصيم بجد.
فأكتفت بهز رأسها مستريبة.
لكنه قد صام ذاك اليوم رغم إصابته بحمى أرقدته طوال اليوم، وشعر أن للصيام حياة.
يعيد النشاط، يمحو كل حقد في القلب، وكأنما يزيل كل سواد فيه، يتلفع بالضياء والضي والطهور، ينثر التسامح مع الجميع، يكون له لقاء خاص مع الله.
ربما في خشوع الصلاة، وربما مع خشوع الدعوات.
الصيام يربي..
يعلم..
يهدي..
فمع ظمأ الهواجر تنبت التوبة..
ظلت غرام هذا اليوم بجانبه، تفعل له الكمدات تطمئن كل حين وآخر من حرارته، تعطيه دواء.
لكن بعد ذلك اليوم وتغير كل شيء، أصبح زكريا كثير المرض، كثير الهزال، كثير الحمى التي لم تعد تفارقه، وبات ينحف.
عندئذ أهتاج مختار وهو يرى ابنه يزبل أمام عينيه وبإصرار طلب منه أن يذهب إلى طبيب ما ليطمئن على نفسه.
جلست غرام حائرة لا تدري هل تذهب معه أم تتركه يذهب بمفرده، لذا فقد استهلت الحديث قائلة:
_زكريا تحب آجي معاك!
فالتفت إليها قائلًا بنفي:
_لا مفيش داعي خليكِ في البيت أحسن.
فأومأت برأسها ولم تنبس كانت لا تفضل الخروج معه أبدًا وحمدت ربها أنه لم يوافق على ذهابها معه لكنها كانت تشفق عليه وهي ترى مرضه يزداد.
ما كاد زكريا يخرج من باب البيت حتى عاد إليها وهو يسعل بشده قائلًا بتيه:
_غرام متعرفيش فين تلفوني!
فتطلعت فيه غرام باندهاش إذ كان الهاتف بيده، فنقلت بصرها إلى وجهه وهي تقول بحذر:
_التلفون معاك!
فغمغم في تعجب:
_معايا فين!
فتبسمت غرام في توتر وهي تشير إلى كفه قائلة:
_في أيدك.
فزوى زكريا ما بين عينيه مذهولًا، لم يلبث أن شعر بالأحراج فضحك في توتر وهو يقول:
_معلش مخدتش بالي، بعد أذنك.
_أتفضل.
غمغمت بها غرام وهي تشيع رحيله بقلق شرع يلتهم قلبها قلقًا.
سار زكريا حيث سيارته وهو متشاغل في هاتفه ثم توقف بغتة بجوار باب السيارة وضيق ما بين عينيه بشدة وهو يقرأ إشعار رسالة وصلته توًا فحواها:
_زكريا لماذا لا ترد على مكالماتي، أجب أرجوك فأنا حامل بابنك! وأوشكت على الولادة!
أجتاحه سعال حاد جعله يميل فوق السيارة مرتكزًا عليها بإنهاك، وعاد مجددًا يقرأ الرسالة وقد بهت وجهه وامتقع، كانت فتاة من الخارج قد قضى معها وقتًا لا بأس به، وها هي ذا تخبره أنها حامل منه! بل والأحرى أنه سيكون أبًا قريبًا!
صعد سيارته وانطلق بها إلى طبيب للفحص لكي يطمئن على صحته.
جلس زكريا أمام الطبيب المعالج بعدما قام بعمل بعض الفحوصات التي طلبها منه، وجلس وحيدًا يترقب الطبيب وهو يدقق النظر في التقارير ويقلب فيهم عدة مرات، ثم ألتقط نفسًا وهو يضعهم أمامه ويتبسم بسمة متوترة ويتطلع إليه في صمت لهنيهة، ثم بادر قائلًا:
_طبعًا يا أستاذ زكريا إحنا مؤمنين بالله، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
سكت زكريا وازدرد لعابه وقد شعر أن مقدمة الطبيب تعني أن القادم سيء.
فألمع الدمع في عينيه والطبيب يستطرد قائلاً في هدوء وهو يشبك كفيه أمامه:
_ حضرتك بتعاني من مرض الإيدز. أنا هكتب لك على بعض الأدوية اللي هتستمر عليها بحيث نوقف الفيروس عن الانتشار في الجسم وتقوية جهازك المناعي.
صدمة كانت تحتل ملامح زكريا وقد طغت على كل كيانه. ظل يستمع إلى الطبيب بذهن شارد حائر متفكر، يتطلع إليه بوجه باهت شديد الشحوب.
هل سيقى مريضاً طوال عمره القادم؟
أهذه تكون نهايته؟
لكن هو المتسبب الوحيد في كل هذا. لقد أخذ عقابه عن كل افعاله الشنعاء.
خرج من لدن الطبيب ثم توقف في منتصف الطريق كالتائه، وحيداً يترقب لعل وعسى يكون حلماً يتستيقظ منه فيجد نفسه في فراشه.
بمن يلوذ وقد تسبب في إبعاد الجميع عنه؟
عاد إلى البيت وحيداً ضائعاً شارداً، فاستقبلته غرام في لهفة وغدت نحوه وهي تهتف:
_ ها عملت إيه طمني الفحوصات كويسة؟
سؤالها لم يكن حباً أو خوفاً، بل واجب وشفقة.
حدق فيها زكريا طويلاً كالمتغيب، ولم يعرف بما يجيبها فتركها واقفة ورحل من أمامها صاعداً الدرج إلى حجرته.
شيعت غرام رحيله متعجبة، لكنها لم تلبث أن تحركت إلى المطبخ.
جلس زكريا على طرف الفراش واضعاً رأسه بين كفيه، كأنما استحال ظهره إلى جبل من الهموم.
لماذا يشعر أن أجله قريب؟
وأن الموت زائر يطوف حوله في انتظار لحظة انقباض روحه حين يأتيه الأمر.
لأول مرة تسيل عبراته وهو يستشعر معنى كلمة موت.
موت يعني فراق الدنيا والأهل والأحبة.
يعني قبر مظلم موحش ربما يعذب فيه.
يعني حساب وعقاب وجنة أو نار.
أعتصر جفناه ألماً فنزل دمعه شآبيب تترى.
أحس بحاجته أن يقرأ عن القبر، أن يدرك ماذا سيجد هناك! أن يعلم كيف ستكون اول ليلته!
فتناول هاتفه من جيبه، وفعل سيرش عن القبر فظهرت له بعض المقالات التي علم منها أن عذاب القبر حقيقة لا مراء فيها، وربما نعيم لا أحد يدر مصيره.
وأرتجف فؤاده وهو يقرأ حديث النبي أن الميت يسمع قرع نعال الناس فإذا بملكان يأتيان له يسألانه عن ربه ودينه ورسوله فيرى مقعده من الجنة أن أجاب وكان من الناجين، ويرى مقعده من النار أن كان من العاصين.
وعند ضمة القبر للجسد تأمل طويلاً.
كيف ستطبق الأرض عليه؟
كيف؟
أن ينجو من ضمة القبر؟ كيف يفر منها؟
عندئذ أخذ يبكي بكاء مراً وعلا نشيجه. ما قرأه عن القبر قد هده وأورثه خوفاً عن خوف. وأخذ يسمع أكثر وأكثر حتى وجد مقطع لشيخ سمير مصطفى استمع إليه وهو يرتجف.
هنالك قرر أن يتوب. أن ينال ضمة خفيفة حنون من القبر. أن يرى الملائكة بيض الوجوه. ألا يفزع؟ ألا يشعر بالوحشة في القبر.
عليه أن يعمل لكل ذلك فقد أضاع حياته وما تبقى إلا القليل.
هل يقبل الله توبته؟
أم يتوب ويترك الباقي على الله.
نعم سيتوب. سيلوذ هذه المرة بالله الرحيم عساه يكفر عن ذنوبه.
ماذا عليه أن يفعل الآن؟
ذهب مشرعاً في الوضوء، شعر أن الماء يغسل كل أوساخه. كانت دموعه تهوى ممتزجة بماء الوضوء.
وقف بين يدي ربه وبدأ يصلي. لم يكن يحفظ أي شيء من القرآن إلا الفاتحة، ربما مع بعض الأخطاء فيها من التجويد والتشكيل. لكنه صلى بها وهو ينوي أن يحفظها جيداً.
أحس أن الله قريب منه قرب الوتين من القلب، فازداد دمعه أنهاراً يشعر بالخزى والعار.
وما أن لامست جبهته الأرض وسجد لله أخذ ينشج ويلهج بالاستغفار عسى الله أن يتوب عليه.
أن يرحمه.
أن يعفو عنه.
دخلت غرام إلى الحجرة فتفاجئت به ساجداً ينشج نشيجاً فلق قلبها شطرين.
هل هذا الذي أمامها هو زكريا الذي تعرفه؟
فغرت فاه وهي مشخصت النظر فيه من الصدمة.
ما الذي غيره؟ وبدل حاله إلى أفضل حال؟
كيف؟
هل تاب زكريا حقاً؟
أيمكن للمرض أن يربي المرء؟ أن يطهر فؤاده؟
هل أقلع عما كان يفعل؟ ألن يمارس الزنى مجدداً؟
في كل مرة كان يخرج فيها كانت تبكي قهراً، رغم أنها لم تحبه، إلا أنها كانت تشعر بالخيانة، أن بها نقص ما.
جلس يمان برفقة يوسف يتسامران وقد قربت بينهما فترة مرض يوسف كثيراً فأصبحا صديقين يتلاقيان دائماً ويتحدثان في كل شيء، يتشاوران، ويتناقشان.
قص يمان على يوسف شجون قلبه وحبه إلى غرام وما فعله، وأنصت يوسف في تأني، ثم غمغم في كل حكمة:
_ أنت غلطان يا يمان، عملت أكبر غلطة في حياتك. يا ابني أنت معندكش عقل تفكر بيه؟ يعني زكريا اتهمكم بتهم مش كويسة وأنت رايح تقول لراجل أنك بتحب بنته؟ أنت بتفكر إزاي بجد؟ وبعدين رايح توضح لخالك حقيقة ابنه فتقوله إنك بتحب مرات ابنه، ما هو طبيعي طبعاً محدش يصدقك.
حك يمان مؤخرة رأسه في خجل. لقد بدت لها نفسه وكأنها جنت جنون محب تملأه الغيظ فأودى بوقاره فما يطيق قراراً، وقد استعر قلبه. فتمتم في استحياء:
_ وقتها مكنتش بفكر وكنت بقول الصدق وبس بدون تفكير في العواقب. أنا عارف أني غلطت.
ربت يوسف على كتفه، وقال:
_ أنت دلوقتي لازم تنساها لأنها بقت على ذمة راجل تاني يعني مستحيل تكون ليك. فبلاش تفكر فيها وطلعها من قلبك.
أومأ يمان له موافقاً، لكن بداخله كان ثمة حدس يخبره أن غرام مائلها إليه.
تنبه من شروده على قول يوسف وهو يقول:
_ يلا بقا تعالى نروح زمان أختك مستنياك. متنساش أنك معزوم عندنا النهاردة.
ذهب يمان إلى مع يوسف وقضى معهما وقتاً لطيفاً، حتى رن رقم هاتف غادة التي كانت داخل المطبخ تعد لهم الشاي.
بينما يوسف يتحدث في الهاتف، لم يكن الرقم مسجلاً، لذا فقد وضع الهاتف على أذنه وما هم أن يلقي السلام حتى وصل إليه وتسلل إلى قلبه صوت غرام وهي تقول:
_ غادة معايا.
فسكت يستمع إلى صوتها المحبب دون همس، بينما قالت هي:
_ ألو.
عندما لم تجد رداً أغلقت. فظل يمان شارداً وهو يقبض على الهاتف حتى أقبلت غادة وهي تقول:
_ مين اللي كان بيرن يا يمان؟
قال يمان وهو يتهيأ للرحيل:
_ غرام.
هتفت غادة ببهجة:
_ بجد؟
أومأ يمان برأسه، وقال:
_ أيوه، سلام أنا همشي.
فحاولت غادة أن تبقيه وهي تقول:
_ تمشي حالا كدا؟ طب اشرب الشاي.
لكنه أصر على الرحيل، يطوي حباً داخل قلبه قد دُفن.
غمغم مختار محدثاً زكريا وهما على طاولة العشاء:
_ أيه رأيك يا زكريا تسافر أنت وغرام تغير جو؟
تطلعت غرام في زكريا في ترقب وهي تتمنى أن يرفض، ولم يخيب زكريا ظنها عندما قال رافضاً في صرامة:
_ لأ.
ثم التفت إلى أبيه، وأضاف:
_ مقدرش أسافر أنا وهي، خاصةً أني مسافر في أقرب وقت واحتمال غيابي يطول.
توجس مختار خيفة من كلمة سفر وغياب طويل، فكف عن طعامه ونظر له باهتمام، وتمتم:
_ مسافر ليه يا حبيبي؟ مفيش سبب لسفرك، وهتسافر فين؟
نظر زكريا بعيداً عن والده وهو يردف:
_ عندي أسبابي يا بابا أتمنى تسبني براحتي. أنا مش عيل صغير.
أومأ مختار برأسه مستريباً، وهو يقول:
_ طيب هتغيب قد إيه؟
غمغم زكريا وهو يحرك كتفيه في بساطة:
_ مش عارف.
تطلع مختار في ابنه الذي نمت لحيته لأول مرة في غرابة. كان يشعر أن ثمة من أخذ ابنه وبدله.
غرام وحدها كانت تعرف إلى ماذا تغير زكريا.
فلقد تغير تماماً إلى الأحسن. لم يعد يترك فرضاً إلا وقد لبى النداء سريعاً، وهو الذي لم يقترب من صلاة قط. أصبح يصيم مثلها الأيام البيض والاثنين والخميس. أصبح كثير السمع لمحاضرات الشيخ سمير، بالأخص السيرة النبوية، ودروس القضاء والقدر، وعن القبر والآخرة.
زكريا تغير وهذا كان شيء يطمئن قلبها.
رغم أنها كانت تتمنى أن تتحرر منه.
كان زكريا يقيم الليل باكياً يناجي ربه يطلب منه المغفرة في الثلث الأخير من الليل.
استيقظت غرام من نومها على صوت بكائه، فاستوت جالسة في الفراش، تراه يصلي ببكاء لا يرقأ.
هذا الرجل يخبي شيئاً يجب أن تعرفه قبل أن يسافر.
انتظرت حتى فرغ من صلاته وكفكف دمعه وهم أن يراجع على ما حفظه من صور قصار، لكنه تنبه إلى غرام التي جلست بجانبه على الأرض، ومدت كفها لأول مرة لتربت على كتفه، وهي تقول:
_ زكريا أنت كويس؟ قولي هو أنت مخبي علينا حاجة؟
هز زكريا رأسه قائلاً:
_ مش مخبي حاجة يعني هخبي إيه.
وأشاح وجهه بعيداً عنها عندما أحس بدمعه عالق في أجفانه يبغي التحرر. وهمس بصوت خفيض:
_ هو لازم يكون في سبب عشان الإنسان يرجع إلى ربه؟
ثم التفت إليها وقد سال دمعه وهو يسألها في صدق:
_ هو ممكن ربنا يغفر لي يا غرام؟ ممكن يقبل عبد عمل كل الكبائر ويفتح له أبواب رحمته؟ هل ممكن يوم القيامة أعدي الصراط بسلام؟ ممكن النبي يسقيني من كوثره؟ ولا الملائكة هتبعدني عنه؟ أنا.. أنا بقيت بقرف من نفسي كل ما أفتكر اللي كنت بعمله أو لما بشوف بنت من اللي كنت.
سكت وأخذ يهتز من البكاء وألقى برأسه في حجرها، فراحت تمسد على رأسه في شفقة، وهي تقول بنبرة تقطر حزناً:
_ ربنا سبحانه وتعالى غفور ودود رحيم، حشاه أن يرد عبدًا آتاه تائبًا بإخلاص. دا ربنا الكريم يا زكريا كرمه ملهوش حدود أبداً. ومش معنى إن إحنا كنا وحشين يبقى لما نتوب نبقى كذلك. في ناس كتير كانت وحشة وتابت وعملت عملاً صالحاً وأصبحوا من الصالحين.
أدوا معاً صلاة الفجر وأم بها ثم أوى إلى فراشه وغفى ورغم ذلك استيقظ باكراً ليعد حقيبة سفره.
لكنه قبل أن يغادر الحجرة بادرته غرام قائلة:
_ زكريا أنت هترجع إمتى؟
فرد عليها على عجل:
_ مش عارف.
فسألته حائرة:
_ طب أنت مسافر ليه؟
فأجابها وهو يدنو منها قائلاً:
_ لما هرجع هقولك.
ثم لثم جبهتها بحنو لأول مرة وهو يقول موصياً:
_ خلي بالك من نفسك يا غرام ومن بابا.
ثم سكت لهنيهة وأردف بحزن دفين:
_ سامحيني على كل اللي عملته فيك، أرجوك!
ورحل سريعاً دون أن ينتظر منها رداً، بينما أجهشت هي في البكاء، لا تدر هل تستطيع السماح حقاً؟
ودع زكريا أبيه وجلس في سيارة أجرة لكي تقله إلى المطار وهو يتحدث في الهاتف قائلاً:
_ ساعات وستجدينني عندك، أستقبلينني في المطار!
وأنتظر الرد ثم غمغم بنبرة منفعلة:
_ كيف أستطعتي أن تخبي علي حملك كل هذه الشهور حتى جئت بطفلي!
وسكت يستمع إلى الطرف الآخر، الذي تمتم صوته في رقة:
_ ظننتك لن ترحب به، لكني قلت أن أخبرك وليحدث ما يحدث، يجب أن تتزوجني يا زكريا ونربي طفلنا معاً.
ردد زكريا وهو يصر على أسنانه:
_ أنني قادم لأجل هذا.
وصل زكريا إلى المطار وأنهى جميع أوراقه، وجلس مترقباً في صالة الأنتظار حتى أعلن عن قرب إقلاع الطائرة، فنهض واقفاً وأستدار إلى باب المطار وبأعين بها الشوق جلياً بدا أنه يودع أرضاً لن يطأها مجدداً، وأناساً لن يراهم مرة أخرى.
أتخذ زكريا مقعده في الطائرة، وربط حزام الأمان ثم أسند رأسه إلى ظهر المقعد وأخذ يستغفر. وبعدما أقلعت الطائرة واستوت في السماء فك الحزام، وتنهد وهو يتطلع من النافذة بجواره إلى السحب البيضاء، ثم راح يتفكر في الملائكة.
تر كيف هو الملك جبريل!
كيف هيئته وهيئة أجنحته، شعر بالرهبة فتبسم وأحس أنه يشتاق إلى الله.
إلى لذة النظر إلى رؤيته!
يشتاق إلى النبي والصحابة!
وعلى ذكر الصحابة ألتقط كتيب كان معه وشرع يقرأ قصة البراء بن مالك فتى الأنصار.
من كان شعاره الله ثم الجنة.
وتأثر تأثراً عظيماً عندما خلص البراء أخيه أنس من الخطاطيف المحمية بالنار وفقد كفيه.
لم يلبث أن فرغ من قراءة القصة بقلب متلهف لرؤية البراء، ثم أرتجت الطائرة إرتجاجة عظيمة رجت الأجساد، وعلت على إثرها الصرخات، والشهقات وبكاء الصغار والنساء. هدأت الأرتجاجة وخفت الصراخ وعم الهدوء، فظهر صوت المذيعة وهي تتحدث في المكبر، قائلة:
_ السادة الركاب.
وتسرب صوتها في الفراغ عندما هوت الطائرة من شاهق، وصرخ زكريا مكبراً بصوت عال، ثم لهج لسانه بالتشهد، وانغمرت دموعه وهو يردد سيد الأستغفار. الصراخ والبكاء كاد يصم أذنيه لكنه شرع يكبر ويقول الشهادة وفجأة انفجرت الطائرة بحريق هائل حولها إلى إشلاء وغاب كل شيء عن الوجود إلا ذاك الدخان الذي عبأ السماء ثم راح يخفت شيئاً فشيئاً.
رواية عشق الغرام الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندى ممدوح
مذ أن سافر والده ومختار يشعر بقلقٍ يقتات على قلبه، ويذره مهملًا موحشًا بغصةٍ كالحنظل.
كان في مكتبه يباشر أعماله ببعضٍ من الثبات الذي لم يقضِ عليه القلق، عندما أتته مكالمة من رقمٍ غير مسجل، قال له صاحبه ما أن أجاب:
_ حضرتك مختار العزيزي والد الأستاذ زكريا.
فنهش الخوف من قلبه وهو يومأ برأسه قائلًا في توجس لم يكن له سببًا وأنما جاء تلقائيًا:
_ أيوة أنا، مين حضرتك؟
لوهلة خيم الصمت لثوانٍ قبل أن يقول الصوت في أسف:
_ البقاء لله، ابن حضرتك كان من ضمن ركاب طيارة لندن اللي انفجرت...
عندئذ لم يستمع مختار لباقي عبارة الرجل، بل فغر فاهٍ واتسعت عيناه مصدومًا، وقاطعه قائلًا وهو ينهض:
_ يعني أيه؟ ابني مات!
وسقط الهاتف من يده، وأمسك قلبه وهو يشعر بوخزٍ حاد في سويدائه، وأستند براحته الأخرى على سطح المكتب، وهو يقول متألمًا:
_ زكريا، ابني.. ابني مات!
بدا أنه مذهولًا، مأخوذًا، غير مستوعب، يودُ لو يتأكد مما عرف، فإذا بعقله يرفض الفكرة تمامًا وينتشله من حيرته وألمه وصرخ متأوهًا بشدة؛ صرخة دخلت على إثرها السكرتيرة مهرولة وهتفت باسمه وهي تعدو إليه لكن الدنيا قد مادت في عيناه، وسقط فاقد الوعي.
أقبلت غادة نحو غرام تعدو ما أن تناهى لها نبأ خالها في المستشفى من قِبل الموظفين، وقفت غرام تستقبلها في صالة الأنتظار، بينما هتفت غادة في لوعة وهي تلهث في انفعال:
_ غرام، خالي.. خالي مختار حصل له أيه؟
هزت غرام رأسها في أسفٍ، وقالت بصوتٍ بئيس:
_ معرفش والله ما اعرف اتصلوا بيا من الشركة وقالوا أنه أغمى عليه ونقلوه على طول على هنا.
تلفتت غادة حولها وهي تقول:
_ يمان.. يمان لسه مجاش؟ انا برن عليه تفلونه مغلق.
غمغمت غرام في حيرة:
_ لا مجاش، يمكن ميعرفش حاجة!
"الأستاذ يمان هو اللي نقل خاله المستشفى"
أتت العبارة من غريبٍ يقف ورائهما، فالتفتت غادة وهي تقول بلهفة:
_ يمان هو اللي نقله؟
أومأ الموظف قائلًا في هدوء:
_ أيوة.. وطلب مني أفضل مع الأستاذ مختار لحد ما يرجع.
اومأت غادة برأسها وقالت في ثبات:
_ متعرفش راح فين؟
هز الموظف رأسه نافيًا وهو يقول:
_ معرفش يا فندم.
تنهدت غادة تنهدًا عميقًا، ثم أردفت:
_ طب تمام أتفضل أنت على شغلك في الشركة الأمور هتمشي زي ما هي عادي.
رحل الموظف وجلست هي وغرام في انتظار أي شيء لتطمئن على خالها وما الصدمة التي أدت به إلى ذلك!
وبينما هن جالستان إذ أقبل يمان ممتقع الوجه، مصدوم العينين، فوقفت غرام وغادة تلقائيًا في توجس، وبادرت غادة قائلة ما أن دنى منهن:
_ يمان كنت فين؟ مال خالك؟ أيه اللي حصل؟!
حوَّل يمان بصرٌ زائغٌ إلى غرام وتطلع فيها صامتًا وهو يزدرد لعابه، ثم ألتمع الدمع في مقلتاه، وأطرق الرأس وقال بصوتٍ بدا كأنما يأتي من مكانٍ سحيق:
_ زكريا.
هتفت غرام في انفعال:
_ مال زكريا؟
رفع يمان رأسه إليها ثم أغمض عينيه واعتصر جفناه وهو يقول بنبرة تقطر حزنًا:
_ زكريا توفى الطيارة اتفجرت بيه!
قالها فشهقت غرام وهي تضع أناملها تكتم فمها، وقد أخذ الدمع يسح من عينيها مدرارًا.
وصرخت غادة وهي تواري وجهها بين راحتيها:
_ زكريا، مستحيل مات طب ازاي!؟
مرت أيام العزاء كئيبة موحشة، كان الأكثر ألمًا هو مختار فهو لا ينفك باكيًا متألمًا، لقد نسج الحزن على وجهه أخاديدٌ سوداء، لم يستقبل أحد من المعزيين، بل لم يفارق حجرته منذ خرج من المستشفى، يؤلمه أن ابنه قد تحول لأشلاء، وأنه غادر دون وداع، قال له أنه مسافر، فلم يحسب أن السفر بغير رجوع!
في ذلك اليوم حضر محامي العائلة، وطلب من الجميع الحضور حتى يمان، وأخذ يتطلع في الجميع في هدوء، ثم نظر إلى مختار الذي يجلس منهكًا، بعبراتٍ تجمعت بين أجفانه، وهو يلقي رأسه على ظهر المقعد في إعياء:
_ أ. مختار أنا بقدم عزائي ليك في وفاة زكريا.
نظر له مختار وهو يضيق عيناه في ألمٍ مما ألَمّ به، فأردف المحامي يقول:
_ أنا جيت النهاردة عشان المرحوم ساب عندي أمانة كان لازم أردها في اليوم اللي سافر فيه ولكن بسبب اللي حصل أضطريت استنى!
غمغم مختار وهو يحملق فيه مندهشًا:
_ أمانة أيه؟
حاد المحامي ببصره إلى غرام، وأردف يقول:
_ الأستاذ زكريا طلق حضرتك في اليوم اللي سافر فيه، قبل ما يطلع على المطار جالي المكتب.
وأضاف وهو يمد يده لها ببعض الأوراق:
_ دي الأوراق اللي تثبت ذلك، ودي رسالة كان سايبها لحضرتك.
تعلقت الأعين كلها في غرام وهي تتناول الأوراق، ثم نقلت بصرها إلى مختار الحائر، وقد هم أن يقول شيئًا، لولا أن تمتم المحامي:
_ وساب لحضرتك رسالة برضو أنت والأستاذ يمان!
ثم ناولهما الرسائل ونهض وهو يستأذن منصرفًا، فأسرعت غرام إلى حجرتها، بينما غادر يمان المنزل، وقبض مختار على الرسالة بشوقٍ ولهفة، ثم فضها وأخذ يقرأ ما جاء فيها بنهمٍ وهو يتساءل: لماذا ترك له ابنه رسالة قبل سفره؟ هل كان يشعر أنه راحل!
(أبي، عندما تصلك هذه الرسالة وتكون بين يديك، أكون أنا قد غادرت أرض الوطن، وأودُ أن أطمئن قلبك بأني أتٍ لا محالة قريبًا ولكن بعدما تكون قد غفرت ليّ ما اقترفته في حق نفسي وحق غرام وحق يمان وحقك أيضًا يا أبي! أعلم أن ما ستقرؤه سيكون صدمة طاحنة لك أنا ادرك ذلك، وربما قد تبغضني.
ولكن لا ريب أنه يجب أن تعلم ظلمي للأحباب، نعم يا أبي لقد ظلمت يمان وغرام هما صادقان لم يختلقا كذبًا أني شخصًا بشع الخلق والخُلق والانسانية، لقد أعتديت على غرام عندما كنا في باريس.
والدك قد اعتدى على زوجته، لقد.. لقد كنت أشرب الخمر وأزنى.
تحل بالشجاعة رجاءً يا أبي لا تتزعزع مما ستقرأ، نعم أنا كنت أفعل كل ذلك، ولكنني قد تبتُ إلى الله منذُ زواجي بغرام، غرام ردت ليّ روحي الغائبة، التائهة، في ملذات الحياة، أعادتني إلى الله.
ليّ طلبًا وحيد منك يا أبي سواء قد غفرت ليّ أو لأ، سامحتني او لأ لقد طلقت غرام، فأرجوك ما أن تنتهي عدتها حتى تزوجها إلى يمان، هو أحق بها مني، ربما يغفر هذا ما اقترفته في حقهما.
سامحني يا أبي أرجوك أغفر ليّ خطيئتي
زكريا العزيزي)
أمَّا بالأعلى كانت غرام لا تصدق أنها قد تحررت من سجن زكريا، باتت حرة وحيدة، مضت على ورقة الطلاق كالغريق، ثم فضت خطاب زكريا؛ بلا شغفٍ وشرعت تقرأ:
(كنتُ ضائعًا تائهًا في بحرٍ لُجي، أفعلُ كلُ كبيرة دون أن أهاب الله أو أذكره، منغمسًا في الملاذات دون ذرة خوفٍ من الله، لأني لم أكن أعلم من هو الله حقًا، حتى دخلتِ إلى حياتي كنتُ أتعجب بُكاءك في الثلث الأخير من الليل، لماذا تصلي في الليل؟ لماذا تبكي؟! هل يسمعك الله حقًا؟! أيسمعُ نجواكِ؟! حتى جربتُ ذلك لأول مرة ما أجمل قيام الليل والناس نيام، شعورٌ لذيذ يتوغل في الحنايا، ويسري في مهجة المرء فيورثه الراحة، بأنه مختلف عن كل البشر وأن الله قد أختصه باللقاءٍ خاصًا معه في الليل دون أن تراه الأعين.
خطابي لكِ ربما يكون طويلًا فقرأي بصبرٍ ودون مللٍ أو كللٍ لآخر مرة يا غرام ولن تسمعي أو أطلب منكِ شيئًا آخر.
عندما كنتِ تصيمين يا غرام كان وجهك منيرًا مشرقًا، نفسك جميلة نقية طاهرة، تعتراكِ راحة عجيبة وتسامح أعجب، فما أراكِ إلا تصلين أو تناجين الله، وهنا كانت بداية توبتي، نعم، الصيام رباني علمني أن الله سميعٌ رقيبٌ مجيب، لقد قررت أن أحذو حذوك أن أجرب الصيام فأرى ماذا يصنع في المرء!
وما صنعه كان عجيبًا، فلقد محى غشازة عيني، وأزال السود الذي ران على قلبي، دلني إلى الهدى، علمني كيف أتوب، لقد كان لكِ الفضل يا غرام بأن أتوب، وأزيل خطايا قلبي فلكِ الشكر، حمدًا لله أنه قد أراني طريق التوبة الذي ظننته بعيدًا بعد السماء عن الأرض، سبحانك ربي تهدي من تشاء وتضل من تشاء.
أخيرًا وقبل أن أقول وداعًا عليكِ أن تعلمي أنني منذُ أن تزوجتكِ لم أمس أمراة أخرى، طلبي الأخير هو أن تعودي إلى نفسك إلى غرام التي لا شيء يقيدها ولا يتحكم بها.. أمضي قدمًا لن يعد في حياتك زكريا لقد حررتك مني وطلقتك.
وداعًا يا عزيزتي
زكريا العزيزي)
طوت غرام الخطاب والدموع تترى من مآقيها ثم أخذت تضحك في فرحة، لقد تحررت أصبحت وحيدة أخيرًا!
نهضت من جلستها ثم جذبت حقيبة راحت تضع بها ملابسها وهي تتهيأ للرحيل من سجنها.
مختار ليس وحيدًا ابناء شقيقته قد عادوا إليه!
لكن أين قد تذهب؟!
صف يمان سيارته في مكانٍ هادئ، وغادرها وفي يده خطاب زكريا، هل شعر بالحزن عليه؟
نعم حزن حزنًا شديدًا على موتهحزنًا أدمى قلبه
تنهد وهو يقف جانبًا يفض الخطاب في لهفة، وراحت عيناه تلتهمان كلام زكريا في شوقٍ:
(أخي، عزيز قلبي يمان، لأول مرة أقولها لك، ولأول مرة أشعر أني أحبك حبًا جمًا، أعلم أني قد أخطأت في حقك كثيرًا، لكني أعلم أن قلبك طيب ستغفر لأخيك حتمًا، لا ريب أنك تعلم أني كنت أغار منك في كل شيء، وأحقد عليك وأنك قابلت كل هذا بقلبٍ رحبٍ صبور، كنت يا يمان دائمًا بجانبي كثيرًا ما حاولت أن أبتعد عن كل ما أفعله، قدمت ليّ النصائح دائمًا حتى فاض بك وسقط من يدك ويأست، لا تثريب عليك هذا حقك أن تيأس من شخصٍ كان يأخذ نصائحك في تهكم ويلقي بها عرض الحائط، وكان دائم الاستهزاء منك.
سامحني يا يمان عندما أتهمتك أنت وغرام أن بينكما شيئًا ما كنت حقيرًا يا أخي أتمنى أن تغفر ليّ فقد تبتُ إلى الله، وأريدك عند عودتي أن تكون أول المستقبلين ليّ في المطار هكذا سأعلم أنك سامحتني، سنبدأ صفحة جديدة، ولنكن يدًا بيد وكتفًا بكتف ولنكمل ما تبقي من حياتنا معًا.
يا الله كم أتلهف أن نخرج معًا أنا وأنت، ونصلي سويًا في صفٍ واحد، وأن نستمع إلى الدروس الدينية جنبًا لجنب، أعدك أن لا أتأخر سأتي في الحال فكن بخير حتى أتيك.
أخيك زكريا العزيزي)
كور يمان الخطاب في يده، وهو يجهش في البكاء فغطي وجهه بين كفيه وارتفع نشيجه.
آهٍ يا زكريا..
لقد رحلت قبل أن تفعل ما تتمنى!
رحلت طاهر القلب من أوساخه!
كم مؤلم رحيل من نحب دون زكريات نقتات عليها من بعده!
لم يأتِ عبد السلام للعزاء، رغم أنه قد سمع بوفاة زكريا ابن صديقه وزوج ابنته، آثر البقاء في منزله كلا يرَ ابنته التي تشعره بالخزى والعار، لكنه استلم فلاشة جائته من زكريا المتوفي فحيرته!
واستمع إليها ليعرف الطآمة الكبرى بأنه قد ظلم ابنته الوحيدة، بدل أن ينصرها ويأخذ حقها من زكريا أتهمها باطلًا، الويل له!
عندئذ سافر هنالك ليأتي بابنته ويطلب منها السماح ويقطع علاقته بمختار، فما أن وصل لم يجد إلا يمان الذي لم ينهض لأستقباله بل رمقه بنظرة سريعة ثم أشاح البصر عنه بعيدًا، فدلف عبد السلام، وهو يهتف باسم ابنته:
_ غرام.. غرام أنتِ فين؟!
وفي منزل العزيزي ومنذ وفاة الابن والجميع منعزلًا لا أحد يعرف شيئًا عن الآخر، لكن غادة حضرت على صياح عبد السلام وبادرت قائلة:
_ عم عبد السلام تعالى اقعد وأنا هندهلك غرام.
فغمغم عبد السلام:
_ اديني واقف اندهيها بسرعة!
ارتقت غادة الدرج في سرعة، وأتجهت إلى حجرة غرام التي وجدتها فارغة حتى من ملابسها، بالأسفل كان مختار يقترب بإعياء من عبد السلام الذي قال له في هجوم:
_ كدا يا مختار والدك يعمل كدا في بنتي، انا بسببه كنت هموتها!
فدنى مختار منه وهو يقول بأسف:
_ حقك يا عبد السلام تزعل بس ابني خلاص مات...
قاطعه عبد السلام وهو يقول في عنف:
_ مش مسامحه ليوم الدين يا مختار...
وبُتر صوته مع صياح غادة وهي تهبط الدرج:
_ خالي مختار غرام مش موجوده ولا ملابسها حتى، غرام مشت.
جلست غرام داخل قطار يتجه إلى الأسكندرية، لم تكن تعلم أين ستأخذها قدميها، وأين تضع رحالها؟! لم يكن لها أحد إلا أبيها!
وهي لن تعود له!لن تعود لأبًا نبذها دون أن يعلم الحقيقة!
لن تأسف على البقاء دونه!
تطلعت عبر نافذة القطار إلى الليل البهيم الذي أسدل ستاره، وإلى الطرقات في هيامًا شارد.
هبطت على محطة القطار، ووقفت ذاهلة تفتش في الوجوه عن وجهًا قد تعرفه، وظلت لردحًا من الزمن لا تعرف أين تذهب، ثم خرجت من محطة القطار، وشرعت تسير دون هدى، وعندما يأست توقفت مكانها، وأخذت تبكي في يأسٍ، وقد أحست بالخطاء الذي ارتكبته بأتينها إلى مكانٍ لا تعرف فيه أحدًا، توقفت سيارة أجرة بجانبها فصعدت بينما يسألها السائق:
_ على فين يا بنتي؟
فتطلعت إلى الرجل الذي لم يكن كبيرًا في السن ولم تجب، فكرر سؤاله وعندما لم يتلقَّ ردًا غمغم:
_ أنتِ محتاجة مكان تباتي فيه النهاردة؟!
ما أن سمعت غرام جملته حتى أشرقت ملامحها، وأومأت برأسها وهي تقول:
_ لو حضرتك تعرف فندق هين هكون شاكرة ليك جدًا!
فتنهد الرجل وهو يسألها:
_ فندق وأنتِ لوحدك يا بنتي مش أمان ليكِ خالص، أنا أعرف ست ممكن تتصرف ليكِ في أوضة كدا على قدك تقعدي فيها.. بس في منطقة شعبية.
وافقت غرام أن يذهب بها إلى هذه المرأة، ثم توقف السائق أمام محل للحلويات في حارة شعبية تجلس أمامه امرأة يبدو الشقى على وجهها، تحرك الرجل إليها وهو يقول:
_ السلام عليكم يا ست سعاد.
فوقفت سعاد بوجهًا بشوش وهي تهتف:
_ وعليكم السلام يا حج عطية.. عامل أيه يا حج.
ثم لمحت غرام بطرف عينيها، فدنا منها الرجل وأسر إليها ببعض الكلمات، جذبت المرأة على إثرها كرسيًا ثم دعت غرام إلى الجلوس قائلة:
_ تعالي اتفضلي اقعدي هنا.
فهزت غرام رأسها وهي تقول في استحياء:
_ لا لا شكرًا.
فجذبتها سعاد من يدها وأجلستها وهي تقول:
_ تعالي ياختي اقعدي وشك أصفر زي اللمونة.
ثم نادت على غلامٍ صغير صائحة:
_ تعال يا واد علي أنده للبت أسماء من فوق.
ثم نظرت إلى الحج عطية وهمهمت:
_ خلاص يا حج روح أنت شوف شغلك ومتقلقش عليها هتقعد معانا لحد ما أشوف لها أوضة على قدها.
همَّت غرام أن تقول أي شيء لولا أن أقبلت أسماء وهي تقول:
_ أيوة يا ماما.
فربتت المرأة على كتف غرام وهي تقول لأبنتها:
_ خديها فوق معاكِ وضيفيها واهتمي بيها.
فاومأت أسماء، قائلة:
_ حاضر.
ثم تفرست النظر في غرام التي نهضت معها وقبل أن تخطو خطوة واحدة مادت بها الأرض وتعثرت مترنحة فأسندتها أسماء سريعًا، وهي تقول:
_ على مهلك.
ثم سقطت غرام من بين يديها فاقدة الوعي.
(حمد لله على السلامة، عاملة أيه دلوقتي؟)
هتفت بهذه العبارة أسماء وهي تجلس على طرف الفراش بجوار غرام، التي أعتدلت من رقادها لتجلس وهي تقول بوهن:
_ الله يسلمك الحمد لله أنا كويسة.
حينئذ دخلت سعاد وهي تحمل صنية قائلة بوجهٍ بشوش:
_ حضرت لك لقمة تكليها.
فغمغمت غرام في استحياء:
_ لا، لا شكرًا.
فنهرتها سعاد بحدة حانية:
_ أيه شكرًا دي حتى كلي لقمة عشان العيل اللي في بطنك.
أطل الفزع من أعين غرام، وقد حلت الصدمة على وجهها وهي تهتف بارتياع:
_ حامل!! أنا مش حامل؟
فغمغمت سعاد وقد توجست خيفة منها وقد ظنت بها الظنون:
_ مش حامل إزاي يعني يا بنتي؟ الدكتورة كانت هنا وقالت إن إغمائك كان بسبب الحمل.
وضعت غرام تلقائيًا يدها على بطنها في صدمة طغت على كل كيانها، بينما تبادلت الحجة سعاد النظر مع ابنتها حائرة، في حين ازدردت غرام لعابها في خوفٍ من القادم.
انبعث صوت سعاد وهي تقول بتريث:
_ أنتِ مكنتيش تعرفي أنك حامل؟
هزت غرام رأسها نافية وهي تقول بأسفٍ:
_ لا، مكنتش أعرف.
همست سعاد بصوتٍ خفيض وهي تميل على أذن غرام مستريبة:
_ أنتِ متجوزة ولا أيه حكايتك؟!
تطلعت فيها غرام دون أن تنبس ببنتِ شَفة، كيف تكون حامل وزكريا لم يقترب منها إلا في ذاك اليوم المشؤوم عندما اعتدى عليها؟!
"هو أنتِ هربانة من طار ولا قتلتي قتيل، ولا فارة من أهلك بعد ما اكتشفوا عملتك"
في حدة استدارت غرام إلى مبعث الصوت لدن الباب، فوجدت أمراة يبدو عليها القوة والصرامة وهي تضع كفيها في جنبيها، وقبل أن تفوه بحرفٍ بادرت أسماء تقول:
_ اسكتِ بالله عليكِ يا طنط منى، مالكم جايين على البنت كدا ليه؟ سيبوها تستريح ويلا اطلعوا بره!
زمَّت منى شفتيها وهي تقول في حنق:
_ اصبري لما أعرف حكاية البنت دي أيه؟
فتحركت أسماء نحوها وقادتها خارج الحجرة وهي تقول:
_ يا ستي هنعرف بس مش دلوقتي يلا بقا اطلعي.
ثم صاحت وهي تلتفت إلى أمها:
_ يلا يا سعاد اطلعي شوفي دنيا وعم طه.
اندفعت سعاد خارج الحجرة وهي تحدج غرام بعنفٍ، بينما أغلقت أسماء الباب وجلست بجانب غرام وهي تقول بنبرة رقيقة:
_ متزعليش من امي دي ست طيبة جدًا وهتحبيها اوي هي بس بتخاف علينا حبتين، على فكرة أنا محامية ولو أنتِ واقعة في مشكلة أنا في ضهرك.
ثم أستطردت وهي تقول بمرحٍ، وضحكة رقيقة:
_ يعني انا محامية صغيرة على قدي كدا بس معايا محاميين كبار ويعجبوكي.
ثم تناولت صنية الطعام وشرعت تطعمها قسرًا.
مرت أيامًا تليها أسابيع وهي تقيم مع السيدة سعاد بأجرٍ بسيط هو معاونتها لها في العمل بمحل الحلويات الذي تملكه، بعدما رفضت أن تقيم بمفردها وهي وحيدة وحامل، ووجدت في صحبتهن كل الأنس، وقد أحبتهم وأخذت تمضي الأيام معهن جميلة مرحة.
ذات يومٍ كانت تقف تبيع لأحد الزبائن، بينما تجلس سعاد مع صديقة عمرها منى، عندما لمحت بطرف عينيها يمان وهو يقبل شَطْرها بخطواتٍ وئيدة، دون أن يحيد البصر عنها...
وفي عينيه كل الشوق..
وكل اللهفة..
فتراجعت إلى اللوراء خطوتين وهي تزدرد لعابها وتهمس باسمه في خفوت، فدنى منها وبمقلتين تومضان بالشوق واللهفة هتف:
_ أخيرًا لقيتك؟!
عندئذ تنبهت منى وسعاد، وهتفت منى وهي تثب واقفة في عنف:
_ أنت مين يا أخينا؟
وأرجعت سعاد غرام وراء ظهرها وهي تهتف بصرامة:
_ خير يا بيه!؟ثم قبضت على ذقنه لتدير وجهه إليها، وهي تصيح:
_ بصلي أنا كدا ورد عليَّ مين أنت، وعايز أيه؟!
همس يمان بصوت متهدج:
_ عايز اتكلم مع غرام!
ضربت منى فوق صدره بانفعال وهي تحاول إخراجه خارج المحل، وهي تهدر:
_ والله! ببساطة كدا يا جدع أنت تقول عايز اتكلم معاها؟! امشي يلا من هنا بدل ما اعملك عاهة مستديمة...!
فقاطعتها غرام وهي تقول بلهفة:
_ سيبيه يا طنط منى انا أعرفه!
فالتفتت سعاد ومنى إليها، وهن تقولا بصوتٍ واحد:
_ أنتِ تعرفيه بجد؟ إوعى تكوني خايفة منه.
فهزت رأسها وهي تقول:
_ لا، لا متقلقوش!
غادرت سعاد ومنى المحل ليتركهما يتحدثان بحرية، دون أن تبتعدا أو تحيدان البصر بتحفز عن يمان، الذي اقترب من غرام وهو يقول بحزن:
_ ليه عملتِ كدا ومشيتي؟!
فأستدارت توليه ظهرها وهي تهمس بألمٍ:
_ عشان مبقاش ليَّ حد هناك!
فقال يمان وهو يتبسم في سخرية:
_ كدا بكل بساطة!
أستدارت له غرام وهي تقول بأعين تفيض بالدمع:
_ ليه جيت يا يمان؟! ولا عرفت طريقي إزاي؟
تنهد يمان وهو يشيح وجهه عنها قائلًا:
_ يوسف هو اللي عرف ليَّ مكانك من نوح بالصدفة، أنا كنت ليل نهار بدور عليكِ، بلف زي المجنون في الشوارع، مبقتش بنام ولا برتاح من قلقي عليكِ؟! إزاي قدرتِ تعملي كدا؟
تفرست فيه غرام النظر من رأسه حتى أخمص قدميه، كان مشعث الشعر، كثيف شعر اللحية التي تغطي نصف وجهه، مبهدل الملابس، فنظرت في عيناه وهي تقول:
_ أنا معرفتش اروح فين مقدرتش أرجع لبابا بعد اللي عمله!
فهتف يمان في انفعال حاد:
_ بس أنا كنت موجود وكنت هساعدك.نفخت غرام بحنق، وأردفت:
_ أهو اللي حصل حصل أنا هفضل هنا وهصرف على نفسي وابني..
قاطعها يمان وهو يسألها في اهتمام:
_ أنتِ حامل؟
فهزت رأسها إيجابًا، ثم تمتمت:
_ أيوة حامل، يمان انا مش هرجع معك، ومش هسامحك لو قُلت لحد عن مكاني، أنا خلاص مبقاش ليا حد ولا حتى ابويا اللي رماني من غير ما يسمع مني.
وأوفى يمان بكلمته ولم يخبر أحد بمكانها، وكان دائم الزيارة لها عند السيدة سعاد التي لم تكن تتركهما بمفردهما، وكانت دائمًا تقابله بشراسة لم يعرف مصدرها، إلا أنه كان مطمئنًا عليها معهن.
ومضت شهور الحمل بخير، وحانت لحظة الولادة وكان أول من حمل الطفلة هو يمان الذي علم بولادتها من نوح زوج أسماء، وأخذ يهتم بالطفلة كأنها ابنته، وزيارته لهن كثرت مع مجيء الصغيرة، فكان يحضر لها ما تحتاح إليه وزيادة، ويحاول بكل بسالة إقناع غرام بالعودة، لكنها كانت تصر على البقاء.
كتم يمان نبأ غرام حتى عن خاله وهو على يقين أنه قريبًا جدًا ستعود غرام وتخبره هي بنفسها أن لزكريا بنتًا، لم يحسب أن هذا اليوم القريب سيأتي باكرًا جدًا جدًا، فبينما هو في عمله إذ أتصل به خاله مختار يخبره أن عبد السلام قد أصيب بجلطة وأنه ما بين الحياة والموت، فذهب يمان فورًا ليراه، لم يكن عبد السلام ينزل إلى أسيوط إلا لمامًا بعدما غادرت غرام، كان القلق ينهش قلبه، والندم يأكل من صحته، وخوفه على ابنته جعله زاهدًا في الحياة لا يريد شيئًا إلا رؤيتها، لكن ماذا يجدي الندم بعد فوات الأوان؟ وعندما تيقن يمان أن الرجل قاب قوسين أو أدنى من الموت حتى أتصل بغرام ليخبرها وليترك لها هي القرار.
أمَّا أن تأتي فتراه، أو ترفض فتعيش العمر كله في ندم.
لكن غرام جاءت ومعها سعاد ومنى، وكان مجيئها كأعصارٍ رج مختار الذي وقف في انفعال وقد ومضت عيناه وهو يراها تحمل طفلة على ذراعها، فتبسمت غرام له في حنين وناولته الطفلة وهي تقول:
_ بسملة يا عم مختار بنت زكريا.
فضمها الرجل إلى صدره وراح يقبلها في شغفٍ وحنين وهو يتمتم:
_ حرام عليكِ يا غرام ليه حرمتيني منها!
فأطرقت غرام في رأسها ولم تجيب..
لم تجد ما تجيب به!
وقد عفتها غادة عن الإجابة عندما ضمتها في شوقٍ ثم راحت تعاتبها، دخلت لترى والدها بناءً على طلبه فأبى مختار أن يعطيها الطفلة قائلًا:
_ ادخلي أنتِ اطمني على أبوكِ وسيبيها معايا.
فوافقت على مضض، واتجهت إلى حجرة العناية لترى أبيها هناك ممددًا على فراش المرض بوجهٍ شاحب أشرق وتورد ما أن سقطت عيناه عليها، فمد ذراعه إليها وهو يقول بوهن:
_ غرام أخيرًا جيتي تشوفي أبوكي قبل ما يموت؟!
فشهقت في البكاء، وهي تعدو إلى حضنه تلومه وتعاتبه وتبث له شجونها وقهرتها منه، ويطلب منها هو السماح.
وأخذ منها وعد بعدم الرحيل مجددًا.
خرجت غرام من عند أبيها بعدما أخرجتها الممرضة كي يستريح وبعدما استبد به التعب والأرهاق أكثر، وأخذ منها السماح، تقدمت منها سعاد وهي تقول:
_ أيه يا غرام اطمنتي على أبوكي؟ عامل أيه هو دلوقتي؟
فأومأت غرام برأسها وهي تقول:
_ الحمد لله ادعي له يا ست سعاد.
ثم دمعت عينيها وهي تقول:
_ أنا مليش غيره في الدنيا؟
ثم أستدركت تقول:
_ أمال عمي مختار فين؟
فضيقت منى عينيها، وهمست وهي تتلفت:
_ كان هنا وفجأة أختفى!
فتبسمت غرام في توتر، وقد أنقبض قلبها بخوفٍ، وهي تقول:
_ طيب بنتي، بنتي فين؟
غمغم يمان يطمئنها:
_ متقلقيش أكيد مرحش بعيد أنا هروح أشوفه!
لكن مختار لم يكن له أثر لا في المستشفى ولا في المنزل، ثم أنه قد أرسل ليمان رسالة يقول فيها (قول لغرام متدورش على بنتها لأنها معايا ومش مرهجعها ليها تاني ولا هسمح ليها تبعد بنت ابني عني، أنا ما صدقت لقيت ريحة من ريحته أعيش عشانها ومتدوروش عليَّ مش هتعرفولي أثر)
ومع هذه الرسالة كانت غرام تستقبل طآمة أخرى وهي وفاة والدها، فكانت المصيبة مصيبتين أردوها صريعة، تئن ألمًا وتبكي غدرًا، وتنزف دمًا على فرحةٍ لم تدُم لها، وبين ذراعي منى وسعاد سقطعت غرام أرضًا منتحبة بصوتٍ يشطر القلوب:
_ بنتي آه يا بنتي، آه يا بابا سبتني لمين؟! ليه كده يا عمي مختار، ابنك يظلمني وأنت تظلمني!
ووقف الجميع حائر يترقب في عجزٍ كان أكثرهم ألمًا هو يمان الذي كان ينظر إليها بقلبٍ مفجوع على صغيرته التي أحبها حبًا جمًا.
لماذا لم يترو خاله ليعرف أن غرام والطفلة سيعودان لمنزله عندما يتقدم لغرام ويتزوجها، لكنه حطم كل شيء، في كل مرة يظن أن الأمر هين يحدث شيئًا فيجعل الأمر محال.
هدر وهو يولي منصرفًا:
_ أنا مش هسمح لخالي يبتعد ببسملة، لازم ارجعها.
بينما جف حلق غرام من الصراخ فألقت رأسها على صدر منى ثم أغلقت عينيها وأستسلمت للجة من الظلام الذي ابتلعها عساها تهرب من واقعها الأليم.
هكذا هي الحياة لا فرح دائم ولا حزن دائم تارة راحة وتارة عذاب.
هي الدنيا تعذب ساكنيها.
ومع كل عذاب فقدان ليس له دواء..
إلى اللقاء في الجزء الثاني.