يا بابا سبتني ليه يا بابا احنا ملناش غيرك ااااه. صرخت بتلك الجملة فتاة في منتصف العشرينات وهي تجلس على فراش منزلهم المتهالك وبجانبها شقيقتها الأصغر منها بسنة تجلس وتنزل دموعها بصمت. لم تتحدث منذ ذلك الخبر والذي وقع على مسامعها كالصاعقة... فتركهم! والدها قد تركهم وذهب ستصبح بلا أب وبلا أم فقد توفت والدتها وهي في سن التاسعة وأصبح والدهم هو الأب والأم والأخ والصديق أصبح الجميع بالنسبة لهم فبموته قد فقدت الجميع!
تقي شقيقتها الأكبر ببكاء: -ميان. لم ترد وإنما كانت تتطلع أمامها بشرود ودموعها لن تجف! تقي وهي تضمها وتقبل أعلى رأسها: -ميان أرجوكي اعملي أي حاجة... عيطي صوتي متفضليش ساكتة متقلقنيش عليكي يا روحي. إحدى السيدات جارتهم وتدعى كوثر: -لا حول ولا قوة إلا بالله ربنا يرحمك يا عم إبراهيم كنت راجل طيب. عندما استمعت ميان إلى ذلك الحديث ظلت تبكي بقوة أكبر حتى تحولت دموعها إلى شهقات وتقي أيضاً لم تتحمل ذلك لتنفجر في بكاء مرير.
بعد فترة ذهب الجميع وتركوا تلك الفتاتين في ذلك المنزل والذي يحمل ذكرياتهم الجميلة ومع خروج آخر السيدات أغلقت تقي باب منزلهم واستندت بظهرها عليه لتجلس أرضاً وتبكي بقوة فهي لم تتذكر يوماً أنها بكت داخل هذا المنزل سوى يوم وفاة والدتها فقد فعل والدها كامل جهده لعدم رؤية دموعها أو دموع شقيقتها. تقي لنفسها: -ليه يا بابا؟ ليه تسيبنا لوحدنا احنا ملناش غيرك يا حبيبي ليه تموت وتسبني اااااه...
كان نفسي أكون أقوى من كده زي ما علمتني كان نفسي أكون أقوى من كده ومخليش ميان تنزل دمعة واحدة بس غصب عني يا بابا غصب عني مش قادرة أتحمل فكرة موتك ااااه. استمعت إلى صوت طرقات غليظة على باب منزلهم لتنهض بفزع وتمسح دموعها وتضع ذلك الوشاح الأسود على رأسها لتفتحه وياليتها لم تفعل فقد كان يقف ذلك الغليظ ابن عمها وبجانبه شقيقه الأصغر امتعضت ملامح وجهها إلى الاشمئزاز فور رؤيتهم فهي تخشى ذلك الوقع بنظراته من أعلاها إلى قدمها.
تقي بقوة مزيفة: -خير عايز إيه؟! صالح بخبث: -تؤ تؤ يا توتي في حد برضو يقابل ابن عمه واللي هيبقى في مقام جوزه بالطريقة دي؟! تقي بصراخ: -امشي اطلع برا جوزي في عينك قولتلك مية مرة مستحيل على جثتي أتجوزك أنت فاهم مستحيللللل! صالح ببرود: -خلاص يا توتي اللي كنتي بتتحامي في بح مات وغار في داهية يعني مفيش حد يقدر يمنعني أخطفك وأتجوزك يا قطتي. -لا في أنا أقدر وأوي كمان يا بن الدهاشنة!
التفت صالح إلى مصدر الصوت خلفه باستغراب وتقي فتحت فمها من الصدمة... صالح بسخرية: -غيث بيه عمده الصعيد هنا بنفسه! الدنيا جرا فيها إيه يا ولاد. غيث ببرود وهو يضع يديه في جيب جلبابه الصعيدي: -عايز إيه من مراتي يا صالح! صالح بدهشة: -مرررراتك!!! غيث وهو يتخطاه ويقف بجانب تقي ليضع يديه على كتفها بتملك: -أه مراتي عقبال ما نحضر فرحك. كانت تتطلع إليه بفم مفتوح وعيون متسعة من الصدمة فقد قال زوجتي!
بل ويضمها بتملك وكأنها بالفعل زوجته! أسامة شقيق صالح بغضب: -إذا كانت تقي مراتك ميان مش مراتك وأنا أقدر أخدها وأتجوزها ومتقدرش تمنعني. غيث بابتسامة خبيثة: -لا هو أنا مقولتلكش؟! أسامة باستغراب: -قولتلي إيه؟! غيث: -ميان تبقى مرات يونس أخويا. صالح: -أنت كذاب. غيث بصوت حاد: -غيث الجبالي مبيخافش من حد عشان يكذب... تقي مراتي وميان مرات يونس... ويالا اتفضلوا من هنا منك ليه بدل ما نفتح في القديم وتبقى بحر دم من تاني.
صالح بشر وهو يجذب شقيقه: -خليك فاكر يا غيث يا جبالي أنت اللي فتحت أبواب الجحيم من تاني استعد للحرب اللي هتبقى نهايتك فيها. غيث ببرود: -هنشوف يا بن الدهاشنة. ذهب صالح وأسامة كل ذلك وسط صدمة تقي والتي لم تغلق فمها ولم تتحدث لم تتحرك أيضاً فقط تقف كالأصنام! غيث بصوت رجولي: -البقاء لله يا تقي. تقي وهي تنفض يديه: -أنت إزاي يا أستاذ يا محترم يا شيخ يا للي بتقول خطبة في يوم الجمعة تلمس واحدة مش حلالك كده. غيث بهدوء:
-اهدي يا تقي أنا عمري ما ألمسك لو أنتي مش حلالي أنتي فعلاً مراتي. تقي بصدمة: -أنت بتقول إيه يا جدع أنت!!! غيث: -طب ممكن نقعد نتكلم بهدوء. تقي: -طيب. جلست تقي وجلس غيث أمامها لتتطلع إليه بعينيها البنية الباكية. تقي بصوت مبحوح: -ممكن تفهمني. غيث بهدوء وهو يقرب وجهه من وجهها حتى إنها رجعت برأسها إلى الخلف بخوف لتجده يمد طرف أصابعه ويمسح دموعها برفق ليبتعد ويجلس بثبات. غيث: -لو سمحتي ممكن بلاش عياط.
تقي وهي تحاول ألا تبكي: -حاضر. غيث: -طبعاً عم إبراهيم كان بيشتغل من زمان عند بابا زي ما أنتي عارفة... ولما بابا اتوفى أنا كنت عايش في القاهرة أنا وأخويا بنتعلم هناك مكنش ينفع نسيب ماما وأختي في الظروف دي ونزلنا الصعيد... وكان لازم بما إنه عمده البلد ابنه الكبير يبقى مكانه المهم إني مرضتش أمشي عم إبراهيم لأني كنت بحبه من وأنا صغير...
وفي يوم هو جالي ودموعه على خده وبيقولي محتاج مساعدتك طبعاً مترددتش لحظة وقولتله عيوني ليك. فلاش بااااك إبراهيم: -أرجوك يا غيث بيه تتجوز تقي وتخلي بالك منها ومن ميان. غيث بصدمة: -إيه! إبراهيم: -عارف إني فاجئتك بس أنا مليش غيرك...
أنا اكتشفت مؤخراً إني عندي الكانسر وصعب يتعالج ده قضاء ربنا ومش هقدر أعترض أبداً بس أنا أكتر حاجة خايف عليها هي بناتي وخصوصاً إن بعد موتي عيال عمهم مش هيرحموهم لو سمحت يا غيث بيه اتجوزها ولو شهر واحد وبعدين طلقها وخليها تسافر بعيد عن هنا هي وأختها. غيث بهدوء: -أنا موافق يا عم إبراهيم ويونس كمان هيتجوز ميان. بااااك
كانت تستمع تقي إليه ودموعها تتساقط بدون توقف فقد عانى والدها من ذلك المرض ولم يتحدث لم يشكو وإنما كان كل همه هو حمايتهم. غيث: -تقي ادعيله ربنا يرحمه العياط مش هيفيد هو محتاج دعواتكم ليه. تقي: -ربنا يرحمه... أنا آسفة إني اتعصبت عليك يا غيث بيه شكراً جداً للي حضرتك عملته معانا عشان بابا ينام مرتاح في قبره... حضرتك تقدر تطلقني وأخو حضرتك يطلق ميان واحنا هنتصرف... أكيد جوازنا عملكوا مشاكل كتير!! غيث بابتسامة
هادئة وقد برزت غمازاته: -أولاً مفيش واحدة بتشكر جوزها... ثانياً مفيش واحدة تقول لجوزها يا بيه... ثالثاً بقى وده الأهم أنا مش صغير وأكيد أنا فكرت في قراري قبل ما أوافق على الجواز منك! ... ويالا قومي حضري شنطتك وشنطة ميان وأنا هكلم يونس يجي يشيل معانا الشنط عشان نروح البيت بتاعنا. تقي: -بـ بس. غيث بحدة نسبية: -يالا يا تقي بلاش عناد. تقي بتعب فهي ليس لديها طاقة للمناكدة: -حاضر.
نهضت لتدلف إلى غرفة والدها والتي تجلس بها ميان وتجدها كما هي لتجلس بجانبها وتخبرها بكل ما حدث. كادت ميان أن تتحدث ولكن صوتها مبحوح فقد فقدت النطق. تقي بقلق: -ميان مالك؟! ميان وهي تجاهد لإخراج صوتها ولكن دون فائدة. تقي بصراخ: -ميان مالك مش بتتكلمي ليه! ان نفض كلاً من غيث وشقيقه يونس والذي صعد فور أن هاتفه غيث ليدلفوا إلى الغرفة. غيث: -في إيه يا تقي؟ تقي ببكاء: -غيث الحقني ميان مش بتنطق مش عارفة تتكلم.
اقترب يونس منها بهدوء ليضع يديه على عنقها لتسير كهرباء في جسد كلاً منهما ولكنه أزال يديه سريعاً ليهتف بأسف: -للأسف فقدت النطق لفترة بس إن شاء الله هتقدر تتكلم تاني مع العلاج. سقطت دموع كلاً منهما بغزارة وغيث ويونس يتطلعان إليهم بشفقة. غيث: -يالا يا تقي اهدي يا بابا إن شاء الله هتبقى كويسة يالا حضري شنطتك... تقي بدموع: -مش قادرة اهئ اهئ. اقترب منها غيث ليحاوط وجهها برفق ويهتف بهدوء:
-ادعيله لازم تبقي أقوى من كده عشان أختك هي محتاجالك. هزت تقي رأسها بالإيجاب بضعف شديد. غيث وهو يجذب كف يديها: -تعالي أساعدك. ليخرجوا من الغرفة ويتركوا يونس وميان. اقترب يونس من ميان ليجلس بجانبها ويربت على كفها برفق: -إن شاء الله هتبقى كويسة ادعي لعم إبراهيم. عندما استمعت إلى اسم والدها تحولت دموعها إلى شهقات متتالية ليقترب منها ويجذب رأسها إلى صدره لتضمه هي بقوة وتبكي بقوة أكبر وقد بللت دموعها جلبابه الأبيض.
بعد فترة قد انتهى غيث وتقي من تحضير الحقائب ليدلفوا إلى الغرفة ويجدوا ميان تطوق خصر يونس بقوة ويبدو أنها ذهبت في النوم. يونس بهمس: -هششش خلصتوا. غيث بنفس الهمس: -أه. بعدها يونس برفق لينهض ويحملها بهدوء ليهتف: -يالا بينا. وصلوا إلى الفيلا ليجدوا شقيقتهم صبا ووالدتهم في انتظارهم. هبة والدتهم لتقي: -البقاء لله يا حبيبتي. تقي بدموع: -ونعم بالله. هبة: -مالها ميان يا يونس. يونس:
-تعبانة شوية يا أمي عن إذنك هطلع أحطها في الأوضة. هبة بشفقة: -ماشي يا حبيبي. صبا وهي تقترب من تقي: -البقاء لله. تقي بتعب وقد داهمها الدوار: -و ونعم بالله. لاحظ غيث أنها تترنح ليسندها بذراعه ويهتف بقلق: -تقي مالك. تقي بتعب: -دايخة مش قادرة أقف. انقطعت جملتها لتجد نفسها مرفوعة عن الأرض عندما حملها غيث لتتسع عينيها بصدمة. تقي: -غيث أنت بتعمل إيه نزلني. غيث بلا مبالاة وهو يتجه نحو الدرج:
-ماما وصي الخدم يحضروا العشا عشان تقي. تقي: -لا مش هقدر لو سمحت نزلني أنا هطلع لوحدي. غيث وقد وصل إلى غرفته ليسندها بذراع ويفتح الغرفة بذراع أخرى: -خلاص وصلنا الأوضة ادخلي. دلفت تقي بخوف لتتجه نحو الأريكة وتستند عليها بتعب. غيث: -يالا غيري هدومك وأنا هنزل تحت أجيبلك تاكلي. تقي: -لا شكراً أنا هنام. غيث بحدة: -لا طبعاً هتاكلي الأول. بعد دقائق صعد بالطعام وقد بدلت هي ملابسها ليضعه أمامها. غيث بلهجة أمر:
-الأكل ده كله يخلص. تقي بضعف: -أرجوك يا غيث مش هقدر. غيث بحنان وهو يحاوط وجهها: -لازم تاكلي عشان متتعبيش يا تقي أختك بحاجة ليكي لو فعلاً بتحبيها وخايفة عليها لازم تاكلي. تقي بدموع: -مش قادرة.. مش قادرة يا غيث. غيث بحنان: -هتقدري عشان ميان هتقدري يالا. تقي: -حاضر. لتبدأ في تناول الطعام بضعف شديد حتى انتهت. تقي وهي على وشك البكاء: -أرجوك كفاية كده أنا عايزة أنام مش قادرة. غيث: -ماشي يالا قومي نامي. تقي بخجل:
-هـ هنام فين. غيث: -جمبي. تقي: -مستحيل. غيث: -ليه!!! تقي بخجل: -أنا متعودتش يعني عليك مـ معرفكش وغير كده أنت شهر وهتطلقني. غيث بصوت رجولي: -ومين قال هطلقك؟! تقي: -أنت لما قولتلي بابا قال شهر وطلقها. غيث: -يالا يا تقي ننام مش وقته الكلام ده. تقي: -بـ بس. غيث بحدة: -يالا يا تقي.
نهضت تقي لتتوجه إلى الفراش وتضع رأسها عليه وقد توجه غيث أيضاً إلى طرف الفراش من الجهة الأخرى ظناً منه أنها ذهبت في النوم ولكنه استمع إلى صوت شهقات مكتومة ليقترب منها ويديرها بقلق. غيث: -تقي في إيه. تقي بشهقات: -بـ بابا و وحشني يا غيث. أغمض غيث عينيه بألم ليجذب رأسها على صدره وظل يهمس بآيات قرآنية حتى نامت ليضمها بقوة وحنان ويذهب في سبات عميق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!