فتحت ميان عينيها ببطء وظلت تفرك فيها أكثر من مرة لتستطيع فتحها كلياً. أخيراً، استندت بجذعها على الفراش ونهضت، كل ذلك وهي تعتقد أنها في غرفة منزلهم الدافئ وتنتظرها شقيقتها ووالدها الحبيب في الخارج لتناول الإفطار. ولكن مهلاً! مهلاً، أين أنا؟ هذه الغرفة ليست غرفتي، هذا ليس فراشي. توجد رائحة عطر قوي تخترق أنفها، لمن هذه الرائحة إذاً! لتتذكر رويداً رويداً ما حدث وأن والدها قد تركها، لتنزل دموعها بغزارة.
انتفضت بفزع عندما فتح باب الغرفة ودلف يونس. تطلعت إليه بذعر من عينيها السوداوين الواسعتين وتلك رموشها الكثيفة، وقد شحب لون وجهها. يونس بابتسامة صافية: صباح الخير يا ميان. كادت أن تتحدث ولكن دون جدوى، فحلقها يؤلمها وفاقدة للنطق. يونس وهو يقترب منها ليجلس على ركبتيه أمامها ويمسح دموعها برقة: كفاية عياط يا ميان، ادعيله. حرام العياط بيعذبه. ميان وهي تشير ناحية قلبها وتهز رأسها برفض.
يونس: عارف إن قلبك وجعك وإنك مش قادرة تستحملي كل اللي حصل. وجوازك المفاجئ كمان، بس باباكي كان خايف عليكي. صدقيني لو حابة تتطلقي مني، هطلقك بس لما تبقي كويسة. ميان وهي تهز رأسها بهستيرية وتتمسك في كف يديه بقوة بمعني: لا تتركني! يونس بحنان وهو يحاوط وجهها: حاضر، مش هسيبك. بس اوعديني بلاش عياط. ميان وهي تمسح دموعها وتهز رأسها بنعم.
نهض يونس ليقف بطوله وهيبته الثابتة، ليمد كف يديه إليها. لترفع هي وجهها وتتطلع إلى عينيه الرماديتين وعينيها مغرورقة بالدموع. لتمد يديها وتمسك كفه. لتسير قشعريرة في جسدها عند ملامسة كف يديه الدافئة العملاقة مقارنة بكفها الصغير. تطلعت إليه بسؤال من عينيها بمعني: إلى أين؟ يونس بهدوء: انتي دلوقتي هتاخدي شاور وتغيري هدومك، وأنا هستناكي لما تخلصي عشان ننزل نفطر. ميان بتعب وهي تهز رأسها: لا، لن أستطيع أن أتناول الطعام.
يونس بإصرار وخشونة: لا، هتاكلي. هزت ميان رأسها بالإيجاب. لتتوجه إلى حقيبتها وتخرج ملابس سوداء بالطبع. لتتجه بعدها إلى المرحاض وتغلقه خلفها. يونس وهو يتنهد: مش عارف هقولك إزاي إني خاطب بنت عمي يا ميان وبحبها، وإني متجوزك شفقة.
بعد فترة قصيرة خرجت ميان من المرحاض لتتجه نحو التسريحة لجلب فرشاه الشعر. لتلتفت وتتجه إلى يونس الذي يجلس على الأريكة. لتمد يديها إليه بالفرشاة، حتى أنه استغرب. وكانت علامات الاستفهام واضحة على وجهه. ليجدها تجلس أرضاً وتربع قدميها كطفلة صغيرة تطلب من والدتها أن تسرح لها شعرها. لا تعلم أن بحركتها الطفولية والعفوية تلك هزت قلبه بالمعنى الحرفي! وظل دقائق يتطلع إليها بذهول، حتى فاق عندما التفتت إليه برأسها
لتشير إليه بهدوء بمعني: هيا. ليبدأ في تسريح شعرها الأسود الطويل برقة. وفي خلال ثوانٍ قد انتهى، فنعومة شعرها ساعدته. يونس بارتباك وهو يحاول ألا ينظر إليها: خلصت، يالا لميه وهنزل استناكي تحت. لم ينتظر ردها، وإنما خرج سريعاً من الغرفة. ***
في غرفة غيث وتقي. استيقظ غيث ولم يجد تقي بجانبه. لينهض من الفراش بفزع وكاد أن يخرج من الغرفة، ولكنه استمع إلى صوت شهقات تأتي من خلفه. ليلتفت بجسده وعينيه تبحث عن مصدر الصوت، حتى وجدها تجلس أرضاً وتتكور حول نفسها كالجنين. هرول غيث إليها سريعاً ليجلس أرضاً بجانبها وهو يسألها بقلق: تقي مالك؟ تقي بشهقات: خا خايفة. غيث: خايفة من إيه؟ تقي: خا خايفة. نهض غيث ليجذبها معه كي تقف ويضمها بقوة، وهي تضع رأسها على
صدره وتردد كلمة واحدة فقط: "خايفة". غيث بحنان: هش، متخافيش. طول ما أنا معاكي محدش هيقدر يمس شعرة منك. تقي: ولا حتى صالح. غيث وهو يبعدها برقة ويمسك كف يديها كتعبير عن الاطمئنان: ولا الجن الأزرق. تقي وهي تتطلع إلى عينيه بدموع من عينيها: غيث، أنت مش هتتخلي عني صح؟ غيث بنبرة صوت حانية: مش هتخلي عنك يا تقي عمري. خليكي واثقة في ده. وقت ما تبقي خايفة، تجري على حضني من غير استئذان، ماشي؟ تقي بخجل: حاضر.
غيث: طب يالا امسحي دموعك دي، مش عايز طول ما أنا عايش أشوف دمعة في عيونك. تقي بعفوية: أنت بتعمل معايا كده ليه وأنت متعرفنيش؟ غيث بابتسامة هادئة وهو يداعب وجنتيها: مش وقته. يالا، أنا هنزل استناكي تحت عشان نفطر. تقي: أنا عندي شغل وهتأخر. غيث بخشونة في صوته: انتي بتشتغلي إيه؟ تقي: أنا دكتورة في مستشفى (.... غيث بغموض: طب وأنتي هتقدري تروحي؟ تقي بوجع وصوت مبحوح: هحاول أنسى حزني وأطلعه في الشغل.
غيث: طيب، البسي وأنا هستناكي تحت عشان أوصلك. تقي بذهول: إيه ده؟ أنت مش هترفض؟ غيث بغموض أكبر: لأ، يالا، هستناكي تحت. ليخرج من الغرفة وسط ذهول تقي. *** في الأسفل كان الجميع ملتف حول طاولة الإفطار، حيث كان يجلس غيث على رأس الطاولة وأمامه يونس من الجهة الأخرى وبجانبه والدته وشقيقته صبا. وكانوا في انتظار كلا من تقي وميان، حتى هبطت ميان أولاً لتتجه نحوهم بابتسامة هادئة وتجلس بجانب يونس.
هبة بابتسامة حنونة: صباح الخير يا حبيبتي، بسم الله ما شاء الله، ربنا يحفظك. ابتسمت ميان إليها برقة وهزت رأسها بامتنان. يونس: معلش يا أمي، هي فاقدة النطق لفترة. هبة بشفقة: يا حبيبتي، ألف مليون سلامة عليكي. ميان وقد اغرورقت عينيها بالدموع لتهز رأسها بهدوء. لاحظ يونس تلك الدموع العالقة في مقلتيها ليجذب كف يديها ويربت عليه برقة، لتتطلع إليه بامتنان. بعد دقائق هبطت تقي لتتجه إليهم بهدوء مماثل. تقي بخفوت: صباح الخير.
الجميع: صباح النور. هبة: لابسة ورايحة على فين كده يا حبيبتي؟ تقي: رايحة الشغل يا أمي. هبة: شغل! وغيث موافق على الكلام ده؟ غيث بثبات: أيوه يا أمي. هبة: طيب. السلام عليكم. التفت الجميع إلى مصدر الصوت ليجدوا حمزة، صديق غيث المقرب. الجميع: وعليكم السلام. هبة بلهفة: حبيبي، وحشتني. توجه إليها حمزة ليقبل أعلى جبينها بحب، فهو يعتبرها كوالدته ويحبها. حمزة: وأنتي كمان وحشتيني يا أمي.
ثم توجه إلى صبا، التي تجلس بابتسامة واسعة فور رؤيته، ليداعب وجنتيها: إزيك يا صغنن؟ صبا بنفس الابتسامة البلهاء: الحمد لله، وأنت؟ حمزة بضحك: ههههه، يابت فاتحة بوقك زي الهبلة ليه كده؟ صبا وقد اختفت ابتسامتها لتهتف بضيق: غلس. نظر إليها حمزة بحدة لتبتلع ريقها بخوف وتشيح عنه. غيث بمزاح: إيه اللي جابك هنا يالا؟ حمزة وهو يجلس بارتياح تام: بيتي يا عمده، فيه حاجة؟ غيث بغرور: امشي يالا من هنا.
حمزة: ههههه، يرضيكِ كده يا أمي، بيكرشني. هبة بضيق: واد يا غيث، اتلم. غيث: واد؟ بقي العمده اسمه واد؟ هبة: واد وستين واد كمان، فيه اعتراض؟ غيث: لا طبعاً يا ست الكل. كان الجميع يجلس ويبتسم بهدوء على تلك المشاكسة العائلية، حتى ميان وتقي. غيث بغرور مصطنع لتقي: على فكرة، أنا مسيطر أوي. تقي بسخرية: آه طبعاً. غيث: طب يا جماعة، إحنا هنقوم بقي عشان أوصل تقي شغلها. تقي: مش لازم، متتعبش نفسك، أنا هروح لوحدي. غيث وهو
ينظر إليها بحدة من عينيه: يالا يا تقي. تقي: حاضر. غيث لحمزة: خير، صحيح مشرفنا ليه؟ حمزة بقرف: أنا حر، عندي إجازة من شغلي النهاردة وجيت أقضي اليوم مع أمي، فيه حاجة؟ غيث بقرف: لا يا خويا، يا رب بس منجيش نلاقي الأكل خلص. هبة: امشي يالا من هنا. غيث وهو يجذب كف يد تقي: يالا يا بنتي. أما بالنسبة لميان، كانت تجلس وتتطلع إلى الجميع بابتسامة ساحرة.
وصبا تتطلع إلى حمزة بحب، وهو أيضاً، ولكنه يسيطر على تلك اللهفة، عكس تلك الغبية. حمزة ليونس: عامل إيه مع خطيبتك يا عمنا؟ أغمض الجميع عينيه بعصبية من تلك الجملة، والتي جعلت ميان تتسع عينيها وتتطلع إلى الجميع بذهول، وقد سقطت دموعها. يونس: ميان، أنا كنت هقولك.
لم تنتظر ميان، وإنما نهضت سريعاً لتهرول إلى الأعلى، حتى كادت أن تتعثر أكثر من مرة، لهرول خلفها يونس، حتى وصلت إلى الغرفة لتدلف وتتجه نحو حقيبتها لتجلبها، وكادت أن تخرج لتجد يونس يقف أمامها بهيبته الثابتة. يونس بخشونة: اقعدي نتكلم. هزت رأسها بالنفي، لتحاول أن تتخطاه وتخرج، ليقبض هو على معصمها كالقبضة الحديدية. يونس وهو يجز على أسنانه: قولت اقعدي هنتكلم. ميان وهي تجلب قلماً وورقة على الكومود
بجانب الفراش لتكتب: مش هقعد، وأوعى تفكر إني زعلانة. أنا مش فارق معايا حاجة، لأني بحب واحد وهنتجوز بعد ما تطلقني! احمرت عيناه بقوة وبرزت عروقه، ليجذب تلك الورقة ويكورها بيديه ليقذفها بقوة. ليجذبها من ذراعيها بقوة ويقربها منه حتى أحست أن ذراعيها سينخلعان، ليهتف أمام وجهها بغضب قاتل: طول ما انتي على ذمتي، مسمعش سيرة راجل غيري، انتي فاهمة؟ سقطت دموع ميان بغزارة من الألم، وحاولت أن تتحدث، ليخرج صوتها أخيراً. ميان: ابعد.
تركها يونس بذهول، فهي قد تحدثت. يونس: انتي اتكلمتي! ميان بغضب: شيء ميخصكش، وأنت هتطلقني. أنا مقبلش أكون زوجة ثانية ليك. يونس بخشونة: مش لازم تقبلي، وأنا آه خاطب وهتجوز، بس يكون في علمك، طلاق مش هطلق! ليخرج من الغرفة دون أن يستمع إلى ردها، لتجلس هي على طرف الفراش وتبكي بحرقة. ميان: يرضيك يا بابا؟ يرضيك اللي أنت حطتني فيه؟ يرضيك قلبي يتعلق بواحد متجوز غيري؟ *** في الأسفل كانت تجلس صبا وبجانبها حمزة في حديقة الفيلا.
صبا: قولي بقي ياسطا، هتتقدم امتى؟ حمزة: ها؟ صبا: هو إيه اللي ها؟ مش أنت بتحبني وأنا بحبك؟ يبقي خلصانة، تيجي تتقدملي ونخلص. حمزة بجمود: مش وقته الكلام ده يا صبا، انتي لسه صغيرة. صبا وقد اغرورقت عينيها بالدموع: أنا مش صغيرة! وعلى فكرة، في كتير أوي بيحبوني. حمزة بغضب: فيه إيه يا اختي؟ صبا بكبرياء وهي تمسح دموعها: زي ما بقولك، فيه واحد بيحبني وهيجي يتقدملي، وأنا هوافق. حمزة: بقي كده؟ صبا: أيوا.
حمزة ببرود: طيب، ألف مبروك، ربنا يسعدك. عن إذنك. *** وصل غيث وتقي إلى المستشفى التي تعمل بها تقي. تقي: شكراً، تعبتك. غيث بهدوء: قولتلك، مفيش واحدة تشكر جوزها! ابتسمت تقي لتهتف بحزن: أنا هنزل. كادت أن تهبط لتجد يده تقبض على معصمها ويقترب منها، حتى أنها خافت والتصقت بباب السيارة. لتجده يقبلها من وجنتيها برقة، حتى اشتعلت وجنتيها واحمرت. غيث: خلي بالك على نفسك. تقي بتوتر: ح حاضر.
لتهبط سريعاً وقلبها يهبط ويصعد بعنف من كم المشاعر والتي أحست بها في قربه، ليعلن قلبها التمرد وقد وقع في حبه غالباً! دلفت تقي المستشفى لتجد الجميع يعمل على قدم وساق عكس عادتهم، وكأنهم آلة إلكترونية. تقي لأحدي الممرضات: هو في إيه؟ الممرضة بأستعجال: مش وقته، بعدين. "إزيك يا تقي، البقاء لله." هتف بها سامر، أحد الأطباء، لتقي. تقي بابتسامة حزن: ونعم بالله يا دكتور. صحيح، هو في إيه؟
سامر: بيقولوا صاحب المستشفى هييجي النهاردة. تقي: آه، طب عن إذنك. سامر بأرتباك: تقي، كنت عايز أقولك حاجة. تقي: اتفضل. سامر: تقي، أنا بحبك وعايز أتزوجك. كادت أن ترد، ولكن استمعت أذنيها إلى زمجرة صوت من خلفها. "آسفين يا أستاذ، أصلها متزوجة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!