صدمت ما إن وقعت عيناها عليها. ماكانت تتخيل أبدا إن ترى عزة بتلك الحالة. قاعدة على مقعد متحرك، الوهن والضعف يملأ جسدها. والدموع... للمرة الأولى ترى دموع حقيقية في عيون عزة. الجميع صامت وكأن على رؤوسهم الطير. بسمة، غيث، زينب، وحتى جاسر... الذي يمتلئ وجهه بالمرارة. صوت واحد فقط استطاع إن يكسر حاجز الصمت: أنيس. "مين دي؟ جملة عادية لطفل في السابعة، لكن أصابتها بوخزة المرارة... تطلعت لحمزة الصغير بين يديها،
لتمسك بيد أنيس وتتحرك تجاهه. لتتلاقى العيون، حوار تعرف كنهه... حوار تستطيع فك طلاسمه وترجمته بسهولة. بجملة واحدة: ليس بالقلب غيرك. وصلت إليها لتضع الصغير على أقدامها، لتحدقها عزة بذهول، لتربت على كتفها. "علي سلامتك يا عزة." جملة واحدة كانت كافية إن تفك حصار الجميع. "عزة أنااااا... "حور حاجة... شوف يا أنيس، دي عمتك عزة... بنت عم بابا." "أنيس، حضرتك ليه بتعيطي؟ "عزة مش بعيط، بس فرحانة." "زينب، علي سلامتك يا عزة."
"عزة آسفة ليكوا كلكوا... "غيث، البيت يا عزة." "بسمة، حضرتك." "جاسر، حضري الجناح الغربي للست عزة، وابعتي لواحدة تفضل معاها وتشوف طلباتها." "صباح." تابع جاسر انصراف صباح ليقول بجديته المعهودة. "بنت الراوي هتفضل في بيت الراوي." نظرت حور لعين زينب التي ابتسمت بدورها... "زينب، الراوي يلمّ عياله." ... بعد عشر سنوات. فتحت حور عيناها مع بدايات الفجر كعادتها. تأملت جاسر بجوارها، لتتسلل ببطء من الفراش.
وقفت أمام النافذة تتطلع لواجهة القصر... ستة عشر عاماً مضت وهي بقصر الراوي... دخلت فتاة مقهورة مجبرة على الزواج برجل ضعف عمرها. حياتها تهدمت بالكلية ومستقبلها انتهى لتصبح جارية... والآن ماذا هي؟ ... هي عمود هذا القصر، أحد ركائزه الأساسية... حظيت بعشق ما تمنته امرأة حتى بخيالها... رجل أنساها الدنيا لتذكره هو فقط... خمسة أطفال هم النعيم المقيم... لقد تبدلت حياتها بالكلية، ما عادت الفتاة الصغيرة العاشقة...
كبرت لتصبح امرأة مكتملة الأنوثة به ومن أجله. ليس وحدها من تبدلت حياتها... جميع عائلة الدسوقي قد نالهم التغيير... بسمة التي تنعم بعشق مجنون مع غيث الذي لا يعقل على مر السنوات... يحيى الذي يكبر ليصبح صورة من غيث بوجه بسمة... يونس وتغريد... سليم غارق بفتنة عائشته روعة أطفالهم... ضمها إلى صدره لينتزعها من شرودها. "بدري ووقفت تبصي من البلكونة، بتفكري في إيه؟ التفتت بين ذراعيه لترفع يدها تداعب شعره الأبيض. "...
وفي الدنيا... عارف يا جاسر، أنا كل يوم أقول خلاص أنا وصلت لآخر الحب، بس لما بيبدأ يوم جديد بتلاقي نفسي بحبك أكتر." "إيه الكلام الجامد ده... "دا مش كلام... دي حقيقة." اقترب منها ليسند جبهته على جبهتها. "بقى مش كل يوم لا، دا كل دقة قلب بتدق بتقول حوريتي... ياااه يا حور... اللي مش شافش الحب ما عاش، وأنا حياتي في عشقك... عشق الحور."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!