ترجل غيث من السيارة ليستند عليه جاسر، لتفتح بسمة لهما الباب. بسمة: شاء الله، هتبقى زي الفل. غيث: يا بسمة، حضري الحمام لجاسر وهاتي له هدوم من عندي. انصرفت، ليخرج الأولاد من الداخل ويجرون نحو أبيهم، ليخر بالأرض يضمهم إليه، يتشمم أنفاسهم، روح حبيبته تسكن بهم. عشق: مش اجت معاك يا بابا؟ أنيس: إحنا مش هنشوفها تاني، دي بقالها يوم ويوم ويوم مش اجت. غيث: ما ونّنا.
جاسر: تعبانة شوية، بس هي هتروق وتيجي.. خلو بالكوا من بعض، أنيس خد بالك من إخواتك ومتتعبش خالتو بسمة، ماشي. عشق: أنت هتمشي تاني؟ أنيس: يسيب ماما لوحدها. يحيي: يا عمو، أنا بخلي بالي منهم. ليبتسم للفتى ويربت على كتفه. يحيي: ما أنت الكبير. يونس: مفيش "إزيك يا خالو" ولا حاجة. غيث: بيبي. ليرفعه بين ذراعيه. غيث: أنت الجدع اللي فيهم. يحيي: خالو سليم فين؟ غيث: الزريبة يا يحيي.. خد إخواتك وادخل الأوضة.
عشق: أنا هقعد مع بابا وأعمله العشا زي ماما. أنيس: ونقلعه الجزمة عشان هو كان تعبان.. ماما بتعمل كده. قال جملته لينزع عنه حذاءه وجوربه، ليهمس باختناق. أنيس: بحبكوا أوي.. وماما بتحبكوا أوي. عشق: جابت نونو جديد زي غيث، صح؟ اسمه إيه؟ غيث: جابت اتنين بس تعبانين شوية، بس هما ولاد مش بنات. لتمط عشق شفتيها وتقول بحزن. عشق: مفيش أختي، كله أخويا أخويا. جاسر: يا عشق، دول تعبانين أوي. أنيس: اسمهم إيه يا بابا؟
جاسر: ماما تقوم هتقولينا. بسمة: بابا خد حمام وتعالوا معايا نعمل الأكل، يلا. أسنده غيث للداخل، ليعود. قالت بسمة: شكله تعبان أوي. قلت لك.. كويس إن العيال هنا، مش عاوز يدخل البيت. إيه يا يونس؟ أوي يا بسمة، حاسس بحجر واقف على صدري، زي ما يكون روحي بتنسحب مني. كويسة؟ امبارح غمضت عيني جنبها، شوفتها واقعة في بير غويط، بتحاول تطلع منه مش عارفة.. جسمها ضعيف. بسمة: يعديها على خير يا رب. بسمة: أنت قدرت تقومه إزاي؟
أنا ماما كلمته كلمتين فوقته بيهم.. يحيي. خرج الصغير يا بابا. قوضة ننا المصحف بتاعها، هتلاقيه على المخدة، هاتيه وهات السبحة اللي تحت المخدة وهات شنطة العلاج وتعال. يحيي. لينطلق ركضاً للخارج.. خرج بعد قليل، نعم الحزن يملأ وجهه، ولكنه متماسك نوعاً ما. جاسر: يونس، متقلقش. بسمة: اقعدوا بقى عشان تاكلوا لقمة. جاسر: نفس يا بسمة، والله. بسمة: وحياة حور عندك. تقدم جاسر ليجلس أمامهم. ينظر إلى الطعام بشرود، قال بحنين.
جاسر: بتحب المحشي أوي. نظرت بسمة إلى غيث، ليربت على كتفه. غيث: ياسيدي، يقوم ويعملك أحلى محشي.. كل يا جاسر عشان خاطري. ابتلع بعض الطعام بصعوبة. قادر يا غيث، كل أنت، أنا هبص على العيال على ما تخلص. بسمة: بلاش أكل، هجيب لك كوباية لبن دافية. نفسك يا بسمة، كفاية الحمل اللي أنا راميه عليكي. كده حور دي بنتي مش أختي بس. قامت لتعد له الحليب، وتحرك هو ناحية غرفة الأطفال. عشق: إحنا عاوزين نيجي معاك نشوف ماما.
أنيس: يا بابا، والنبي والنبي. أغمض عيناه بألم. مينفعش يا أنيس، ماما تعبانة ومش هترد عليكم. عشق: هنشوفها ومش هنتكلم معاها، هنبوسها بس. أنيس: هنعمل دوشة. خالص، أصل ماما وحشتني أوي، أشوفها بس. تنهد بقوة. بس من غير دوشة عشان غيث ميحسش، وترجعوا مع عمكم غيث على طول. يحيي: معاكو يا عمو عشان أخلي بالي منهم. ربت جاسر على كتفه. يحفظك يا يحيي. غيث: بينا يا جاسر، الواد يونس مش عاوز ياكل هو كمان.
جاسر: يا غيث، أنا عارف إنك تعبان معايا. عشق وأنيس عاوزين يشوفوا أمهم، يمكن وجودهم حواليها يخليها ترجع لنا. دي مستشفى، ودول أطفال. يحيي، متخفش، أنا هروح معاهم وأخلي بالي منهم. تعالي يا أنيس، هغير لك، وأنتي يا عشق، روحي لماما تغير لك. بعد قليل، كان يترجل جاسر ويونس وغيث والأطفال الثلاثة، لتقابلهم الطبيبة بوجهها البشوش المعتاد. الطبيبة: الخير يا جاسر باشا. جاسر: الأخبار؟
الطبيبة: لله، الأولاد بقوا بخير وممكن يطلعوا من الحضانة بكرة إن شاء الله. جاسر: وحور؟ الطبيبة: كتير، معدلتها الحيوية كويسة جداً، وده مؤشر هايل. يونس بلهفة: ممكن تفوق؟ الطبيبة: إن شاء الله، زي ما ربنا نجا. الأولاد إن شاء الله هييجيها. أنيس: أنا عاوز أشوف ماما. انحنت الطبيبة أمامهم وقالت باسمه. بالتؤام الأشقية.. بس ماما تعبانة. عشق: مش هنعمل صوت، هنبوسها بس ونخرج، أصل هي وحشتنا أوي. ربتت الطبيبة على كتفهما.
تعالوا معايا. تحركت بالاطفال، ليتحرك خلفها الجميع، وقعت عيناه عليها، مازالت مغمضة، غارقة في عالم بعيد عنه، ولكن مهلاً، هناك ابتسامة شاحبة على وجهها. يقترب ليجلس على طرف الفراش، يتلمس بسمتها الباهتة. جاسر: فتحي عينيكي، وحشتيني أوي. لـيصعد أنيس على الفراش ويلقي نفسه على صدرها. أوي يا ماما. عشق وهي تحاول التسلق. ماما وحشتني أنا. زينب: يا ولاد، ماما تعبانة. أنيس: ماما بتلعب، عاملة نايمة عشان نصحيها.
ليهزها الصغير بيديه الصغيرتين. اصحي.. عارفة، خالتو مش قالت لينا إنك تعبانة؟ قالت ماما راحت تجيب النونو. أنا مش بحبه عشان خلاكي تنامي. عشق: طلعني، عاوزة أبوس ماما. ليرفعها يحيي بصعوبة، لتدفع أنيس قليلاً. يا غلس، ماما هتحضني أنا. لتربت على وجهها بيدها الصغيرة. ردي عليا، أنا مش على أنيس، هو وحش أصلاً. أنا بنوتك بس، كده مش تجيبي بنوتة كمان، بس مش مهم.. قومي يا ماما عشان خاطري، غيث قاعد مع يونس وخالتو، بس بيقول ماما فين.
أغمض جاسر عيناه بألم. روح العيال دي. الطبيبة: سيبهم، وجودكم حواليها، خلي ضربات قلبها تبقى أسرع، ومعنى كده إنها هتبدأ تستجيب فعلاً. جاسر بلهفة: هي حسيت بالولاد؟ الطبيبة: حسيت بحضرتك، لأن ضربات قلبها بدأت تزيد من أول ما دخلت. أنيس بحدة: عنيك يا عمو، ماما مش لابسة طرحة، حرام. غيث: مش ببص يا أنيس، متخفش.
يراقب صغيره بقلب نابض، وهو يأخذ طرحة من جدته ليغطي بها شعر ولادته، وتعدل عشق ثيابها لتخفي الأسلاك تحت ملابسها، يتحرك أنيس ليغطي الجزء الظاهر من أصابع قدمها. أنيس بدموعه: أنا كنت زعلان منك أنت وماما عشان سبتونا لوحدنا، بس مش كنت أعرف إنها تعبانة ومش هترد عليا. ضمه جاسر إلى صدره. عليه يا حبيبي.. ربنا يبارك لي فيكم. عشق بدموع: مش تعيط. ليمسح وجهه. مش بعيط، أنا فرحان بيكوا أوي.. ربنا يحفظها عشانكوا وعشاني.
ليجلس بجوار رأسها ويهمس. يا حور، شايفه الولاد قلقانين عليكي إزاي.. الحمد لله، الدكتورة بتقول الولدين بكرة هيطلعوا من الحضانة.. ربنا نجاهم عشانك.. قومي يا حور، الدنيا من غيرك وحشة أوي. مسح يونس دموعه وقال. يا ولاد، عشان تشوفوا النونو. قفزت عشق لتمسك يد يحيي. معايا يا يحيي. يونس: هتيجي يا أنيس؟ أنيس: هما وحشين، تعبوا ماما. جاسر: تزعل منك كده يا أنيس، دول إخواتك، أنت الكبير. قبل الصغير خدها لتسقط دموعه على وجهها.
أنا مش عاوز ماما تزعل مني، وهروح لحمزة ومالك وأشوفهم. غيث وهو ينزله. سمتهم خلاص. وماما، كنا بنختار أسماءهم عشان بابا هو اللي بيسمي البنات. ماما كانت بتقولي: الحزب بتاعنا يكسب عشان فيه هي وأنا وغيث. ودلوقتي فيه حمزة ومالك، وبابا الحزب بتاعه فيه عشق بس، عشان كده هي غلبانة ولازم نطبطب عليها كلنا. زينب: تعالي، وديني معاهم أشوف العيال. خرج الجميع، ليقترب هو، يريح رأسه على صدرها ويهمس بلوعة.
يا حوريتي.. مقدرتش أدخل البيت وإنتي مش فيه.. الدنيا سودا والحمل تقيل أوي يا حور.. عارفة؟ يمكن اللي رد روحي شوية لما خدت العيال في حضني.. وحشني حضنك أوي.. وحشتني عينيكي اللي لون البندق.. حقك عليا، كنت فاكر إن العيال هي اللي هتخليكي تفضلي معايا.. بس كنت غلطان، عشان أنا عايش جوه القلب ده وبس.. قومي يا حور عشان خاطري.
ليخفق قلبه ويرتعش جسده بالكامل، ليحصل منها على أول استجابة، حركة لأصابعها بين أصابعه.. يتمسك بيدها كأنها طوق النجاة، لتتحرك مرة أخرى، ليخرج مسرعاً. خديجة: إيه يا ابني؟ جاسر: إيدها اتحركت، الدكتورة فين؟ خديجة: هدخلها، وأنت روح. أطلق ساقيه للريح، ليفتح باب غرفة الطبيبة. إيدها اتحركت. أهدي بس.. أنا قلت لك إن استجابتها بدأت تشتغل. تحركت، ليتحرك خلفها يتابع بشغف كشف الطبيبة، لتجري اتصال وتستحضر طبيب آخر.
هي في مرحلة الوعي، يعني ممكن تكون سمعانا أو حاسة بينا دلوقتي.. بس لازم يشوفها دكتور مخ وأعصاب، لأنه هو اللي هيحدد. يمسك يدها يريد فقط حركة أخرى تحيي آمال قلبه المهترئة. عاد الصغار ليقبلوا على والدتهم. "أنيس صغيرين أوي أوي." "عشق زي العروسة بتاعتي." "يحيي بقى يا خالتو دول بيعيطوا جامد زي يونس." "يا يحيي! " قال جاسر بلهفة. وقف غيث أمامه ليقول بانفعال: "اتحركت يا غيث، حور هتقوم عشاني؟
بعد قليل، حضر الطبيب ليصر على إخراج الجميع من الغرفة. وبعد مشادة كادت تصل للعنف، وافق على مضض على وجود جاسر. كان يتأمل وجهها، حصل على اقتطابه وآهات مختنقة من بين شفتيها، لتضيء الدنيا حوله بنور عينيها. ليقترب دون وعي. "سمعاني؟ حركي عينك." لتطرف عيناها. "اللي حواليكي." لتحرك عينيها وتهمس. استعاد كل شيء: نبضه، وعيه، قوته، روحه المفقودة. ليخر في الأرض. "اللهم لك الحمد والشكر."
يرفع رأسه ليجلس على الفراش، يتلمس وجهها بشغف. "بعد إذنك، عاوز أكمل شغلي. مش عاوزين أي انتكاسة." قال الطبيب بغضب. "قال بسرعه: اعمل اللي انت عاوزه." حدّق الطبيب باستغراب. هذا الطور الهائج، كيف تحول لحمل وديع؟ "حور، في حاجة بتوجعك؟ "أي وجع في دماغك؟ "رجلي وظهري كمان بيوجعوني." وقف عند ساقيها وبدأ يثنيها. "إيدي على قد ما تقدري." دفعت يده ليقوم بنفس الحركة مرة أخرى.
"ظاهريًا كله تمام، بس محتاجين نعمل رنين على المخ عشان نتأكد إن مفيش حاجة اتضررت." "اللي تشوفه حضرتك." "هنبدأ بحركة خفيفة خالص، يعني نقوم ننزل رجلينا في الأرض ونحاول نتعدل." عدّل جاسر ثيابها، ليخفض ساقيها، يسندها. "أنا دايخة أوي يا جاسر." "طبيعي، انتي بقالك أسبوع في غيبوبة. خدي نفس طويل وحاولي تاني." لتعتدل، مسندة رأسها لخصره. "قادرة، حاسة إني هرجع." ليضمها جاسر بين أحضانه، ليرفعها لتلمس قدميها الأرض.
"حور، حاولي بس تتغلبي على الدوخة دي وتتحركي." "أنا معاكي." "خطوة أخرى." "تمام. رجعها مكانها، وحمد لله على سلامتك." "بتوجعني أوي." "انتي فاتحة قيصري." تحسست بطنها وانهمرت دموعها. "ماتوا، مش كده؟ أراحها على الفراش جالسة، لتقول الطبيبة: "الولاد زي الفل وبكرة هيخرجوا من الحضانه، بس انتي هتفضلي معانا شوية لحد ما نطمن عليكي خالص. حمد لله على سلامتها يا جاسر بيه." "يسلمك. أنا متشكر ليكوا جدًا، وأسف يادكتور." "مفيش حاجة."
ليخرج الأطباء، ويهرول الصغار ليقفزوا على الفراش بسعادة. "صحيت خالتو حبيبتي! لينتزعهم جاسر وغيث. "حمد لله على سلامتك يا حور." "انتي جيتي؟ "انتي بنتي زي عيشة، أمال فين عيشة؟ "سليم وعم محمود بيوزعوا العجلين بنية الشفا وربنا استجاب." ليدخل يونس ليرتمي على صدر حور. "الله ربنا يخليكي ليا." لتقول بتعب: "يا يونس، بس بطني بتوجعني، انت نايم على الجرح." ليرفع رأسه ويضحك من بين دموعه. "عارف، مهي بتوجعني أنا كمان."
لينفجر الجميع في الضحك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!