فتح الباب الحديدي علي مصراعيه بقدمه، توحشت عيناه و اشتدت عروقه فور رؤيته، رغم انه مقيد و الدماء تنزف من رأسه و فمه و بحاله يرثي لها، الا انه لم يشفي غليله او يهدء من غضبه. فتح مجد عينيه بتثاقل و ما ان ابصر صقر امامه، ادرك انه خسر معركته، لم يظهر له ذلك بل بالعكس، اظهر له تلك الابتسامه الساخرة ، الذي تلقاها صقر مهتزه مضطربه. نظر مجد للخراب من حوله و الحبل الذي يقيده في المقعد قائلا بأستفزاز:
ده اللقا نصيب يا جدعان، بس المكان مش قد المقام يا صقر. اجابه صقر قاصدا اهانته: مقامك يا مجدلوي. مجد شفتيه بأستياء: طول عمرك مغرور. ابتسم صقر ساخرآ: انت اللي شايف نفسك قليل جمبي. ثم اشار للغفير الواقف ان يفك قيد مجد ، و ما ان فعل حتي اشار له صقر بالخروج. مسد علي معصمه و اثار القيد ملتفه عليه، احتدت نظرات مجد و امتلئت بالكراهية:
انت اللي عايز تبقي الكبير في كل حاجه ، البلد و عيلتك و الشغل و السوق، كل حاجه اكون فيها لازم تدخلها و تكوش علي اللي فيها، و تطلعني انا اللي فاشل. قتمت عينيه بحقد: ماترددتش لحظه اخد حقي منك و اوجعك و هافضل عايش بس عشان اشوفك مكسور قدامي. قال صقر: انت خايب، اه والله خايب ، ده حتي محاولة قتلي فشلت فيها ، انت جبان يامجد ، انا كنت عارف انك اللي وراها و سبتك تجيب أخرك بس طلع وس# بزياده. اشتدت عروقه من إهانته مجيبآ:
المرة الجايه هاتصيب. تعالت ضحكات صقر المكان قائلا: ده لو خرجت من هنا علي رجليك. ثم اشمئزت ملامحه قائلا: سوادك طفح علي وشك، اللي زيك عمره مايشغلني، بس وقت ماتقرب من حاجه تخصني يبقي بتطلع اسوء ما فيا. امتلئت ضحكاته المكان من حولهم و قال مجد باستفزاز متلذذآ: كارما. خطأ كان نطقه لاسمها امامه خطأ، و قد اكتفي صقر لاخطاء ذلك الارعن.
دفع كرسيه بقدمه حتي سقط علي ظهرة بقوة، ثم جذبه جانبآ و انحني عليه و لم يتوانى في تسديد اللكمات بوجهه، تعالت آهات مجد و تأوهاته بألم ، دفعه مجد عنه بصعوبة ثم وقفوا الاثنين امام بعضهم. هتف مجد من بين لهاثه ساخرآ: حريم دارك عايزين يتشد عليهم ، ماتسبش لهم الحبل علي الغارب كده. خرج صوت صقر قاذفآ به ببعض الالفاظ و هجم عليه و لم يتصدي مجد هجمته، ضربه اسفل معدته و دفعه ارضآ، كاد ان ينحني عليه و لكن دفعه مجد بقوة، اندفع صقر
عليه مره أخري صارخا بغضب: اقطع رقبتك لو حبت سيرة حريم دار الجارحي يابن اا$$$ اختنقت انفاس مجد قائلا: بت خالتك اللي كلمتني و هي اللي اتففت معايا علي كل حاجه. توقف صقر لبره ، ثم استقام عنه ، كان جلبابه مليئآ بالغبار، لم يشعر حتي بألم كتفه ،وجهه مشدود و مخيف ، شعره مشعثآ و عينيه تكاد تحرق كل ما تطوله بنظراتها.
صدر منه صوتآ متوحشآ و أنهال عليه ضربآ مبرحآ، لم يتوقف صقر و لم يصدر سوي صوت مجد و تأوهاته المتألمه في المكان ، حتي بات علي وشك ان يلفظ انفاسه الاخيرة. شعر صقر بمن يقيده من ظهرة محاولا إثناءه، التفت اليه بوجهه فا قال له عيد لردعه: الحكومه علي وصول بكفاياك يا صقر. نظر صقر له ثم لمجد ، بصق عليه و الاخر لم يعد به ماينفع او يصلح لشئ، و ما ينتظره سوي الاسوء... ***
صرخ بصوت اهتز له جدران البيت الكبير، انتفضت كارما لصوته الجهوري و اندفعت لتستكشف ماذا يحدث، حتي ايناس الجالسه علي صفيح ساخن لاتعرف ما ينتظرها ، انتفضت آثر الباب الذي انفتح علي مصراعيه و صقر الواقف بحالته الشرسه. فزعت و جف حلقها و بتلعثم قالت: في ايه. قال صقر: ، جاي اقولك ان اا## اللي اتففتي معاه ماعرفش يمس من اختك شعره واحده، و طول مانا موجود ماحدش يعرف يمسها. زاغت عينيها و شحب وجهها و قالت ايناس: و انا ايه علاقتي.
قال صقر و جذبها من خلف حجابها صارخآ: وصلت معاكي لكده ، وصل شيطانك تسلميها لل## اللي متفق معاكي. صرخت ايناس بألم و تدفقت عبراتها ،اندفعوا كل من في البيت لتلك الاصوات، صوت صقر الغاضبآ الجهوري و صريخ ايناس المتألم. بينما اشتدت يد صقر هادرآ بها: هانت عليكي ازاي و انتي عارفه كاان ناوي يعمل ايه فيها. قالت أمل بغير فهم: في ايه يابني مش كده، ايه اللي حصل. التفت لوالدته و اليهم جميعأ قائلا:
كانت عين مجد في دارنا، كانت بتوسع له الطريق و تخطط، هي اللي سلمت له اختها يخطفها و يطلع فيها غله و سواده ووساخته. ارتسمت الصدمه علي ملامح الجميع، شهقت أمل و لطمت سعاد علي وجهها و زهرة التي لوله شعرت انها استمعت خطأ، اما كارما فا تصنمت مكانها بعينين جامدتين. هدرت ايناس من خلفه صارخه: كنت بدافع عن حقي فيك، ليه هي و انا لا، انا الاولي بيك، ليه عمرك ما شوفتني، وجودها كان غلط من الاول. لم يجاوبها سوي بصفعه
سقطت علي وجنتها هاتفآ: ده الحمد لله اني عمري ماشوفتك ، اللي تعمل كده في اختها و بالجحود ده تعمل اوسخ من كده عشان مصلحتها ، انتي تستاهلي الحرق. دفعها و سقطت علي فراشها باكيه بإنهيار، ثم غادر للخارج كالعاصفه ، اكتسي الصمت المكان الا من اصوات بكاء ايناس و والدتها. استند عتمان بيديه علي عكازة ثم حرك رأسه و كأنه يحدث نفسه أسفآ:
ياريتك كنتي وعيتي بتك يا سعاد من الاول، كبرتي شيطانها لحد مابقت قدام مصلحتها ماتفرقش معاها صلة الدم. التفتت اليه سعاد بكره قائله: بتظلموا بنتي زي ما ظلمتوني زمان. هدر بها بحده: محدش ظلمك يا سعاد، من وقت ما ابني عطاكي حريتك و خيرتك، كنت بخيرك في كل عريس يجيلك، و عمري ماقولتلك اترهبني و امنعي الجواز ،حتي ايناس مافيش غيرك حط في دماغها جوازها من صقر، طلعتيها انانيه مؤذيه. توحشت عينيها و وقفت امامه و قد خرجت عن طور عقلها:
كنت عايزاها تعمل اللي ماعرفتش اعمله ، تبقي مرات الكبير ، ليه انا جوزي يطفش ثم اشارت بيدها علي شقيقتها و اكملت: و هي تبقي تحت جناح جوزها و ابنها يبقي الكبير و لما سكت و تدور الايام و برضو بتي تطلع خسرانه ، مشيرة الي كارما هاتفه بها: و هي اللي تكسب في الاخر. وضعت امل يدها علي فمها باكيه علي ما في قلب شقيقتها اليها، حرك رحيم رأسه أسفآ و ربت علي كتف زوجته بينما خرج صوت الحاج عتمان مقررا دون نقاش:
وجودك انتي و بنتك في الدار بعد اللي حصل بقي مستحيل ، هاتتنقلوا لدار اللي علي اليمه التانيه. القي كلماته قبل ان يخرج: صلحي اللي عملتيه في نفس بنتك، الله يرحمك يابني كان داري ان عتبت داره مايله. ***
اسدل الليل ستائرة و انتصف الليل، لم يأتي للان، حتي لم يجيب علي اتصال احد، تملك منها القلق و التعب ، فامن وقت الحادثه صباحآ ، و حدوث تلك المواجهه من بعدها لم تتمالك اعصابها و لم تأخذ اي قسط من الراحه ، و ها هي جالسه علي السلم منتظرة قدومه لتطمئن عليه رغم جسدها الذي يآن من التعب. انتبهت علي صوت خطواته فا شبت برأسها و رأته يصعد بخطوات بطئيه مرهقه. وقف امامها متسائلا بقلق: ايه مصحيكي لحد دلوقتي. اجابته
و هي تنظر لملامحه المجهدة: مستنياك، اتاخرت جدا قلقت عليك. اجابها بابتسامه خفيفه قائلا: انا كويس ما تقلقيش. سكتت تبحث عن حديث آخر قائله: شكلك تعبان اوي و متبهدل. توي ثغره ببسمه و وقال: هانام و ان شاء الله هاصبح كويس. اومات برأسها و اشارت له بيدها و بعد ماتحركت خطوتين _كارما التفتت اليه فقال: عايزة تقولي ايه. نفخت ومسحت علي جبينها و قالت: مش عارفه بس، متلغبطه اوي، و زعلانه و حاسه اني خايفه.
جلس علي الدرج ، و استند بساعديه علي فخذيه، فعلت كارما المثل و جلست بجانبه. فقال لها مقدرآ: اليوم فعلا كان صعب و طويل و شوفتي حاجات و اتقال كلام انتي مالكيش اي ذنب فيه. ثم نظر اليها بتلك الطريقه الحانيه: عايزة تزعلي حقك، ازعلي ، و انا اراضيكي ، انما تخافي، فا ابدا اوعي تخافي طول مانا موجود. التهبت و جنتيها بسخونه ، و اضطربت انفاسها، دارت عنه بوجهها و ابتسامه داعبت ثغرها رأها و اثلجت صدرة. استمعت لتنهيدته فقالت له:
طب روح استريح. وجدته يخرج من جيبه تلك الورقه وفتحها علي مهل ، نظرت اليه و اخذتها بفضول ، ثم اتسعت عينيها و شهقت قائله: يا نهار اسود. اوما براسه و قال ساخرا: ماهي المصايب ما بتجيش غير مع بعض. اغمضت عينيها و طبقت ورقه الزواج العرفي بأيدي مرتعشه، تعرف جيدا انها لو وصلت لعتمان و رحيم ستنتهي بالدماء. تفاجئ بها امامه، جلست علي ركبتيها و مسكت ساعديه قائلا برجاء: صقر ارجوك ماتقولش لجدي. تسعت عينيه و وقال علي الفور رافضآ:
انتي بتهزري جدي لازم يعرف ، ده عار يا كارما ، جواز و عرفي من ورانا انتي فاهمه هي وصلتنا لايه. ضغطت علي يديه هاتفه به: علشان عارفه بأرجوك ماتقولش ، جدي ممكن يموتها، انت عارف هاتوصلنا لايه يا صقر، غير الفضيحة و كلام الناس و البيت اللي هايتدمر، و ايناس عمرها ما هاتسامحكم ابدا لو امها جرالها حاجه. ادار وجهه عنها عابس الوجه، فا بجراءة، مدت يدها و حركت رأسه اليها و قالت برجاء شديد:
جدي حكم النهارده ان بعد اللي حصل ، وجودنا كلنا في بيت واحد هايبقي مستحيل ، فا ها يروحوا البيت التاني ، يعني هايبعدوا عن هنا ، ارجوك ارجوك يا صقر كفايه لحد كده، انا مش عايزة مشاكل تاني انا تعبت. ثم لمعت عينيها بالدموع و قالت بصدق: عايزة افرح باللي جاي ، و افرح معاك. دارت عينيه بين عينيها الراجيه و يدها المرتعشه علي ساعده، استمعت لصوت خروشة و رأت الورقه بيده اصبحت وريقات صغيرة الحجم.
ضحكت و بكت في آن واحد، كانت لوحه فريده الجمال، و عينيها تنظر اليه بحب لا يستهان به، مسحت طرف عينيها بكمها ، كانت ابتسامتها المتناقضه لدموعها العالقه بعينيها قائله: انا محظوظه بيك ، لو كنت اعرف ان رجوعي هنا هايكون مكفأتي فيه انت، انا كنت جيت من زمان اوي. رفع يده في رغبه شديده منه ان يلامس وجنتها ، و لكنها توقفت بالهواء و قبض كفه بعيدا عنها قائلا لها: اطلعي اوضتك و ارتاحي اليوم كان صعب. فهمت عليه و استقامت قائله:
و انت كمان ارتاح، تصبح علي خير. همهم من خلفها هاتفآ لنفسه و هو يمسح علي وجهه: و هي الراحه هاترافقني منين و انتي بعيده. ثم صبر نفسه متمتمآ: هانت هانت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!