ارتكزت عيناه على والده، وكتفه الملتف بالشاش الطبي راقدًا على فراش المشفى. بعد ما استطاع كامل بصعوبة الاتصال بولده حتى ينقذه وهو على وشك الموت، لم يستغرق عيد الكثير من الوقت وكان والده يستند عليه حتى وصلوا للمشفى. رغم ريبة عيد وقلقه وفضوله لم يتحدث، حتى بعد ما استمع لأقوال والده أنهم أحد قطاع الطرق ما تسببوا بإصابته، آثر الصمت حتى أصبحوا بمفردهم.
وللغرابة لم يخفِ كامل عن ولده شيئًا، الذي شحب وجهه وكأن دلو ماء مثلج وقع على رأسه. اتجه عيد للباب وقال لوالده: تخرج من المستشفى بالسلامة ومالناش قعاد في البلد هنا. أومأ له كامل بتعب وقال: عارف إني غلط وحاولت أصلح غلطي ده. التفت له عيد مؤنبًا: غلطك كبير أوي يا بابا. قال كامل بتقرير: سعاد ما كانتش هاتمشي غير بالدم. رد عيد: انتو الاتنين غلطانين، الشرف ما يتدايسش عليه. تساءل كامل بقلق: انت رايح فين؟ تنهد بثقل وقال:
رايح لصقر، رايح ألحق أوقف مجزرة ثانية هاتحصل. هتف والده قائلاً: بعد اللي عمله معاك. رد عيد: اللي عمله أنا أستاهله، والقلم لو كنت أخدته منك أنت من زمان، كنت اتعلمت جبر خاطر الغلابة. ثم خرج من المشفى عازمًا على إخبار صقر بكل ما انتواه مجد، ربما تأخر قليلاً ولكن وقت التنفيذ لم يأتِ بعد. *** لم يتبقَّ على عقد القران سوى يوم واحد، ودار الجارحي أصبحت كخلية النحل، لتجهيز حفل يليق بأبناء عائلة الجارحي وكبيرهم مستقبلاً.
لم تخفِ زهرة سعادتها وهي تدور هنا وهناك فقالت كارما: يا بنتي اهدي بقى شوية. أجابتها زهرة بعينين متلهفتين: فرحانة. فرحانة أوي يا كارما، حاسة إني بحلم. شاكستها كارما قائلة: طبعًا، ما هو حبيب القلب، الله يرحم النظرات ووقفة الشباك. ألقت عليها الوسادة وجلست قبالتها قائلة: هو انتي مش فرحانة يا كارما؟ ابتسمت بحالمية وشغف: إحساس غريب يا زهرة، ملخبطني وموترني كده، بس كل ما أشوفه بحس إني مبسوطة ومتحمسة كده. صفقت
زهرة بيديها وقالت مهللة: أخويا ده مش سهل يا جدعان أنا عارفة. *** اندفع عيد متجهًا لصقر، انتبه له صقر ظانًا أنه أتى للمباركة، لكن ملامح عيد المتهجمة أثارت ريبة صقر. لم ينتظر عيد المزيد من إهدار الوقت، يكفي الوقت الذي قضاه ملازمًا والده في المشفى. وقف عيد قبالته وألقى على مسامعه ما جعل الدماء تقف في عروقه. *** قطعت الخادمة حديثهم وقالت لكارما: صقر بيه عايزك تحت يا ست كارما. كارما باستغراب: تحت فين؟ أجابتها الخادمة:
عند الباب الوراني. هتفت زهرة بشقاوة: ماشي يا عم، ماشية معاكي، إيه تيحي بالسلامة يا كيمو. أخرجت لها كارما لسانها وركضت لأسفل تبحث عنه، لم تجده في الفناء الخلفي للدار، فا فتحت بوابته والتفتت الجهتين ولم تجد له أثرًا. استدارت لتعود للداخل، شهقت واضعة يدها على صدرها هاتفة: مجد! بادلها بتلك الابتسامة السخيفة قائلاً: يا أحلى اسم سمعته في حياتي. تحركت خطوتين لتتخطاه، لكنه وقف أمامه وحاصرها قائلاً:
رايحة فين، مش تشوفي هديتك يا عروسة؟ ألقى بوجهها رذاذًا من تلك الزجاجة المخدرة، جعلت رأسها تتثاقل رغم محاولتها لتبقى واعية، خوفًا من خطر محيط بها، لم تستغرق الكثير وأصبحت بين يديه غائبة عن الوعي. *** بخطوات راكضة لداخل الدار، كان صقر ينادي بصوت جهوري عليها، تجمع كل من في البيت متسائلاً ومن بينهم زهرة، التي قالت باندهاش: انت بعت لها أم محروس تبلغها إنك مستنيها في الجنينة اللي ورا.
لم يقف لثانية أخرى وركض للخارج متمنيًا أنه لم يفوت الأوان. اتسعت عيناه وهو يرى مجد يحملها بين ذراعيه لسيارته وانطلق بها بسرعة عالية، حتى خلف من ورائه غبار كثيف لا ترى يدك من قوته. ارتسم على وجهه ضحكة شامته، ونظرة عليها من الخلف وعيناه تحمل من الانتصار ما يعزز شعوره بالنشوة، راسماً أحلاماً للحصول عليها. سيستمتع بها على مهل، سيجعله يتجرع ظنونه عن ما سيفعله بها ببطء، سيعمل على أن يجعل كرامته فتات على الأرض.
اندفع فجأة للأمام بقوة حتى اصطدمت رأسه بالمقود، نظر في المرآة وبرزت عروقه وازدادت سرعته هربًا من صقر الذي لحقه، يعرف ويدرك جيدًا أنه لو أصبح في قبضته لن ينقذه أحد من براثنه. اشتدت يداه على المقود، عيناه حمراء كالدم وعروق رقبته تكاد تنفجر من شدة غضبه، هاذرًا من بين أسنانه: هاطلع روحك في إيدي يابن الـ...
صدم بسيارة مجد من الخلف بقوة ليجبره على التوقف، لكن الآخر يحاول تفاديها، يسرع للهروب ولكن صقر باغته بضربة أخرى بجانبه وأخرج سلاحه منتظرًا استخدامه في الوقت المناسب. مر وقت ليس بالقصير على تلك المطاردة العنيفة، صوب صقر سلاحه بمهارة وأطلق عدة طلقات على سيارته من الخلف وب باغته بصدمة مفاجأة جعلته يصطدم في جدار منزل قديم وانقلبت سيارة صقر على جانبها.
عم الهدوء المكان بعد ذلك الاصطدام، خرج صقر من سيارته ببطء متحاملًا على نفسه من شدة الآلام. فتح باب سيارة مجد الفاقد لوعيه وتنزف رأسه الدماء وجذبه على الأرض بقوة أسفل قدمه بعنف، ثم استدار لكارما المازالت في غيمتها السوداء، أحاط وجهها البارد بين يديه وعيناه تتفحص كل إنش بها، لم تخلُ أيضاً من الإصابات من الاصطدامات التي حدثت، فذلك الجرح في جبينها ينبئه أنه سيحتاج لعدة غرز.
وضع رأسه على جبينها آخذًا أنفاسه بصعوبة، يتمتم بالحمد أنها مازالت معه وكل شيء من بعد ذلك يهون. توقفت عدة سيارات، من بينهم عيد الذي ركض على صقر بعد رأى بعينيه انقلاب سيارته وتهشم سيارة مجد، قائلاً بقلق: صقر أنت كويس؟ أومأ له برأسه ونزلوا رجال صقر من سيارتهم بأسلحتهم وحاوطوا سيارة مجد، فقال عيد مجددًا: يلا على المستشفى أحسن. نظر صقر لرجاله قائلاً بعينين مشتعلتين: خدوا الـ... على المخزن مش عايزة يغيب عن عنيكم لحظة.
نفذوا الأمر على الفور، انتشلوه من على الأرض وقوه في سيارتهم. مسح صقر على وجهها ووضع يده أسفل رأسها والأخرى تحت ركبتيها، وبصعوبة متجاهلاً ألم كتفه، حملها وشدد عليها بين أحضانه ليؤكد لنفسه أنها بين يديه، اتجه لسيارة عيد الذي فتح له الباب وقاده للمشفى. وعيناه لا تفارق تلك الغائبة عن الوعي غير مدركة بذلك الذي أقام حربًا فقد من أجلها. *** وصل الخبر لبيت الجارحي على الفور، ضربت أمل على وجهها صارخة: ابني يا رحيم!
هتف بها وهو متجهًا لأسفل رغم القلق الذي يعتريه: خير يا أمل إن شاء الله. لم تخرج كلمة واحدة من سعاد المشاهدة بصمت وكأنها تبلدت، بينما تمنت إيناس أن تزف غريمتها للموت بدلاً من العرس. ركضت من خلفه كل من أمل وزهرة الباكية: طمني عليهم يا بابا والنبي. وقف رحيم عندما قابل عتمان بوجهه قائلاً بصلابة رغم قلقه: مش عايز حد يعلم بحاجة. حاضر يا حاج. *** خرج الطبيب من غرفة الكشف قائلاً بتقرير:
الإصابات مش خطيرة، مجرد كدمات وغرزتين في جبينها، وهي بدأت تفوق من المخدر. تنفس الصعداء وبدأ في التقاط أنفاسه، قال الطبيب: لازم كتفك يتطرد ماينفعش يفضل مخلوع طول الوقت ده. أجابه صقر قائلاً: عايز أشوفها. نفى الطبيب وقال: مش هاتدخل غير لما أشوف كتفك الأول. أيده عيد وقال: خلينا نطمن عليك أنت كمان يا صقر.
امتثل لهم وعملوا له اللازم، حتى أثار استغراب الطبيب أنه حتى لم يحتاج لبنج موضعي، متحملًا الألم بصمت، ولكن في الحقيقة عقله كان في مكان آخر. تفاجأ بدخول والده وجده، انسحب عيد فور قدومهم، وطمأنهم صقر ببعض الكلمات. هتف به عتمان متسائلاً: انت كويس يا صقر، حفيدتي فين حصلها إيه؟ أجابه صقر مطمئنًا: كارما بخير يا جدي، ماحدش قدر يمس شعرة منها. وضع يده على كتفه السليم قائلاً بقلق: إيه اللي بيدور يا صقر؟
أجابه صقر بعينين مشتعلتين: جاء على اللي يخصني يا جدي، عارف إني مش هيكفيني دمه وبرضو عملها. صمت عتمان لبرهة مدركًا أن ما من شيء سيردعه عن ما ينتويه، وأن مجد تخطى كل الخطوط الحمراء. تحدث بهدوء لحفيده بقلق: أوعى لحالك يا ابني، أوعى غضبك يخسرك إنك تبعد عن عيلتك وحبايبك، خايف عليك تتهور. لم يجبه صقر وإنما قال مبتعدًا: هادخل أطمن على كارما. ***
دخل غرفتها بهدوء وجلس على مقعد أمام فراشها، لم يتفوه بشيء، فقط ينظر إليها وهي كذلك، ترى في عينيه خوفه عليها وأيضًا غضب مكبوت، لا تعرف كل التفاصيل للان، كل ما همها فور أن استيقظت أن تبحث عنه، طالما هو في محيطها يعني أنها بأمان. تساءلت كارما وقالت: انت كويس؟ _طول ما أنا شايفك قدامي أكيد كويسًا. أجابها وعيناها على ذراعه المعلق على صدره: بيوجعك مش كده؟ ارتسمت بسمة بسيطة على ثغره مجيبًا: مافيش حاجة توجعني غيرك يا كارما.
أهدته تلك البسمة الحانية الرقيقة: انت عارف رغم خوفي، بس كنت عارفة إنك هاتلحقني، أنا بطمن طول ما أنت موجود حواليا، أول ما فقت وعرفت إنك واقف برة هديت، كل حاجة مش مهمة، المهم إنك معايا. خفق قلبه من كلماتها الغالية التي تفوهت بها دفعة واحدة، أثلجت صدره وهدأت من ضيقها. استقام ومال مقبلاً رأسها فوق حجابها وقال صقر بخفوت: طول ما فيا نفس محدش يقدر يمس طرفك. ده انتي كارما الجارحي وهتبقي مرات صقر الجارحي.
خجلت من لقبها الجديد وابتسمت لتلك الحمرة التي غزت وجنتيها بعد شحوبهما. تركها بعد أن أبلغها بوجود جده ووالده. والده الذي استوقفه متسائلاً: رايح فين يا ابني، استهدي بالله يا صقر وحقنا هنجيبه. أجابه صقر بغضب مكتوم: مش هاسيب حقي وحق كارما، هاحاسبه على اللي عمله واللي كان ناوي يعمله، هخليه يبكي زي النسوان طالب رحمتي ومش هينولها...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!