تحميل رواية «عشق الصقر» PDF
بقلم سارة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى المحافظات في صعيد مصري، يجلس هو، حفيد عائلة الجارحي، أقدم عائلات الصعيد وأكثرهم تواجدًا في المجالس العرفية، نظرًا لشدتهم في الحق ونصر المظلومين. ينزل بطلنا على الدرج بطول فارِه، فهو طويل القامة، عريض المنكبين، يتميز بالبشرة السمراء لتعرضه للشمس. يزين وجهه هذه اللحية، وتزيد عليه الوسامة بإحدى الغمازتين لتزين وجهه الرجولي. بجلبابه الصعيدي المعتز به جدًا، وهو في العقد الثالث من عمره، ينزل بكبرياء وثقة لا تليق إلا به، فهو حفيد عائلة الجارحي. (صقر رحيم عتمان الجارحي) توجه إلى الإفطار مع عائلت...
رواية عشق الصقر الفصل الأول 1 - بقلم سارة حسن
في إحدى المحافظات في صعيد مصري، يجلس هو، حفيد عائلة الجارحي، أقدم عائلات الصعيد وأكثرهم تواجدًا في المجالس العرفية، نظرًا لشدتهم في الحق ونصر المظلومين.
ينزل بطلنا على الدرج بطول فارِه، فهو طويل القامة، عريض المنكبين، يتميز بالبشرة السمراء لتعرضه للشمس. يزين وجهه هذه اللحية، وتزيد عليه الوسامة بإحدى الغمازتين لتزين وجهه الرجولي. بجلبابه الصعيدي المعتز به جدًا، وهو في العقد الثالث من عمره، ينزل بكبرياء وثقة لا تليق إلا به، فهو حفيد عائلة الجارحي.
(صقر رحيم عتمان الجارحي) توجه إلى الإفطار مع عائلته، ويترأس المائدة كبير العائلة جده (عتمان الجارحي)، في العقد السادس من عمره. وبجانبه صقر، وبجانب صقر أخته الوحيدة (زهره). بجانبها ابنة خالتها (إيناس)، فهي منذ الصغر ترى صقر حبيبها وزوجها، ومكتوب لها من الصغر بعلم العائلة.
وعلى الجانب الآخر يجلس (رحيم) ابن عتمان، فهو منذ مرضه، تولى صقر إدارة أعمال العائلة لثقته في قرارات صقر وتحمله للمسؤولية. وبجانبه زوجته (أمل)، والدة صقر وزهره. وبجانبها أختها (سعاد). فمنذ أن سافر زوجها عادل ابن عتمان وأخو رحيم للحصول على الدكتوراه في الخارج، لم يعد. فمن الأساس زواجه من (سعاد) رغماً عنه، فهو الدكتور عادل عتمان الجارحي لم يكن يريد الزواج من سعاد لاختلاف الطباع والثقافة. تزوجها رغماً عنه، عكس رحيم، فـ أمل حب طفولته وشبابه.
أما عادل، فبعد زواجه منها، سافر للخارج وقابل شريكته التي كان يبحث عنها (كاريمان)، فهي من أم لبنانية وأب أمريكي. تزوجها، وواجه زواجهما رفض عائلته، فقرر عدم العودة لغضب عتمان، وأنجب منها فتاة (كارما)، تيمنًا لاسم حبيبته.
في البيت الكبير:
عتمان: صباح الخير يا صقر.
صقر: صباح النور يا جدي.
عتمان: مسافر النهارده؟
صقر: أيوه يا جدي، عندي شغل في مصر. آخر طلبية بعتناها حصل فيها مشكلة، هاروح أحلاها.
عتمان: وعملت إيه في حكاية بنت عمك؟ عرفت هاتوصل امتى؟
صقر: بعد يومين يا جدي.
عتمان: الحمد لله.
دار هذا الحوار أمام إيناس ووالدتها سعاد، فلم يبدُ أي رد فعل لبغضهم الشديد لعودة كارما. فمن بعد وفاة عادل، وعتمان يبحث عنها كثيراً لندمه لبعد ابنه ومعارضته في هذا الزواج الذي استمر رغم أنفه. بحث عنها وعندما وجدها، صدم لوفاة والدتها حزناً على زوجها عادل، وتركت كارما وحيدة بعد أن أكدت عليها العودة لأهل الأب، فهي وحيدة وليس لها أحد.
وعند تواصل جدها معها، قررت العودة. لإيناس لم تقابلهم ولا تعرف عنهم سوى حكايات والدها عن أهله وبلده. تعود لمصيرها في هذه العائلة.
رواية عشق الصقر الفصل الثاني 2 - بقلم سارة حسن
يقف صقر بهيبته واهتمامه بعمله. فالكل يعرف طبيعة صقر في العمل، فهو صارم يكره الأخطاء.
صقر: كده تمام. الأوراق خلصت. فيه مشاكل تانية؟
العامل: لا يا صقر بيه. كده تمام.
صقر: طيب لو حصل حاجة كلم كريم وهو يتصرف.
(كريم هو صديق صقر المقرب، يعمل معه في الحسابات وتسليم الطلبيات للمصانع. هو شخص مريح، أصغر من صقر بسنوات قليلة، طويل، صاحب بشرة بيضاء وشعر أسود كثيف وملامح رجولية هادئة.)
ينصرف صقر عائدًا إلى البيت. فمواعيد الغداء في بيت عتمان الجارحي صارمة.
يصدح صوت هاتف صقر.
كريم بمرح: إيه يا ابني؟ انت لحقت تيجي علشان تمشي؟
صقر بهدوئه المعتاد: خلصت اللي جاي عشانه. وانت عارف إني مش بحب أقعد في المدينة كتير. امال أنا ماسكك الشغل فيها ليه؟
كريم: طب كنت اقعد شوية. ده انت واحشني.
صقر بغضب مصطنع: إيه؟ واحشني دي؟ انت بتكلم صاحبتك؟
كريم بعبث: خلاص ياعم. لا وحشتني ولا عايز أشوفك. أنا غلطان.
صقر: لو ما وراكش حاجة تعالي. فيه حسابات عايزك فيها.
كريم: هاشوف الشغل اللي عندي وأكلمك. سلام.
أما في البيت الكبير، يصدح صوت عتمان للخدم.
عتمان: جهزوا جناح حفيدتي. عايزة ماينقصهوش حاجة.
الخدم: حاضر يا حاج.
حيم: إيه الابتسامة دي يا بوي؟
عتمان بارتياح: إيه؟ حفيدتي راجعة. وهاملي عيني منها. ما أفرحش ولا إيه؟
حيم بابتسامة: لا يا بوي. أفرح طبعًا. بس إيناس وسعاد قلقانين منهم. كل ما تيجي سيرتها وشهم يجيب ألوان.
عتمان بحدة: دي حفيدتي اللي اتحرمت منها عمرها كله. وزي ما ليها في البيت ده، ليها. ما تي الحريم عندنا بيمشونا على مزاجهم.
حيم بحذر من انفعال عتمان: أنا ما قصدتش يابوي. أنا بس خايف يضايقوها واحنا مانعرفش طباعها. دي عاشت عمرها بره وأول مرة تيجي هنا. خايف ماتطبعش بطبعنا. بس أنا أكيد فرحان. دي بت أخويا ولحمي وبرضه.
عتمان بحزم: محدش هايضايقها. وتتطبع بطبعنا واحدة واحدة. أنا ما صدقت إنها جايه. وأعوض بيها فراق ولدي اللي كل يوم أقول ياريتني كنت وافقت على جوازته بدل فراقه السنين دي كلها. علشان كده بتّه لازم تكون في حضني في أمان. دي بت الجارحي.
حيم: تابع وقول لمرتك توعي سعاد وبتها إن اللي هايدوس على بت ابني على طرف، ياويله من غضبي.
حيم: حاضر يا بوي. كل اللي انت عايزه هايحصل.
أما على الجانب الآخر من البيت.
إيناس بغضب: شوفتي ياما؟ جدي عمل اللي في دماغه وهايجبها برضه.
سعاد: جدك وعارفينه. اللي عايزه بيعمله. بس أنا عايزاكي تسيبك منها وخليكي مع صقر.
إيناس: إزاي؟ ماله صقر؟
سعاد بخبث: يعني إحنا مش عارفين اللي جايه من بلاد بره دي عاملة إزاي؟ يمكن تكون خوجايه تلف عليه وماتطوليش حاجة.
إيناس بغضب: ده أنا أموتها! مش كفاية خدت أبويا مني؟ هاتأخد صقر كمان؟
سعاد: ببقي ركزي معاه. جري كلامه في أي حاجة.
إيناس بخيبة أمل: مانا عملت كده كتير. وهو اللي يصدني. وفي الآخر قالي: انتي زي زهرة.
سعاد: زهرة إيه؟ انتي اعملي اللي هاقولك عليه. ماتبقيش خايبة زي أمك.
قاطعتها دخول أمل.
أمل: انزلي يا إيناس. ساعدي زهرة وأم محروس في الغدا. معاده قرب.
خرجت إيناس والتفتت أمل لسعاد هاتفة بحزم.
أمل: وانتي ياسعاد. ماتمليش دماغ البت من اختها.
سعاد بحده: إيناس مالهاش اخوات. وبلاش تكلمي في الموضوع ده يا أمل علشان ما نزعلوش من بعض.
أمل بقله حيلة في سرها: ربنا يهديكي يا أختي. أنا خايفة عليكي من غضب عمي. ده بيحرق الأخضر واليابس.
يمر الوقت وينتهي اليوم سريعًا. ويدخل صقر غرفته لينام. شرد عقله في ابنة عمه هذه. كيف تكون؟ هل هي ستكون أجنبية، منفتحة، صعبة الطباع؟ وكيف شكلها؟ فهو لم يراها أبدًا. أخذ يفكر إلى أن ذهب في سبات نوم عميق.
رواية عشق الصقر الفصل الثالث 3 - بقلم سارة حسن
استيقظ صقر من النوم، اغتسل وأدى فرضه، وارتدى ملابس كاجوال ليذهب إلى المدينة لجلب كارما من المطار.
ونزل لجده.
صقر: صباح الخير يا جدي.
عتمان: صباح الخير يا صقر، رايح تجيب بنت عمك مش كده؟
صقر: أيوه يا جدي.
رحيم: وانت هاتعرفها ازاي يا صقر؟ انت ماشوفتهاش أبداً.
أمل: صح يا صقر، هاتعرفها إزاي؟
صقر: هاكتب اسمها على يافطة وأشوف معاد الطيارة قرب.
عتمان: خلي بالك منها يا صقر.
صقر بابتسامة: ماتقلقش يا جدي، مسافة الطريق.
أمل: ترجع بالسلامة يا ابني.
صقر: أنا ماشي، سلام.
إيناس لنفسها: يا ترى شكلك إيه انتي كمان؟ قلبي مقبوض من جيتك.
عتمان لنفسه: وأخيراً يا بت الغالي، وأخيراً.
أما عند صقر، وصل للمطار وانتظر كثيراً.
صقر لنفسه: هي فين دي كمان؟ معظم الركاب خرجوا وهي لسه. أنا زهقت.
قاطع تفكير صقر صوت أنثوي.
البنت: السلام عليكم.
صقر باستغراب: وعليكم السلام، أفندم.
البنت بابتسامة خفيفة بها بعض التوتر: أنا كارما.
صقر بدهشة من جمالها، فا كان وجهها دائري، بيضاء البشرة، بها حمرة طبيعية، وعينان ذهبيتان رائعتان يغطيها رموش كثيفة، وأنف دقيق، وشفاه بلون الكرز. وزادت دهشة ملابسه، فا كانت محتشمة بحجابها الرقيق. لم يستطع رفع نظره عنها.
كارما: انت معايا؟
صقر بصوت مسموع: تبارك الخلاق.
كارما بخجل: انت مين؟
صقر بانتباه وتدارك نفسه: أنا صقر ابن عمك.
كارما بابتسامة: أهلاً وسهلاً، هانفضل واقفين؟ أنا خلصت الإجراءات.
صقر: طيب، بالعربية واقفة بره.
توجها الاثنين للخارج.
كارما لنفسها: ده ابن عمي، ملامحه حادة أوي وعنيه زي اسمه.
صقر لنفسه: دي بنت عمي؟ إزاي؟ أنا توقعت واحدة لبسها مكشوف وهاتكسفني.
أما في البيت الكبير، الخدم على قدم وساق للتحضيرات لعودة الحفيدة المنتظرة.
زهره: وشك مقلوب ليه يا إيناس؟ انتي مش فرحانة برجعة أختك؟
إيناس بحدة: مش أختي يا زهرة، دي اللي خدت أبويا مني بسببها هي وأمها، اتحرمت منه.
زهره: هي مالهاش ذنب في قرارات عمي واللي حصل.
إيناس مقاطعة: مالوش لازمة الكلام في اللي حصل، المهم هي لا أختي ولا هاتكون.
أما في السيارة، أخذت كارما تتأمل الطريق بتركيز وتسأل صقر عن هذا وذاك، وهو يجيب بصدر رحب. مر الوقت في صمت.
صقر: في استراحة قريبة لو حابة تاكلي حاجة.
كارما: لا شكراً، أكلت في الطيارة. هو فاضل كتير لسه؟
صقر: يعني لسه شوية.
وتحدث للسائق: شهل شوية يا عوض.
عوض: حاضر يا صقر بيه.
مر الوقت وغفت كارما، إلى أن اقربوا. أيقظها صقر برفق.
أما في الجانب الآخر، تجمعوا جميعاً لاستقبال كارما.
عند اقتراب كارما، شعرت بالتوتر وبدأت في فك يديها ببعض، فهي فعلتها عند التوتر. لاحظها صقر فأراد تخفيف التوتر عنها.
صقر: جدي مبسوط أوي، كان نفسه يشوفك من زمان.
كارما بابتسامة خفيفة: وأنا كمان، بابا كان نفسه يجي كتير بس ظروف...
قاطعت حديثها، فهي لا ترغب التحدث عن الخلافات حالياً.
صقر: خلاص وصلنا.
نزلت كارما من السيارة، فبدأوا الغفر بضرب الأعيرة النارية كنوع من الترحيب. خافت كارما وتشبثت بثياب صقر قائلة بخوف: في إيه؟ في إيه؟
صقر باطمئنان: ده ترحيب، مافيش حاجة.
كارما باستغراب: ترحيب؟ أنا قولت حرب.
تداركت كارما بفعلتها وتمسكها بثياب صقر، فتركتها بخجل.
تنحنح صقر بخشونة: متخافيش.
اقتربت كارما من العائلة، أعجبها المنزل بطوابقه الثلاثة والحديقة المتنوعة بالورود. اقتربت من عتمان بتوجس، بادرها عتمان باحتضانها.
عتمان بدموع: حمدلله ع السلامة يا بت الغالي.
واقتربت من رحيم: نورتي البلد والدنيا كلها.
اقتربت منها أمل بود: اللهم صلي على النبي، إيه الجمال؟ نورتي يا حبيبتي.
أما سلام إيناس وسعاد، فكان جاف نوعاً ما، وشعرت بها كارما عكس الألفة من الآخرين.
عتمان: يلا يا بتي جوا، تلاقي تعبانة من السفر والطريق.
دلفوا للداخل، أعجبها المنزل كثيراً، فهو يتميز بالحداثة والطراز الصعيدي أيضاً.
عتمان: أنا جهزتلك أوضة، واللي نفسك فيه ابعت أجيبهولك مخصوص من مصر.
كارما بابتسامة: ربنا يخليك يا جدي.
عتمان لصقر بفخر: صدقت ووفيت يا كبير عيلة الجارحي.
صقر بصدق وهو يقبل يد جده: مافيش كبير غيرك يا جدي، ربنا يخليك لينا.
نظر له الجد برضا.
استأذنت كارما للصعود لغرفتها، بينما يستعدوا لتحضير الغذاء.
رواية عشق الصقر الفصل الرابع 4 - بقلم سارة حسن
صعدت كارما لغرفتها.
كانت تتميز بطابع أنثوي وأثاث مودرن. نظرت لشرفتها، فكانت بالمنتصف بين شرفتين. فهي بين غرفة صقر وزهرة.
بدلت ثيابها واحتفظت بحجابها وجلست تفكر بهذه العائلة. إلى أن طرقت زهرة الباب.
كارما: أيوه.
زهرة: الغدا جاهز وجدي مستنيك.
كارما: حاضر، يلا بينا.
زهرة: أنا مبسوطة أوي إنك جيتي وهتبقي لي صحبة هناك.
كارما: ما إيناس موجودة.
زهرة: أنا وإيناس مش صحاب أوي، هي ليها دماغ وأنا ليّا دماغ.
قابلت في الطريق صقر، فاكان بدل ثيابه بثياب صعيدية، بالجلباب والعباءة. فكان وسيم جداً.
نظرت له كارما باستغراب لهذه الملابس، ولكنها لم تستطع إخفاء إعجابها به.
أما صقر، فنظر لفستانها الرقيق بإعجاب وحجابها المزينة به.
نزلوا جميعاً للغداء، وبدأت الأحاديث.
زهرة: بس أنتِ بتتكلمي عربي حلو يا كارما.
كارما: بابا كان دايماً يكلمني مصري ومعظم صحابي هناك عرب.
أكملت زهرة: طب والحجاب؟
كارما: ماله؟
زهرة: يعني ما توقعتش إنك هتبقي محجبة.
إيناس بخبث: تقصد يعني إنك خواجاية، والخواجات ما بيهتموش بالحاجات دي.
كارما بثبات: أنا مش خواجاية، أنا وإنتي من نفس الأب وأمي عربية، وأبويا علمني إني مسلمة مصرية صعيدية ووجهني، وأنا حبيت إني أكون محجبة.
عثمان بإعجاب: عرفت تربي يا عادل، ربنا يبارك فيكي يا كارما.
نظر لها صقر بإعجاب ولكنه أخفاه.
نظرت لها إيناس بحدة، فهي استطاعت سحب الدفة اتجاها.
انتهى الغداء وذهب صقر لعمله. فهو يحب التواجد في أرضه عند شجرة محددة كبيرة وعتيقة، فهي تشبه جده بشموخه، فهو يعشقه.
انتهى اليوم بين حكايات كارما عن والدها وحياتها، وبين جدها وحكاياته عن البلد وعند والدها في الصغر، مع بعض الصور لتتعرف كارما عن عائلتها الجديدة.
شارك الجد الحديث رحيم وأمل وزهرة. أما سعاد وإيناس فأنسحبوا من المجلس بعد وقت قليل لعدم إثارة غضب الجد.
إلى أن انتهى اليوم، ويبدأ يوم بأحداث تبدأ تغير مشاعر الأبطال.
رواية عشق الصقر الفصل الخامس 5 - بقلم سارة حسن
أخذت زهره بتعريف المنزل لكارما.
كارما: أنا عايزة أخرج أتفرج على البلد.
زهره: مش عارفة صقر هيوافق ولا لأ.
كارما: وهو ماله؟
صقر خلفها.
صقر: صباح الخير.
ردت زهره التحية، أما كارما.
كارما: أنا عايزة أتفرج على البلد.
نظر لها صقر لثواني.
صقر: ما عندناش حريم بتخرج لوحدها.
كارما بدهشة: حريم؟ وفيها إيه بقى إن شاء الله؟
صقر بحدة: زي ما سمعتي، مش هاتخرجوا لوحدكم.
كارما بحدة مماثلة: لأ، حضرتك تحكم على حريمك براحتك، أنا مش.
أيناس بعد أن استمعت للحديث من البداية.
أيناس بخبث: مالكيش حق تتكلمي كده، معلش يا صقر، ما الخواجات مش بتوع تحكمات.
كارما: لو سمحتي ماتتدخليش.
أيناس بحدة: أنا أقول اللي أنا عايزاه، مش انتي اللي هاتعلميني الكلام.
كارما بغضب: بقولك إيه.
قاطعها صقر بغضب: صوتكوا انتوا الاتنين ما يعلاش وأنا واقف، مافيش خروج من هنا إلا بأوامري، واتعودي بقى على الحياة هنا، مش سايبة زي ما كانتك.
كارما بحدة: إيه سايبة دي؟ احترم نفسك، أنا محترمة وتصرفاتي أنا بس اللي أتحكم فيها.
صقر بغضب: إيه احترم نفسك دي، لو ما كنتيش حرمة وبت عمي كان هايبقى ليا كلام تاني معاكي.
أخذت العيون طريقها، هو بعيون الصقر الواثقة، وهي بعينيها الذهبية بتحدي، إلى أن تركته وذهبت لغرفتها بضيق.
أما هو، شرد قليلاً بعينيها وترك البيت بأكمله وذهب لعمله.
زهره: ماكنش له لزوم كلامك ده.
أيناس: انت بتحاميلها من أولها كده؟
زهره: لا بحامي ولا حاجة، أنا نازلة.
سأل الجد عن كارما، فسردت له زهره عن ما حدث.
عثمان: طب اندهيلي كارما.
نفذت زهره طلب الجد.
كارما: نعم يا جدو.
عثمان: تعالي ياحبيبة جدو، ماتزعليش من صقر، أنا عرفت اللي حصل، صقر طيب بس هو ناشف شوية.
كارما بعبوس: ده بيقولي حريم يا جدو، وحياتي السايبة.
ضحك الجد: انتي شايلة منه أوي، طب ماتزعليش، روحي مع زهره اتفرجي على البلد وأنا هابعت معاكم حد من الغفر، بس ماتزعليش.
كارما: حبيبي يا جدو، خلاص مش زعلانة.
أخذت زهره كارما لمشاهدة البلد والارض التابعة لهم ومكان الاستطبل.
أعجبت كارما بالبلد بشدة، وخصوصاً الاستبل، فهي تعشق الخيل.
زهره: مش يلا بقى؟ أنا تعبت.
كارما: لا استني شوية، لسه عايزة أتفرج.
وجدت زهره صديقة لها، فاستأذنت من كارما للحديث معها.
وافقت كارما وسارت بين الطرقات، إلى أن نست كيف العودة، فالأراضي مشابهة لبعضها.
إلا أن سمعت صوت شاب.
الشاب: انتي مين؟
رواية عشق الصقر الفصل السادس 6 - بقلم سارة حسن
وخدت تسير بين الطرقات لحد ما نست كيف العودة، فالأراضي والطرقات متشابهة لبعضها. إلا إنها سمعت صوت شاب.
الشاب: أنتي مين؟
كارما بخوف: أنا كارما.
الشاب بابتسامة لعوب: اسم حلو، لايق على صاحبته.
تركته كارما، فاعترض هو طريقها.
مجد: رايحة فين بس سايباني كده؟ مش نتعرف؟ شكلك مش من البلد.
كارما بحدة: وأنت مالك؟ ابعد لو سمحت.
مجد: ابعد إيه بس؟ أنتي في أرضي، يعني جيالك برجليك.
كارما: أرضك؟ طب أنا عايزة أروح أرض الجارحي.
مجد بخبث: أنتي تعرفيهم؟
كارما: أيوه جدي.
مجد بمكر: احلوت أوي، وأنتي كنتي فين بقي؟ أول مرة أشوف الجمال ده.
تركته كارما لتمشي، فاعترض طريقها مرة أخرى.
كارما بغضب: ابعد بقي عايزة أمشي.
كان صقر يعمل ويشرف على الأرض، إلا إنه وجد مجد ومعه فتاة، شبه عليها لحد ما فوجئ إنها كارما وعلامات العبوس بادية على ملامحها.
اتجه إليهم صقر بغضب بخطوات سريعة.
صقر بصوت مسموع: كارما.
التفتت له كارما باستغراب من حدة صوته، لكن شعرت بالأمان من تواجده معها بسبب هذا الشاب.
صقر بحدة: بتعملي إيه هنا؟
مجد: مش تسلم ياصقر ولا إيه؟
تجاهله صقر: أنا مش قلت مفيش خروج.
كارما بخوف من غضبه: جدي سمح لي.
صقر: يلا ع البيت، هارجعكم.
مجد: إيه ياصقر؟ ماتسيبها براحتها ياأخي.
صقر بحدة وأشار له: ماتتدخلش في اللي مالكش فيه يا مجد.
جذبها صقر من ذراعها وسار بها بسرعة وغضب، ولم تستطع هي مجاراته في السير وذراعها يؤلمها بشدة من شدة تمسكه بها.
كارما بدموع: سيب إيدي، أنت بتوجعني.
تركها صقر والتفت لها.
صقر بغضب: بتكسري كلامي وتخرجي برضه؟ ماشي يا كارما، أنا هعرفك إزاي تحترمي.
كارما بحدة: قولتلك جدي سمح لي.
صقر: وإيه اللي وداكي الأرض دي؟
كارما: أنا معرفش، زهره كانت بتكلم صحبتها وأنا مشيت تهت، وهو طلع لي.
أخذها صقر وتوجهوا إلى البيت. قابلوا زهره في الطريق. فتحت فمها بالكلام لرؤية غضب أخيها، فهي تعرف صقر عند الغضب.
توجهوا جميعًا للمنزل. تركها صقر بعد أن نظر لها نظرة لم تفهمها. فهي لا تعرف مجد وعداوته مع صقر، فهو عدو صقر اللدود منذ الصغر. غيرته الشديدة تجاه صقر لتميزه عنه في كل شيء، بداية من عمله الناجح فيه لفشل مجد وخسارته لبعض الصفقات لوالده واستهتاره، فهو دائمًا الشعور بالنقص تجاه صقر ومحاولاته لخسارة صقر الصفقات أو تشويه صورته في البلد، ولكن كل محاولاته تذهب هباء، فصقر محبوب من أهل البلد، أما أخلاقه فلا غبار عليها بشهادة الجميع. خشي صقر على كارما منه، فمعروف عنه علاقاته النسائية. لم يدرك شعور بالخوف أم المسؤولية تجاهها.
بعد هذا الحدث بعدة أيام، تجنبت كارما الحديث مع صقر واقتصرت على التواجد على مائدة الطعام فقط. أما هو فأنزعج من تجنبها هذا. أطال النظر لها كثيرًا، لم يلاحظ سوي الجد، فتمنى شيئًا في نفسه بشدة.
تركهم صقر واتجه للاسطبل لحصانه المحبب له، فهو اسمه سلطان. انطلق به صقر، أعطى له بعض السكر المحبب لديه، وأخذ يفكر بها منذ قدومها، وطيفها دائمًا ما يراوده بعينيها الملازمة له. توجه بعض الوقت عائدًا للمنزل.
كانت كارما وزهره وأم محروس يضحكون بشدة على تجربة كارما الفاشلة في إعداد بعض المقرمشات الصعيدية (القراقيش). ضربت كارما زهره بالدقيق في وجهها وانطلقت تجري للخارج. كادت تتعثر في طرف السجاد، إلا أن يد تمسكت بها بقوة. رفعت عينيها فقابلت عيون صقر. نظر هو لعيونها، لونها المحبب له، وهي بصدمة من قربهم الشديد هذا. وبحركة لا إرادية منه نفض عن وجهها بيديه الدقيق. نظرت له بدهشة من فعلته. قاطع لحظاتهم ضحكات زهره القادمة، فابتعدت سريعًا بخجل. أما هو فلم يحيد عينيه عنها أبدًا، إلى أن فرت هاربة من عينيه.
يتخيل وجهها بشعرها، فكيف ستبدو وما هو لونه، وطويل أم قصير. إلا أن أخيرًا زار النوم عينيه وهو يفكر بها.
صباح يوم جديد.
كارما: أنا عايزة أروح الاستبل.
وجهت كارما عبارتها لـ عمها رحيم بابتسامة: أول حاجة تطلبيها مني تروحي الاستبل.
كارما بابتسامة: أعمل إيه جدو نايم وزهره مش فاضية، وعايزة أتمشى معاك شوية، ممكن؟
رحيم بسعادة: طبعًا ممكن، يلا بينا.
نظرت لها إيناس بغضب: اتمحلسي يا أختي، كلي بعقلهم حلاوة، مش لازم أسكت كده، لازم أعمل حاجة.
ذهبوا للاسطبل. لفت انتباههم هرج ومرج.
رحيم: في إيه الدوشة دي؟
العامل: سلطان هايج، مش عارفين ماله.
اقتربوا من الاسطبل.
كارما: عمي، أنا ممكن أدخله؟
رحيم بخوف: لا طبعًا، ده حصان صقر، هو بس اللي بيعرف يتعامل معاه.
كارما: ماتخافش، أنا دخلت مسابقات كتير للخيل وبعرف أتعامل معاهم.
تركته كارما لدهشته واقتربت من حصان صقر. شاهدها صقر من بعيد، أسرع إليها بخوف، فتفاجأ.
رواية عشق الصقر الفصل السابع 7 - بقلم سارة حسن
اقترب منها صقر وجدها تتحدث مع الحصان بهدوء، يداها تنزل هبوطًا على وجهه برفق. كانت ساحرة بقربها من الحصان هكذا، إلى أن هدّأ الحصان وأخذت تطعمه بعض السكر.
اقترب منها صقر.
صقر: انتي عارفه ان محدش بيتعامل مع سلطان غيرك.
كارما بابتسامه: اسمه حلو أوي، بس إحنا بقينا أصحاب خلاص.
صقر: شكلك بتعرفي تركبي خيل.
كارما: أيوه، اشتركت في مسابقات كتير هناك. أنا ممكن لما أحب أركب أي حصان عادي، صح؟
صقر بابتسامه: ما عنديش مانع، بس لو معايا. لوحدك لأ، علشان ماتوهيش تاني.
كارما: عايزة أركب بس حصان تاني. ده بتاعك.
صقر: لأ، اركبي ده. أنا هاركب ده.
وأشار باتجاه حصان آخر. اقتربت كارما اتجاه الحصان الآخر، لا يقل جمالًا عن سلطان. وامتطته كارما برشاقة تحت أنظار صقر.
كارما: ده عاجبني أكتر.
ركب صقر حصانه برشاقة وأشار: "ورايا".
بقيّت يتوجهون بالحصنه سريعًا بعيدًا عن الإسطبل تحت أنظار رحيم.
رحيم بابتسامه إعجاب: على الله تعرفي تروضي صاحب سلطان زي ماروضتي سلطان يا كارما.
توجهوا لمكان مرتفع بعض الشيء، من خلاله ترى البلدة بالكامل. هو مكان صقر المفضل.
كارما باعجاب: وااااو، إيه المكان ده.
صقر: عجبك.
كارما باعجاب: تحفة، جميل جدًا.
صقر بابتسامه: بحب أجي هنا كتير عشان بعيد عن الدوشة ومافيش حد يعرفه كتير.
كارما باستغراب: بس ليه جبتني هنا؟ ده كده المكان السري بتاعك.
صقر وهو ينظر لعينيها: يمكن محتاج شريك فيه يكون باختيارك.
كارما بتوتر من حديثه، أخذت تفرك يديها ببعض.
صقر: متوترة ليه.
كارما: لأ أبدًا، يلا نرجع.
صقر بتفهم: يلا بينا.
ورجعوا عائدين بعد جولة طويلة.
كارما بابتسامه كبيرة: شكرًا على الوقت، انبسطت أوي.
صقر بابتسامه مماثلة: أي خدمة.
أسرعت بابتسامه لتعود للمنزل، فالإسطبل قريب جدًا من البيت.
بعد عدة أيام من تواجد كارما ومصادفتها لصقر الدائمة، انتهى اليوم إلى أن أتى موعود عودة صقر. دخل صقر البيت وجد الجميع متواجدين. أخذت عينيه دون إرادة منه تبحث عنها، إلا أن وجدها تتطلع إليه ثم نظرت للأرض بخجل.
صقر بابتسامه: السلام عليكم، متجمعين عند النبي إن شاء الله.
وجلس في كرسي مقابل جده.
عثمان: حمدلله على السلامة يا صقر. إحنا متجمعين عشانك.
صقر باستغراب: عشاني؟ ليه؟ خير.
أمل بفرح: أصل في عريس متقدم لبنت الجارحي وعايزينك تسأل عليه.
لا يعلم صقر سبب انقباض قلبه من كلمة عريس.
صقر: عريس لمين؟ ومين ده.
رحيم: عريس لزهرة من عيلة همام. أنا أعرف أبوه، بس الواد مش أوي. دي عليك.
صقر بارتياح: بسيطة، نسأل عليه. وعمومًا دي عيلة محترمة وهانشوف.
كارما لزهرة: شكلك مش مبسوطة ليه.
زهرة بحزن: لأ عادي، مافيش.
كارما: انتي مش موافقة؟ لو مش عايزة قولي.
زهرة: مش فارقة لي.
لاحظ صقر من حديثهم الحزن البادي على زهرة.
صقر: على العموم بكره أشوف الموضوع ده. واعملي حسابك بكره في الغدا يا أم صقر عشان كريم جاي بكرة.
أمل: عنيا يا حبيبي، وعقبال ما أفرح بيك أنت كمان.
عند ذكر اسم كريم لمعت عيون زهرة وتنهدت. ولاحظتها كارما.
بدأ يوم جديد عند دخول كريم بمرحه المعتاد.
كريم: واحشني يا صقر، عامل إيه.
صقر بترحيب: وانت أكتر يا كريم. أخبار الحاجة إيه.
كريم: الحمدلله بخير.
أمل بسعادة: حمدلله على السلامة يا ابني، عامل إيه.
كريم: بخير يا حاجة، ربنا يخليكي.
أمل: هاوضب لك الأكل اللي بتحبه في الغدا. أوعى تمشي.
كريم بعفوية: أمشي إيه؟ لأ، أنا قاعد.
أخذ صقر كريم لمكتبه.
كريم: هي الحاجة فرحانة كده ليه.
صقر: عادي، أصل زهرة جايلها عريس.
وقع الخبر كالصاعقة على كريم، فزهرة حب حياته. يريد اختطافها لنفسه للأبد، لكن خوفًا على صداقة صقر والفروق المادية أصر الصمت.
كريم بهدوء: ووافقتوه.
صقر باستغراب من حاله كريم: لأ، لسه بنسأل عليه.
كريم: وهي موافقة.
صقر: لسه ما عرفناش. مالك يا كريم، وشك اتغير كده ليه.
صمت كريم بعض الوقت ثم وقف.
كريم بقوة: أنا عايز أتـجـوز زهـرة.
رواية عشق الصقر الفصل الثامن 8 - بقلم سارة حسن
كريم بقوه.. أنا عايز أتجوّز زهرة.
وفي الجانب الآخر، كارما بضحك: طلعتي بتحبّي كمان، طب كريم يعرف إنك بتحبيه؟
زهرة: مش عارفة، أنا من صغري شايفاه قدامي، طول عمره صقر بيشكر فيه، وعمري ما حسيت من نظراته ليا إنها وحشة، بالعكس، كريم راجل وطيب، بس مش عارفة هايعمل إيه. وصقر.. صقر لو بس شم خبر إني بحب كريم، يموتني.
كارما: ليه يعني؟ انتي لا كلمتيه ولا حصل بينكم كلام، دي مشاعر يا بنتي.
زهرة بخيبة أمل: عندنا ما بيفهموش كلامك ده.
كارما بحدة: أمال بتتجوزوا إزاي؟
زهرة: زي ما انتي شايفة كده، عريس ييجي كويس، مافيش خطوبة، جواز على طول، وانتِ ونصيبك.
كارما بصدمة: انتوا لسه بتعملوا كده؟
زهرة: أيوه، أنا خايفة أوي.
كارما: متخافيش، كل خير، ما تقلقيش. لو بيحبك بجد، هايعمل أي حاجة عشان يثبت ده.
نظر له صقر، ساد السكون، عدا من خفقان قلب كريم.
صقر: وده فجأة كده حسيت إنك عايز تتجوّز زهرة؟
كريم: لا، مش فجأة، من زمان.
صقر: وإيه آخرك؟
كريم: كنت بكون نفسي يا صقر، عشان مش عايز آخدها وتحسوا إني هاعيشها حياة أقل من اللي كانت عايشاها. وضبت بيت وكونت نفسي، وكنت خايف على صداقتنا، أنا ماليش صحاب غيرك. ولما قولت على العريس، خوفت تروح مني.
شعر صقر بصدق كلامه: طيب، آخد رأيها وأسأل الحاج وأقولك.
كريم: وانت ياصقر، إيه رأيك؟
صقر بضحك: أكيد هاطمّن على أختي معاك.
كريم بارتياح: طب والحاج؟
صقر: الحاج بيحبك، بص، سيب الموضوع ده عليا.
صعد صقر لغرفة زهرة.
صقر: بتعملي إيه يا عروسة؟
زهرة بحزن: ولا حاجة، قاعدة.
صقر بخبث: وإيه رأيك في العريس؟
زهرة: مش عارفة.
صقر: طب العريس التاني؟
زهرة باستفهام: التاني؟
صقر: كريم طلبك للجواز.
زهرة بدهشة وفرحة: بجد؟ أقصدي، وانت قلت إيه؟
صقر بتركيز من رد فعلها: جيت أسألك اللي تشوفه يا أخويا، يعني أقوله لزهرة بسرعة؟
زهرة: لا، ما تقولش كده.
صقر بضحك: أنا موافق، وشكلك كده موافقة، صح؟
أومأت برأسها.
صقر بضحكة: والله وكبرتي وهاتتخطفى مني، انتي عارفة إنك بنتي مش أختي، ربنا يسعدك يارب.
زهرة: وانت ياصقر، مش هانفرح بيك بقى؟
شرد صقر قليلاً.
مرت الأيام بين اتفاقات وتحديد موعد العرس بعد شهر من الآن.
كريم: أخيراً.
زهرة: أخيراً! انتي عارفة أنا بحلم بالقعدة دي من امتى؟
احمرّت وجنتاها ولم ترد.
كريم بابتسامة حب: طب مش عايزة تقولي حاجة؟
زهرة بخجل: أقول إيه؟ أي حاجة يا ستي، سمعيني صوتك. طب مبسوطة؟
زهرة: أيوه.
اتسعت ابتسامته وتبادلوا أطراف الحديث عن حياتهم.
توجه صقر لكارما في الحديقة بجانب حوض من الورد.
صقر بابتسامة: بتعملي إيه؟
كارما: ولا حاجة، قولت أسيب العرسان لوحدهم شوية.
أومأ صقر برأسه.
تابعت حديثها: زهرة فرحانة أوي وكريم كمان.
صقر بنظرة ذات مغزى: عقبالك.
نظرت له قليلاً: وانت كمان.
تابعت فجأة: انت ليه مش بتلبس على طول كاجوال زي دلوقتي؟
صقر: برتاح في التاني أكتر.
كارما: بس أول مرة شوفتك كنت كده.
صقر: في المدينة بلبس كده، لو روحت هناك كده هايفتكروني العمدة، كده.
قالها بابتسامة، تبادلوا الحديث والحكايات إلى أن تأخر الوقت.
كارما: أنا هأطلع بقى، الوقت اتأخرت.
تنهد صقر: طيب، تصبحي على خير.
كارما بابتسامة: وانت من أهله.
تركته ببضع خطوات.
صقر: كارما.
التفتت له سريعاً.
فاجأها بزهره بيضاء.
صقر: حسيتها شبهك.
كارما بابتسامة ولمعة عين: بحب الورد الأبيض، شكراً.
هرولت للداخل تحت أنظار إيناس الحارقة. توجهت لسعاد وسردت لها مارأته.
سعاد: كده مش هاينفع، كل حاجة بتخرج من إيدينا.
إيناس بغضب: أعمل إيه؟ أعمل إيه؟ لقيتها هاروح لمجد.
سعاد: مجد؟ اشمعنى مجد؟
إيناس: أخت مجد حكتلي اللي حصل بين مجد وصقر بسبب كارما، وإنها داخلة دماغه أوي. ها أوصله إنه هو كمان داخل دماغ كارما ويطلبها من جدي وتغور.
سعاد: وانتِ عرفتي منين إن جدك ها يوافق؟
إيناس بخبث: دي سيبيها عليا، وعلي مجد، مش هو عايزها؟ يشغل دماغه بقى…
رواية عشق الصقر الفصل التاسع 9 - بقلم سارة حسن
تسطحت على الفراش وغطت نفسها بالشرشف. نظرت إليه وهو يدخن سيجارته، قائلة:
"هانفضل كده لحد امتى يا كامل؟"
نفث الدخان من فمه قائلاً:
"وهانعرف نعمل إيه يعني يا سعاد؟"
استقامت وقالت بخوف:
"في كل مرة باجي هنا بموت في جلدي. لحد يشوفني ويبلغ عتمان ولا صقر ولا رحيم. دي فيها موتي يا كامل."
ابتسم ساخراً:
"ما إحنا بقالنا أكتر من خمس سنين على الوضع ده وماحدش عرف حاجة. وبعدين لو بكلامك ده بتلمحي على جواز زي كل مرة، فـ أحب أقولك صقر ابن رحيم قفل كل حاجة. فاكر القاعدة الأخيرة بينا، ساعة ما خلى راجل ما يساوى مليم يمد إيده على ابني؟"
ركعت على إحدى ركبتيها قائلة برجاء:
"وأنا إيه ذنبي يا كامل؟ ما أنا ياما قولتلك اعقد عليا وانت بتتحجج."
مال عليها وقال:
"وهي ورقة العرفي دي مش عقد يا سعاد؟"
حركت رأسها بالنفي قائلة:
"لا، عايزاه رسمي يا كامل. ابقي مرتك رسمي، ويوم ما ينكشف سترنا ما تفضحش قدام الخلق."
امتعضت ملامحه وقال بضيق:
"يوووه يا سعاد، مش هانخلص من الموال ده."
ثم هب واقفاً يرتدي ملابسه هاتفاً بها:
"ولو ضميرك ناقح عليكي أوي، خلاص ما عدتيش تيجي هنا."
تمسكت بكتفيه قائلة برجاء:
"لا يا كامل، ماقدرش. أنا ماقدرش أعيش من غيرك. دي الكام ساعة اللي بقضيهم وياك دول اللي بيحسسوني إني لسه عايشة."
ارتسمت ابتسامة عابثة على شفتيه واستدار قائلاً:
"أيوه كده، ما تبوظيش الليلة."
ابتسمت بأهتزاز راغبة في إرضائه وخوفاً من القادم.
***
رنت صوت ضحكاتهم العالية في المطبخ. تقوست شفتي كارما قائلة:
"بس بقى كفاية ضحك عليا."
قالت زهرة وهي تقلب العجين لصنع ما يسمي بـ (القراقيش، وهي من المقرمشات الصعيدية):
"بوظتي العجين وبقى صايص خالص."
قالت أم محروس:
"لسه بتتعلم يا ست زهرة، دي أول مرة برضه."
أكدت كارما على حديثها قائلة:
"أيوه، وإن شاء الله هاتعلمه وأعمله أحسن منك كمان."
أجابتها زهرة لتثير غيظها:
"آه، ابقي قابليني."
وفجأة نثرت كارما الدقيق بوجهها، مما جعل زهرة تشهق بتفاجئ. لم تنتظر كارما وركضت ضاحكة للخارج.
دخل لبهو الدار الفارغ. لم يجد أحد من عائلته، ولكنه انتبه لصوت الضحكات العالية الآتية من المطبخ. كاد يتحرك، ولكن توقف عندما رأى تلك القادمة راكضة من المطبخ ملطخة بالدقيق ولم تلاحظ وجوده.
تعثرت كارما في طرف السجادة، وأملت نفسها بسقطة مدوية على الأرض. ربما ستؤدي ببعض الرضوض أو الكدمات، ولكنها فجأة وجدت نفسها بين يدين قويتين حاصرتها من خصرها قبل أن تسقط.
تطلعت لعمق عينيه التي لا تستطيع أن تحيد بعيداً عنهما. زادت ضربات قلبها في وجل، وكأن عينيه فضاء واسع مجهول. وملامحه الحادة وعمامته الذي يرتديها دائماً جعلته الرجل الأكثر اختلافاً بنظرها.
ملامحها الملطخة بالعجين جعلتها تشبه طفلة شقية عبثت بأدوات المطبخ من خلف والدتها، وعينيها الذهبية كخيوط من ذهب، تخطف وتربك.
كانت لحظات خاطفة بعثرت دقاتهم فجأة.
انقطع وصلهما أثر ضوضاء زهرة القادمة. ابتعدت هي خطوة للخلف، وبقي هو ثابتاً في مكانه وعيناه المرتكزة عليها. جعلتها تفر من أمامه هاربة من حصاره.
***
"يا صقر بيه، يا صقر بيه."
كان هذا هتاف تلك المرأة أمام بوابة البيت الكبير، مصممة على رؤية صقر.
خرج صقر وأشار للغفر أن يفتحوا لها البوابة. تقدمت بخطوات مرتبكة حتى وقفت قبالته. ملابسها المتشحة بالسواد، ملامحها توحي على تقدمها بالعمر.
قالت له برجاء:
"يا صقر بيه، أنا جايالك وقصدك في خدمة. ربنا يجبرك ما تكسر بخاطري."
أومأ له صقر قائلاً:
"خير يا حاجة، قولي."
قالت السيدة:
"بنتي يا بيه، خلاص على فرحها أسبوع. وأنا ست غلبانة شغالة في أرضك وجوزي الله يرحمه ومالناش ضهر. البت فرحها اتأجل أكتر من مرة بسبب الشغل، وأنا عملت اللي أقدر عليه وما بيدي حيلة. روحت لريس العمال في الأرض قصدته في سلفة، مارضيش."
قاطعه صقر متفهماً:
"حاضر يا حاجة، انتي تأمري."
أجابته:
"الأمر لله يا بيه."
وضع يده في جيب جلبابه الداخلي وأخرج حفنة من المال وأعطاها لها. وبصوت جهوري نادى أحد الغفر قائلاً:
"ابعتلي ريس العمال بسرعة."
وأكمل منادياً لأم محروس التي هرولت إليه وقال بصوت خافت لا تسمعه سواها:
"جهزي الخزين اللي يحتاجه الدار وبزيادة."
أومأت له برأسها وعادت تلبي ما أمر به.
هرول ريس العمال قائلاً:
"أوامرك يا صقر بيه."
وضع يديه في جيب جلبابه قائلاً:
"من هنا ورايح الحاجة مالهاش في شغل أرضنا."
شهقت السيدة ضاربة يدها على صدرها قائلة:
"ليه يا صقر بيه؟ وإني قصرت في حاجة؟"
أجابها صقر وقال:
"ها تقعدي في دارك وليكي شهرية هاتجيلك مع ريس العمال، ولو احتجتي حاجة اديكي عارفة داري."
جاءت من خلفها أم محروس محملة بالخيرات، فحملها عنها أحد الغفر. وقال له صقر:
"وصل الحاجة لحد باب داره."
ترقرق الدموع بعينيها:
"ده كتير أوي يا بيه، أنا كنت جاية عايزة سلفة تقوم جابر بخاطري كده."
ثم أكملت رافعة رأسها للسماء داعية:
"ربنا يجبرك بخاطرك ويفرح قلبك ويرزقك ببنت الحلال ويريح بالك وما يوقعك في ضيقة أبداً."
ضحك صقر بود:
"كل ده، ربنا يتقبل منك."
تحركت عائدة وهي مستمرة بدعائها له بجبر الخاطر كما جبر خاطرها.
كانت تقف على عتبة الباب تشاهد ما يفعله مع السيدة العجوز. غزا قلبه موقفه وتصرفه اللين، وملامح وجهه تحمل كم من الود والرأفة، جعلتها تشعر أنها باتت مترنحة بين عنفوان صقر ورأفته.
***
أخرجت رأسها من الباب الموارب لغرفة جدها، فتنحنحت بابتسامة قائلة:
"صباح الخير."
أجابها الجد ورحيم قائلين بترحيب:
"يا أهلا بست البنات."
اقتربت ووقفت قبالته قائلة لرحيم:
"آسفة يا عمي، شكلكم بتتكلموا في شغل. هاستأذن وأجي وقت تاني."
أجابها رحيم:
"لا خليكي، جدك بس كان بيطمن على الحصان اللي عندنا، أصله بعافية شوية."
فقال عتمان متسائلاً:
"انتي ماشوفتيش الإسطبل اللي عندنا، مش كده؟"
حركت رأسها بالنفي وقالت بابتسامة لعمها:
"بصراحة لا، بس هبقى مبسوطة لو عمي فرجني عليه."
ضحك رحيم قائلاً:
"بس كده، يلا بينا. أنا كده كده كنت رايح دلوقتي."
استقامت بحماس وهتفت:
"وأنا جاهزة أصلاً."
***
سارت بجانبه وصمت لا يخلو من بضع كلمات بسيطة. رحيم هادئ الطبع يشبه والدها في الشكل. أما الطبع فقد غلب على طبع والدها التمرد، وإلا ما كان تمرد على حياته هنا وسافر للخارج.
لم تستطع غض عقلها عن تلك الألفة التي تشعرها وهي بجانبه. طريقته وهو يلقي الأوامر، ولباسه الصعيدي الكامل، حتى العصاة التي تلازمه في كل وقت.
التفت لها رحيم وأشار لمكان الإسطبل:
"هو ده بقى الإسطبل. جدك في شبابه ماحدش كان يقدر يسابقه في ركوبه، واللي طالع ليه صقر."
التفتت له وتوقفت متسائلة في شجن:
"وبابا؟"
تأثرت ملامحه وقال بصوت شجي:
"عارفة، أبوكي كان زي الحصان عفي وما يحبش حد يمشيه زي ما هو عايز. له دماغه وتفكيره. كان نفسه في حاجات ياما: يتعلم، يدرس، ويسافر، ويحب. كان آخر حاجة يفكر فيها هي الأرض."
ثم أكمل وهو ينظر أمامه:
"مش عشان بيكرهها لأ، بس كان دايماً يقولي إنه مطمن عليها طول ما إحنا موجودين. كان كل ما يسافر للكلية لحد ما بقى معيد، ألاقيه جاي جري مشتاق للأرض والزرع وريحته."
ترقرق العبرات بعينيها فابتسم محاولاً تلطيف الأجواء:
"أما أنا بقى، فضلت هنا. أنا ماقدرش أعيش غير هنا، عامل زي السمك لو طلعت من المية أموت."
تساءلت كارما:
"درست؟"
أجابها أثناء سيرهم:
"أيوه.. بس ما كملتش. ماكنتش هاوي علام أوي، كان شغلي مع أبويا جرد وحسابات، بس مع الوقت بقيت بفهم في كل حاجة: زراعة وسماد ومحاصيل. صقر بقى خدها دراسة، دخل كلية الزراعة والعلم نور زي ما بيقولوا، كان فاهم وطور من الشغل لحد ما بقى عارف كل حاجة."
وعلى ذكر اسمه، اضطربت خلاياها وازدادت دقات ذلك الخافق يصدرها دون إرادة منها.
فجأة علت الأصوات من حولهم وتوترت الأجواء.
سأل رحيم أحد العمال:
"في إيه؟ إيه الدوشة دي؟"
أجابه العامل:
"سلطان يا رحيم، هايج ومش عارفين ماله."
سكتت كارما ذراع رحيم وهتفت:
"عمي، أنا ممكن أدخله."
قال برفض على الفور:
"لأ طبعاً، ماحدش بيعرف يتعامل مع سلطان غير صقر."
أجابته محاولة إقناعه:
"أنا بعرف أتعامل معاهم، أنا دخلت مسابقات كتير برة."
أجابها رحيم:
"يا بنتي أنا خايف عليكي."
هتفت له قائلة:
"صدقني لو لقيت الوضع صعب هابعد."
لم تنتظر منه رداً وتحركت اتجاه الفرس المتمرد، وأصبحت قبالته.
ركض صقر للإسطبل بعد علمه بتمرد حصانه، ثم توقف فجأة عندما شاهد كارما تقترب منه، ثم تصنم مكانه من غرابة ما رأى.
رواية عشق الصقر الفصل العاشر 10 - بقلم سارة حسن
تحركت بخطوات هادئة وحذرة، والفرس أمامها يتحرك في كل اتجاه، ويضرب بحوافره الأرض بقوة. كان يظهر عليه رقي سلالته من لونه الأسود وخصلات شعره المتفحمة وتفاصيله. انتظرت الوقت المناسب، عندما توقف يلهث يلتقط أنفاسه. بهدوء اقتربت منه ومسحت على رأسه برفق. ابتعد برأسه عنها للجهة الأخرى وعاد للخلف مع صوت صهيله المعترض، فكررت فعلتها حتى هدأ وهدأت أنفاسه.
من حسن حظها أنه مروّض من صاحبه، وإلا كانت النتائج وخيمة. لكنه يظهر أنه فقد غاضبًا، أو ربما يشتاق لصديقه. ضحكت بسعادة لاستجابته لها وهدوئه معها وسماحه لها بملامسته ومداعبة خصلات شعره السوداء الناعمة.
تصنم صقر للمشهد الماثل أمامه، وكأنها لوحة فنية جميلة ومتناقضة. قربها منه وهمسها له ببعض الكلمات وهدوئه أمامها، سواده القاتم وفستانها الوردي وحجابها الأبيض الذي زاد من جمالها.
زفر أنفاسه بعد لهثه أثر ركضه لعلمه بغضب سلطان، وجن جنونه عند علمه من أبيه بذهاب كارما إليه. كاد يتوقف قلبه من بشاعة تخيلاته لما سيحدث لها، ولكن ما حدث أنه شعر أن قلبه خطفت دقاته لتلك القابعة بجانب فرسه.
"أنتِ عارفة إن محدش يعرف يتعامل مع سلطان غيري."
التفتت لصوته الذي حفظته وقالت بابتسامة هادئة: "اسمه حلو أوي، بس إحنا خلاص بقينا صحاب."
تساءل بفضول: "إزاي عرفتي تتعاملي معاه؟"
"ماما كانت بطلة سبق وكسبت مسابقات كتير وكانت بتحب الخيل أوي، تقريباً ورثت ده منها وحبيته، اتعلمت واشتركت في مسابقات كتير وكنت بكسب." ثم قالت ضاحكة بخفوت معترفة: "على فكرة لو ما كنتش عارفة إن سلطان مروّض ما كنتش جيت جنبه، اللي جمد قلبي إن عرفت إنه بس زعلان شوية."
ابتسم بهدوء قائلاً: "فعلاً، سلطان لما بيكون زهقان أو عايز يشوفني بيعمل كده."
تساءلت وهي تطعمه بعض السكاكر: "مين روّضه؟"
"أنا."
رفعت حاجبيها باستغراب: "أنت؟ إزاي؟ أنا عارفة إن الترويض صعب جداً وخطر."
أجابها وهو يخلع عنه وشاحه: "عادي، اتعودت." ثم قال فجأة: "أنا ممكن أسمحلك تركبي أي حصان من اللي هنا."
رفعت إحدى حاجبيها وقالت بحنق: "تسمحلي! يا سلام على كرمك."
فقال مكملاً: "آه، بس بشرط."
تركت السرج وقالت بضيق: "من غير شروط، أنا أصلاً مش عايزة."
وقبل أن تتحرك قال مسرعاً: "قصدي يعني طلب، إنك ما تركبيش لوحدك عشان ما تتوهيش زي المرة اللي فاتت."
أومأت برأسها وقالت: "إذا كان كده ماشي."
حرك رأسه وقال: "تركبي سلطان؟"
كان عرضاً مغرياً للغاية، ولكنها في آخر لحظة أشارت اتجاه حصان آخر لا يقل جمالاً عن سلطان، وتسلقته برشاقة تحت أنظار صقر.
اعتلى صقر فرسه بقفزة واحدة وجذب لجامه ثم تحرك به وأشار لها بيده قائلاً: "ورايا."
ذمت شفتيها بغيظ من طريقته في إلقاء أوامره، فأسرت بالحصان حتى استبقته. ارتسمت على وجهه ابتسامة وحفز سلطان بقدميه حتى ركض بقوة وابتعدوا عن البيت الكبير بسباق لم يكن أي منهما يتخيله، ولكن يا ترى من سيفوز في النهاية.
توقف صقر وأشار إليها، فهدأت من ركضها.
قالت له وهي مازلت قابعة على فرسها: "وقفت ليه؟"
أشار لها للناحية الأخرى، فاتسعت عيناها من جمال ما رأت. لم تلاحظ وجودهم على تلك التلة العالية سوى الآن. عندما شاهدت البلدة بأكملها من عليها مع منظر لنهر النيل، رسمت لوحة سبحان الخالق فأبدع.
نزل من على فرسه برشاقة وربط السرج بجذع الشجرة، ثم فعلت كارما مثله ووقفت على حرف التلة بجانبه.
تطلعت إليه ولعينيه الناظرة للأمام.
تآكلت لأول مرة بذلك الفضول الغريب الذي أصبح يتملكها تجاه ذلك الرجل المتناقض، في غروره وتواضعه وكرمه مع السيدة. إلقاءه طوال الوقت للأوامر بينما يستمع لجده ووالده بكل اهتمام. حتى في ملابسه متناقض، تارة تراه بملابس شبابية تظهره أصغر سناً وعفوياً كأول مرة رأته بها، وأخرى كـهذه جلباب وعمامته ووشاحه الذي تركه قبل جولتهم وكأنها خلقت له خصيصاً تعطيه تلك الهيبة كأنه قادم من عصر آخر.
تنهدت، واستمع لتنهيدتها وقال بصوت هادئ: "إيه رأيك في المكان؟"
أجابته بإعجاب قائلة: "جميل جداً."
"بحب أجي هنا، هدوء بعيد عن الدوشة وأشوف البلد كلها قصاد عيني."
التفتت إليه وقالت: "كلكم هنا بتتكلموا عن الأرض وحبكم ليها، تفتكر بابا ما كانش بيحبها زيكم؟ لما سألت عمي قالي إنه كان بيجي جري مشتاق ليها."
استغرق الأمر للحظة قبل أن يوليها كامل اهتمامه قائلاً: "كل واحد بيلاقي نفسه في الحاجة اللي تشبه. أبويا وجدي اختاروا الأرض، جدي لأنه أول من زرعها وطرحت على إيديه وأبويا عشان إنه الولد الكبير وكان ملازم جدي. عمي يمكن عشان دماغه كان في التعليم أكتر اختار العلم."
سكتت قليلاً وقالت بشجن: "مافيش مرة كلمني عنها وعينيه ما اتملتش دموع."
"ما كل حاجة وليها تمن."
قبضت حاجبيها متسائلة: "يعني إيه؟"
أجابها صقر بتريث: "يعني عمي كان ما بين اختيارين، لو اختار عقله يبقى هايرجع لهنا ولو اختار قلبه يبقى يفضل هناك، وهو اختار قلبه."
رمشت بعينيها عدة مرات باستغراب، فأبتسم وقال: "كلنا عارفين سبب استقراره هناك." ثم ضحك بخفوت وقال: "أقولك على سر؟"
أومأت برأسها وعيناها الواسعة مرتكزة عليه بتركيز شديد.
"مرة بعت لجدي جواب وقال له أنا وقعت في حب واحدة صهباء شعرها أحمر زي النار وعيونها فيها دفء الدنيا… حبيتها يابا ومافيش بيدي حيلة."
كانت تستمع إليه بانبهار، كانت تعتقد أنه ذلك العقلية المتشددة والغير متفهمة لمشاعر الحب. اتخذت بحديثه عن والدها وذلك الحديث الذي تستمع إليه لأول مرة والذي بسببه لا تعرف لماذا غزت تلك الحمرة وجنتيها وهي تستمع لتلك الكلمات عن لسان والدها منه هو.
غض بصره عنها بعجوبة، ملامحها المعبرة واتساع عينيها وتركيزها الكامل لحديثه والذي اتخذ منحنى آخر أربكه. لام نفسه عن تطور الحديث لهذا الحد بينهما، مما جعل الأجواء تتوتر من حولهما.
تنحنح ثم أجلى صوته وقال: "يالا بينا قبل الليل."
حركت رأسها موافقة وتحركت من خلفه وصعد كل منهما حصانه للعودة للبيت الكبير.
تقلبت كارما في فراشها وقد استأذنت مبكراً اليوم وصعدت لغرفتها، ولكن بمجرد ما وضعت رأسها على وسادتها جفا عينيها النوم. أصدرت تنهيدة ثم استقامت وفتحت شرفتها مستنشقة عبير زهورها، تفكر في آخر لقاء بينهما والذي غاب بعدها لسفر مفاجئ لعدة أيام. شارف غيابه على الأسبوع، وفي الحقيقة رغم حنقها منه في بعض الأحيان، إلا أنها تشعر بجزء ناقص في البيت. ربما صوته القوي أو حفيف جلبابه ورائحته التي تنذر بقدومه قبل أن تراه. خائفة لا تنكر، تلك المشاعر المتضاربة تجعلها في حيرة من أمرها.
ارتدت مأزرها ووضعت حجابها كيفما اتفق ونزلت لأسفل. اليوم علمت من جدها عن تلك المكتبة الملحقة بمكتب صقر والتي بها مجموعة مختلفة من الكتب والروايات. قررت استعارة ما تجده مناسباً لتقرأه حتى يأتي ميعاد النوم.
فتحت الباب ودخلت حتى وصلت لمنتصفها ووقفت. رائحة الكتب حمستها. تطلعت لمجموعة روايات مختلفة واختارت ما انجذبت إليه.
نظرت لذلك الكرسي الهزاز ولا مانع في جلسة قراءة مريحة عليه.
انسجمت مع الأحداث وانعزلت عن الواقع مع تفاصيل الرواية. رفعت قدميها ومالت برأسها بجلسة أكثر راحة.
دخل للبيت الكبير بخطوات هادئة متعبة وقد تعدت الساعة منتصف الليل. انتبه للنور المنبعث من غرفة مكتبه، فا اتجه إليها بترقب لمن سيأتي إليها دون وجوده وفي ذلك الوقت. وقف صقر مبهوتاً لتلك القابعة بكرسي مكتبه وذلك الكتاب الملقي على قدمها والذي يظهر أنها غفت أثناء قراءتها. حجابها الملقي أرضاً ورأسها المائلة مع شعرها الذي يشبه خيوط الشمس وقت الغروب.
اضطربت أنفاسه وبإرادة من حديد أبعد عينيه عن وجهها المستكين.
تنحنح ليوقظها فلم تستيقظ. أجلى حنجرته أكثر، فانتبهت واعتدلت. نظرت من حولها ثم استعادت وعيها تدريجياً حتى انتبهت لوجوده.
هبت واقفة وقالت بارتباك وهي تضع حجابها على رأسها: "أنا آسفة، يظهر إني نمت مكاني."
حرك رأسه وقال وهو غاضض بصره عنها: "مايجراش حاجة، ممكن تبقي تاخدي الكتب اللي عايزاها وتقريها في أوضتك أحسن."
أجابته باندفاع: "أنت لو مضايق إني دخلت هنا، خلاص مش هدخل تاني."
أجابها موضحاً: "مش قصدي كده، أقصد لو بتحبي تقري في وقت متأخر ممكن تقريها في أوضتك أحسن من البرد اللي هنا."
أومأت برأسها وقالت بخفوت: "ممكن أبقى آخد روايات تانية."
قال على الفور: "المكتبة كلها تحت أمرك."
ابتسمت له بوداعة وقالت بتقدير: "شكراً… تصبح على خير."
أجاب من خلفها: "وإنتِ من أهله."
ثم التفت بظهره عنها مستنداً بيديه على مكتبه زافراً نفساً عميقاً وتلك الدقات المضطربة باتت تقلقه مؤخراً.