في فيلا الدالي ندلف لنرى ما في مكانه بشكل غريب، كأن من يقطنون هنا ليس متواجدين. بالأحرى، كأن كل قطعة أثاث حزينة. لنصعد لأعلى لنرى امرأة جميلة بشعر أسود به بعض الشعيرات البيضاء، جالسة وتقرأ القرآن الكريم وتناجي ربها أمام غرفة. لندلف داخل الغرفة ونرى بنت كانت نائمة على السرير، بأعين جاحظة، وجهها ممتلئ بالكدمات الزرقاء، كانت كأنها في عالم آخر. لنراه يهتف بندم وحسرة:
"أني آسف يا كنز، ياريتني كنت صدقتك، كنت قدرت وجعك، لكن كنت أناني مفكرتش غير في نفسي وبس زي العادة. بس حقك هيرجع، وساجد ولد هندواي هنتقم منه. وبدأت بخيته رجعتها ليهم، وغلوتك هخليها تحكي عشان بس تنضري آدم، بس أنتِ قومي. عمرك ما كنت ضعيفة." ليقبلها من جبهتها ويخرج وهو يجر الندم والحسرة عليها. فتهوره في الأمس، هي من دفعت ثمنه اليوم. ليقابل والدته: "خيتك باقية عاملة إيه." ليغمض عيونه بألم:
"زي ما هي يا أمي، كأنها مش ويانا خالص. عمري ما كنت اتخيل ولا أفكر حتى أني أوصلها كده." "كنت فاكر إيه؟ إياك إن ربنا غافل. اللي عملته في بت الناس اترد لينا وأضعاف مضاعفة. خيتك انتهت، وولدك هيتجنن على أمه. ذنبه إيه؟ وسجدة ذنبها إيه؟ ليهتف بغضب: "أني أحرق الدنيا قصاد دمعة من عين كنز يا أمي." لتهتف بتهكم ساخر: "ومحرقتهاش ليه يا ولد بطني؟ لم كانت بتقولك ضربني، ولا حبسني، ولا لم اتصلت وقالت حامل وضربني. الحقني يا قاسم. سكت؟
سكت يا قاسم؟ كنت فاكرها بتدلع. مكلفتش خاطرك تروح ليها مرة تطل عليها ولا مرة واحدة تطمن في الوقت اللي سجدة قالت لساجد إنها خايفة منك أحسن تأذيكي. مخفتش لا منك ولا من جيشك اللي برا. وجه خابر ليه يا ولد بطني؟ عشان خيته ساجد بعد كل اللي هببه في خيتك وعمله. بس عندي أخو عنيك."
كانت تعلم أنها قاسية عليه، لكن كفى. هي من دللته وهذه هي النتيجة. لتجلس على أقرب كرسي، فهي تحدثت بدون نفس. أما هو، صُدم من حديثها، فهي تقارن بينه وبين ساجد وهو ينتصر عليه. لكن لا، سيدفع هو وشقيقته الثمن مثلما فعل في أخته في كنز الدالي. في فيلا الهندواي كانت تبكي فتاة جميلة داخل أحضان والدتها، وكان الآخر يتحرك في مكانه ذهاباً وإياباً، ووالدته تنظر له بحنق. "ودي آخرة الانتقام؟
خيتك وبيتهم انخرب، وأنت قتلت ولدك بإيدك وحرمت البت الغلبانة من الخلفه باقي عمرها. هقول عليك إيه يا ما قولتلِك بلاش. اللي حصل زمان خلاص، والدنيا بقت زينة. لكن إني اللي غلطانة صدقت إنك حبيتها بجد، صدقت إنك محافظ عليها." لتنهار سجدة: "أني رايدة آدم، هاتولي ولدي يا أخويا. أنا رايدة ابني يا خلج." ساجد بغضب:
"قاسم بيرد ليا اللي عملته. بس لا، وغلوتك لأجيب ابنك ويكون في حضنك. وبعد عدتك هتتجاوزي وهحرق قلبه. اللي حصل لكنزهم ده بداية اللي جاي مرار طافح لعيلة الدالي كلها محدش يتخيله." لتقف سجده أمامه بغضب: "إنت إيه؟ بكفايا. مشبعتش انتقام؟
ضيعتنا كلتنا بانتقامك دا. لو قاسم كان سمع كلامي ومكنش جوزك كنز مكنش كل ده حصل. بس لا، يا ساجد أنا رايدة بيتي وجوزي وولدي. دي حياتي اللي أنت بسهولة دمرتها كده. وعمري ما هسامحك. ولولا إن قاسم طلقني، لا يمكن كنت جيت معاك من أصله." لتدخل والدتها: "وعايزة نصيحتي يا سجدة." لتنظر لها بتلهف: "أيوه يا أمي، أعمل إيه."
"ارجعي دار جوزك. الست لما تطلق بتفضل في دار جوزها لغاية ما عدتها تخلص. لأن الطلاق بيكون يا بنتي في ساعة شيطان بسبب إن الراجل بيكون متعصب، ولما بيهدى طول الوقت بيرد مراته، بس بتكون لتحسين طلعة. لكن طول ما أنتِ بعيدة، الانتقام هيسيطر عليكي كيف أخوك. وحماتك هتساعدك لأنها خاتمة كتاب ربنا بتفسيره. ارجعي يا بنتي، بكفاينا بيت أخيك اللي انخرب والبنيه الغلبانة اللي اتدمرت. يبقى الحكي بيتك أنت كمان."
كانت تستمع لها براحة. نعم، هي سمعت مثل هذه الفتوى من قبل. لتبدأ في وضع حجابها ونقابها الذي أصر قاسم عليها لترتديه. ليقف ساجد أمامها بغضب شديد: "إنت اتجننتِ؟ تروحي فين؟ أنا لا يمكن اسمح بكده واصل." لتقف أمامه لأول مرة منذ ولادتها تقريباً:
"لا يا ساجد، مش هتمنعني. ونصيحة مني، حاول تصلح علاقتك مع كنز، لأنها بتحبك. وجسمًا بالله لو فكرت تجرب بس مني، ولا تمنعني، هتصرف تصرف ما يعجبكش واصل، وأنت خابر زين إني مبهددش. سبني، الحِك اللي أنت دمرته بانتقامك اللي خلاك ألعن من قاسم زمان. فوّق يا ساجد، فوّق." لينظر لها بصدمة بليغة: "أفوق يا خيتي؟ إني عملت كل ده عشانك، عشان اللي حصل زمان. جاية دلوقتي تقولي قاسم ملاك."
"قاسم مش ملاك وأنت مش شيطان. بكفايا اللي بتعملوه. كفاااااااااايكم." ساجد بعناد: "اتفضلي روحي، مشي. بس لو فكرتي تعاودي، لم يجفل بابه في وشك، هيكون باب دار أبوكي كمان اتقفل. لازم تعرفي إني سامحتك زمان على اللي عملتيه، لكن إنك ترجعي ليه دلوقتي، عمري ما هسامحك عليه." لترمي بكلامه عرض الحائط، وتتحرك نحو باب الفيلا وتنظر له برفق: "سامحني يا ساجد، بس إني لازم أحارب عشان بيتي وعائلتي."
وتخرج وتذهب للمنزل. وهي في طريقها، ظلت تدعي أن لا يرجعها قاسم مرة أخرى، ليس خوفًا من حديث ساجد، لكن هي تريد أن ترجع كل شيء كما كان. فمثلما انبعثت النيران من عندها، لابد أن تخمدها هي. لتصل للمنزل لتستقبلها والدة قاسم: "سجدة، تعالي يا بنتي." لتقترب منها على استحياء، فهي لا تعلم ماذا تقول. قبل أن تتحدث، لتسمع صوته الغاضب: "إيه رجعك إننا يا بت هندواي؟ مش مشيتي مع أخيك."
لتبتلع ريقها وتنظر لوالدة زوجها وتستنجد بها، لتبادلها النظرات بالاطمئنان. لتهتف بكبرياء: "إني رجعت دار جوزي. هي الواحدة دلوقتي لما تعود راجلها يجيلها راجعة ليه." ليضرب كف على كف: "اتجننتي إياك؟ مرت مين؟ إني طلقتك ولا ناسيه." لتجلس بجانب والدة زوجها وترفع نقابها:
"لا، منستش. طلقتني الصبح قبل ما تشق ريجك كمان. فاكرة زين. بس إني هنا بنفذ شرع ربنا. ربنا اللي قال إن الست لما جوزها يطلقها، متهملش داره إلا بعد العدة. وأنت خابر إني بخاف ربنا جد إيه." وتنظر له بعناد. ليقترب منها لترتعد وتتحامى داخل أحضان والدته. ليتخشب مكانه، فهي تخشاه. كيف؟ هي لا تعلم أنها تجري في عروقه بجانب دمائه. فهو طلقها لتبتعد عنه. لتقف والدته بقوة أمامه: "والله عال. هتمد يدك على مرتك يا ولد بطني ولا إيه؟
مرتك عملت الصح. لو كنت زمان سمعت الحديث وحفظت كتاب ربنا، كنت فهمت وعيت لحديتها زين." وتبدأ في سرد الحكم الشرعي للمطلقة الرجعية:
"المطلقة الرجعية عليها أن تعتد في بيت زوجها، وليس لها الخروج من بيت زوجها إلا إذا أتت فاحشة مبينة، فإنها تخرج وتخرج. أما ما دامت على السداد والعافية، فإنه تبقى في بيت زوجها. وهذا من وسائل رجوعه إليها وجمع الشمل بها وترك الاستمرار في طلاقها. وقد أمر الله جل وعلا ببقائها في البيت ونهى عن إخراجها،
قال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1]. هذه الآية الكريمة في
الرجعيات؛ لأنها هي التي قد يحدث لها أمر بالمراجعة، بخلاف المطلقة طلاقاً بائناً، فإن هذه لا يرجى فيها حدوث أمر وأن يبدو له مراجعتها؛ لأنها لا تراجع إذا كان قد بانت. فالطلاق المذكور في هذه الآية في الرجعيات، التي طلقها طلقة واحدة أو طلقها طلقتين، فله مراجعتها ما دامت في العدة. فالواجب عليه بقاؤها في البيت وألا يخرجها وألا يرضى بإخراجها. ولو طلب أهلها خروجها، ينبغي له أن يأبى، وينبغي لأهلها ألا يطلبوها، بل عليهم أن
يساعدوا على بقائها في
البيت لهذه الآية الكريمة: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}. فإذا كانت المرأة على السداد وليس فيها أذى لأهل البيت ولم تأت الفاحشة، فإنها تبقى في البيت، وربما ندم فراجعها قبل خروجها من العدة. وينبغي لها أيضاً كما قال جماعة من العلماء أن تتحسن له وأن تتزين له وأن تتعرض له حتى يراها إذا دخل وإذا خرج، فربما تاقت نفسه إليها، وربما رغب في مراجعتها إذا رآها في حالة حسنة. هكذا ينبغي.
فبقاؤها في البيت أمر واجب، وعلى الزوج أن يبقيها، وعلى أهلها أن يوافقوا على ذلك، وعليها هي أن تبقى أيضاً في البيت، وينبغي لها أن تتحسن لزوجها وأن تتعرض له لعله يندم.. لعله يراجع قبل أن تخرج من العدة. هذا هو المشروع في هذه المسألة، وإن كان الغالب على الناس ترك ذلك والجهل بذلك، ولكن جهلهم وعملهم إذا خالف الشرع لا يحتج به. نعم." "فهمت يا ولد بطني؟ ودلوقتي مرتك في دارها، وبعد العدة يبقى لينا حديث تاني."
لتهتف سجدة على استحياء: "بس إني عدتي طويلة شوية يا أمي، يعني هفضل هنا سبع شهور." لتفهم هي بسرعة ما تقصده. ليزفر قاسم بحدة: "ودا من إيه بقى؟ تكوني حبلى." هتف بها ساخراً ولا يعلم أنها الحقيقة. لتؤم رأسها بخجل: "أيوه، حياة في شهرين، ودريت بالحبل من أسبوعين." يا الله! في نفس التوقيت كانت أخته تفقد ولدها، وتفقد آخر أمل في الإنجاب، لتصبح هي حبلى بولده. ما هذا الشعور؟ فهو فرح لإنجابه طفل آخر، لكن حزين بسبب شقيقته.
لتعلم والدته ما يدور بذهنه لتعيده من شروده: "ولدي، شيع حد للممرضة عشان الحجنة بتاعت خيتك." لتقف سجدة بحماس: "واه، إني موجودة أهو، ولا ناسيه إني دكتورة؟ هديها الحجنة وبالمرة أطمن عليها." لتهرول من أمام قاسم فهي تريد منه الهروب. لينظر بغضب لوالدته، لـ تجلس مكانها: "مالك بتبحلق فيا كده ليه؟ هم ورا مرتك مكان الدوا بتاع خيتك." ليمسك بجلبابه بغضب: "ماهياش مرتي، تبقى طلقتي. وعدتها لو بعد سنة تخلص، ما هردها واصل."
ليصعد لأعلى. لتدعو لهما والدته. في غرفة كنز كانت انتهت سجدة من إعطائها الحقنة، لتضع يدها على وجهها بهدوء وتتأسف لها: "حقك عليا يا كنز، مكنتش فاكرة اللي حصل زمان هنتحاسب عليه كلنا دلوقتي. بس إني خابرة إنك هتقومي. أنت قوية وشديدة." لتهب من مكانها عندما تراه يدلف عليها من باب الغرفة: "إني خلصت، ومفيش لزوم تنادي لحد. هديها كل علاجها لغاية ما تقف على رجليها من تاني." لينظر لها بصمت تام. لتخشي صمته، لتتحرك من أمامه.
ليهتف بحديث يلجمها مكانها: "اللي حصل لـ كنز هيفضل بناتنا. يوم ما وعيت لخيتي دمها سايح وخوكي بيضحك. حياتنا انتهت. إني خابر إنه مش ذنبك ولا ذنبي. إحنا الاتنين عملنا كل حاجة عشان نكون مع بعض. ودي النتيجة." ليشير تجاه أخته الراقدة بهدوء: "السور اللي انبنى صعب ينهد يا سجدة. بقى صعب." لتنظر له بألم وتنظر لـ كنز بوجع عليها. وتتلاقي أنظارهم هم الاثنين. في ماذا أخطؤوا؟ الجميع يدفع ثمن ما حدث بالأمس.
هل انتهت كل السبل في طريق عشقهما؟ لتبدأ سجدة في استعادة الذكريات القريبة لترى أين الخطأ الذي وقعوا فيه. لنعيش سوياً معهم ملحمة جديدة. ملحمة عشق. قاسم وسجدة. ساجد وكنز. لنرى معا من الظالم؟ ومن المظلوم؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!