خرجت من أفكارها وهي تشعر برأسه يتحرك لليسار لتصبح أنفاسه في مواجهة أنفاسها. توقف قلبها عن خفقانه لوهلة ثم عاد يخفق لأسفل بشدة وسرعة أرهبتها، ولكن ليس أكثر من قبلته الأولى لها. وضع شفتيه القاسيتين الرجوليتين مقارنة بشفتيها الناعمتين العذراء التي لم يلمسها أحد قبله على ثغرها الصغير. خرجت آخر أنفاسها من بين شفتيها بأنين كان كالسكين في أحشائه، وكأن آخر صبر كان يملكه قد انجرف مع هذا النفس.
ليطبق على شفتيها وهو يضع يد أسفل رقبتها يقرب وجهها منه أكثر، والذراع الآخر يحيط خصرها كاملاً لتلتقي أصابعه بجانبه الآخر وهو يعتصرها إليه بشغف وعشق بلا رحمة! غير آبه بحصونها أو خططها بتجاهله تمامًا، وبلامبالاتها هي بتلك الخطط والأفكار، فقد تاهت في عالم لم تزره من قبل ويدها قد ارتفعت تمسك بياقة قميصه دون وعي.
ظل يخطف أنفاسها في قبلات عديدة لا تنقطع سوى للحظات حتى يضمن حصولها على الهواء في رئتيها، فيعيد التهام ثغرها الصغير بين شفتيه الغليظة التي لم ولن تشبع منها! بعد دقائق أو ساعات لا يعلم تحديدًا، تركها رغماً عنه حتى لا يتهور ويرعبها أكثر من ذلك. كانت كالخرقة المبللة تمامًا، فرفعها من خصرها قليلاً حتى لا تسقط من بين يديه وهو يبتسم لنفسه على براءتها ووجهها الأحمر وعيونها التي ترفض فتحها منذ أن ابتعد عنها.
نفس رد فعلها عندما رأته للمرة الأولى وهي تغمض وتخفي عينيها في أحضان والدتها وكأنه سيذهب إن لم تره! ابتسم ومال عليها يقبل وجنتها وقال بصوت يغلب عليه المشاعر: -لو فضلت مغمضة كده هفتكر إن دي دعوة إني أكمل اللي بدأته! فتحت عينيها في ثوانٍ ونظرت له برعب وهو يبتسم نصف ابتسامة اعتادت ما ترهب أعتى الرجال، ولكن الحنو في نظراته قتل ما قد تحتويه من رعب! رمشت مرتين ثم نظرت إلى أسفل. وضع يده أسفل ذقنها يرفعه ثم قال: -حاسة بإيه؟
حاسة بإيه! هل يقتل نفسه الآن أم ينتظر لعل القدر يشفق عليه ويأخذ روحه في تلك اللحظة أو تنشق الأرض وتبلعه من غبائه! استمرت في نظراتها لأسفل وقد احمرت أكثر. ما هذا السؤال؟ هي نفسها لا تعرف ما هو شعورها سوى أنه يسلب عقلها وقلبها كلما اجتمعا معًا. حاول إزالة ذراعه من حولها وإعطائها بعض المساحة. ولكنه قال بمرح غير آبه لمحاولاتها: -في كيميا غريبة بينا وبين الباب!
هزت رأسها لتخبره بأنها لا تفهم، فتركها حتى يرحمها من خجلها قليلاً وعقد ذراعيه أمامه. إن كان هذا تصوره عن الرحمة فهو مخطئ تمام، فما زادته تلك الحركة إلا هيبة ورعبًا ليردف: -مش فاهمة إيه بالظبط! تنحنت وقالت بخفوت: -كل كلامك! ضيق عينيه بغيظ وقال: -إنهي لما قلت إني عايز أقرب منك على طول ولا إنك بتقلبي حياتي. خجلت وقالت بتوتر: -أقصد كيميا الباب. ابتسم بمكر وهو يشير بينهم: -مش واخدة بالك إن مواقفنا الحلوة ورا الباب بس!
فهمت معنى حديثه وتذكرت حادثة المكتب خلف بابه والآن قبلتها الأولى المسروقة خلف الباب! مسروقة نعم، كما تريد أن تقنع نفسها! فقد كانت راضية جدًا جدًا، بشكل يجب أن تخجل منه. ليعاتبها قلبها ولكنه زوجك لما لا؟ لتعود صوت عقلها يذكرها بإهماله لها طوال هذا الأسبوع. تغيرت ملامح وجهها من الخجل إلى الضيق لتقول بصرامة: -واضح إني بقلب حياتك وأنا قدامك بس غير كده شكليات.
استدارت لتفتح الباب والخروج، ولكنه منعها من ذلك بأن وضع يده على الباب. فأردف بتحذير: -بصي يا سمر أنا ماليش في شغل الحريم ده وكلامهم، ومش مستعد أقعد أحل في فوازير، خليكي واضحة وقولي على طول فيه إيه! عقدت ذراعيها وقد قررت عدم اللف والدوران، فهذه العلاقة ستنتهي عاجلاً أم آجلاً! -أنا فاهمة كويس أوي إيه الغرض من كتب الكتاب ده! عقد ذراعيه هو الآخر قبل أن يقول: -اتعودي وإنتي بتكلميني تبصي في عينيه، هي فوق هنا مش في بطني.
نظرت له بغيظ فاستكمل وهو يهز رأسه وكأنها أرضته الآن: -غرضه إيه بقا يا أم العريف! ردت بكل ثقة وكأنها حلت مشاكل العالم الثالث أجمعه: -عشان تحميني طبعًا ومتحسش بتأنيب ضمير من ناحية ماما. هز رأسه يحاول استيعاب إلى أين يتجه هذا الكلام. -آه كملي! فتحت ذراعيها لترمي بيدها في الهواء وتقول بضيق: -بس كده، هو أنا بحكي حدوتة! رفع حاجبيه وقال بهدوء حاد نسبيًا: -أيوه، أنا مالي ومال أمك يعني! تأففت وهي تجيب:
-عايز تراضيها عشان ضميرك ما يأنبكش إنك اتخليت عنا في ظروف زي دي. رفع يده ليحركها أمام عينيها وهي تنظر له باستغراب، ثم وضع يده على جبينها يتأكد من كون حرارتها هي المتحدثة أم أنه مجرد غباءها. اممم، لا أثر للحرارة، الغباء فليكن، شيئًا مشتركًا بينهم الآن! دفعت يده بغيظ من سخريته فقال بصوت حاد: -طيب لو عندي تأنيب ضمير ناحية أمك، كان أولى أتجوزها هي بقا! رفعت إصبعها في وجهه بتحذير: -اتكلم كويس عن ماما ولم نفسك!
تجاهلها تمامًا وكأنها لم تتحدث ليردف: -ثانيًا، إنتوا مش من بقيت أهلي عشان أبقى عليكم أو أتخلى عنكم! أنا لو واقف جنبكم فده مش عشان ضميري خالص، أنا واقف معاكم بمزاجي ولأسباب أنانية هدفها إني أوصلك وبعيدة تمامًا عن الأفكار النبيلة اللي خيالك مصورها لك دي! ردت بغيظ: لا بجد، طيب ممكن أعرف متصلتش بيا طول الأسبوع ليه؟ وضحت الصورة أمامه الآن فقال بغضب وغيظ كان يحاول كتمانه: -وإنتي متصلتيش ليه؟ نظرت له وكأنه مجنون:
-واتصل ليه! إنت الراجل! -يعني إيه أنا الراجل! وإنتي مش بتتصلي بالزفت مراد! أجابت بغضب وحدة: -متقولش زفت، وأيوة بتصل بس... قاطعها بصوت جامد وحاد كالجليد ينذر بصدق شروره: -مفيش بس! وخذي بالك إنتي دلوقتي في ذمتي، يعني أي مكالمة زيادة ولا حركة واحدة غلط من ناحيته هكسر رجليه الاتنين، ولو حصل وإنتي اللي كلمتيه وعصيتي كلمتي هكسر إيديه ورجليه برده ويبقي إنتي السبب! نظرت له برعب وذهول من تهديداته الصادقة بشكل أرعش قلبها.
فأخذت نفسًا عميقًا حتى لا تجهش في البكاء وتظهر كالطفلة أمامه! نظر لها مصطفى بغضب أكثر وهو يرى ارتعاش شفتيها، ولكن هذه المرة لمحاربة دموعها! رفع يده ليلمس رأسها ويهدئها. إلا أن دموعها أخذت تسيل وتنهمر بقوة لتجهش في البكاء بصوت خفيف وشهقات عالية صدمته! هل أرعبها إلى هذا الحد، ولكنها وقفت بجرأة تهدده منذ دقائق! هل كل الإناث بهذا الشكل أم جنيته فقط! توتر مصطفى وهو يرى بكاءها وشعر بنخزة في قلبه.
رفع ذراعيه ليمسك بكتفيها ويقربها منه، فأحتضنها بحنان وكأنها مصنوعة من زجاج قد ينكسر بين يديه في أي لحظة. أرادت إزاحته بغضب مرة، ولكنه أطبق عليها وقال: -بس بقا، اهدى، بتعيطي ليه طيب! أجابته بصوت باكي: -عشان إنت بتخوفني، وأنا مقدرش مكلمش مراد، بابا بيتصل بيه أكتر مننا إحنا! زفر بحنق على تسرعه وقال: -لا ماتخافيش، على فكرة انتي مراتي، أنا عمري ما هأذيكي! -بس هتأذي مراد. شعر بغضبه يرتفع مرة أخرى، فصك
على أسنانه بغيظ وهو يقول: -يعني كل خوفك على زفت مراد! أجابت بصدق وصوت متقطع: -لا، وكمان خوفي إني معرفش أتواصل مع بابا أو إن مراد يزهق ويتخلي عنا! وضعت يدها على وجهها لتستكمل بكاءها. فربت على شعرها برقة تتنافى معه وقال بهدوء وخفوت: -ماتخافيش، آه أنا مش بطيق مراد ده، بس هو أصيل وبيحب أبوكي، ده غير إني هقلب الدنيا لحد ما أرجع أبوكي، ده وعد مني!
نظرت له بشك تبحث عن الصدق في عينيه حتى وجدته، فهزت رأسها بالموافقة، على ماذا؟ لا تعلم! أمسك يدها يقبلها ثم مسح على وجهها وأكمل: -ممكن متعيطيش بقا، وأنا موافق تكلمي مراد بس بشرط! نظرت له بقلق وتوتر واحمرت خجلًا. فعلم أين تتجه رأسها. فابتسم وقال بإصرار: -تتصلي ليا أكتر منه، ولو هتتصلي بيه كلميني قبلها وبعدها. -طيب ولو نسيت وكلمتك وأنا باكل عادي ولا استنى بعده!
كان هذا ردها الساخر على شرطه، ولكن نظرة حادة منه، جعلتها تزم شفتيها كالأطفال وتعقد ذراعيها بعد أن مسحت دموعها لتقول: -خلاص! اللي إنت عايزه. كاد أن يخبرها كم يحبها وهي عاقلة، ولكن دقات الإنذار أتته سريعة على الباب. جذبها بعيدًا عن الباب وفتحه بسرعة، أخذ خطوة للخارج وهي وراءه، بينما اتجه بلال إلى ندى الذي أصبح وجهها كلون فستانها الأحمر وتتظاهر بالأكل! دق باب السطح مرة ثم فتحته منال وسلوى.
نظرت منال بشك بينهم ثم نظرت إلى سلوى وكأنها تطمئنها أنه لم يأكل ابنتها! سلوي بخجل بسيط وابتسامة: -يلا يا سمر اتأخرنا، سلمي على جوزك ويلا. رفعت سمر يدها وقلبها يدق من ما حدث للتو وكيف كان سينكشف أمرهما، وشعرت بخجل وهو يصافحها ويضغط على يدها. فقالت بخفوت: -مع السلامة. -احم، مع السلامة، كلميني قبل ما تنامي! هزت رأسها بالموافقة وتوجهت مع والدتها للرحيل.
يجب عليه أن يسرع أكثر في الحديث مع والده عن حكاية والد سمر ومشاكلهم وأمر انتقالهم هنا معهم، والذي كان يأجله حتى يضمنها في عصمته وتحت طوعه! غدًا بعد مشواره الهام مع ذلك المدلل صاحب الأرض المجاورة لهم، والذي يلح عليهم بترك الأرض لأنه ينوي شراءها، ولأن الجار أولى بالشفعة، ولكن ما أغاظه أنه ليس مالك الأرض الفعلي، وإنما يبقى قسطًا عليه لم يسدده بعد! في مكان ووقت آخر.
رن هاتف سعد فتعرق وتوتر من هذا الرقم الغريب الذي يحفظه عن ظهر قلب! ابتلع ريقه وهو يرد سريعًا على الهاتف: -أيوه يا باشا، إزي صحة معاليك؟ أغمض عينيه من الرد الذي يسمعه ومسح على رقبته بتوتر: -لا يا باشا، أرجوك، فلوسك هتوصلك قريب، أنا في موضوع في إيدي هخلصه بس محتاج وقت قصير وأنا هجمع لك المبلغ كله. تم إغلاق الهاتف في وجهه بعد أن أخبره هذا الباشا بأنها فرصته الأخيرة ليشتري عمره من جديد!
رمى بالزجاجة أمامه نحو الحائط لتنكسر مائة قطعة، ليصرخ بغيظ ويشد في شعراته الرمادية: -أنا لازم أعمل كل حاجة بنفسي يا أغبية! انتفضت نادين الجالسة خلف مكتبها من ثورته وانتظرت حتى يهدأ قليلاً. -سعد باشا مش كده، صحتك! ليرد بحدة وغضب: -صحة إيه ونيلة إيه! بقولك هيقتلوني، لااا، هيقتلونا كلنا. أخذت نفسًا ببرود وانتظرت حتى تهدأ نوبته، فنظر بحدة إلى برودها. وأردف:
-طبعًا الهانم مش في دماغها وكل يوم مع واحد شكل، لكن نيجي نشتغل ونفكر في حياتي اللي بتضيع، لاااااااا، إززززاي؟ ردت بهدوء يعكس برودها: -أولًا، حياتي الشخصية ماتخصش حد غيري، ثانيًا، لولايا أنا مكنتش هتقدر تعمل أي حاجة مع شريكك أو توصل للناس الكبيرة دي حتى! نظر لها بغيظ، فهي من دبرت بمهارة طريقة وضع أوراق بيضاء بين أوراق عصام باعتبارها المساعدة الخاصة بهم!
ولكنها أيضًا السبب في تعرفه على هؤلاء الناس وعرفته على أسرع طرق لكسب الأموال. كان أقصى أحلامه أن يمتلك المليون والآن لديه بدل المليون خمسة، إلا أنهم غير كافيين لإنقاذ حياته، على الأقل 15 مليون أخرى عليهم لشراء حياته والتخلص من تلك الورطة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!