وقف مصطفى وبلال يتناقشان مع صاحب الأرض المجاورة، أنور، في أمر إبعاد ذلك المعتوه الذي لم يسدد ما عليه من أموال، ولديه الجرأة على إرسال رجال للتحدث إلى مصطفى بترك الأرض التي تجاور ما يطلق عليها أرضه وإخباره أنها تخصه. ليردف أنور: -والله يا ابني هو راجل مقتدر الصراحة وناقص عليه مليون جنيه من تمن الأرض، وأهو مشعلقني من ساعتها لا سدد ولا نيلة. رد مصطفى بتأني: -الله، طيب مش بيسدد ليه فلوسه طالما مقتدر؟
-مش عارف والله يا ابني، في ناس بيقولوا فلس وناس بتقولك كان عنده شريك ومن ساعة ما مشي خد كل اللي معاه. هز مصطفى رأسه وقال بضيق:
-أنا ميهمنيش كل ده، أنا مش هنسيبه، أنا بس جيلك عشان توصله رسالة صغيرة. قوله الأرض اللي عليها اسم دياب العرابي مش بتتغير إلا بمزاجه، والعمارة إحنا هنطلع بيها برضاه أو غصب عنه هنبنيها. أنا بس كنت مستني الرخصة تطلع، واهي بقت في إيدي. فقوله بقا يخبط دماغه في أنشف حيطة. وعيب تتكلم على أرض جيرانك وأنت لسه مسددتش تمن اللي مفروض هتبقى أرضك، يعني أنت متشلق بين سما وأرض. -ويقولي ليه، ما أنا سامع كل حاجة أهوه.
أتتهم صوت من خلفهم، فاستدار مصطفى وبلال يراقبون ذلك الواقف بكل عنجهية، وبفمه سيجار كالذي يرونه في الأفلام تماماً. عقد بلال ذراعيه وهو يقول بثقة: -طيب الحمد لله، يبقى إحنا كده مهمتنا انتهت، مع السلامة. لتأتي ضحكة ساخرة من امرأة حادة النظرات كالثعلب بجواره. -مهمة إيه بقا دي اللي انتهت بالظبط، انتو كده بتنتهكوا حقنا.
كاد أن يجيب بلال، فوضع مصطفى يده على صدره لاسكاته وتقدم خطوتين نحوهم، وفي كل خطوة كان رجلي سعد خلفه يحسبون لها ألف حساب وحساب في حال فقد صبره وأنهال على سيده بالضرب.
نظر لهم بعيونه الضيقة بتأني وهو يرمق تلك الفاقدة للأنوثة حتى مع جمالها الذي سيعده أي حد من الجمال المتميز، ولكنها تشعره بالاشمئزاز لا أكثر، خاصة عندما رفعت ذلك الحاجب الرفيع المنمق وبدأت تتوغل بنظراتها المريضة عليه بطريقة فاقت كل جرأة رآها في امرأة من قبل. وقال بهدوء ينذر بشر وقله صبر: -انتهكنا حقكم؟ إنهي حق بالظبط؟ أشار بأصابعه حوله وقال بتهكم وثقة:
-بص حواليك، أنت في أرضي، وابقى جيب رجالة تكلمنا بعد كده، لأن واضح إن المدام هنا نظرها ضعيف. ضحك بلال بسخرية وهو يتشفى في تلك الحيزبونة وقد اشتعل وجهها من الغيظ أو أمر آخر لا يريد الغوص فيه. ابتسم سعد وهو يهز رأسه: -بس دي كانت هتبقى أرضي من قبلك، وكان ليا الأولوية.
-واضح إن حضرتك مالكش في شغل الأراضي أوي، فأنا هوضح لك حاجة صغيرة، هي إنك عايز أرض اتكلمت عليها مش مهم أبداً، عايز أرض واتكلمت ودفعت فلوسها وعقدها في إيدك، يبقى مبروك عليك يا كبير. جز سعد على أسنانه وهو يقول بتحذير: -بلاش كلام فارغ، أنا مش صغير في السوق وفاهم كويس، ومش واحد في سني أنا هيبص لكلام واحد زيك. رفع حاجبه المقطوع وقبض جبينه وهو يشير إلى عقله: -واحد زيي يوزن 10 آلاف واحد زيك، بس واضح إن السن غلب عليك فعلاً.
أغاظ سعد بشدة وهو يصيح به مستنداً على حماية رجاله خلفه: -اسمع يا ولد أنت كويس، أنا ميهمنيش جو كينج كونج اللي أنت عايشه ده، وعذرك لأنك لسه شباب وعنفواني، لكن لازم تعرف إزاي تتكلم وتقف قدام سعد الراوي.
صدم مصطفى وشعر كأن دلو من الماء المثلج قد سكب في وجهه. نسي العالم من حوله وهو يتذكر دموع سمر بسبب ذلك المعتوه. أفاق بعد لحظة على يد بلال والتي اشتدت على ذراعه بتحذير. أخذ نفساً عميقاً وهو يقتل ذلك الحقير بعينيه، ولكن قرر استكمال الحوار حتى لا يهرب من تحت ضروسه، فالقدر كان حليفاً له في العثور عليه سريعاً وبدون أي جهد.
كانت عضلات جسده تشتد وترتخي وحدها من شدة غضبه، وعروقه نافرة لا تراها سوى عيون متفحصة له بشدة كعيون نادين المعجبة بهذا الشخص البالغ القوة والوسيم بطريقته الخاصة، وهوسها المريض بذلك النوع من الرجال بسادية لا تحسد عليها. نظر لها بلال بقرف وهو يتدخل: -والله كان نفسي نكمل كلامنا، بس إحنا ورانا مواعيد. ولو عايز نتكلم في موضوع الأرض اللي تعباك أوي كده، فـ رقم تليفونا مع أنور. ليرد سعد بثقة:
-أكيد طبعاً، أنا لسه موصلتش للي عايزة. هبقى أتواصل معاكم عشان نحدد معاد ونشوف الموضوع ده، ويكون في علمكم أنا مش هتخلى عن الأرض دي. رد مصطفى بابتسامة مجبرة: -وماله، عن إذنكم. صعدا إلى سيارتهم مع أحد رجالهم، وما إن أغلق بلال الباب حتى التفت بصدمة إلى مصطفى الذي أسرع بالانطلاق ورأسه مشتتة وبها ألف فكرة وفكرة. ليقطع بلال الصمت بعد فترة: -أنت مصدق اللي حصل ده؟ ابتسم مصطفى بغيظ وهو يقول بثقة: -وقع ومحدش سمي عليه.
ليأتيهم صوت رجله من الخلف: -هو الراجل ده كان عايز منك إيه يا درش؟ نظر له مصطفى في المرآة وقال بلا مبالاة: -الراجل صاحب الأرض اللي جنبنا وعامل مشاكل معانا. حك الرجل رأسه وهو يقول بتحذير: -بس الراجل ده جامد أوي، وفي ناس تقيلة وراه. ليتساءل مصطفى: -أنت تعرفه؟
-لا، بس بيني وبينك، حد من رجاله اتثبت من فترة، كان بيتنطط على شوية صيع قاموا معلمين عليه وسرقوا عربية اللي هي عربية البيه، بس اتفتح لهم طاقة القدر لقوا حتة آثار في شنطة العربية. وبتوع الآثار دول يتخاف منهم، ومنصحكش تتعامل معاه. نظر بتفكير إلى بلال الذي بادله النظرات، ليطلب من رجله بهدوء: -أنا عايزك تعرفلي أكتر عن الموضوع ده، وفي ظرف يومين أو تلاتة تكون مجمعلي معلوماته كاملة.
هز الرجل رأسه بالموافقة وأشار إلى عينه اليمنى ثم إلى اليسرى. -من عنيا. أخرج مصطفى هاتفه لمهاتفة مراد، الذي رد بعد الرنة الأولى. -الو يا مراد، فاضي؟ مراد باستغراب: -أيوه، في حاجة ولا إيه؟ -أنا شفت سعد الراوي، وكان معايا من شوية. أسرع مراد بغضب وقلق: -أنت رحت له؟ أوعي تكون وقعت بلسانك إنك جوز سمر. زفر مصطفى على شكه بذكائه وولائه.
-مراد، ما تستفزنيش، أكيد طبعاً مجبتش سيرة سمر، وما روحتش لحد، أنا هو اللي وقع في طريقي. عشان كده بقولك لازم نتقابل. تنفس مراد الصعداء وقال بهدوء نسبي: -نص ساعة وهكون في بيت مدام سلوي، هستناك. بالرغم من انزعاج مصطفى من حضوره المتواصل والذي أصبح شبه عادي، فالفتى يعزم نفسه وكأنه يمتلك الدار، إلا أنه تذكر حديثه الأخير مع سمر، فهدأ قليلاً وقال: -ماشي، هتلاقيني هناك.
شد على بنزين السيارة على أمل الوصول قبله. ما إن وصل إلى منطقتهم حتى أتاه اتصال من والده. -الو يا حاج. -أنت فين يا مصطفى، عايزك. أغلق عين واحدة بغيظ وقال: -أنا هنا يا حاج، هو في حاجة ولا إيه؟ -لا، بس أنا عايزك في كلمتين. -طيب، ينفع ساعة وأجي ولا لازم على طول؟ قال دياب بنبرة ناهية وهو يظن بفرار ابنه. -اطلع يا مصطفى، أنا مستنيك. ومع ذلك أغلق الهاتف. زفر باختناق وقال لبلال:
-كلم مراد وقوله يستنى نص ساعة، وراجع هشوف أبويا عايزني ضروري. هز بلال رأسه بالموافقة وعمد إلى فعل ما يريده. ....................... ظلت أفكاره تدور ويرتبها. فعقله يعطيه نبذة عن سبب رغبة والده في حضوره. فقد ماطل لعدة أيام، ولكن والده ليس بالصغير.
دلف إلى شقتهم وجد غادة تقرأ إحدى مجلاتها وترتدي فستان قطني قصير نسبياً وربع كم مخالف لما اعتادت على ارتدائه. قبض جبينه، ولكنه عدل عن سؤالها، فهي في المنزل، ولكن أخوته لكزته لسؤالها عن أحوالها لفهم مثل هذا التغيير، وهي الاخت الصغيرة الرقيقة الفاقدة لأمها لتوعيتها. تركها ودخل إلى والده وقد قرر محادثتها بعد الانتهاء معه. رأى والده يجلس على مقعده ويسبح وهو يرفع نظره إليه. فقال بأدب: -السلام عليكم. أشار
له للجلوس وهو يرد السلام: -وعليكم السلام. اقعد يا مصطفى. جلس مصطفى وهو يشعر بتوتر برع في إخفائه. -أيوه يا حاج، اؤمرني. -ما يؤمرش عليك ظالم يا ابني. احمممم، احكيلي. قالها دياب وهو ينظر بدقة إلى عيون مصطفى، وكأنه يتحداه أن يصطنع عدم الفهم أو المراوغة. إلا أن مصطفى لم يعتد عليهما، فقال بصدق: -عايز تعرف ليه اتجوزتها بسرعة، ولا ليه والدها مسافر وجوا هنا؟ ابتسم له دياب وهو يشعر بفخر لصدق ولده. فأردف براحة: -الاتنين.
-تمام، شوف بقا يا حاج. سرد عليه مصطفى أسباب سفر والدها وكيف خسر أملاكه لشريكه المخادع، والذي رفع قضية بوصل أمانة بـ 50 مليون جنيه حتى لا يستطيع أن يخطو خطوة داخل مصر ويستطيع اللعب على عائلته، فقد كان يعلم بوضع عصام في حساب ابنته سمر مبلغ 10 مليون جنيه. وهو يسعى للحصول على هذا المال مقابل التنازل عن القضية وتقطيع وصل الأمانة، وكيف أن والدها يخشي أن يكون له نية سيئة ولا يريد لابنته أن تختلط به.
فأخبرهم بالاختباء مع مراد، الذي أنقذهم في هذا الوضع، وهو من اكتشف خديعتهم وأنذر والد سمر وترك أمر هذه المشكلة لهم. ومراد يحاول أن يلملم أي دليل من ورائهم قد يفيدهم ويبقى كعين لهم مع هذا الشريك. هز دياب رأسه بفهم وهو يفرك ذقنه بتفكير، عادة ورثها مصطفى عنه. وسأل: -وكتب الكتاب اللي اتكروت ده؟ احمرت وجنتيه قليلاً وهو يجيب دون أن ينظر إلى والده:
-أصل أنا كنت عايز أجيبهم في الشقة اللي فوق قدام عمتي هي ووالدتها عشان يبقوا تحت عيني وأبقى مطمن، خصوصاً أنها كانت هتتخطف مرة وقدروا يوصلوا ليها. نظر له دياب يدرسه ثم ابتسم: -ضمنت البنت خلاص على ذمتك، متخليهاش تعرف بقا إن كان ممكن نديهم شقة في العمارة بتاعتنا اللي قصادنا. هز رأسه وقال مدافعاً: -احم، بس الحارة كانت هتتكلم وتستغرب. ليرد دياب بحنان وثقة:
-أنا فرحان إنك لقيت اللي تميل ليها، بس متكذبش على نفسك أو عليا، أنت عارف ومتأكد إن محدش يقدر يجيب سيرتنا لأنهم عارفين إحنا إيه. نظر مصطفى بخجل وحرج إلى الناحية الأخيرة وهو يهز رأسه بالموافقة. ليأتيه صوت دياب بحده: -بص في عيني، الحب قوة مش ضعف. استغله لأحسنه. بس سؤال صغير عشان أطمن؟ -سمر بتحبك أو موافقة برضاها. ضيق مصطفى عينيه على هذا الاتهام، هل يظنه بلطجي أم ماذا؟ (لا خالص بعد الشر ياخويا)
. ولكن ما إن فتح فمه ليدافع ويلوم والده، رفع دياب يده ليخرسه قبل أن يتفوه بكلمة. ليقول بضحك: -خلاص الإجابة وصلت. فرك أسفل ذقنه وهو يهز رأسه يميناً ويساراً وابتسم: -ماشي يا حاج، اللي تشوفه. تنحنح، فهو على نار يريد الذهاب إلى مراد. اممم، حسناً، من يخدع يريد الذهاب ورؤيتها قبل كل شيء، ويا حبذا لو يستطيع اقتطاف إحدى ورود شفتيها. رفع حاجبيه وقال زيادة تأكيد: -يعني أقولهم يجوا من بكرة يا حاج؟ ابتسم له دياب وهز
رأسه وهو يقلب في سبحته: -ومن النهارده لو عايز. -تمام. شعر بسعادة تنتشر بداخله على مساعدة والده وعدم تعقيده الأمور، ليس وكأنه قد شك في رده، ولكن القلق كان حليفه منذ أن عرف تلك الجنية. دلف إلى الخارج فوجد غادة تجلس بجوار زينب ووجهها أحمر من الغيظ، فوصل إلى أذنه جملة غادة المحذرة: -ما تخليش مصطفى يسمع عشان هيزعل. لترد زينب بكل وقاحة وثقة: -يعني أضحك على ابن أخويا، أنا عايزة مصلحته. تدخل مصطفى بحده وهو يتساءل:
-مصطفى ميزعلش من إيه بالظبط؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!