استيقظت سمر هذا الصباح وبداخلها شعور غريب. تقلبت في فراشها بتململ وهي تتذكر حديثها مع والدتها بعد ذهاب مصطفى بعرضه الصادم. *** وقفت سمر بثغر مفتوح تمامًا كعيناها، غير مصدقة أن هذا الكائن الذي لا يطيقها ويضايقها كلما خرجت من بيتها يريد الزواج منها. هي! هي التي لا تصل إلى مستوى صدره وتبدو كالطفل الجائع بجواره. نظرت إلى والدتها التي كبلت ذراعيها ونظرت لها في تساؤل. قالت سلوي وهي تشعر بالتوتر: سمعتِ طبعًا؟ ردت سمر بذهول:
آه سمعت.. أنا مش مصدقة! ده كل ما يشوف وشي يتخانق معايا! نظرت إلى والدتها وهي تستعيد أول مرة رأته بها بهيئته الرجولية البحتة والتي أدخلت الرعب لقلبها وعيونه التي أخافتها وجعلتها كالطفل التائه. خفق قلبها على هذه الذكرى واحمر وجهها وهي تتذكر ملمس يده على ذراعيها الصغيرتان مقارنة بكفيه. راقبته والدتها بذهول واستغراب، فردفت بخضة: سمر انتي مكسوفة؟ لا أوعي تكوني... سكتت ولم تكمل، فردت سمر بعنف وتوتر: إيه أنااا!
أنا مش مكسوفة لا طبعًا وهتكسف ليه! أممممممم اومال وشك أحمر ليه؟ احم بصي فكري بردو مصطفى مشفناش منه حاجة وحشة بالعكس ده بيحافظ علينا كأن ربنا بعته لينا نجدة! نظرت لها سمر باستغراب ومشاعر مضطربة: أفكر؟ يعني هو ممكن بجد يتجوزني! إحنا حياتنا مختلفة أوي! مش هغصبك على حاجة طبعًا بس ليه لأ، الأول أسأل عليه وأطمن من ناحيته ولو في نصيب وإنتي موافقة يبقى فين المشكلة؟ سمر وهي تفكر بمستقبلها ولاول مرة تنظر إلى نفسها
كأنثى مقبلة على الزواج: احم هفكر يا مامتي بس زي ما أنتي شايفة الوقت غلط خالص وبابا والهرب اللي إحنا فيه... ردت سلوي سريعًا: والله يا بنتي أنا اللي مخليني متقبلة الموضوع إنه هيقدر يحميكي وأنا كل خوفي عليكي إنتي! ردت سمر باستسلام وهي تتمنى وجود والدها وتشتاق له كثيرًا: ماشي يا ماما لو في نصيب هيكون... أنا هدخل أوضتي شوية! ***
وقفت من على الفراش بتأفف. مر أسبوع ولم تقرر شيئًا، بالعكس فقد اختلطت مشاعرها وأفكارها أكثر. حتى أنها كلما وقفت في النافذة والتقطت عيناهما تشعر بخجل شديد وتبتعد سريعًا. سمر لنفسها: يووووووه كان مستنيني فين ده بس، انسي كل ده وقومي خلي ربنا يكرمك الساعة 9 هو أكيد مش هيجي دلوقتي، الحقي انزلي دوري على شغل!
جهزت سمر وارتدت هذه القطعة الكلاسيكية المسماة "بنسل سكيرت"، تلك التنورة البريئة التي تجعلها تتمرد على مظهرها البريء والطفولي لتتحول إلى مظهر السكرتيرة التي تحاول إغواء مديرها. هزت رأسها على هراء تفكيرها، يبدو أن الروايات قد أتلفت عقلها تمامًا. فامتلاء أردافها قليلًا لا يعني أنها مثيرة بل يعني أنها كالبقرة المترهلة. كم تكره تلك التنورة الغبية!
خرجت تلقي الصباح على والدتها وتقبل رأسها وتطلب منها أن تدعو لها بالتوفيق حتى تتمكن من إيجاد عمل. بدأت رحلة بحثها عن العمل بعد أن حددت عدة شركات لتتقدم بها، إلا أنها بدأت تشعر بخيبة الأمل عندما جاءها الرد من معظمهم بأنها لا تملك شهادة جامعية بعد وأنه من الصعب القبول بها. أخذت تجول بأسى وتعب عندما رأت مطعمًا صغيرًا لا يبعد كثيرًا عن الحارة يضع لافتة "مطلوب عاملة". حسنًا، لم لا؟
هي تعلم الكثير عن المطاعم والتقديم، بل كانت تساعد والدها كثيرًا كنادلة وهي أصغر من ذلك. ظلت تدعو الله بأن يوفقها ويتم قبولها بالعمل. وبعد مرور ساعة خرجت سمر والابتسامة مرتسمة على وجهها فقد استطاعت الحصول على العمل وستبدأ من الغد. شعرت سمر بأنها ستطير فرحًا حتى أنها وصلت إلى الحارة في وقت قياسي. *** كان مصطفى متجهًا مع بلال لمقابلة أحد الرجال المسببين لهم مشاكل في شراءهم قطعة أرض.
-والمهندس بتاع عمارة الأنفوشي لازم نتابعها عشان مش أمانة أوي. ليردف بلال: هيغش في إيه ما إحنا تابعنا الصبة وربط الخشب وكمان مش هيقدر يتعامل مع الفواعلية بتوعنا. وقف مصطفى مرة واحدة عندما رآها في منتصف الحارة تمشي والسعادة مرسومة على وجهها. أثارت فيه الجنون من مظهرها الأنثوي والممزوج مع برائتها بشكل مخيف وهي تمشي وتتبختر غير آبهة للعيون التي تتابعها وتأكلها أكلًا كعيونه تمامًا.
أشار لبلال بالانتظار وسار خلفها بغضب لا يدري على من. وما أن دخلت بنايتها حتى أوقفها: سمر! تسمرت مكانها وهي تستمع إلى الصوت الذي أرعش بدنها بذكر اسمها بتلك القسوة. التفتت إليه سمر ببطء وهي تبلل شفتيها: ن نعم!
لاحظ مصطفى توترها ويدها التي تحاول إخفاء ارتعاشتها وهي تمسك بحاجز الدرج. أزعجه توترها وخوفها ورغمًا عنه ظهر الغضب والقسوة في عينيه التي تشبه العسل الساخن. لن يلوم سوى نفسه على خوفها، هو الغبي الذي يتعامل معها وكأنها من الشوارع، لكن ماذا يفعل هو من لم يعتد على معاملة النساء، خاصة امرأة يرغب بها بشدة!
وجد نفسه يقترب منها ليقف عند بداية الدرج. نظر إلى عينيها المحيرة بلونيهما الأزرق المخلوط بالأخضر وهو يمسك بالحاجز أمام يدها تمامًا ليظهر الفارق الكبير بينهم. علت أنفاسها بشدة وشعرت بأن مجموعة من الفراشات قد أطلق صراحها أسفل بطنها وهي تقف على الدرجة الثانية وهو بالأسفل ومع ذلك يصل إلى مستواها بسهولة. حاولت الحديث وتوبيخه أو قول أي شيء ولكن ارتجافة شفتيها عندما نظر إلى فمها الذي يوشك على الحديث قد أوقفتها تمامًا.
ظل يجول بعينيه على وجهها وملامحها البريئة وشفتيها اللتين تتحدياه لالتهامهما في رغبة جامحة لم يشعر بها في حياته، فقط هي من تستطيع أن تهز كيان رجولته بلا أي محاولة. قال بصوت أجش تغلفه قسوة لهفته: فكرتي ولا لسه؟ احمرت وجنتيها وهي تنظر إلى شفتيه التي تتحرك بطريقة إغوائية لم تعتد عليها، كيف يمكن لرجل كهذا بكل عنفوانه وهمجيته أن يكون له شفتان كهاتين! ليس عدلًا أبدًا! ردت بتوتر وصوت متقطع: احم امممم بفكر! أنتي خايفة!
لم يكن سؤالًا بل الأمر الواقع أمام عينيه. ردت هي دون كذب: آه خايفة شوية. ابتسم على ردها بينما غابت هي قليلًا في ابتسامته التي تراها للمرة الأولى والتي تجعل شفتيه أكثر إثارة. سمر لنفسها: ما تتلمي بقا أنا ساكتالك من الصبح! مش أسلوب ده على فكرة! قاطع أفكارها صوته المبتسم: متخافيش. صمت لينظر لها من أعلى إلى أسفل، فتذكر تنورتها السخيفة. عقد حاجبيه ونظر لها بحدة رغمًا عنه: بس البتاعة دي متلبسيهاش تاني.
رفعت سمر حاجبها وأطلقت شبح ضحكة غير مصدقة هذا مصطفى بمزاجه المتقلب. وضعت يدها على جانبها وقالت بعناد: ليه بقى إن شاء الله! ما هي طويلة أهيه! أنتي مش شايفة مخلياكي عاملة إزاي، أنا كنت هرتكب جناية وأنا شايف اللي رايح واللي جاي عينه مش بتنزل عليكي. احمرت حرجًا وقالت بحدة: مخلياني عاملة إزاي يعني؟ جيبة زي كل جيبات الخلق!
رد مصطفى بحنق وغيظ من تمردها الذي يفاجئه طوال الوقت وهي التي تخافه من الوهلة الأولى، فأين يختفي هذا الخوف كلما حاول السيطرة عليها! بصي متستفزنيش، مش مراتي اللي هتمشي وسط الناس كده. قاطعته بصوتها الغاضب الممزوج بخجل: أولًا مش بستفزك، ثانيًا أنا لسه موافقتش عشان نتخطب مش مراتي مرة واحدة! رد مصطفى بكل جدية وثقة: خطوبة إزاي يعني! إحنا بنكتب كتاب على طول! شهقت بصدمة وأردفت برعب:
إزاي يعني نكتب كتاب على طول وفترة الخطوبة دي هتروح فين، اللي الناس بتتعرف فيها على بعض! فرح مصطفى لأنها تتكلم وكأنها ستوافق فعلًا، فاعتراضها على الطريقة وليس الارتباط نفسه. نظرت له وهو يبتسم وكأنه مجنون. أووووف أنا طالعة عن إذنك. أوقفها صوته الجهوري وهو يقول: استني هنا. تجمدت قدماها وعاد الخوف إليها قليلًا. هز رأسه على هذه الجنية الصغيرة التي تخافه وتتمرد في نفس الوقت في خليط ينجح في نبش حيرته. تنحنح قليلًا ثم قال:
متتأخريش في الرد! ذهب وتركها دون أن يستمع إليها. أخذت ابتسامة صغيرة تحوم على شفتيها قبل أن توبخ نفسها وتصعد إلى والدتها تبشرها بإيجاد عمل. *** صعد مصطفى على الدرج ليصل إلى السطح حيث يقضي معظم أوقاته بل وينام هناك في الغرفة التي جهزها خصيصًا ليتمتع ببعض الخصوصية منذ وفاة والدته والذي جعله الشخص المخيف الذي هو عليه، وخلفه بلال وهو يزفر بضيق. مصطفى بحنق:
ماتبطّل نفخ بقا من الصبح قارفني ببوزك اللي يقطع الخميرة من البيت ده! هتنقط منها يا مصطفى، بنت عمك دي هتجيب أجلي. وكأن ندى كانت تقف وراء باب شقتها في الدور السابق للسطح، في انتظار مرورهم. حسنًا، بدون كأن هي بالفعل كانت تنتظر مرور بلال، فمنذ أسبوع وهو يرفض الحديث معها ويتجاهلها ويرفض الصعود إلى السطح حيث يتقابلون بعيدًا عن أعين عائلتهم. فتحت الباب بسرعة ولهفة ووقفت تنظر إلى عينيه المتسعتين من الخضة. وقالت بصوت
حاد تحاول السيطرة عليه: ممكن أعرف بتعمل ليه كده؟ نظر إلى الجهة الأخرى بضيق وأردف: بعمل إيه؟ تجمعت دموع الغضب في عينيها، فأغلقت الباب بهدوء حتى لا تستيقظ والدتها وأمسكت يده. نظر بلال إلى يدها بحاجب مرفوع ثم إلى وجهها، إلا أنها لم تعطيه فرصة وجذبته خلفها إلى السطح في وسط ذهول مصطفى الواقف يتابعهم من منتصف الدرج وهم يتخطونه ليصعدوا. ضرب مصطفى كفًا على كف وقال لنفسه: إيه البت دي! كتكوا القرف في بجاحتكم؟
زفر وصعد خلفهم يلجأ إلى قوقعته. فوجد بلال يستند على الحائط وندى تقف أمامه وتؤنبه بغضب يكاد يخرج من عينيها. ابتسم مصطفى لبلال في شماتة وغمز له وهو يغلق باب حجرة السطح في وجههم. تركها بلال تتحدث وتتحدث وتلومه وتتهمه حبه لها حتى فاض به الكيل بعد مدة، فسألها: خلصتي ولا لسه في قلة أدب تاني! ندى بحنق وضيق وهي ترغب في خنقه: انت إيه يا أخي مش بتحس، كل اللي قلته ده مأثرش فيك، إيه غبي للدرجة دي!
لم يستطع السيطرة على نفسه أكثر، فأمسك بذراعها وهو يقربها منه قليلًا ويضغط على لحمها: ما تلمي لسان أهلك ده بقي أنا ساكت من الصبح! إنتي عارفة كويس أوي إنك غلطانة وعارفة أكتر إن مش أنا اللي يضحك عليا فبلاش شغل الحريم ده! بكت ندى وهي تحاول الإفلات منه، وقالت بندم وغيظ: أنا غلطانة إني تعبت نفسي وفضلت أهري عشان واحد ميستاهلش أصلًا! ضحك بلال بغضب وقال: إنتي صح! أنا لو أستاهل فعلًا كنتي عملتيلي قيمة أكتر من كده!
نفضت ذراعيها من بين يده بعنف وقالت مدافعة وشفتيها ترتعش من شدة انفعالها: أنا يا بلال مش بعملك قيمة... أنااااا! أيوه صح.. أنا بردو مش بخرج مع حد من صحابي عشان نفسي وباسورد الفيس معاك عشان خاطري أصلي مش بثق فيا وأنا بردو اللي بطفش العرسان عشان مفتريّة! وبعمل أي حاجة ممكن تضايقك أو تجرحك! صرخ بلال بها لتخرس:
أيوه إنتي الضحية صح وأنا ابن ستين كلب ومش موافق نتخطب زي الخلق اللي بيرتبطوا، ممكن أفهم إنتي بتأجلي ليه لو بتحبيني أوي كده! فهميني ليه؟ ولا مستنية فرصة أحلى تجيلك يا ست هانم وحطاني على الرف! زاد حديثه من بكاءها وأرادت الهرب من أمامه إلا أنه لحق بها وأمسكها قبل أن تخرج: لا يا ندى مش هسيبك تهربي زي كل مرة!
بصي عشان نبقى واضحين إنتي بتاعتي أنا وملكي من وإنتي في اللفة وبتنامي على دراعي، أنا عارف إنك ليا فاعرفي ده إنتي كمان لأن بالطول بالعرض هتجوزك يابت الناس، حتى لو مش عايزة إنتي فاهمة ولو في أي حاجة في دماغك أحسنلك تنسيها وتعيشي مع الأمر الواقع!
هزها بعنف وكأنه يدخل كلماته إلى عقلها، ولكنها أفلتت منه لتحتضنه بشدة وتبكي بين ذراعيه. زفر بشدة وغضب وأمسك بشعرها المنسدل ليرفع رأسها ويرىها وهي تبكي وعيونها حمراء ومنتفخة. زفر مرة أخرى ونظر إلى السماء وهو يضمها إلى صدره أكثر.
ظل يهدئها ويربت عليها حتى هدأت شهقات بكاءها. هنا فتح مصطفى الباب بعد أن حاول ألا يتدخل ويعطيهم وقتًا للتفاهم وحل مشاكلهم، فلولا أنه يعلم أن بلال يعشقها ومتأكد أن نصيبهم لبعض لما تركهم لحظة واحدة ليحولوا مكانه المقدس إلى وكر لحبهم! ممكن نتأدب بقي شوية وتشيل إيدك أمك من عليها! إنتي مش عارف أعمل معاكي إيه! مينفعش تعيطي من بعيد أنا مش عارف أمك كانت بتربي فيكي إزاي! ضيق بلال عينيه وهو يقول له بغيظ:
اطلع منها إنت وبعدين أنا اللي مربيها. ابتسم له مصطفى وكأنه يثبت كلامه! آه ما أنا واخد بالي. أعاد نظره إلى ندى وهز رأسه ثم استكمل حديثه: يابت فكك منه ده ميستاهلش حد يعيط عشانه ده هيموتني. طيب تصدقي بالله لو إنتي مش زي أختي وأنفعك كنت اتجوزتك ولا يطول شعرة منك! قربها بلال منه قليلًا وهو يرغب في قتل مصطفى بهذه اللحظة: لا إنت ولا عشرة زيك! ندى ليا طول عمرها!
إلا أن ندى لم تضحك أو تلطف الجو كعادتها بل انفجرت في البكاء أكثر وهي تضع يدها على وجهها وتبكي بمرارة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!