زفر بلال وهو يخلع ملابسه وقال بحنق: -أنت مش هتبطل الجنان ده بقا يا أخي! فضحتنا قدام الناس، هيقولوا إيه، هيجوزوا بنتهم لواحد مجنون! رمى مصطفى بجسده على الفراش وقال بضيق: -بلال، ممكن تخرس... أنت ما شفتش كان عايز يلمسها إزاي! -يلمسها إيه يا ابني، ده كان بيهديها... نظر له مصطفى نظرة قاتلة وقال بحدة: -ولو ندي مكانها؟ ضيق بلال عينيه وقال بحدة: -كنت قطعت إيديه... ابتسم له مصطفى بلا مرح، فقد أثبت وجهه نظره، لكن بلال استكمل:
-بس بردوا ما يمنعش إنك أوفر مع البت، أنت شفتها من امتى؟ أسبوعين ولا شهر! -مش فاكر، وسيبني بقا في حالي... ابتسم له بلال ليتحول بلحظة من الضيق إلى السعادة، واردف بفرحة: -بس تصدق يا ضنا، أنا مبسوط أوي إنك هتتجوز، أنت من كتر ما بتحلق للبنات كنت شاكك فيك... أخذ مصطفى نفسًا عميقًا حتى لا يتهور على ابن عمه المخبول، والذي يلعب بعداد عمره وحياته. -مش هسأل كنت شاكك في إيه عشان هات'عصبني وهقوم أخنقك!
ضحك بلال ورمى بجسده عكسه على الفراش، فدفع مصطفى بقدمه إلى الأرض ونظر له باشمئزاز: -هو أنت مش ليك أوضة وبيت تحت، طالع تقرفني ليه؟ وضع بلال يده على صدره يصطنع الجرح وقال بمكر: -بتطردني يا ديشة! وأنا اللي كنت بضحي وهستحملك عشان ننزل نقول لعمي، ولا أنت ناوي تكتب الكتاب وبعدين تقول! زفر مصطفى بحنق وهو ينظر إلى السقف ثم اردف: -نازل أقوله، ومعتقدش هيرفض... تأمله بلال قليلاً ثم سأل بجدية: -مش هتقوله على موضوع أبوها، صح؟
رفع حاجبه باستغراب وقال: -وأقوله ليه؟ مش مشكلتهم دي، مشكلتي أنا وأنا اللي هتصرف فيها، بس أظبط حالي الأول... تنهد بلال وقال بثقة: -تظبط حالك يعني تتجوزها وتضمنها في إيدك، صح؟ لم يجيب مصطفى وهو يكشر وجهه بغضب من وضوحه وتعريته دائمًا أمام أخيه.
بعد مرور ساعة من الحوارات والمشاحنات بينهم، نزلا لتناول الطعام كالعادة مع العائلة، فمنذ وفاة والدة مصطفى، ضمتهم زوجة عمه تحت رعايتها، وأصرت على أن تأكل العائلة كلها من يدها، بالرغم من انتفاضات عمته لها دائمًا. وقد اتفق مع بلال وعزم النية على إخبار والده والجميع برغبته في الزواج من سمر. جلس دياب يأكل ويتحدث مع عبد الله، بينما ظل بلال يشير له بحاجبيه للتحدث، إلا أن عمته زينب سبقته وهي تربت على ذراعه بحنان مصطنع.
-وأنت عامل إيه يا حبيبي؟ كنت مشغول في إيه؟ دي ندي طول الوقت بتسأل عليك وقلقانة خالص. توقفت ندي عن الأكل وهي تنظر بخوف وتوتر إلى بلال، الذي قبض على معلقته وكادت أن تنحني. نظر مصطفى بلا مشاعر إلى ندي ثم إلى عمته واردف بلا مبالاة: -كنت في الشغل يا عمتي! قالت بخبث له مغزى: -والله يا ابني، أنت حلك إنك تتجوز بقا، لما يكون عندك بيت وواحدة مستنياك هنشوفك أكتر.
كانت ندي على وشك البكاء، وبدأت عيناها تترقرق بالدموع فعلاً، وهي تعلم أين تتجه والدتها بهذا الحديث. نظف مصطفى حلقه ونظر بثقب إلى عمته زينب وقال بشبه ابتسامة: -والله فيكي الخير وبتحسي بيا يا عمتي. رفع دياب حاجبيه واردف بتساؤل: -إيه، ناوي تفرحنا وتتجوز خلاص؟ تنحنح مصطفى قليلاً وهو يرد عليه بتأني: -والله يا حاج، كنت على وشك أفتح الموضوع ده، بس عمتي سبقتني.
ظهرت أسارير الفرح على وجه عمته وهي تشعر باقتراب وقوع مصطفى في فخها. فقالت بسرعة: -وأنا عندي عروستك يا مصطفى. نزلت دموع ندي بالفعل، وغادة تضغط على فخذها من تحت الطاولة تطمئنها. كاد بلال أن يتحدث وهو يشعر بضياع ندي منه، إلا أن صوت مصطفى الحاد الخالي من المشاعر سبق الجميع. -لا يا عمتي، العروسة عندي فعلاً، كتر خيرك! نظرت له بصدمة وغضب واردفت: -لا والله، ومين دي بقى؟ تحدث والده أيضًا بهدوء وفضول:
-عينك على حد معين من أهل الحارة ولا من برا؟ -احم، من برا ومن جوا يا حاج. ضحك عمه عبد الله واردف: -فزورة دي ولا إيه؟ ضحكت منال وقالت وهي تساند مصطفى: -أفضلوا بقا هزروا ونسيب الموضوع المهم! الواد هيتجوز، وده يوم المنى يا أهل الدار، قول بسرعة يا ابني شوقتنا! غادة بسعادة أردفت بمرح: -المهم تبقي حلوة ونغشة كده وتصاحبني! ليقاطعهم صوت دياب بقلة صبر: -نسكت بقا عشان نعرف هي مين!
شعر مصطفى بقليل من الخجل وهو محاصر بين عائلته الصغيرة، خجل لم يراه ويفهمه سوي بلال، الذي ابتسم بالرغم من الإعصار بداخله. سعل واردف سريعًا: -ناس جداد يا حاج، لسه جايين من شهر كده، هي بنت ناس ومحترمة، وأبوها صاحب سلسلة مطاعم كبيرة، بس عنده ظروف ومسافر برا يعالج أوضاعه. تعجب والده قليلاً واردف: -هو ابن بلد يعني! أصل صاحب سلسلة مطاعم هيجي هنا ليه؟ تدخلت منال لتنقذ الوضع وتسهله على ابنها الثاني.
-يوووه يا حاج، ربنا جابهم هنا عشان ابننا يشوفها وتبقي من نصيبه، هنعترض على أمر الله. رد عبد الله ضاحكًا على حماس زوجته وقال لأخيه: -يا خويا نروح ونشوف الناس ومش هنغلب، مصطفى مش صغير وعارف يختار. ليرد دياب سريعًا وهو يؤكد على كلامه: -أيوه طبعًا، أنا واعد أمه قبل ما يتوفاها الرحمن إني أسيبه يختار اللي هيتجوزها، وهو عمره ما اتسرع، وأنا واثق فيه!
طغى شعور بالراحة على مصطفى وهو يشعر باقتراب هدفه، غير عابئ بغضب عمته واشتعال الغل بداخلها، غير مصدقة هذا التحول في خطتها. تنفست ندي الصعداء وأوشكت على المباركة له، لولا نظرات والدتها المحذرة، ألا تنطق! أخبر مصطفى والده بأنه قد أعطى فكرة لوالده سمر بقدومهم في الغد. نظر له والده بشك واردف: -وانت تعرفها بقي والبت موافقة وكده! عرف مصطفى أنه سؤال فخ من والده، فتظاهر بالهدوء التام وهو يجيب، ونظره على دياب وهو ترتسم الجدية.
-لا والله يا والدي، أنا شفتها طالعة بيتهم كام مرة، والصراحة حسيت إنها مؤدبة ومحترمة وشكلها حلو، وأنا كنت بفكر أتجوز، وكده يعني! -امممم، ماشي إن شاء الله، بكرة هنروح كلنا نشوفها، وربنا يقدم اللي فيه الخير. وبدون مقدمات، أطلقت منال زغرودة عالية في وسط حنق زينب وانزعاجها. ضحك بلال: -إيه يا أمي، بيقولك بكرة هنشوف. لوت شفتيها وكأنها تتعجب من سؤاله، ولكن الإجابة كانت من غادة: -يابني، ده فال حلو، عشان الموضوع يتم على خير.
نزل مصطفى مع والده وغادة هذا اليوم، ولم يصعد إلى موطنه في السطح، فهو يريد لعب دور الابن الصالح وألا يفسد الأمر لآخر وقت. بينما صعدت عمته الغاضبة ومعه ندي، التي تشعر براحة لأول مرة منذ شهور، إلا أن هذا الشعور لن يدوم كثيرًا! في الصباح الباكر، توجه مصطفى إلى بيت سمر، التي كانت في غيبوبة نوم منذ أن تركها بالأمس.
استقبلته سلوي وأخبرها بأنهم قادمون بعد صلاة المغرب، وعرضت عليه تناول الإفطار معهم، وبعد إلحاح ليس كثير، وافق على أمل أن يراها قبل أن يبدأ يومه. -احم... أمال سمر فين؟ ابتسمت له سلوي وأجابت: -نايمة يا حبيبي. نادت سلوي على سمر لتوقظها وهي تتجه إلى المطبخ. استيقظت سمر على صوت والدتها. مطت ذراعيها كالاطفال وهي تتثاءب وشعرها مشعث قليلاً ويخرج من الضفيرة التي اعتادت على النوم بها منذ الصغر.
ارتدت خفها الصغير مرتدية فستان بيتي قصير يصل بالكاد إلى ركبتيها وعليه رسمة تويتي، شخصيتها الكرتونية المفضلة لديها. فتحت باب غرفتها وهي تتذمر من والدتها التي توقظها من أجمل أحلامها، فقد كانت على وشك صفع ذلك المتشرد! كانت تفرك عينيها عندما وقع نظرها على من أقلق أحلامها وهو يجلس بارتياح على أريكتهم وكأنه يمتلك المكان! سمر بصدمة وغضب: -أنت بتعمل إيه هنا؟
وقف مصطفى وهو يبلل شفتيه وينظر لها من أسفل إلى أعلى، يتفحص هيئتها التي ستفقد عقله، من ذا الذي يسلب عقله بسبب فتاة ترتدي تويتي وخف! نظر لها بغضب ولم يأبه لسؤالها. فأردف غضب مكتوم: -إيه ده! أنت نسيتي تلبسي بنطلون؟ احمرت وجنتاها وقالت بحدة: -ده dress يا vulgar! وياريت ما تدخلش، بلاش قلة أدب! رفع حاجبه المقطوع متعجباً من لسانها السليط، ولكنه متأكد بأنها تظنه جاهلاً لا يفهمها، فقال بتحذير:
-اتلمي واتعلمي تتكلمي مع جوزك إزاي، هششششش! وضع إصبعه على فمه عندما فتحت فمها لتقاطع حديثه واستكمل بهدوء ينذر بالشر! -اسمعيني كويس، النهاردة بليل أنا وعيلتي هنيجي، ياريت ننسى اللبس ده ونتأدب شوية ونلبس محترم، خلي الليلة تعدي على خير! فتحت ثغرها على أخره غير مصدقة ما يخرج من فم ذلك المتعجرف! فهاجمته بصوت عالٍ نسبياً! -أنت إزززاي تتجرأ؟ أنا لبسي محترم غصب عنك! وبعدين أنا بقى مش عايزة الليلة تعدي!
اقترب منها خطوة بغضب وهو يلوح بإصبعه في وجهها. -صوتك ما يعلاش! وهتلبسي اللي هقول عليه بعد كده. اتسعت عيناها خوفاً وقلقاً من تقدمه، فرجعت خطوتين بتوتر وهي تمسك بجانبي فستانها القطني لتقول بتوتر: -بس ده ما يمنعش إني ممكن أفكر في موضوع اللبس ده! بس مش هغيره عشان خاطرك بردو! قالت باقي جملتها عندما ظهر الهدوء على ملامح مصطفى وسار ليجلس على مقعده.
كادت ضحكة أن تفلت من بين أسنانه، هذه المجنونة ستكون من ينهي حياته، فمنذ 30 ثانية كانت ترتجف منه، وما أن أعطاها ظهره حتى عادت لتمردها الذي يعشقه! خرجت سلوي بطبقين عندما رأت سمر وقد استيقظت. -أنت صحيتي! تعالي ساعديني طيب! أبعدت نظرها عن مصطفى وذهبت لمساعدة والدتها. كان الإفطار ثقيلاً بالنسبة لها تماماً كنظراته، والتي تشعرها بأن قطاراً قد دهس على جسدها الهش.
أما مصطفى، فقد كان يحارب نفسه في أن يبقى مكانه وأن لا يخطفها ويختفي بها بعيداً عن الجميع لتصبح ملكه. مصطفى لنفسه: هاانت، اهدي أنت بس، متخليهاش تحس إنك مدلوق عليها! بعد الإفطار، استأذن وذهب لإتمام بعض الأعمال. وفي المساء، توجهت العائلة كلها إلى بيت سمر، وقد غلب عليهم شعور بالسعادة واستبشروا خيراً، ما عدا عمته، والتي كانت تفكر في كل الطرق التي ستنسيه تلك الفتاة أو تشهر بعدم ملائمتها للزواج منه. سلوي بترحاب وابتسامة:
-أهلاً وسهلاً بيكم، اتفضلوا ارتاحوا. نظرت لها زينب وأنفها لأعلى ورمت السلام من تحت أسنانها، متجه لتجلس بعجرفة، بينما أخذتها منال بالأحضان وتبادلوا الكلام الجميل السمح. كان مصطفى كلوح من الجليد، لا يتحرك أو يرف بعينه، محاولاً إخفاء قلقه وتوتره من ما سوف تقدم عليه تلك الجنية الصغيرة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!