وصلت سمر على مضض مع والدتها إلى بيت مصطفى. بعد ساعتين من المماطلة والتأخير، مما أثار حنق سلوى على قلة ذوقها وتذمرها بأنها لم تنجب طفلة قليلة الذوق أو التربية. نزل مصطفى ليفتح باب المبنى عندما رآهما من أعلى. فتوّترت سمر وهي ترى جاذبيته الحادة، بالرغم أنه لا يُحتسب جميلاً كما تميل بعض الفتيات، إلا أنه رجل جذاب وفريد من نوعه. كان يرتدي قميصاً بسيطاً وجينز مهترئاً لا يتناسب مع الأملاك والأموال التي سمعت عنها كثيراً.
قال بأدب وهدوء وهو يسلم على سلوى: -أهلاً يا حاجة، اتفضلي. أم بلال مستنية فوق. -أهلاً يا ابني، يزيد فضلك. مرّت والدتها وصعدت، فوقف أمام سمر التي شعرت بخجل مفاجئ وهو يمد يده ليصافحها. -ازيك. رفعت يدها لتصافحه وهي تجيب ببرود مصطنع وتوتر لا تستطيع إخفاءه. -الحمد لله، كويسة جداً. وانت؟ تساءلت و"تخطته" للحاق بوالدتها دون السماع لإجابته. زمّ مصطفى شفتيه، فيبدو أن عنادها يوازي عناده وستتعبه.
صعد خلفهم، وقد استقبلتهم غادة ومنال. سألت سمر عن ندى، فأخبرتها غادة بتوتر أنها لا تشعر جيداً وقررت النوم هذا النهار. أخذت منال تجهز المحشي الشهير به، وقد قررت سلوى مساعدتها. بينما عرضت غادة على سمر بأن تأخذها في جولة في أرجاء المبنى. وافقت سلوى وأخبرتها بأن لا تتأخر، بعد أن غادر مصطفى أمامها بحجة أن لديه عمل. غادة بمرح: -أول دور ده بقا شقتنا، والشقة اللي في الوش دي شقتك يا جميل. عايزاكي تتفنني بقا في تظبيطها وفرشها.
ابتسمت لها سمر وقالت: -بتحبي التظبيط انتي شكلك. -أوووي أوووي، أنا أصلاً كان نفسي أبقى "نقاش". ضحكت سمر على سخافتها وقالت بمرح: -طيب يلا يا أسطى على الدور اللي بعده. -هههههههه، طبعاً الدور التاني طنط منال زي ما انتي شايفة، واللي في وشهم شقة بلال وندي. نظرت لها سمر بصدمة واردفت بعدم تصديق: -بلال وندي! هيتجوزوا؟ تنحنت غادة وهي تخبرها بقصة حبهما.
-أيوه، بيحبوا بعض من زمان أصلاً، بس النهارده اتحدد إن كتابهم هيتكتب معاكي أنتِ ومصطفى بعد اللي حصل. -حصل إيه؟ توترت غادة وهمست بخفوت: -بعدين هكلمك بليل أحكيلك لما تروحي. ابتسمت سمر وقالت بخفوت مماثل: -ماشي، أوعي تنسي. ضحكت الفتاتان على سخافتهما وصعدا إلى الدور الثالث. -أحححم، دور عمتي وندي، واللي في وشها المفروض شقة ضيوف. رفعت سمر حاجبها بتعجب. -ضيوف في الدور الأخير؟ انتوا بتطفشوهم صح؟
-هههههههههه، لا يا ذكية، الدور الأرضي كمان للضيوف، بس اللي فوق ده للناس العزيزة علينا أوي. -طيب يلا، كده خلاص صح؟ توترت غادة قليلاً وهي تصعد إلى السطح، واحمر وجهها بطريقة أثارت شك سمر. فأردفت بهدوء: -في حاجة يا غادة؟ -هااه، لا يا حبيبتي. انتي عارفة أنا بحبك صح، وإنك صاحبتي. فتحت باب السطح وأدخلتها خلفها وأغلقت الباب. نظرت إلى سمر بتوتر. -بصي، والله العظيم أنا مجبرة، بس كنت هتنفخ لو قلت لأ.
نظرت لها بعدم فهم وهي تقضب حاجبيها. -أنا مش فاهمة حاجة يا غادة. -أنا هفهمك. اتسعت عيناها لسماع صوته الرجولي الأجش من خلفها. ضيقت عينيها وهي تنظر إلى غادة التي تنظر بدورها إلى أسفل وتشعر بتأنيب الضمير، وكأنها تقدم السجين إلى سجانه. -روحي أنتِ يا غادة، هكلم سمر شوية وهننزل.
استدارت سمر لترفض وتخبره أنها لن تسمح لغادة بالذهاب وتركهم وحدهم، لكن ما أن فتحت فمها حتى سمعت الباب يفتح ويُغلق معلناً عن وجودها بمفردها مع مفترسها. أغلقت فمها بخوف وذهول وهي ترمش بتوتر. نظفت حلقها وقالت تصطنع الشجاعة: -اسموا إيه ده بقا؟ أنا مينفعش أبقى معاك هنا. رد بسخرية: -ومينفعش تتكلمي معايا بالطريقة اللي اتكلمتي بيها امبارح. -أنااااااا! أنت اللي مش محترم على فكرة.
قضب حاجبيه وتحدث بغضب مكبوت وهو يقترب منها خطوة ويرفع يده أمامها. -إيدي دي اتعودت تكسر سنان أي حد يغلط فيااا أو يفكر حتى إنه يغلط. لكن معاكي أنتِ! علت أنفاسها خوفاً من تهديده وتساءلت بخفوت: -أنا إيه! هتضربني؟ رأسه بالنفي وقال بقلة صبر: -أنا مستحيل أضربك. ليه الفكرة دي موشومة في عقلك، مش عارف. -مش أنت اللي بتقول أنتِ وبكسر وبعمل.
اقترب منها أكثر ووضع يديه بجانب وجهها على الباب خلفها، ومال بوجهه عليها منزعجاً من مقاطعتها له دائماً. لكن سمر وضعت يدها بينهم وهي تردف محذرة: -والله لو قربت مني أو جبت بقك جنب بقي، هصوت وألم الناس. ابتسم ابتسامته الجذابة وهو ينظر لها بمشاكسة وقال بمكر: -وانتي شاغلة بالك ببوقي ليه؟ أنا كنت عارف إنك مش سهلة وإنك هتموتي عليا.
شهقت وهي ترفع يدها لتصفعه، ولكنه أمسك يدها وقربها من خصرها بذراعيه الحديديتين وهو يستنشق شعرها المموج. تأوهت خوفاً من ذلك الشعور الذي يقحمه داخلها وأغمضت عينيها. فقال بخفوت يغلب عليهم: -بتعملي فيا إزاي كده؟ بتضايقيني وتجننيني في نفس الوقت. عقلي خلاص هيروح مني. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحاول تنظيم تنفسها حتى لا يغمى عليها من أقواله وأفعاله. وردت بخفوت وصعوبة: -أنا مش بعمل حاجة، أنت اللي بتعمل.
ابتسم قليلاً وهو يلامس يده على كتفها، فارتعشت تحت يديه السميكة. ضاقت عينه رغبة في امتلاكها. فتنحت سمر وهي تحاول إبعاد ذلك الجدار الضخم من حولها، فدفعها نحوه لتمسك بخصره المرسوم للداخل على عكس صدره العريض، فاحمرت خجلاً. وقالت بحزم مصطنع وتوتر وهي تتذكر حديثه بالأمس: -أنا محترمة. علم أن كلامه قد أثر بها سلبياً وأن غيرته جعلته يتمادى معها.
فأمسك بيدها يجبرها على الاقتراب من شفتيه وهي تقاومه، طبع قبلة على أطراف أصابعها من الداخل وأردف بحنان مغاير له. -أنا عارف. لو مش محترمة مش هأمنك على اسمي. فرغت شفتيها من اعترافه بعد حديثه القاسي معها. ولكنه زاد صدمتها عندما استرسل في حديثه بحنان.
-لو مش محترمة مش هخاف على براءتك إنها تدمر في العالم اللي بقينا فيه، ولا أخاف على عينيك من دموع الألم والندم على حاجة ممكن تحصلك. الدنيا بقت وحشة، أوحش من إن ملاك زيك يعيش فيها. هنا شعرت بالأرض تدور من حولها، فهو يغازلها بالفعل. لأول مرة يتفوه بشيء جميل يجذب قلبها تجاهه، وهي تنظر إلى أعلى منبهرة بهدوء كلماته وملامحه الحانية. نظرت إلى أسفل عندما التقت بعينيه الجريئة وقالت بخفوت وقلبها يدق بسرعة: -مصطفى بليز، أوعى.
أخذ نفساً عميقاً محملاً برائحتها التي يعشقها، ثم تركها بهدوء وعاد إلى الوراء وهو ينظر لها وإلى وجهها الأحمر الذي تخفيه بشعرها بحب. ثم أردف بهدوء: -هسيبك دلوقتي عشان يومين وهتبقي ملكي. فاعتقد هستنى. خجلت أكثر واستدارت لفتح الباب والنزول. وجدت غادة تجلس على الدرج بين دور عمتها وعمها وتفرك يدها بتوتر. ما أن سمعتها حتى وقفت سريعاً وسألت بترقب: -هااه، اتصلحتوا؟ ابتسمت بخجل وفهمت أن كل ما حدث كان خطة لمصالحتها.
شعرت برضى داخلها أن الجميع تكبد هذه المعاناة لإصلاح الأمور بينهم. كم هم طيبون إلى أبعد حد. رأوها مرة واحدة ويعاملوها وكأنها أغلى الغاليين. زاد حبهم ومعزتهم بداخلها. فاحتضنت غادة لتطمئنها بأنها غير غاضبة وقالت بابتسامة: -أيوه اتصالحنا. ظهرت ابتسامة غادة الواسعة. وقالت باطمئنان: -الحمد لله. طنط منال هتفرح أوي. نظرت لها سمر بحاجب مرفوع وأردفت: -كنت عارفة على فكرة، بس كذبت نفسي، قلت معقولة يسيطر على البيت كله.
"دوت" ضحك غادة على "الرج" فأتتها صفعة خلف رقبتها (قفا أخوي معتبر) من أخيها المزعج. -اضحكي لنفسك، مش للمنطقة كلها تسمعك. نظرت له بحنق وتوعد وهي تقول: -إيه قلة الذوق دي؟ والله ما هساعدك تاني هااااه، يلااا. ضحكت سمر وهي تجذبها خلفها إلى أسفل. أدارت رأسها تلقي نظرة على رد فعله، فوجدته يبتسم. ولكن ما علق في ذهنها هو نزوله على الدرج وكأنه لا يلامس الأرض بالرغم من عضلاته المفتولة والتي تراهن على ثقلها.
شعرت بخوف وقلق عندما اقترب منهم وكأنها خشيت أن يدعسهم وألا ينتظر ليتخطاهم. فهمست برعب لغادة: -اجري بسرعة، ده ورانا. شهقت غادة ولم تنظر وراءها، بل أطلقت لساقيها الصغيرتين العنان، وخلفها سمر التي رفعت فستانها قليلاً لتتحرك بشكل أسرع وصوت ضحكتها يسبقها. يا إلهي، كم يعشق ذلك الصوت ويرغب لو يلحق بها ويأكلها، بدأ من هاتين الساقين الرائعتين. دخلت غادة وسمر إلى الداخل وهم يضحكان ويتنفسان بصعوبة.
يبدو أنها لن تمل من الحياة هنا. ربما لم يكن هذا القرار سيئاً إلى هذا الحد. ومن تخدع، فمنذ حادثتهم في المكتب وهي لا تستطيع أن تفكر إلا به. والآن أعطاها سبباً جديداً لتهيم به وقت فراغها. كيف فعل ذلك وخطفها من نفسها؟ هو سيئ الطباع وحاد ودائماً في صراع معها. مرة أو مرتين منذ أن رأته تعامل معها بشكل طبيعي. إذا كان الطبيعي أن يحاصرها بكلماته المعسولة وأفعاله الجريئة، ولكنها تختارهم على غضبه في أي وقت.
مضى اليوم سريعاً، وفي نهايته جاء لسلوي مكالمة من الخارج. زوجها بالتأكيد. توجهت إلى ركن بعيد نسبياً. وردت. -الو. عصام بغضب: -أنتي إزاي توافقي على جواز البت وأنا مش موجود؟ خلاص أنا مت، ومنين من حارة معفنة؟ -اهدي يا عصام، مكنش قدامي حل بعد اللي حصل لسمر. سكت للحظة وقال بضعف: -حصل إيه لسمر؟ بنتي جرالها حاجة؟ سلوي بتوتر: -هو مراد قالك ده ومقالكش ليه؟ قاطعها بحدة:
-مراد قالي ع الخبر وقفلت على طول، كان لازم أكلمك وأفهم منك مش منه. روت له سلوى كيف كادوا أن يختطفوا سمر لولا مصطفى ورجاله الذي تركهم لحمايتها، فمنذ الوهلة الأولى قد علم أنها بريئة على أن تخرج وحيدة. سلوي وكأنها تصبره: -أهم حاجة في الدنيا سمر. أنا بحميها، الفلوس مش شوية وممكن تخلي أي حد يتجنن ويعمل فيها حاجة عشان يوصلها. -أنا السبب!
أنا السبب في كل اللي بيحصل ده. أنا فاكر لما كنتي بتحذريني من ثقتي الزايدة دي وأنا كنت أقول حرام عليكي، بلاش سلبية. طلعت السلبية دي مني أنا. كان صوت بكائه يمزقها، فبكت بدورها وهي تهدئه وتقول بحنان:
-أنت أطيب حد شفته في حياتي. هو اللي استغلالي وكذاب وحرامي، متلومش نفسك يا حبيبي. وسمر في إيد أمينة والله. مصطفى شاب ما يتعوضش، طيب ومحترم وبيحب البت، وأنت عارف الراجل لما يحب واحدة بجد بيعمل عشانها إيه. عشان خاطري متقطعش قلبي أكتر من كده. حاول السيطرة على بكائه وأن يقسو قلبه، فقال بهدوء: -أنا واثق فيكي يا سندي. اعملي اللي شايفاه صح. ربنا معاكم ومعايا. وحشتوني أوي ونفسي كنت أبقى معاكم وأشوف كتب كتاب بنتي.
-الفرح مش هيتعمل غير لما أنت تيجي. اعتبرها خطوبة متكلفة شوية يا سيدي. و كده أحسن بردو، إحنا في منطقة شعبية، وهو عايز يقعدنا في عمارة عيلته عشان يحميها ومحدش يقدر يلمس شعرة منها، ومكنش ينفع من غير رسميات. -أنا عايز أكلمه. اتفقي معاه، هتصل بيكم كمان يومين في نفس المعاد، عايز أتعرف عليه. -حاضر، هقوله. -خدي بالك من نفسك ومن سمر، ولو عايزة حاجة كلمي مراد. أغمضت عينيها، فاخر ما تريده هو بكائها، فتجبره على البكاء هو أيضاً.
فأسرعت لإنهاء المكالمة. -وأنت كمان يا حبيبي. مع السلامة. -مع السلامة. أخذت نفساً عميقاً وهي تستعيد تمالك نفسها أمام الناس. مسحت دموعها واستدارت لتجد زينب عاقدة ذراعيها وتنظر لها بشك. توترت قليلاً وهي تقول: -زينب، إزيك؟ رفعت زينب حاجبها وهي تجيب بوجوم: -الحمد لله. في حاجة ولا إيه؟ -هااه، لا عادي، ده أبو سمر بيطمن علينا بس.
ضيقت عينيها، فقد سمعت جزءاً من حديثها وهي تخبر زوجها بأن الحل الأنسب هو انتقالهم بينهم برغبة من مصطفى. وبالتأكيد تفكيرها جال إلى السوء، وفي لحظة نسجت علاقة آثمة بينهم وأنه سيصلح خطأه معها. نظرت لها بمكر وكأنها قد وجدت خاطرتها بإفساد زواجه من تلك العقربة، والتي أفسدت خطتها منذ البداية وتكرهها بشدة لذلك، فهي لم تبق أرملة كل هذا العمر بابنتها تخطط وتنسج لتأتي تلك القبيحة وتخطف جميع أحلامها.
تعجبت سلوى من نظراتها وتصرفاتها، فرفعت حاجبيها باستغراب وتركتها وذهبت إلى منال.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!