تحميل رواية «عشق بلا رحمه» PDF
بقلم دينا ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شهقت سمر رعباً من هذا الكائن حاد الملامح وقاتم العينين، بالرغم من لونهم العسلي الأخّاذ، وهو يرمقها بنظرة غريبة ثابتة لا تتزحزح. حاولت تمالك نفسها، فأبعدت عينها عنه وعقلها يحاول فهم هذا المجنون المرعب الذي ظهر من لا مكان. ربما يغازلها بحماقة كسائر الشباب، لكن غزل بهذا الجنون في عينيه؟ هل هذه طريقة جديدة؟ وإذا كانت، فهل تنجح في جذب أي فتيات أم تقتلهم رعباً؟ سمر لنفسها: امشي بسرعة.. أنتي واقفة ليه؟ حاولت السير مرة أخرى، ولكنه بخطوة أوقف تقدمها للمرة الثانية. مصطفى بصوت أجش غريب عنه، وكأنه لم يتحدث...
رواية عشق بلا رحمه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم دينا ابراهيم
والله أنا بحترمها الدور والباقي عليها
لا والله وهو لما تشخط وتنطر فيها ده احترام
والله لو هي زيك كده مش بتسمع الكلام يبقي اديها بالقلم علي وشها كمان
صدمت واحمرت وجنتها غضبا. واردفت بغيظ:
نعم نعم! ليه انت فاكرني من الشارع أنا بنت ناس ومش هسمح لأي حد يمد إيده عليا ده تعنيف جسدي وممكن أبلغ عنك!
رد بهدوء وبرود أزعجها:
أنا مش أي حد ومقولتش إني همد إيدي عليكي!
لا قلت متنكرش، لا يا بابا أنا اللي يديني قلم أديله اتنين!
قهقه مصطفى وتقطعت أنفاسه من كثرة الضحك:
فعلاً ضحكتيني والله! مش عارف الجراءة دي بتجيلك وأنا بعيد بس!
أنا جريئة ومش بيهمني حاجة
واضح أيوه بامارة الفستان... بس كويس سمعتي الكلام المرة دي.
ردت بغيظ:
لا إكسكيوز مي لو سمحت.. ماما اللي اختارت الفستان لأنه ببساطة شيك مش عشان كلامك أو رغبات جنابك!
أردف ببرود قاتل:
لا عشاني يا سمر وأنتي عارفة كده كويس.
أوووف ممكن تقفل بقا مراد على الويتنج!
أمسك الهاتف بشدة كادت تفتته و أردف بغضب:
وعايز إيه زفت دلوقتي! وبيتصل بيكي ليه أساساً!
أرادت إغاظته فقالت بلا مبالاة لإشعاله:
عادي هو بيتصل بيه كل يوم أفْضْفِضْله ويفْضْفِضْلي!
قاطعها صوت مصطفى المشتعل غضباً:
وفي واحدة محترمة تفْضْفِضْ لواحدة غريب عنها، ولا ده يبقى اسمه إيه؟ وخذي بالك لبسك وطريقتك دي مش هتنفع معايا ومفيش حاجة اسمها سيبني اللي مش هيعجبني هيتغير ورجلك فوق رقبتك!
أغلق الهاتف في وجهها دون أن يسمع رد وهو يعافر حتى لا يذهب إليها ويقتلها ويسحب منها ذلك الهاتف اللعين، ووبخ نفسه على غبائه فالآن أغلق وترك لهم فرصة التحدث معاً.
***
لم يعرف النوم طريقاً إلى جفنيه هذه الليلة، وفي الصباح الباكر أراد الاتصال بها ولكنه يعاني من صراع بداخله بين إرضائها وعقابها، كيف يمكن للنقيض أن يجتمع بداخله وكله بسبب جنيته!
أما سمر فقد نامت والدموع تغرقها وهي توعد له على إهانتها! وكلما تتذكر استسلامها له تريد لو تمزق وجهها ووجه ذلك الدب!
***
أي أي براااااحه ونبي!
بلال بغيظ: إيه وجعك الكشاف يا حبيبتي أدهولك على قفاكي!
ندي بحنق: تصدق أنت رخْم أوي... بتمد إيدك ليه دلوقتي!
فتح فمه بصدمة وهو يلوي ذراعها:
ليكي عين تتكلمي كمان وتغلطي!
تنحنحت وهي تصطنع الدلال:
الله وأنا عملت إيه يا قلبي بس.
نظر لها بنصف عين وقال بغيظ:
قلبك! وعينك اللي كانت بتبص على الواد امبارح ده كان اسمه إيه ولا الهانم بتعاين!
أصطنعت عدم الفهم وهي تجذب ذراعها منه لتقول وهي تحرك رموشها بخفة:
أديك قلت ولد، وأنا مش ببص غير للراجل اللي قدامي ده بس.
عض بلال على شفتيه وهو يشعر بأنفاسه تعلو بما تضخه من لسانها، فزفر وأردف:
أنتي بتطلعي الكلام ده إزاي مش فاهم!
ضحكت بأنوثة وهي تنكزه بكتفها في صدره:
اللي في القلب بيطلع على القلب.
يامحنننننني.
مطت شفتيها كالأطفال وهي تبتعد:
محن طيب أنا غلطانة إني بحبك وبعبر عن مشاعري.
قضب حاجبيه وابتسم بلا مرح:
لا ياختي متعبريش، أنا ماسك نفسي بالعافية أصلاً لولا كده كنت زماني واخدك في الأوضة الضلمة اللي جوه دي بتاعت الناس الوحشة.
احمرت خجلاً وهي تنظر له بعدم تصديق، تعلم أنه يقاومها ويحافظ عليها طوال حياته، وهو الأمر الذي يجعلها تتخلى عن سيطرتها لقلبها في وجوده، ولكنه لا يخيب آمالها أبداً في جرأته التي تزداد يوماً بعد يوم.
قالت بعدم تصديق وخجل:
بلااااال اتلم!
قال وهو ينفض ذراعه ويحرك رقبته:
يا شيخة بقا أنتي خليتي فيها بلال... يلا غوري يابت، مش عايز أشوفك قبل يومين تلاته كده عشان أهدي.
سقط قلبها بداخلها، هل ما زال غاضباً منها؟
نظرت له بخوف وقلق وأردفت بحزن وهي تمسك ذراعه:
اخس عليك يا بلال هو أنا بقيت من السهل كده نسياني؟ يومين تلاتة بحالهم مش عايز تشوفني أو تكلمني... أنت مش بقيت تحبني! قول لي مين بالظبط اللي خدتك مني اعترف!
ضرب كفاً على كف في ذهول:
إيه يابت الفيلم ده، يخربيتك، أنتِ مجنونة! روحي يا ماما ربنا يهديكي.
نظرت له بغضب:
أيوه طبعاً حلال ليك وحرام عليا... طب وديني لأنا باصة على كل شباب الحارة.
ركض خلفها ليقتلها، ولكنها أطلقت قدميها للريح ونزلت سريعاً إلى شقتها وقلبها يدق خوفاً، إلا أن الابتسامة لم تترك وجهها كحال جميع الإناث ممن يتحلين بالجنون!
نظر بلال خلفها وهي تركض وزفر بحيرة من تلك الحمقاء:
يا ساتر! بحبها إزاي دي مستفزة أوي الله يحرقها!
أتاه صوت مصطفى الخشن من خلفه:
الله يحرقك قبلها، هو النوم طار من عيني من شوية؟ ما تروحوا بقا تتجوزوا وتلموا بقي بدل شغل السرسجية ده!
تنهد بلال بتمني وقال:
ااااااه نفسي والله... وهيحصل! أنا هعدي موضوعك بس وهتفرغلهم، أنا خلاص مش قادر استنى والبت هتطير دماغي أنا مش عارف أفكر غير فيها!
ضحك مصطفى:
على أساس إنك بتفكر أساساً... أنت هتتلكك.
هيهيهيهيهي ماشي يا عم الخفيف. المهم بقي.
غمز له بلال واستكمل:
عملت إيه مع زوجة المستقبل.
رفع مصطفى حاجبه وهو ينظر إلى الجهة الأخرى بوجه خالٍ من المشاعر، ليزفر بلال بحنق وضيق وهو يردف:
لا مش معقولة، أكيد بتهزر. لا يا مصطفى كده كتير، اتخنقت معاها في يوم زي ده. أنت إيه يابني بروطة، مفيش دم.
خلاااااص يا عم الفهيم والرومانسي ونبي اتشطر على اللي معاك وتعالى اتكلم.
ضحك بلال بعدم تصديق:
يابني اتشطر إيه؛ أعمل إيه أكتر من كده أنا مهما عملت أو هي عملت إحنا لبعض، لكن أنت أراهنك متعرفش عنها حاجة لسه وكل ماتشوفها تتخانق، اديها فرصة وادي نفسك فرصة متبقاش قافل كده.
نظر له بغضب وهو يرتب السطح أمامه:
لسان أهلك ده! أنا ساكت من الصبح وبعدين هي تستاهل أصلاً وفكك من الحوار ده.
يعني مش هتكلمها!
لا.
بس أنت عايز تصالحها صح وهي عمرها ما هتعبرك مش كده؟
زفر بضيق وقال:
أيوه يا خفيف صح.
مبسوط كده.
ابتسم بلال وهو يضع يده على ذقنه:
حلك عندي يابرنس.
***
سلوي بهدوء: الو.
أتاها صوت منال السعيد من الجهة الأخرى:
أيوه ياحبيبتي صباح الخير؛ عاملة إيه؟
ابتسمت سلوي بالرغم أن منال لن تراها وقالت بحب:
صباح الورد يا حبيبتي... أنا الحمدلله وأنتي وكلكم عاملين إيه؟
كلنا تمام الحمدلله وعروستنا الحلوة أخبارها إيه.
ههههههه يارب دايماً... الحمدلله لسه صاحية أهيه.
والله طيب كويس أنا قلت الحق أكلمكم وأقولكم إنكم معزومين عندي على الغدا النهارده ومش هقبل أي أعذار!
بس يا منال عشان منتعبكيش.
اخس عليكي متقوليش كده، قومي بس انتي فُوقي كده وتعالي شرفيني ونقضي اليوم مع بعض وبالمرة نتعرف أكتر قبل كتب الكتاب.
اممممم ماشي خلاص هقول لسمر وهنيجي على طول.
منال بفرحة: ماشي يا حبيبتي هستناكم أوعوا تتأخروا. سلام.
أغلقت الهاتف ونظرت إلى بلال الذي يعلو على وجهه ملامح الانتصار، ومصطفى الذي يحاول السيطرة على ابتسامة ترغب في الهروب على شفتيه.
بلال بثقة: أيوه بقي يا ماما، ما يجبها إلا حريمها. شفت يااض يا مصطفى!
منال وهي تلوي شفتيها:
ونبي اتلهي أنت، لولا إن البيه مزعل القمر.. مكنتش عبرتكم!
ضحك مصطفى وقال:
طيب وجوز القمر بقا صفر على الشمال يا مرات عمي!
عبثت بخصلاته كما اعتادت أن تفعل معه وهو طفل وقالت بحب:
أنت مشكلة! ربنا يسعدك يا جوز القمر.
سمعوا أصوات صراخ فجأة، وكان أول من ميزها هو بلال التي اتسعت عيناه وانتفض من مكانه ليصعد إلى بيت عمته.
ركض على الدرج والجميع خلفه وبينهم والده الذي كان يتوضأ لتأدية الصلاة، فوجد ندي تبكي وهي تركض على الدرج ناحيتهم.
التقطها بلال قبل السقوط ووالدتها تركض خلفها وبيدها حزام غليظ.
بلال بغضب: فيه إيه يا عمتي بتضربيها ليه؟
زينب وهي تلتقط أنفاسها: وسع أنت يا بلال مالكش فيه هاتها بنت الكلب دي هنا هقطع شعرها في إيدي!
كانت ندي تبكي وتختبئ خلفه ومنال تحاوطها من الخلف حتى لجأت إليها تاركة بلال يتعامل مع والدتها.
جاء صوت والده العالي من الخلف:
أنتي اتجننتي يا زينب بتضربي البت بالبشاعة دي كده إزاي!
زينب وهي تحاول إخفاء توترها:
البت دي مش مظبوطة خلاااص، طلعت من طوعي ومفيش عريس يجي وتقبل بيه.
تدخل بلال بعنف وهو يقول بدفاع:
أنتي إزاي تقولي على بنتك كده! على العموم يا ستي اطمني بنتك تربيتي أنا يعني برا البيت ده بمية راجل ومش بتقبل عرسان ليه عشان عارفة هي لمين!
نظر إلى والده بغضب وهو يحاول السيطرة على مشاعره:
لو سمحت يا بابا أنا صابر بقالي كتير وأقول عشان تكبر وتخلص تعليم بس لحد كده وكفاية، أنا عايز أتْجَوَّز ندي!
تدخلت زينب بعنف وغضب:
معنديش بنات للجواز أنا... البت اللي تبقى صايعة وشمال تتقطم رقبتها.
جاءها صوت دياب أخوها الأكبر هذه المرة لتنتفض من الخوف:
والله عال وبقا عندنا بنات شمال... أنتي مش مكسوفة من نفسك وإنتي بتقولي كده إيه خرفتي على كبر.
حاولت أن تستعطفهم فبكت وهي تمثل دور الأم المظلومة، الخائفة على مستقبل ابنتها.
يا أخويا البت مش عايزة تتجوز وترفض كل العرسان وأنا عايزة أفرح بيها.
قاطعها بلال: الله طيب أنا بقولك هتجوزها وأنا أولى ببنت عمتي ولا أنت شايف إيه يا عمي!
هز دياب رأسه بتفكير وهو ينظر إلى ندي الباكية بحالتها المذرية فسأل:
موافقة يا ندي!
هزت ندي رأسها بسرعة أخجلتها قليلاً، ولكن سعادتها باقتراب حلمها قد أعمها عن الخجل والألم المنتشر في كل جسدها.
حاولت زينب الاعتراض فصاح بها دياب:
الله هو فيه إيه يا زينب.. خلاص الرجالة مبقاش ليهم كلمة وبعدين طالما ندي موافقة يبقي وصلك ياستي بنتك كانت بترفض ليه! ولا أنتي بتحبي الفضايح!
أغلقت فمها وهي تغلي من ابنتها التي تعاندها، فقد كانت تحاول إقناعها بأن تذهب إلى دياب لتبطي وتخبره بأنها تحب مصطفى وأنها أولى من الغريبة بابن عمها، ولكن تلك الحرباء رفضت وأخبرتها بفجور أنها تحب بلال وأنها لن تتزوج من غيره.
تلك الغبية ضيعت أموال وأملاك كثيرة، وحتى وإن كان بلال ميسور الحال وغني إلا أن الغنيمة الكبرى دائماً تقع للبكري!
تدخل مصطفى بسرعة: كتب الكتاب نعمله في نفس اليوم يا حج والفرحة واحدة.
ليردف والد عبد الله بموافقة:
وأنا موافق يا أخويا؛ جه الوقت اللي أفرح فيه بابني وندي دي بنتي وكل طلبتها مجابة والشقة والعفش و شوارها ذات نفسه علينا! بس أمها متمدش إيدها على مرات ابني تاني!
ضحكت زينب بغيظ: أيوه أمها الشريرة.. أنتو حرين اعملوا اللي في دماغكم.. أنا كل همي إني أفرح.
وقف أمامها دياب وهو ينظر إلى عينيها كأنه يخترق روحها:
أنا فاهمك كويس يا أختي.. ارضي بالنصيب وسيبك من الوحاشة وبنتك هتبقى سعيدة.
أجمه حديثه، فهزت رأسها بالموافقة وانسحبت من بينهم إلى شقتها.
كانت غادة تبكي من منظر كدمات ندي المنتشرة على ذراعيها والعلامات الحمراء التي تميل للإزرقاق على رقبتها.
أردفت منال وهي تحاول السيطرة على دموعها:
يوووه يا غادة أنتي كمان متعيطيش.. دي شوية خبطات كده يومين وهيروحوا خالص. بيوجعوكِ يا ضنايا.
كانت جملتها الأخيرة موجهة إلى ندي التي تحاول جاهدة إيقاف دموعها وأسعد لحظات حياتها مخلوطة بالألم.
ظلت عيونها معلقة ببلال الغاضب بعيونه التي تجول عليها ولا تتركها وهو يحارب تلك الغصة في حلقه والألم في قلبه وكأنه يذبح من أجل ألم حبيبته وابنته!
عبدالله بقلة حيلة:
ياحول الله يارب! أنا هدخل أصلي، ده إيه اللي بقينا فيه ده.
أغلق باب الشقة وراءه ودخلت منال بندي إلى غرفتها لتبدل ملابسها الممزقة وتدهن مسكنات للألم على جسدها.
انطلقت غادة إلى شقتهم لإحضار بعض من ملابسها.
بينما دخل بلال خلفهم وهو يشاهد والدته تبحث عن أي شيء للتخفيف عنها.
جثا على ركبتيه أمامها ومسح دموعها برقة حتى لا يؤلمها.
وضعت ندي وجهها بين يديه تستشعر الأمان الذي يوفره لها.
منال وقلبها يؤلمها على ابنها والتي ترى الدموع تتجمع في عينيه وعلى ندي المسكينة.
قالت بهدوء:
بصي ياحبيبتي هحطلك المرهم ده ومش هتحسي بحاجة وارتاحي شوية هتبقي زي الفل وانت ياواد انت ماتسوقش فيها وسيب البت لسه مبقتش مراتك رسمي.
احمر وجه ندي قليلاً وارتسمت نصف ابتسامة على وجه بلال وهو ينظر إلى عينيها يوعدها بالأمان والراحة قريباً وعدم خذلها أبداً مرة أخرى.
رواية عشق بلا رحمه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم دينا ابراهيم
وصلت سمر على مضض مع والدتها إلى بيت مصطفى.
بعد ساعتين من المماطلة والتأخير، مما أثار حنق سلوى على قلة ذوقها وتذمرها بأنها لم تنجب طفلة قليلة الذوق أو التربية.
نزل مصطفى ليفتح باب المبنى عندما رآهما من أعلى.
فتوّترت سمر وهي ترى جاذبيته الحادة، بالرغم أنه لا يُحتسب جميلاً كما تميل بعض الفتيات، إلا أنه رجل جذاب وفريد من نوعه.
كان يرتدي قميصاً بسيطاً وجينز مهترئاً لا يتناسب مع الأملاك والأموال التي سمعت عنها كثيراً.
قال بأدب وهدوء وهو يسلم على سلوى:
- أهلاً يا حاجة، اتفضلي. أم بلال مستنية فوق.
- أهلاً يا ابني، يزيد فضلك.
مرّت والدتها وصعدت، فوقف أمام سمر التي شعرت بخجل مفاجئ وهو يمد يده ليصافحها.
- ازيك.
رفعت يدها لتصافحه وهي تجيب ببرود مصطنع وتوتر لا تستطيع إخفاءه.
- الحمد لله، كويسة جداً. وانت؟
تساءلت و"تخطته" للحاق بوالدتها دون السماع لإجابته.
زمّ مصطفى شفتيه، فيبدو أن عنادها يوازي عناده وستتعبه.
صعد خلفهم، وقد استقبلتهم غادة ومنال.
سألت سمر عن ندى، فأخبرتها غادة بتوتر أنها لا تشعر جيداً وقررت النوم هذا النهار.
أخذت منال تجهز المحشي الشهير به، وقد قررت سلوى مساعدتها.
بينما عرضت غادة على سمر بأن تأخذها في جولة في أرجاء المبنى.
وافقت سلوى وأخبرتها بأن لا تتأخر، بعد أن غادر مصطفى أمامها بحجة أن لديه عمل.
غادة بمرح:
- أول دور ده بقا شقتنا، والشقة اللي في الوش دي شقتك يا جميل. عايزاكي تتفنني بقا في تظبيطها وفرشها.
ابتسمت لها سمر وقالت:
- بتحبي التظبيط انتي شكلك.
- أوووي أوووي، أنا أصلاً كان نفسي أبقى "نقاش".
ضحكت سمر على سخافتها وقالت بمرح:
- طيب يلا يا أسطى على الدور اللي بعده.
- هههههههه، طبعاً الدور التاني طنط منال زي ما انتي شايفة، واللي في وشهم شقة بلال وندي.
نظرت لها سمر بصدمة واردفت بعدم تصديق:
- بلال وندي! هيتجوزوا؟
تنحنت غادة وهي تخبرها بقصة حبهما.
- أيوه، بيحبوا بعض من زمان أصلاً، بس النهارده اتحدد إن كتابهم هيتكتب معاكي أنتِ ومصطفى بعد اللي حصل.
- حصل إيه؟
توترت غادة وهمست بخفوت:
- بعدين هكلمك بليل أحكيلك لما تروحي.
ابتسمت سمر وقالت بخفوت مماثل:
- ماشي، أوعي تنسي.
ضحكت الفتاتان على سخافتهما وصعدا إلى الدور الثالث.
- أحححم، دور عمتي وندي، واللي في وشها المفروض شقة ضيوف.
رفعت سمر حاجبها بتعجب.
- ضيوف في الدور الأخير؟ انتوا بتطفشوهم صح؟
- هههههههههه، لا يا ذكية، الدور الأرضي كمان للضيوف، بس اللي فوق ده للناس العزيزة علينا أوي.
- طيب يلا، كده خلاص صح؟
توترت غادة قليلاً وهي تصعد إلى السطح، واحمر وجهها بطريقة أثارت شك سمر.
فأردفت بهدوء:
- في حاجة يا غادة؟
- هااه، لا يا حبيبتي. انتي عارفة أنا بحبك صح، وإنك صاحبتي.
فتحت باب السطح وأدخلتها خلفها وأغلقت الباب.
نظرت إلى سمر بتوتر.
- بصي، والله العظيم أنا مجبرة، بس كنت هتنفخ لو قلت لأ.
نظرت لها بعدم فهم وهي تقضب حاجبيها.
- أنا مش فاهمة حاجة يا غادة.
- أنا هفهمك.
اتسعت عيناها لسماع صوته الرجولي الأجش من خلفها.
ضيقت عينيها وهي تنظر إلى غادة التي تنظر بدورها إلى أسفل وتشعر بتأنيب الضمير، وكأنها تقدم السجين إلى سجانه.
- روحي أنتِ يا غادة، هكلم سمر شوية وهننزل.
استدارت سمر لترفض وتخبره أنها لن تسمح لغادة بالذهاب وتركهم وحدهم، لكن ما أن فتحت فمها حتى سمعت الباب يفتح ويُغلق معلناً عن وجودها بمفردها مع مفترسها.
أغلقت فمها بخوف وذهول وهي ترمش بتوتر.
نظفت حلقها وقالت تصطنع الشجاعة:
- اسموا إيه ده بقا؟ أنا مينفعش أبقى معاك هنا.
رد بسخرية:
- ومينفعش تتكلمي معايا بالطريقة اللي اتكلمتي بيها امبارح.
- أنااااااا! أنت اللي مش محترم على فكرة.
قضب حاجبيه وتحدث بغضب مكبوت وهو يقترب منها خطوة ويرفع يده أمامها.
- إيدي دي اتعودت تكسر سنان أي حد يغلط فيااا أو يفكر حتى إنه يغلط. لكن معاكي أنتِ!
علت أنفاسها خوفاً من تهديده وتساءلت بخفوت:
- أنا إيه! هتضربني؟
هز رأسه بالنفي وقال بقلة صبر:
- أنا مستحيل أضربك. ليه الفكرة دي موشومة في عقلك، مش عارف.
- مش أنت اللي بتقول أنتِ وبكسر وبعمل.
اقترب منها أكثر ووضع يديه بجانب وجهها على الباب خلفها، ومال بوجهه عليها منزعجاً من مقاطعتها له دائماً.
لكن سمر وضعت يدها بينهم وهي تردف محذرة:
- والله لو قربت مني أو جبت بقك جنب بقي، هصوت وألم الناس.
ابتسم ابتسامته الجذابة وهو ينظر لها بمشاكسة وقال بمكر:
- وانتي شاغلة بالك ببوقي ليه؟ أنا كنت عارف إنك مش سهلة وإنك هتموتي عليا.
شهقت وهي ترفع يدها لتصفعه، ولكنه أمسك يدها وقربها من خصرها بذراعيه الحديديتين وهو يستنشق شعرها المموج.
تأوهت خوفاً من ذلك الشعور الذي يقحمه داخلها وأغمضت عينيها.
فقال بخفوت يغلب عليهم:
- بتعملي فيا إزاي كده؟ بتضايقيني وتجننيني في نفس الوقت. عقلي خلاص هيروح مني.
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحاول تنظيم تنفسها حتى لا يغمى عليها من أقواله وأفعاله.
وردت بخفوت وصعوبة:
- أنا مش بعمل حاجة، أنت اللي بتعمل.
ابتسم قليلاً وهو يلامس يده على كتفها، فارتعشت تحت يديه السميكة.
ضاقت عينه رغبة في امتلاكها.
فتنحت سمر وهي تحاول إبعاد ذلك الجدار الضخم من حولها، فدفعها نحوه لتمسك بخصره المرسوم للداخل على عكس صدره العريض، فاحمرت خجلاً.
وقالت بحزم مصطنع وتوتر وهي تتذكر حديثه بالأمس:
- أنا محترمة.
علم أن كلامه قد أثر بها سلبياً وأن غيرته جعلته يتمادى معها.
فأمسك بيدها يجبرها على الاقتراب من شفتيه وهي تقاومه، طبع قبلة على أطراف أصابعها من الداخل وأردف بحنان مغاير له.
- أنا عارف. لو مش محترمة مش هأمنك على اسمي.
فرغت شفتيها من اعترافه بعد حديثه القاسي معها.
ولكنه زاد صدمتها عندما استرسل في حديثه بحنان.
- لو مش محترمة مش هخاف على براءتك إنها تدمر في العالم اللي بقينا فيه، ولا أخاف على عينيك من دموع الألم والندم على حاجة ممكن تحصلك. الدنيا بقت وحشة، أوحش من إن ملاك زيك يعيش فيها.
هنا شعرت بالأرض تدور من حولها، فهو يغازلها بالفعل.
لأول مرة يتفوه بشيء جميل يجذب قلبها تجاهه، وهي تنظر إلى أعلى منبهرة بهدوء كلماته وملامحه الحانية.
نظرت إلى أسفل عندما التقت بعينيه الجريئة وقالت بخفوت وقلبها يدق بسرعة:
- مصطفى بليز، أوعى.
أخذ نفساً عميقاً محملاً برائحتها التي يعشقها، ثم تركها بهدوء وعاد إلى الوراء وهو ينظر لها وإلى وجهها الأحمر الذي تخفيه بشعرها بحب.
ثم أردف بهدوء:
- هسيبك دلوقتي عشان يومين وهتبقي ملكي. فاعتقد هستنى.
خجلت أكثر واستدارت لفتح الباب والنزول.
وجدت غادة تجلس على الدرج بين دور عمتها وعمها وتفرك يدها بتوتر.
ما أن سمعتها حتى وقفت سريعاً وسألت بترقب:
- هااه، اتصلحتوا؟
ابتسمت بخجل وفهمت أن كل ما حدث كان خطة لمصالحتها.
شعرت برضى داخلها أن الجميع تكبد هذه المعاناة لإصلاح الأمور بينهم.
كم هم طيبون إلى أبعد حد.
رأوها مرة واحدة ويعاملوها وكأنها أغلى الغاليين.
زاد حبهم ومعزتهم بداخلها.
فاحتضنت غادة لتطمئنها بأنها غير غاضبة وقالت بابتسامة:
- أيوه اتصالحنا.
ظهرت ابتسامة غادة الواسعة.
وقالت باطمئنان:
- الحمد لله. طنط منال هتفرح أوي.
نظرت لها سمر بحاجب مرفوع وأردفت:
- كنت عارفة على فكرة، بس كذبت نفسي، قلت معقولة يسيطر على البيت كله.
"دوت" ضحك غادة على "الرج" فأتتها صفعة خلف رقبتها (قفا أخوي معتبر) من أخيها المزعج.
- اضحكي لنفسك، مش للمنطقة كلها تسمعك.
نظرت له بحنق وتوعد وهي تقول:
- إيه قلة الذوق دي؟ والله ما هساعدك تاني هااااه، يلااا.
ضحكت سمر وهي تجذبها خلفها إلى أسفل.
أدارت رأسها تلقي نظرة على رد فعله، فوجدته يبتسم.
ولكن ما علق في ذهنها هو نزوله على الدرج وكأنه لا يلامس الأرض بالرغم من عضلاته المفتولة والتي تراهن على ثقلها.
شعرت بخوف وقلق عندما اقترب منهم وكأنها خشيت أن يدعسهم وألا ينتظر ليتخطاهم.
فهمست برعب لغادة:
- اجري بسرعة، ده ورانا.
شهقت غادة ولم تنظر وراءها، بل أطلقت لساقيها الصغيرتين العنان، وخلفها سمر التي رفعت فستانها قليلاً لتتحرك بشكل أسرع وصوت ضحكتها يسبقها.
يا إلهي، كم يعشق ذلك الصوت ويرغب لو يلحق بها ويأكلها، بدأ من هاتين الساقين الرائعتين.
دخلت غادة وسمر إلى الداخل وهم يضحكان ويتنفسان بصعوبة.
يبدو أنها لن تمل من الحياة هنا.
ربما لم يكن هذا القرار سيئاً إلى هذا الحد.
ومن تخدع، فمنذ حادثتهم في المكتب وهي لا تستطيع أن تفكر إلا به.
والآن أعطاها سبباً جديداً لتهيم به وقت فراغها.
كيف فعل ذلك وخطفها من نفسها؟
هو سيئ الطباع وحاد ودائماً في صراع معها.
مرة أو مرتين منذ أن رأته تعامل معها بشكل طبيعي.
إذا كان الطبيعي أن يحاصرها بكلماته المعسولة وأفعاله الجريئة، ولكنها تختارهم على غضبه في أي وقت.
مضى اليوم سريعاً، وفي نهايته جاء لسلوي مكالمة من الخارج.
زوجها بالتأكيد.
توجهت إلى ركن بعيد نسبياً.
وردت.
- الو.
عصام بغضب:
- أنتي إزاي توافقي على جواز البت وأنا مش موجود؟ خلاص أنا مت، ومنين من حارة معفنة؟
- اهدي يا عصام، مكنش قدامي حل بعد اللي حصل لسمر.
سكت للحظة وقال بضعف:
- حصل إيه لسمر؟ بنتي جرالها حاجة؟
سلوي بتوتر:
- هو مراد قالك ده ومقالكش ليه؟
قاطعها بحدة:
- مراد قالي ع الخبر وقفلت على طول، كان لازم أكلمك وأفهم منك مش منه.
روت له سلوى كيف كادوا أن يختطفوا سمر لولا مصطفى ورجاله الذي تركهم لحمايتها، فمنذ الوهلة الأولى قد علم أنها بريئة على أن تخرج وحيدة.
سلوي وكأنها تصبره:
- أهم حاجة في الدنيا سمر. أنا بحميها، الفلوس مش شوية وممكن تخلي أي حد يتجنن ويعمل فيها حاجة عشان يوصلها.
- أنا السبب! أنا السبب في كل اللي بيحصل ده. أنا فاكر لما كنتي بتحذريني من ثقتي الزايدة دي وأنا كنت أقول حرام عليكي، بلاش سلبية. طلعت السلبية دي مني أنا.
كان صوت بكائه يمزقها، فبكت بدورها وهي تهدئه وتقول بحنان:
- أنت أطيب حد شفته في حياتي. هو اللي استغلالي وكذاب وحرامي، متلومش نفسك يا حبيبي. وسمر في إيد أمينة والله. مصطفى شاب ما يتعوضش، طيب ومحترم وبيحب البت، وأنت عارف الراجل لما يحب واحدة بجد بيعمل عشانها إيه. عشان خاطري متقطعش قلبي أكتر من كده.
حاول السيطرة على بكائه وأن يقسو قلبه، فقال بهدوء:
- أنا واثق فيكي يا سندي. اعملي اللي شايفاه صح. ربنا معاكم ومعايا. وحشتوني أوي ونفسي كنت أبقى معاكم وأشوف كتب كتاب بنتي.
- الفرح مش هيتعمل غير لما أنت تيجي. اعتبرها خطوبة متكلفة شوية يا سيدي. و كده أحسن بردو، إحنا في منطقة شعبية، وهو عايز يقعدنا في عمارة عيلته عشان يحميها ومحدش يقدر يلمس شعرة منها، ومكنش ينفع من غير رسميات.
- أنا عايز أكلمه. اتفقي معاه، هتصل بيكم كمان يومين في نفس المعاد، عايز أتعرف عليه.
- حاضر، هقوله.
- خدي بالك من نفسك ومن سمر، ولو عايزة حاجة كلمي مراد.
أغمضت عينيها، فاخر ما تريده هو بكائها، فتجبره على البكاء هو أيضاً.
فأسرعت لإنهاء المكالمة.
- وأنت كمان يا حبيبي. مع السلامة.
- مع السلامة.
أخذت نفساً عميقاً وهي تستعيد تمالك نفسها أمام الناس.
مسحت دموعها واستدارت لتجد زينب عاقدة ذراعيها وتنظر لها بشك.
توترت قليلاً وهي تقول:
- زينب، إزيك؟
رفعت زينب حاجبها وهي تجيب بوجوم:
- الحمد لله. في حاجة ولا إيه؟
- هااه، لا عادي، ده أبو سمر بيطمن علينا بس.
ضيقت عينيها، فقد سمعت جزءاً من حديثها وهي تخبر زوجها بأن الحل الأنسب هو انتقالهم بينهم برغبة من مصطفى.
وبالتأكيد تفكيرها جال إلى السوء، وفي لحظة نسجت علاقة آثمة بينهم وأنه سيصلح خطأه معها.
نظرت لها بمكر وكأنها قد وجدت خاطرتها بإفساد زواجه من تلك العقربة، والتي أفسدت خطتها منذ البداية وتكرهها بشدة لذلك، فهي لم تبق أرملة كل هذا العمر بابنتها تخطط وتنسج لتأتي تلك القبيحة وتخطف جميع أحلامها.
تعجبت سلوى من نظراتها وتصرفاتها، فرفعت حاجبيها باستغراب وتركتها وذهبت إلى منال.
رواية عشق بلا رحمه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم دينا ابراهيم
الفصل الثالث عشر
مر الاسبوع سريعا وجاء موعد عقد قرانهم ،دون ان يتصل مصطفي ب سمر لانشغاله باعماله او هذا ما يحاول اقناع نفسه به ...
فقد اراد ان يتجاهلها ليري ان كانت ستهاتفه اوليختبر مشاعرها نحوه ويتأكد من وجود مشاعى اخري ولو بسيطه غير العناد ناحيته الا ان حبيبته العنيده والغبيه ظنت انه مل من قبل ان يرتبط واخذت مخيلتها تحيك لها كيف يعيش هذا الهمجي حياته وسط رجال ونساء والله اعلم كم من النساء وشعرت بانه مجبر عليها ولكنها تعود لتقنع نفسها بانه قد تقدم قبل ان يعلم بمشاكلهم ...
كانت تشعر بغضب شديد واكثر هذا الغضب موجه لنفسها علي الاهتمام فلتتركه ليتعفن حتي ، تندم كلما هاتفت غاده بحجه الاطمئنان عليها والسؤال عنه ...
اخذت قرارها بان ذلك الزواج صوري فقط لاراحه والدتها وانتهاء محنتهم وبعد ذلك يذهب كلا الي طريقه ولا تعتقد انه سيمانع بل سيوافق بلمح البصر..كم هو حقير يتلاعب بها وبمشاعرها...زفرت بعنف .....
سمر لنفسها : تستاهلي عشان غبيه وطول عمرك بتثقي بكل حد وكمان سمحتي انه يلمسك ولو لمسه صغيرة اكيد شافني رخيصه !! ازاي تعملي كده في نفسك غبيه !!
دخلت والدتها لتشهق بصدمه ...
-انتي لسه ما جهزتيش ،اتأخرنا ياسمر بلاش دلع قومي بسرعه انا جهزت الفستان والميك اب !!!
ردت سمر بملل : احنا لسه 9 الصبح يا ماماي اتأخرنا ازاي بس ؟!
تأففت سلوي بغيظ لتقول...
-خلي عندك ذوق ما انتي عارفه اني هساعد طنطك منال ، مش معقول كتب الكتاب عندهم و كمان تدبس وتشيل الليله لوحدها !!
-اوووف خلاص يا مامتي هلبس الجينز والتي شيرت ده وابقي جهزا انا خذت شاور اول ما صحيت !!
في الطريق وقبل ان تخطو داخل بيت مصطفي وصلتها رساله ...فتحت الهاتف لتقرأ محتواها ففوجأت برساله منه ...محتواها....
-انتي اللي جبتي لنفسك !!
خرج الهواء من فمها المفتوح بضحكه ساخره بصدمه .....
سمر لنفسها : كمان بيهددني ، ماشي يا مصطفي يا انا يا انت !!
لتهز رأسها بانكار بالتأكيد هو لا محال ،طالما تشعر كالنمله بجواره !!
...............
في المساء جلست العروستان في انتظار المأذون وندي ترتدي فستان احمر كرسمة الحوريه يبرز فتنتها وانوثتها لتبدو بالفعل كالحوريه ...اما سمر فقد برز جمالها الملائكي و رونقها البرئ الخلاب بطريقه مبهره بفستان اوف وايت طويل نسبيا ضيق عند الصدر وحتي خصرها المنحوت ببراعه من الخالق لينزل الفستان بكلوش فضفاض يظهرها كالزهرة في البستان ....
تم عقد قران مصطفي اولا باعتباره البكر و تبعه بلال الذي كاد ان يغشي عليه من السعاده ....
علت الزغاريط في الحارة من داخل منزلهم وخارجه ، من سيدات الحارة اللواتي يقمن بالواجب فرحا بابناء كبيرهم وحاميهم .....
حتي سلوي تعلمت كيف تطلق زغروطه عاليه فرحا بابنتها ؛ ادمعت عينيها وتمنت لو كان عصام والد سمر معها وتذكرت حديثه الطويل مع مصطفي علي الهاتف وهدوئه النسبي بعدها ، فقد اخذ مصطفي عهد وهو يحدث عصام مع امام مراد بانه اذا لم يستطع اسعاد سمر قبل زفافهم فانه سيحلها من ذلك العقد !!
هذا ما اخبرهم به مراد بعد ان طلب زوجها التحدث معه بعيدا عن مسامع زوجته ...الا ان مراد قد طمئنها بحديثهم المجدي !!!
وقفت منال في منتصف الردهه تطلق زغروطه عاليه وهي تحتضن مصطفي و سمر معا وحرصت علي اظهار حنانها وحبها له قبل ابنها بلال الذي ضحك علي اهمالها حتي لا تشعر مصطفي بفقدان والدته وكأن ذلك سيجدي بشئ فهو لن ينسي والدته و لومه لنفسه علي فقدانها ....
قبلت منال مصطفي و سمر وقالت بحب وحنان ....
-مبرووووووك يا حبيبي ، مبرووووك يا حبايبي ربنا يباركلكم ويسعدكم ..
ثم توجهت واعاده الكرا مع ندي و بلال ...بينما خافت ندي النظر الي والدتها التي تشعر بعيونها الغاضبه تحرقها !!
دخلت احدي النساء بمبخره كبيرة تبخرهم ....والفضول والابتسامه ظاهره جدا علي وجه سمر التي تشهد ذلك لاول مره ....
وقفت منال تجذب سمر الي منتصف الغرفه وتخبرها بان تبقي مكانها لتأتي بمصطفي امامها وتقول ....
-يلا يا مصطفي لف سبع مرات حوالين عروستك !!
ضحك بلال وكان اول من اظهر اعتراضه وهو يري نظره الرعب علي وجه مصطفي ..فقال بضحك ...
-ايه يا ماما ده كتب كتاب مش سبوع !!
تأففت منال وهي تجيبه ....
-اسكت انت ملكش دعوة !! وبعدين العادة دي بتضمن انك تدخل الحب في قلب عروستك طول العمر وانك علي قلبها مهما حصل !!
قابل مصطفي عيون سمر وكأنه يخبرها بأقباله علي فعل ذلك بالرغم من خرافتها وعدم تصديقه لها ولكنه علي استعداد لفعل اي شئ لكسبها !!
اقترب منها بينما تسمرت هي واحمرت خجلا من تقدمه الذي لم يتوقف حتي وقف بجانبها تماما وتلامس كتفيهما او بمعني اصح اخر كتفها بوسط ذراعه القاسي كالحجر ....
اتسعت عيناها وشعرت بان جسدها قد شل من كميه الكهرباء التي صعقتها من ملامسته ،
كان مصطفي في عالم اخر وهو يتفحصها امام الجميع دون خجل .. بدأ لفاته حولها وذراعه يلامس ذراعها ليستكمل لفته ليتبعه ظهرها ثم كتفها الاخر و عضمه الترقوه فوق صدرها ....
كادت تسيح كالزبد ليس لافعاله فقط ؛ بل من نظراته كلما مر من امامها والتقت عينيهما تلك الوعود الجريئة التي تعهدها منه !!
هز دياب رأسه علي كشوف وجه ابنه الذي لا يستطيع وصفه سوي بالغشومية !! فالان سيتأكد للجميع مقدار حبه لها ...ابتسم في نفسه وهو يتحدث بينه وبين نفسه مع والدة مصطفي ....
دياب بحزن : كان نفسي تشوفي اليوم ده يا حاجه بس اللي عند ربنا احسن من اللي هنا !! كان زمان ضحكتك ملت المكان ده وايدك سبقاكي وانتي بتهزئي الواد ابنك !!
وقف ليتوجه الي الداخل حتي لايري احد دموعه المهدده بالنزول ...
انتهت اخر لفه وانتهت معها انفاس سمر ، وهي تشعر بالحرارة تنبثق من وجهها ورقبتها واذنيها !!
طبع قبله علي جبينها برقه صدمتها ،ثم اخذ بيدها ليجلسوا علي الاريكه ...
جاء دور بلال الذي كان اكثر تلاعبا مع ندي بغمزاته وقبلاته الطائرة ....التي اخجلتها ولم تستطع كبح ابتسامتها التي تظهرها بمظهر الملهوفه وتحرجها ولكن ما باليد حيله ...
زغرطت منال مرة اخيرة قبل ان تقول بسعاده....
- يلا يا عرسان العشا جاهز في الاوضه عشان تقعدوا شويه !!
وقف مصطفي وتنحنح وهو يقول و كأن الامر عاديا ....
-لا يا مرات عمي انا شايف العشا يبقي علي السطح احسن الجو حر هنا ....
ليتدخل بلال مساندا له بقوة.....
-ايوة وكمان الدنيا مكشوفه فوق والهوا يرد الروح واهدي من هنا عشان تاخدوا رحتكم ....
لوت منال شفتيها وقالت بمكر....
-اه يرد الروح وماله يا خويا ، يلا يا غادة شيلي الاكل وطلعي فوق ....
قضبت حاجبيها بغيظ وقالت بتذمر ...
-الله انا مش لسه مخلصه تقديم هي غادة دي الخدامه بتاعتهم...
وبختها مناال لتخرسها...
-بنت عيب ، دول عرسان ، هنخليهم يطلعوها ولا ايه ؟!!....
ليقف مراد في اول ظهور له بعيدا عن مقعده بجوار الباب ...ويقول بحرج...
-انا هساعدكم ، انا اصلا شغال في مطعم ومتعود علي الحاجات دي ....
اتسعت ابتسامه غاده فاستدارت لاخفاءها وهي تقول...
-طالعه اهوه ...
اخذ الاثنان يصعدان بالاطباق و منال تناولها لهم علي السلم ...
اخذوا يتبادلون النظرات والابتسامات الخفيفه و دائما يقبض عليها مراد تحدق به و كأنها تحلم فاحمرت وجنتيه اكثر ، مع انه معتاد علي مغازله السيدات له لكن معظمهم كبار في السن قليلا وليسوا كطفله بريئه حتي نظراتها تشعره بتأنيب ضمير رغما عنه !!
في اخر نزول لهم امسك لها باب السطح لينزلا معا وغاده تفرك في اصابعها وتبلل شفتيها بتوتر...
بينما يتفحصها هو ويستغفر مرارا حتي استجمع شجاعته ليسألها ...
-احم انتي عندك كام سنه ؟
ردت غادة بخجل وخفوت ....
-17 سنه !!
نظر الي الجهه الاخري واغمض عينه بخيبه امل !! فرق7 سنوات بينهم ، هل يعقل ان تنظر له كحبيب مثلا بل هل يعقل ان يوافق احد علي مثل هذه الجريمه !!..
مراد لنفسه : حظك يوم ما تحب تقع في طفله ....
صعد مصطفي عندما شعر بتأخرهم فقد شعر باطمئنان لعدم اهتمام مراد بسمر كثيرا وتأكد ان لا مشاعر له ناحيتها فقد جعل مصطفي اكثر اهتماماته اليوم هي مراقبه زوجته و تفحصها ومراقبه ملامح مراد للعثور علي اي خطأ او تغيير يشير الي الضيق....
اما الان فهو يخشي علي اخته الصغيرة فقد لمح احمرا وجه ذلك المعتوه قبل الصعود اخر مرة !! مما حثه علي الصعود لحمايتها من ذلك الوغد ...
تلجلجت غاده عند رؤيته وتخطته لتدخل الي الشقه ...بينما تنحنح مراد قليلا وهو يقول ...
-مبرووك يا مصطفي عقبال ما تفرح باختك ...
نظر له مصطفي بحده وتهديد ...
-اختي لسه صغيرة عقبال ما افرح بيك الاول ...
هز رأسه وهو ينظف حلقه ثم اتجه الي الداخل ...
مراد لنفسه : غبي ما تروح تقوله انا برسم علي اختك اسهل !!
دخل مصطفي ورائهم حتي وصل الي سمر و يجذبها من يدها ليصعدا الي اعلي ... سبقهم بلال وندي علي الدرج وسعادتهم ظاهره كالشمس ....
نظر مصطفي بغيظ نحوها مرة بينما بادلته نفس النظرة ...بدل ان تعيش اسعد لحظات حياتها يرمقها بغضب ويغرقها بغروره هذا الوقح !!
ما ان صعدا حتي نظر بلال الي مصطفي و كأنه يحثه علي الدخول الي قوقعته بالداخل ...
زفر مصطفي و فتح باب الحجره بهدوء و اشار ل سمر بالدخول...
نظرت سمر بتوتر الي الجهه الاخري وقالت...
-لا انا هفضل معاهم هنا !!
لم يبالي باجابتها وجذبها من ذراعها يدفعها بلا جهد يذكر الي الداخل !!
شهقت بصدمه وقالت بغيظ ...
-ايه الاسلوب ده وقله الذوق !!
-انا اللي قليل الذوق ولا انتي !!
عقدت ذراعيها تحت صدرها وقالت بابتسامه صفراء....
-انا قليله الذوق ازاي ممكن افهم !!
رد بهدوء وبرود ...
-طبعا قليله الذوق لما يبقي اتنين لسه متجوزين وعايزيين يقعدوا مع بعض لوحدهم لاول مرة زي الناس الطبيعين يعني مش احنا طبعا بعد الشر !!!
احمرت خجلا وقالت بعناد...
-مفيش الكلام ده علي فكرة خالص ...
زفر بقله صبر وقال بضيق ...
-عاوزة تخرجي عندهم اتفضلي !!
تعجبت من استسلامه السريع والغير متوقع وشعرت بهذا المثل (شمه ريحه مش كويسه )...
الا انها عاندت شعورها وتوجهت بثقه تفتح الباب ...
فتحت الباب لتجد بلال يجلس علي مربوعة وندي جاثيه علي ركبتيها امامه ويداها ممسكتان بذراعيه ويقبلها هو بعنف وشوق شديد صدمها !!..
وضعت يدها علي فمها لتكتم شهقتها وعادت خطوه الي الوراء لاغلاق الباب واستدارت سريعا لتصطدم بذلك الجدار البشري علي هيئه زوجها !!
خجلت اكثر وعادت الي الوراء خطوتين حتي التصقت بالباب بقلق وتوتر مخلوط بخوف بسيط...
لم تعلم ان ظهورها بهذا الخوف والقلق دائما يثير شئ بداخلها لالتهامها وامتلاكها لتصبح كل مشاعرها ملكه هو !!
رفع حاجبه المقطوع من المنتصف بتحدي وهو يقول بمراوغه ...
-ايه دخلتي تاني ليه ، ما تطلعي !!
هزت سمر رأسها بعنف فاصطنع البراءه بالرغم من مشاهدته لما يحدث في الخارج وهو خلفها الا انه قرر اللعب باعصابها قليلا حتي تتعظ وتستمع لكلامه بعد ذلك ...
-مد يده ليمسك مقبض الباب بجوارها ...فامسكت يده برعب وهي تبعدها وتقول ...
-لاااااا مش هطلع انا هفضل هنا ...
نقطه ضعف !! الان اكتشفها طوال حياته ظن ان لا نقطه ضعف بالنسبه له والتي قد تهدد بفقدانه السيطره ولكن تلك الجنيه الصغيرة اثبتت انها بلمسه واحده صغيرة تستطيع هز كيان رجولته بطريقه لم تفعلها سابقه لها او تقترب منها حتي !!
ضاقت عيناه برغبه جامحه بتقبيلها هذه اللحظه فامسك يدها التي تمسكه يزيد ضغطه عليها ...
نظرت له بعيون متسعه ثم الي يده الضخمه والتي تبتلع كلتا يداها ...كيف انقلبت الآية من هي تمسك يده الي هو يمسك بهذه اليد الواحده كلتا يداها !!
جذبت يدها بتوتر وهي تري عينيه العسليه تميل للظلام الحالك ربما غضبا او شعور اخر يقلقها اكثر ....
اقترب منها قاتلا اي مساحه تفصل بينهم ومال بنفسه وهو يترك يداها ليضع واحده علي الباب بجوار رأسها المستند علي الباب بتعب و الاخري رفعها لابعاد شعرها عن وجهها وهو يري شفتيها ترتعش من هول هذه اللحظات عليها ويشعر بمقلتي عينيها تتجه يمينا ويسارا بجنون و جسده يمنع رؤيتها لابعد من ذراعيه بجوارها وصدره ملتصق امامها ، بهدوء وقلب يكاد يتوقف من الدق وضع ذقنه علي اعلي رأسها وهو يشعر بأنفاسها المضطربة والمذهولة علي رقبته ،اغلق عينيه باستمتاع لا مثيل له من قربها هذا ،فانزل بوجهه وهو يلامس وجهها حتي وصل الي اذنها ...فهمس ...
-مش بعرف اعبر عن اللي جوايا ...بس انتي قلبتي حياتي كلها ، مش عارف المفروض افرح ولا اضايق !! بس قربك هو الرغبه الوحيده ليا دلوقتي !!
اغمضت سمر عينيها وتاهت في كلماته التي دائما ما تخطفها من كان يتوقع ان رجل بمثل قوته تخرج منه كلمات بتلك الرقه ولها معاني كثيرة لاي امرأه من لحم و دم !!
خرجت من افكارها وهي تشعر برأسه تتحرك لليسار لتصبح انفاسه في مواجهة انفاسها ...
توقف قلبها عن خفقانه لوهله ثم عاد يخفق لاسفل بشده و سرعه ارهبتها و لكن ليس اكثر من قبلته الاولي لها عندما وضع شفتيه القاسيه الرجوليه مقارنه بشفتيها الناعمتين العذراء التي لم يلمسها احد قبله علي ثغرها الصغير ....
خرجت اخر انفاسها من بين شفتيها بأنين كان كالسكين في احشائه و كأن اخر صبر كان يملكه قد انجرف مع هذا النفس ....ليطبق علي شفتيها وهو يضع يد اسفل رقبتها يقرب وجهها منه اكثر والذراع الاخر يحيط خصرها كاملا لتلتقي اصابعه بجانبه الاخر وهو يعتصرها اليه بشغف و عشق بلا رحمه !!
....يتبع
رواية عشق بلا رحمه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم دينا ابراهيم
خرجت من أفكارها وهي تشعر برأسه يتحرك لليسار لتصبح أنفاسه في مواجهة أنفاسها.
توقف قلبها عن خفقانه لوهلة ثم عاد يخفق لأسفل بشدة وسرعة أرهبتها، ولكن ليس أكثر من قبلته الأولى لها.
وضع شفتيه القاسيتين الرجوليتين مقارنة بشفتيها الناعمتين العذراء التي لم يلمسها أحد قبله على ثغرها الصغير.
خرجت آخر أنفاسها من بين شفتيها بأنين كان كالسكين في أحشائه، وكأن آخر صبر كان يملكه قد انجرف مع هذا النفس.
ليطبق على شفتيها وهو يضع يد أسفل رقبتها يقرب وجهها منه أكثر، والذراع الآخر يحيط خصرها كاملاً لتلتقي أصابعه بجانبه الآخر وهو يعتصرها إليه بشغف وعشق بلا رحمة!
غير آبه بحصونها أو خططها بتجاهله تمامًا، وبلامبالاتها هي بتلك الخطط والأفكار، فقد تاهت في عالم لم تزره من قبل ويدها قد ارتفعت تمسك بياقة قميصه دون وعي.
ظل يخطف أنفاسها في قبلات عديدة لا تنقطع سوى للحظات حتى يضمن حصولها على الهواء في رئتيها، فيعيد التهام ثغرها الصغير بين شفتيه الغليظة التي لم ولن تشبع منها!
بعد دقائق أو ساعات لا يعلم تحديدًا، تركها رغماً عنه حتى لا يتهور ويرعبها أكثر من ذلك.
كانت كالخرقة المبللة تمامًا، فرفعها من خصرها قليلاً حتى لا تسقط من بين يديه وهو يبتسم لنفسه على براءتها ووجهها الأحمر وعيونها التي ترفض فتحها منذ أن ابتعد عنها.
نفس رد فعلها عندما رأته للمرة الأولى وهي تغمض وتخفي عينيها في أحضان والدتها وكأنه سيذهب إن لم تره!
ابتسم ومال عليها يقبل وجنتها وقال بصوت يغلب عليه المشاعر:
- لو فضلت مغمضة كده هفتكر إن دي دعوة إني أكمل اللي بدأته!
فتحت عينيها في ثوانٍ ونظرت له برعب وهو يبتسم نصف ابتسامة اعتادت ما ترهب أعتى الرجال، ولكن الحنو في نظراته قتل ما قد تحتويه من رعب!
رمشت مرتين ثم نظرت إلى أسفل.
وضع يده أسفل ذقنها يرفعه ثم قال:
- حاسة بإيه؟
حاسة بإيه! هل يقتل نفسه الآن أم ينتظر لعل القدر يشفق عليه ويأخذ روحه في تلك اللحظة أو تنشق الأرض وتبلعه من غبائه!
استمرت في نظراتها لأسفل وقد احمرت أكثر.
ما هذا السؤال؟ هي نفسها لا تعرف ما هو شعورها سوى أنه يسلب عقلها وقلبها كلما اجتمعا معًا.
حاول إزالة ذراعه من حولها وإعطائها بعض المساحة.
ولكنه قال بمرح غير آبه لمحاولاتها:
- في كيميا غريبة بينا وبين الباب!
هزت رأسها لتخبره بأنها لا تفهم، فتركها حتى يرحمها من خجلها قليلاً وعقد ذراعيه أمامه.
إن كان هذا تصوره عن الرحمة فهو مخطئ تمام، فما زادته تلك الحركة إلا هيبة ورعبًا ليردف:
- مش فاهمة إيه بالظبط!
تنحنت وقالت بخفوت:
- كل كلامك!
ضيق عينيه بغيظ وقال:
- إنهي لما قلت إني عايز أقرب منك على طول ولا إنك بتقلبي حياتي.
خجلت وقالت بتوتر:
- أقصد كيميا الباب.
ابتسم بمكر وهو يشير بينهم:
- مش واخدة بالك إن مواقفنا الحلوة ورا الباب بس!
فهمت معنى حديثه وتذكرت حادثة المكتب خلف بابه والآن قبلتها الأولى المسروقة خلف الباب!
مسروقة نعم، كما تريد أن تقنع نفسها! فقد كانت راضية جدًا جدًا، بشكل يجب أن تخجل منه.
ليعاتبها قلبها ولكنه زوجك لما لا؟
لتعود صوت عقلها يذكرها بإهماله لها طوال هذا الأسبوع.
تغيرت ملامح وجهها من الخجل إلى الضيق لتقول بصرامة:
- واضح إني بقلب حياتك وأنا قدامك بس غير كده شكليات.
استدارت لتفتح الباب والخروج، ولكنه منعها من ذلك بأن وضع يده على الباب.
فأردف بتحذير:
- بصي يا سمر أنا ماليش في شغل الحريم ده وكلامهم، ومش مستعد أقعد أحل في فوازير، خليكي واضحة وقولي على طول فيه إيه!
عقدت ذراعيها وقد قررت عدم اللف والدوران، فهذه العلاقة ستنتهي عاجلاً أم آجلاً!
- أنا فاهمة كويس أوي إيه الغرض من كتب الكتاب ده!
عقد ذراعيه هو الآخر قبل أن يقول:
- اتعودي وإنتي بتكلميني تبصي في عينيه، هي فوق هنا مش في بطني.
نظرت له بغيظ فاستكمل وهو يهز رأسه وكأنها أرضته الآن:
- غرضه إيه بقا يا أم العريف!
ردت بكل ثقة وكأنها حلت مشاكل العالم الثالث أجمعه:
- عشان تحميني طبعًا ومتحسش بتأنيب ضمير من ناحية ماما.
هز رأسه يحاول استيعاب إلى أين يتجه هذا الكلام.
- آه كملي!
فتحت ذراعيها لترمي بيدها في الهواء وتقول بضيق:
- بس كده، هو أنا بحكي حدوتة!
رفع حاجبيه وقال بهدوء حاد نسبيًا:
- أيوه، أنا مالي ومال أمك يعني!
تأففت وهي تجيب:
- عايز تراضيها عشان ضميرك ما يأنبكش إنك اتخليت عنا في ظروف زي دي.
رفع يده ليحركها أمام عينيها وهي تنظر له باستغراب، ثم وضع يده على جبينها يتأكد من كون حرارتها هي المتحدثة أم أنه مجرد غباءها.
اممم، لا أثر للحرارة، الغباء فليكن، شيئًا مشتركًا بينهم الآن!
دفعت يده بغيظ من سخريته فقال بصوت حاد:
- طيب لو عندي تأنيب ضمير ناحية أمك، كان أولى أتجوزها هي بقا!
رفعت إصبعها في وجهه بتحذير:
- اتكلم كويس عن ماما ولم نفسك!
تجاهلها تمامًا وكأنها لم تتحدث ليردف:
- ثانيًا، إنتوا مش من بقيت أهلي عشان أبقى عليكم أو أتخلى عنكم! أنا لو واقف جنبكم فده مش عشان ضميري خالص، أنا واقف معاكم بمزاجي ولأسباب أنانية هدفها إني أوصلك وبعيدة تمامًا عن الأفكار النبيلة اللي خيالك مصورها لك دي!
ردت بغيظ: لا بجد، طيب ممكن أعرف متصلتش بيا طول الأسبوع ليه؟
وضحت الصورة أمامه الآن فقال بغضب وغيظ كان يحاول كتمانه:
- وإنتي متصلتيش ليه؟
نظرت له وكأنه مجنون:
- واتصل ليه! إنت الراجل!
- يعني إيه أنا الراجل! وإنتي مش بتتصلي بالزفت مراد!
أجابت بغضب وحدة:
- متقولش زفت، وأيوة بتصل بس...
قاطعها بصوت جامد وحاد كالجليد ينذر بصدق شروره:
- مفيش بس! وخذي بالك إنتي دلوقتي في ذمتي، يعني أي مكالمة زيادة ولا حركة واحدة غلط من ناحيته هكسر رجليه الاتنين، ولو حصل وإنتي اللي كلمتيه وعصيتي كلمتي هكسر إيديه ورجليه برده ويبقي إنتي السبب!
نظرت له برعب وذهول من تهديداته الصادقة بشكل أرعش قلبها.
فأخذت نفسًا عميقًا حتى لا تجهش في البكاء وتظهر كالطفلة أمامه!
نظر لها مصطفى بغضب أكثر وهو يرى ارتعاش شفتيها، ولكن هذه المرة لمحاربة دموعها!
رفع يده ليلمس رأسها ويهدئها.
إلا أن دموعها أخذت تسيل وتنهمر بقوة لتجهش في البكاء بصوت خفيف وشهقات عالية صدمته!
هل أرعبها إلى هذا الحد، ولكنها وقفت بجرأة تهدده منذ دقائق!
هل كل الإناث بهذا الشكل أم جنيته فقط!
توتر مصطفى وهو يرى بكاءها وشعر بنخزة في قلبه.
رفع ذراعيه ليمسك بكتفيها ويقربها منه، فأحتضنها بحنان وكأنها مصنوعة من زجاج قد ينكسر بين يديه في أي لحظة.
أرادت إزاحته بغضب مرة، ولكنه أطبق عليها وقال:
- بس بقا، اهدى، بتعيطي ليه طيب!
أجابته بصوت باكي:
- عشان إنت بتخوفني، وأنا مقدرش مكلمش مراد، بابا بيتصل بيه أكتر مننا إحنا!
زفر بحنق على تسرعه وقال:
- لا ماتخافيش، على فكرة انتي مراتي، أنا عمري ما هأذيكي!
- بس هتأذي مراد.
شعر بغضبه يرتفع مرة أخرى، فصك على أسنانه بغيظ وهو يقول:
- يعني كل خوفك على زفت مراد!
أجابت بصدق وصوت متقطع:
- لا، وكمان خوفي إني معرفش أتواصل مع بابا أو إن مراد يزهق ويتخلي عنا!
وضعت يدها على وجهها لتستكمل بكاءها.
فربت على شعرها برقة تتنافى معه وقال بهدوء وخفوت:
- ماتخافيش، آه أنا مش بطيق مراد ده، بس هو أصيل وبيحب أبوكي، ده غير إني هقلب الدنيا لحد ما أرجع أبوكي، ده وعد مني!
نظرت له بشك تبحث عن الصدق في عينيه حتى وجدته، فهزت رأسها بالموافقة، على ماذا؟ لا تعلم!
أمسك يدها يقبلها ثم مسح على وجهها وأكمل:
- ممكن متعيطيش بقا، وأنا موافق تكلمي مراد بس بشرط!
نظرت له بقلق وتوتر واحمرت خجلًا.
فعلم أين تتجه رأسها.
فابتسم وقال بإصرار:
- تتصلي ليا أكتر منه، ولو هتتصلي بيه كلميني قبلها وبعدها.
- طيب ولو نسيت وكلمتك وأنا باكل عادي ولا استنى بعده!
كان هذا ردها الساخر على شرطه، ولكن نظرة حادة منه، جعلتها تزم شفتيها كالأطفال وتعقد ذراعيها بعد أن مسحت دموعها لتقول:
- خلاص! اللي إنت عايزه.
كاد أن يخبرها كم يحبها وهي عاقلة، ولكن دقات الإنذار أتته سريعة على الباب.
جذبها بعيدًا عن الباب وفتحه بسرعة، أخذ خطوة للخارج وهي وراءه، بينما اتجه بلال إلى ندى الذي أصبح وجهها كلون فستانها الأحمر وتتظاهر بالأكل!
دق باب السطح مرة ثم فتحته منال وسلوى.
نظرت منال بشك بينهم ثم نظرت إلى سلوى وكأنها تطمئنها أنه لم يأكل ابنتها!
سلوي بخجل بسيط وابتسامة:
- يلا يا سمر اتأخرنا، سلمي على جوزك ويلا.
رفعت سمر يدها وقلبها يدق من ما حدث للتو وكيف كان سينكشف أمرهما، وشعرت بخجل وهو يصافحها ويضغط على يدها.
فقالت بخفوت:
- مع السلامة.
- احم، مع السلامة، كلميني قبل ما تنامي!
هزت رأسها بالموافقة وتوجهت مع والدتها للرحيل.
يجب عليه أن يسرع أكثر في الحديث مع والده عن حكاية والد سمر ومشاكلهم وأمر انتقالهم هنا معهم، والذي كان يأجله حتى يضمنها في عصمته وتحت طوعه!
غدًا بعد مشواره الهام مع ذلك المدلل صاحب الأرض المجاورة لهم، والذي يلح عليهم بترك الأرض لأنه ينوي شراءها، ولأن الجار أولى بالشفعة، ولكن ما أغاظه أنه ليس مالك الأرض الفعلي، وإنما يبقى قسطًا عليه لم يسدده بعد!
في مكان ووقت آخر.
رن هاتف سعد فتعرق وتوتر من هذا الرقم الغريب الذي يحفظه عن ظهر قلب!
ابتلع ريقه وهو يرد سريعًا على الهاتف:
- أيوه يا باشا، إزي صحة معاليك؟
أغمض عينيه من الرد الذي يسمعه ومسح على رقبته بتوتر:
- لا يا باشا، أرجوك، فلوسك هتوصلك قريب، أنا في موضوع في إيدي هخلصه بس محتاج وقت قصير وأنا هجمع لك المبلغ كله.
تم إغلاق الهاتف في وجهه بعد أن أخبره هذا الباشا بأنها فرصته الأخيرة ليشتري عمره من جديد!
رمى بالزجاجة أمامه نحو الحائط لتنكسر مائة قطعة، ليصرخ بغيظ ويشد في شعراته الرمادية:
- أنا لازم أعمل كل حاجة بنفسي يا أغبية!
انتفضت نادين الجالسة خلف مكتبها من ثورته وانتظرت حتى يهدأ قليلاً.
- سعد باشا مش كده، صحتك!
ليرد بحدة وغضب:
- صحة إيه ونيلة إيه! بقولك هيقتلوني، لااا، هيقتلونا كلنا.
أخذت نفسًا ببرود وانتظرت حتى تهدأ نوبته، فنظر بحدة إلى برودها.
وأردف:
- طبعًا الهانم مش في دماغها وكل يوم مع واحد شكل، لكن نيجي نشتغل ونفكر في حياتي اللي بتضيع، لاااااااا، إززززاي؟
ردت بهدوء يعكس برودها:
- أولًا، حياتي الشخصية ماتخصش حد غيري، ثانيًا، لولايا أنا مكنتش هتقدر تعمل أي حاجة مع شريكك أو توصل للناس الكبيرة دي حتى!
نظر لها بغيظ، فهي من دبرت بمهارة طريقة وضع أوراق بيضاء بين أوراق عصام باعتبارها المساعدة الخاصة بهم!
ولكنها أيضًا السبب في تعرفه على هؤلاء الناس وعرفته على أسرع طرق لكسب الأموال.
كان أقصى أحلامه أن يمتلك المليون والآن لديه بدل المليون خمسة، إلا أنهم غير كافيين لإنقاذ حياته، على الأقل 15 مليون أخرى عليهم لشراء حياته والتخلص من تلك الورطة!
رواية عشق بلا رحمه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم دينا ابراهيم
وقف مصطفى وبلال يتناقشان مع صاحب الأرض المجاورة، أنور، في أمر إبعاد ذلك المعتوه الذي لم يسدد ما عليه من أموال، ولديه الجرأة على إرسال رجال للتحدث إلى مصطفى بترك الأرض التي تجاور ما يطلق عليها أرضه وإخباره أنها تخصه.
ليردف أنور:
- والله يا ابني هو راجل مقتدر الصراحة وناقص عليه مليون جنيه من تمن الأرض، وأهو مشعلقني من ساعتها لا سدد ولا نيلة.
رد مصطفى بتأني:
- الله، طيب مش بيسدد ليه فلوسه طالما مقتدر؟
- مش عارف والله يا ابني، في ناس بيقولوا فلس وناس بتقولك كان عنده شريك ومن ساعة ما مشي خد كل اللي معاه.
هز مصطفى رأسه وقال بضيق:
- أنا ميهمنيش كل ده، أنا مش هنسيبه، أنا بس جيلك عشان توصله رسالة صغيرة. قوله الأرض اللي عليها اسم دياب العرابي مش بتتغير إلا بمزاجه، والعمارة إحنا هنطلع بيها برضاه أو غصب عنه هنبنيها. أنا بس كنت مستني الرخصة تطلع، واهي بقت في إيدي. فقوله بقا يخبط دماغه في أنشف حيطة. وعيب تتكلم على أرض جيرانك وأنت لسه مسددتش تمن اللي مفروض هتبقى أرضك، يعني أنت متشلق بين سما وأرض.
- ويقولي ليه، ما أنا سامع كل حاجة أهوه.
أتتهم صوت من خلفهم، فاستدار مصطفى وبلال يراقبون ذلك الواقف بكل عنجهية، وبفمه سيجار كالذي يرونه في الأفلام تماماً.
عقد بلال ذراعيه وهو يقول بثقة:
- طيب الحمد لله، يبقى إحنا كده مهمتنا انتهت، مع السلامة.
لتأتي ضحكة ساخرة من امرأة حادة النظرات كالثعلب بجواره.
- مهمة إيه بقا دي اللي انتهت بالظبط، انتو كده بتنتهكوا حقنا.
كاد أن يجيب بلال، فوضع مصطفى يده على صدره لاسكاته وتقدم خطوتين نحوهم، وفي كل خطوة كان رجلي سعد خلفه يحسبون لها ألف حساب وحساب في حال فقد صبره وأنهال على سيده بالضرب.
نظر لهم بعيونه الضيقة بتأني وهو يرمق تلك الفاقدة للأنوثة حتى مع جمالها الذي سيعده أي حد من الجمال المتميز، ولكنها تشعره بالاشمئزاز لا أكثر، خاصة عندما رفعت ذلك الحاجب الرفيع المنمق وبدأت تتوغل بنظراتها المريضة عليه بطريقة فاقت كل جرأة رآها في امرأة من قبل.
وقال بهدوء ينذر بشر وقله صبر:
- انتهكنا حقكم؟ إنهي حق بالظبط؟
أشار بأصابعه حوله وقال بتهكم وثقة:
- بص حواليك، أنت في أرضي، وابقى جيب رجالة تكلمنا بعد كده، لأن واضح إن المدام هنا نظرها ضعيف.
ضحك بلال بسخرية وهو يتشفى في تلك الحيزبونة وقد اشتعل وجهها من الغيظ أو أمر آخر لا يريد الغوص فيه.
ابتسم سعد وهو يهز رأسه:
- بس دي كانت هتبقى أرضي من قبلك، وكان ليا الأولوية.
- واضح إن حضرتك مالكش في شغل الأراضي أوي، فأنا هوضح لك حاجة صغيرة، هي إنك عايز أرض اتكلمت عليها مش مهم أبداً، عايز أرض واتكلمت ودفعت فلوسها وعقدها في إيدك، يبقى مبروك عليك يا كبير.
جز سعد على أسنانه وهو يقول بتحذير:
- بلاش كلام فارغ، أنا مش صغير في السوق وفاهم كويس، ومش واحد في سني أنا هيبص لكلام واحد زيك.
رفع حاجبه المقطوع وقبض جبينه وهو يشير إلى عقله:
- واحد زيي يوزن 10 آلاف واحد زيك، بس واضح إن السن غلب عليك فعلاً.
أغاظ سعد بشدة وهو يصيح به مستنداً على حماية رجاله خلفه:
- اسمع يا ولد أنت كويس، أنا ميهمنيش جو كينج كونج اللي أنت عايشه ده، وعذرك لأنك لسه شباب وعنفواني، لكن لازم تعرف إزاي تتكلم وتقف قدام سعد الراوي.
صدم مصطفى وشعر كأن دلو من الماء المثلج قد سكب في وجهه. نسي العالم من حوله وهو يتذكر دموع سمر بسبب ذلك المعتوه. أفاق بعد لحظة على يد بلال والتي اشتدت على ذراعه بتحذير. أخذ نفساً عميقاً وهو يقتل ذلك الحقير بعينيه، ولكن قرر استكمال الحوار حتى لا يهرب من تحت ضروسه، فالقدر كان حليفاً له في العثور عليه سريعاً وبدون أي جهد.
كانت عضلات جسده تشتد وترتخي وحدها من شدة غضبه، وعروقه نافرة لا تراها سوى عيون متفحصة له بشدة كعيون نادين المعجبة بهذا الشخص البالغ القوة والوسيم بطريقته الخاصة، وهوسها المريض بذلك النوع من الرجال بسادية لا تحسد عليها.
نظر لها بلال بقرف وهو يتدخل:
- والله كان نفسي نكمل كلامنا، بس إحنا ورانا مواعيد. ولو عايز نتكلم في موضوع الأرض اللي تعباك أوي كده، فـ رقم تليفونا مع أنور.
ليرد سعد بثقة:
- أكيد طبعاً، أنا لسه موصلتش للي عايزة. هبقى أتواصل معاكم عشان نحدد معاد ونشوف الموضوع ده، ويكون في علمكم أنا مش هتخلى عن الأرض دي.
رد مصطفى بابتسامة مجبرة:
- وماله، عن إذنكم.
صعدا إلى سيارتهم مع أحد رجالهم، وما إن أغلق بلال الباب حتى التفت بصدمة إلى مصطفى الذي أسرع بالانطلاق ورأسه مشتتة وبها ألف فكرة وفكرة.
ليقطع بلال الصمت بعد فترة:
- أنت مصدق اللي حصل ده؟
ابتسم مصطفى بغيظ وهو يقول بثقة:
- وقع ومحدش سمي عليه.
ليأتيهم صوت رجله من الخلف:
- هو الراجل ده كان عايز منك إيه يا درش؟
نظر له مصطفى في المرآة وقال بلا مبالاة:
- الراجل صاحب الأرض اللي جنبنا وعامل مشاكل معانا.
حك الرجل رأسه وهو يقول بتحذير:
- بس الراجل ده جامد أوي، وفي ناس تقيلة وراه.
ليتساءل مصطفى:
- أنت تعرفه؟
- لا، بس بيني وبينك، حد من رجاله اتثبت من فترة، كان بيتنطط على شوية صيع قاموا معلمين عليه وسرقوا عربية اللي هي عربية البيه، بس اتفتح لهم طاقة القدر لقوا حتة آثار في شنطة العربية. وبتوع الآثار دول يتخاف منهم، ومنصحكش تتعامل معاه.
نظر بتفكير إلى بلال الذي بادله النظرات، ليطلب من رجله بهدوء:
- أنا عايزك تعرفلي أكتر عن الموضوع ده، وفي ظرف يومين أو تلاتة تكون مجمعلي معلوماته كاملة.
هز الرجل رأسه بالموافقة وأشار إلى عينه اليمنى ثم إلى اليسرى.
- من عنيا.
أخرج مصطفى هاتفه لمهاتفة مراد، الذي رد بعد الرنة الأولى.
- الو يا مراد، فاضي؟
مراد باستغراب:
- أيوه، في حاجة ولا إيه؟
- أنا شفت سعد الراوي، وكان معايا من شوية.
أسرع مراد بغضب وقلق:
- أنت رحت له؟ أوعي تكون وقعت بلسانك إنك جوز سمر.
زفر مصطفى على شكه بذكائه وولائه.
- مراد، ما تستفزنيش، أكيد طبعاً مجبتش سيرة سمر، وما روحتش لحد، أنا هو اللي وقع في طريقي. عشان كده بقولك لازم نتقابل.
تنفس مراد الصعداء وقال بهدوء نسبي:
- نص ساعة وهكون في بيت مدام سلوي، هستناك.
بالرغم من انزعاج مصطفى من حضوره المتواصل والذي أصبح شبه عادي، فالفتى يعزم نفسه وكأنه يمتلك الدار، إلا أنه تذكر حديثه الأخير مع سمر، فهدأ قليلاً وقال:
- ماشي، هتلاقيني هناك.
شد على بنزين السيارة على أمل الوصول قبله. ما إن وصل إلى منطقتهم حتى أتاه اتصال من والده.
- الو يا حاج.
- أنت فين يا مصطفى، عايزك.
أغلق عين واحدة بغيظ وقال:
- أنا هنا يا حاج، هو في حاجة ولا إيه؟
- لا، بس أنا عايزك في كلمتين.
- طيب، ينفع ساعة وأجي ولا لازم على طول؟
قال دياب بنبرة ناهية وهو يظن بفرار ابنه.
- اطلع يا مصطفى، أنا مستنيك.
ومع ذلك أغلق الهاتف. زفر باختناق وقال لبلال:
- كلم مراد وقوله يستنى نص ساعة، وراجع هشوف أبويا عايزني ضروري.
هز بلال رأسه بالموافقة وعمد إلى فعل ما يريده.
.......................
ظلت أفكاره تدور ويرتبها. فعقله يعطيه نبذة عن سبب رغبة والده في حضوره. فقد ماطل لعدة أيام، ولكن والده ليس بالصغير.
دلف إلى شقتهم وجد غادة تقرأ إحدى مجلاتها وترتدي فستان قطني قصير نسبياً وربع كم مخالف لما اعتادت على ارتدائه. قبض جبينه، ولكنه عدل عن سؤالها، فهي في المنزل، ولكن أخوته لكزته لسؤالها عن أحوالها لفهم مثل هذا التغيير، وهي الاخت الصغيرة الرقيقة الفاقدة لأمها لتوعيتها. تركها ودخل إلى والده وقد قرر محادثتها بعد الانتهاء معه.
رأى والده يجلس على مقعده ويسبح وهو يرفع نظره إليه.
فقال بأدب:
- السلام عليكم.
أشار له للجلوس وهو يرد السلام:
- وعليكم السلام. اقعد يا مصطفى.
جلس مصطفى وهو يشعر بتوتر برع في إخفائه.
- أيوه يا حاج، اؤمرني.
- ما يؤمرش عليك ظالم يا ابني. احمممم، احكيلي. قالها دياب وهو ينظر بدقة إلى عيون مصطفى، وكأنه يتحداه أن يصطنع عدم الفهم أو المراوغة. إلا أن مصطفى لم يعتد عليهما، فقال بصدق:
- عايز تعرف ليه اتجوزتها بسرعة، ولا ليه والدها مسافر وجوا هنا؟
ابتسم له دياب وهو يشعر بفخر لصدق ولده.
فأردف براحة:
- الاتنين.
- تمام، شوف بقا يا حاج. سرد عليه مصطفى أسباب سفر والدها وكيف خسر أملاكه لشريكه المخادع، والذي رفع قضية بوصل أمانة بـ 50 مليون جنيه حتى لا يستطيع أن يخطو خطوة داخل مصر ويستطيع اللعب على عائلته، فقد كان يعلم بوضع عصام في حساب ابنته سمر مبلغ 10 مليون جنيه. وهو يسعى للحصول على هذا المال مقابل التنازل عن القضية وتقطيع وصل الأمانة، وكيف أن والدها يخشي أن يكون له نية سيئة ولا يريد لابنته أن تختلط به.
فأخبرهم بالاختباء مع مراد، الذي أنقذهم في هذا الوضع، وهو من اكتشف خديعتهم وأنذر والد سمر وترك أمر هذه المشكلة لهم. ومراد يحاول أن يلملم أي دليل من ورائهم قد يفيدهم ويبقى كعين لهم مع هذا الشريك.
هز دياب رأسه بفهم وهو يفرك ذقنه بتفكير، عادة ورثها مصطفى عنه. وسأل:
- وكتب الكتاب اللي اتكروت ده؟
احمرت وجنتيه قليلاً وهو يجيب دون أن ينظر إلى والده:
- أصل أنا كنت عايز أجيبهم في الشقة اللي فوق قدام عمتي هي ووالدتها عشان يبقوا تحت عيني وأبقى مطمن، خصوصاً أنها كانت هتتخطف مرة وقدروا يوصلوا ليها.
نظر له دياب يدرسه ثم ابتسم:
- ضمنت البنت خلاص على ذمتك، متخليهاش تعرف بقا إن كان ممكن نديهم شقة في العمارة بتاعتنا اللي قصادنا.
هز رأسه وقال مدافعاً:
- احم، بس الحارة كانت هتتكلم وتستغرب.
ليرد دياب بحنان وثقة:
- أنا فرحان إنك لقيت اللي تميل ليها، بس متكذبش على نفسك أو عليا، أنت عارف ومتأكد إن محدش يقدر يجيب سيرتنا لأنهم عارفين إحنا إيه.
نظر مصطفى بخجل وحرج إلى الناحية الأخيرة وهو يهز رأسه بالموافقة.
ليأتيه صوت دياب بحده:
- بص في عيني، الحب قوة مش ضعف. استغله لأحسنه. بس سؤال صغير عشان أطمن؟
- سمر بتحبك أو موافقة برضاها.
ضيق مصطفى عينيه على هذا الاتهام، هل يظنه بلطجي أم ماذا؟ (لا خالص بعد الشر ياخويا). ولكن ما إن فتح فمه ليدافع ويلوم والده، رفع دياب يده ليخرسه قبل أن يتفوه بكلمة.
ليقول بضحك:
- خلاص الإجابة وصلت.
فرك أسفل ذقنه وهو يهز رأسه يميناً ويساراً وابتسم:
- ماشي يا حاج، اللي تشوفه.
تنحنح، فهو على نار يريد الذهاب إلى مراد.
اممم، حسناً، من يخدع يريد الذهاب ورؤيتها قبل كل شيء، ويا حبذا لو يستطيع اقتطاف إحدى ورود شفتيها.
رفع حاجبيه وقال زيادة تأكيد:
- يعني أقولهم يجوا من بكرة يا حاج؟
ابتسم له دياب وهز رأسه وهو يقلب في سبحته:
- ومن النهارده لو عايز.
- تمام.
شعر بسعادة تنتشر بداخله على مساعدة والده وعدم تعقيده الأمور، ليس وكأنه قد شك في رده، ولكن القلق كان حليفه منذ أن عرف تلك الجنية.
دلف إلى الخارج فوجد غادة تجلس بجوار زينب ووجهها أحمر من الغيظ، فوصل إلى أذنه جملة غادة المحذرة:
- ما تخليش مصطفى يسمع عشان هيزعل.
لترد زينب بكل وقاحة وثقة:
- يعني أضحك على ابن أخويا، أنا عايزة مصلحته.
تدخل مصطفى بحده وهو يتساءل:
- مصطفى ميزعلش من إيه بالظبط؟
رواية عشق بلا رحمه الفصل السادس عشر 16 - بقلم دينا ابراهيم
تحولت ملامح زينب بقدرة قادر إلى ملامح طيبة وحزن، وهي تخبره بهدوء تمثيلي رائع:
"شفت يا مصطفى اختك لابسة إيه... أنا عايزة مصلحتها، ودي بنتي وزي ندى، ولازم أعرف كل كبيرة وصغيرة."
ليرد بملل:
"ربنا يخليكي يا عمتي، بس هي في البيت يعني تلبس اللي على هواها."
لتقول بخبث:
"أيوه وماله، ما إحنا ياما هنشوف."
رفع حاجبه بغيظ وقال:
"قصدك إيه يا عمتي؟"
"قصدي يعني إنك تبعد سمر عن غادة شوية، هي متفتحة ومش محجبة، هي حرة، بس ملهاش دعوة بعيالنا."
شعر بنار تحرقه من هجومها، فقال بحده:
"أنا مسمحش حد يتكلم كده على مراتي، أنا مراتي محترمة ومتربية ومفيش أحسن منها، وبعدين هي مالها بغادة ولا ندى؟!"
"يقطعني، هو أنا قلت إيه غلط؟ بس، أنا أقصد إنها متديش فساتين كده لغادة تاني، سنهم ده وحش ودول مراهقين!"
لتجاوبها غادة بغيظ:
"أصل أنا اللي قولتلها عايزة أنزل أشتري شوية هدوم بيت، بس المذاكرة هتجنني، وهي بكل ذوق وأدب فضلت فاكرة وقررت تديهالي وهو جديد، أنا لبساه أول لبسة عشان أبقى مبسوطة وأركز في مذكرتي!"
ليأتي صوت ندى مساندًا لغادة، مع علمها بعقابها لاحقًا:
"أصل أنا بلبس أكتر من كده في بيتنا!"
نظرت لها غادة بانتصار، بينما احمر وجه عمته خجلًا.
لتردف بحرج:
"إيه يا عيال، إنتوا جايين عليا ليه؟ أكيد طبعًا سمر محترمة ومقولتش حاجة وحشة، أنا كل اللي شغلني خوفي عليكي!"
ليرد مصطفى بحدة وثقة:
"لا متخافيش، أنا أختي متربية أحسن تربية، وبالنسبة لسمر فمحدش يقدر يقول حاجة عنها، لأنه هيواجهني أنا!"
مع ذلك انسحب من أمامهم، وهو ما زال يشعر بغضب على عمته التي لا يتنبأ الخير منها نحو زوجته، وأكثر غضبًا على سمر لإعطاء مثل هذا الفستان لغادة دون علمه إلى ماذا تسعى لتحقيقه؟ ماذا تثبت وهو الذي يكره طريقة لبسها وحذرها أكثر من مرة؟ أتتحداه؟ زاده هذا التفكير غضبًا وهو يتوعد لها.
توجه مباشرًا إلى بيته، فاستقبلته سلوى عند الباب بابتسامتها الأمومية، وأخبرته بانتظار مراد وسمر له بالداخل.
وقف مراد وحياة بابتسامة، أما سمر فقد اختفت ابتسامتها التي ارتسمت على وجهها عند وصوله، عندما رأت ملامح الغضب القاسية تكسو وجهه ونظرته الحادة إليها مع جز أسنانه وهو يصافحها. شعرت بخوف يتسلل بداخلها وتوتر. ماذا؟ ماذا فعلت الآن؟ ألم تحدثه بالصباح الباكر وكان سعيدًا جدًا، حتى أنه أجبرها على إنهاء المكالمة من جراءة كلماته؟
"طمني إيه اللي حصل؟"
رمق سمر بنظرة ذات معنى وعاد إلى مراد. نظف حلقه وهو يقول:
"في مشكلة بيني وبين حد، حوار من فترة أصلًا بيني وبين واحد كنت مشتري أرضي جنب أرضه، وهو كان عايز يشتريها، والغريب بقى إنه لسه مسددش تمن أرضه دي للمالك الأصلي!"
ليرد مراد:
"هو أنت من عيلة العرابي؟"
نظر له مصطفى وكأنه غبي:
"أنا ابن دياب العرابي!"
رد مراد وهو يبرر تساءله:
"طيب أنا معرفش غير اسم العرابي عشان كده مستغرب، وفعلاً أنا ووالد سمر كنا فاكرين إنه عمل كده فيه عشان يسدد تمن الأرض دي، لأن حلم حياته كان إنه ينقل سلسلة المطاعم للمكان ده!"
هز مصطفى رأسه بتركيز ليردف:
"طيب ليه مأخدش خطوة في بيعها أو عرضها كمبادله حتى مع مالك الأرض؟"
رد مراد بحنق:
"هو ده اللي هيجنني! في موضوع كبير أوي وأنا مش عارف أوصله."
ضيق عينيه على سمر التي تقدمت منهم لوضع كوبان من العصير وتتابعهم بصمت وترقب، وتدعو الله أن يكون الحل على أيديهم وأن يرجع والدها إلى أحضانهم مرة أخرى.
أخذ العصير من يدها وهو يلامس يدها وكأنه لا يستطيع الابتعاد عنها، ولكن وبخ نفسه على استسلامه وعاد إلى مراد ليقول:
"في موضوع هتأكد منه ولو صحيح يبقى اتحلت من كل النواحي."
"يارب. احم، طيب هضطر أمشي أنا عشان والدتي."
ابتسمت له سمر وصافحته ودخلت لمناداة سلوى من المطبخ.
"إيه ده هتمشي من غير ما تتغدي يا مراد؟"
"معلش أصل الحاجة في البيت مش بتاكل غير معايا، سامحوني النهارده!"
ردت بابتسامة وتفهم:
"ربنا يخليهالك ويحميك ليها. يوووه الأكل هيتحرق... معلش أروح ألحقه!"
هرعت إلى المطبخ لتنقذ الطعام.
نظر مصطفى إلى سمر وقال بلا مبالاة:
"أنا كمان همشي."
ليسبقها لسانها قبل أن تفكر:
"مش هتتغدا معانا الأول!"
توقف للحظات، بالرغم من انزعاجه منها، إلا أنها المرة الأولى التي تظهر رغبة في وجوده. تنحنح مراد وهو يلقي السلام ويغلق الباب خلفه.
استجمعت شجاعتها لتسأل بتوتر:
"مالك؟ أنت زعلان مني في حاجة؟"
نظر لها بجدية وهو يضع يده بجيب بنطاله:
"أيوه يا سمر، عايز أعرف حاجة واحدة بس، أنتِ بتتحديني ليه؟ عايزة تثبتي إيه بالظبط؟"
شحب وجهها وهي تبحث في عقلها عن أي تصرف أخطأت به وتسبب في إغضابه. فركت شعرها بحيرة وهي تتساءل:
"أنا مش فاهمة حاجة خالص!"
ليرد بحزم:
"قصدك إيه بإنك تدي غادة الفستان؟"
"فستان البيت؟ هو اللي مزعلك؟"
"ردي عليا يا سمر، قصدك إيه!"
نظرت له ببلاهة وهي تقول:
"يعني إيه أقصدي إيه يا مصطفى! هي كانت عايزة تجيب والوقت مش مساعد وكان عندي أدتها واحد، غلط في إيه؟"
زفر مصطفى وهو يعلم بأنها لم تخطئ، ولكنه لا يريد لعمته أو أياً كان المساس بها بسوء سواء بالقول أو بالفعل. ليردف بصرامة:
"بصي يا سمر لو سمحتي قبل ما تتصرفي في حاجة مع عيلتي، أتمنى أعرفها الأول، مفهوم!"
حزنت سمر، ألا يفترض أن يطالبها بحب عائلته والاندماج معهم؟ أهو غاضب لأنها تقترب منهم؟ عاد شعورها بعدم إبقائه على تلك العلاقة بينهم من جديد.
شاهد مصطفى ملامح الحزن تطغى على وجهها، فاقترب منها خطوة يفهم ما يدور برأسها دون أن يجرحها، لكنها أعدت شعرها إلى الوراء بحركة عنيفة لتردف بخفوت وهي تعود للوراء:
"هدخل أجهز الأكل مع ماما!"
هربت من أمامه قبل أن يمسكها. وضع يده على رأسه يضربها بقبضته بغيظ. ألا يعقل أن يتقابلا سويًا وتنتهي مقابلتهما بسعادة أبدًا!
مر الغذاء بصمت مريب، وسلوى تنقل نظراتها بين مصطفى الذي لا يرفع عيناه عن ابنتها وابنتها المتجاهلة إياه وتقلب في طعامها. تنحنحت وهي تخبرهم بإجرائها مكالمة مهمة وأن يستكملا طعامهم.
نظرت لها سمر بشك، فهم لا يتواصلون سوى مع مراد.
حاول مصطفى استغلال الأمر فقال:
"هتفضلي تلعبي في أكلك كتير... ممكن تاكلي!"
لم تنظر إليه وهي تجيبه:
"شبعت."
مد يده ليمسك بيدها، فرفعت نظرها الخالي من المشاعر. ليتنهد وهو يقول:
"أنا آسف...!"
نظرت إلى الجهة الأخرى بقلب يدق لتقول بتلعثم:
"على إيه؟"
خرج صوته أشد قليلًا وهو يقول:
"بصي في عينيه وأنا بكلمك، مش بحب كده!"
أدارت رأسها بغيظ نحوه وقالت:
"أنا آسفة، إحنا يهمنا إيه غير راحة سعادتك."
ليردف بتحذير:
"سمر!!!"
أغلقت عينيها لتمنعه من رؤية اختلاط المشاعر داخل أنهار عينيها. حاول هو تمالك أعصابه، فالهدف اكتسابها وإرضائها لا إغضابها. هز رأسه على سخرية القدر، ها هو الملقب بالعملاق بين أهالي المنطقة يجلس يراضي فتاة من يراها يظنها طفلة في 16 من العمر!
رفع يده بخفة وهدوء يلامس وجنتها، ففتحت عينيها بخضة تتابعه. حرك إبهامه على وجهها برقة وقال:
"قلتلك آسف وأنا مش متعود أتأسف لحد، ممكن تراعي ده؟ أنا ماليش في جو العلاقات فمش لازم كل غلط تزعلي ونحلها أحسن!"
ردت بصراحة وحزم:
"أنت شايف إننا هنكمل مع بعض؟"
أقلقته جملتها وأغضبته في نفس الوقت، أمسك يديها بين أصابعه وقال:
"أنتي عندك رأي تاني؟"
"أنا اللي بسأل يا مصطفى؟"
ضغط على أصابعها ليتأكد من احتوائها على كامل تركيزها ليردف بهدوء حاد:
"أنتي مراتي وملكي أنا، وحكاية هنكمل مع بعض دي تنسيها، لأني معنديش شك ولو واحد في المية إني هسيبك لحد غيري أبدًا، حتى لو أنتي عايزة يا سمر!"
لمعت عيناها بمشاعر أرهقتها منذ مدة وقلبها يغني بداخلها بسعادة، حتى ولو لم يكن اعتراف بحبها لها، فقد أسعدتها كلماته كثيرًا! إلا أنها استمرت في أسألتها:
"ممكن أعرف ليه مش عايز أتقرب من أهلك؟"
اتسعت مقلتاه وقال باستنكار:
"مين قال كده؟!"
"أنت طبعًا!"
"أنا!!!! لا طبعًا أنا مفكرتش حتى في الهبل ده!"
"بس أنت طلبت مني معملش حاجة مع..."
قاطع كلامها بقله صبر ليردف:
"أنا قلت متعمليش حاجة قبل ما تقوليلي، يعني اعملي اللي انتي عايزاه بس يبقى عندي خبر بيه!"
لترد بحيرة:
"طيب وليه؟"
زفر بحنق وقال:
"أنا ليا أسبابي وأنتي لازم يبقى عندك ثقة فيا!"
عادت سلوى على أمل أن تكون أعطتهم وقتًا كافيًا للحديث، وسعدت أكثر عندما أحست بلطف الجو وهدوء ملامح ابنتها. جلست معهم على الطاولة وقالت:
"كل يا مصطفى، الأكل وحش ولا إيه؟"
"لا حلو أوي تسلمي إيدك، أنا باكل أهوه!"
هز رأسها برضا واستكملت طعامها. نظر مصطفى إلى سمر وأشار لها بالملعقة على فمه يخبرها بأن تأكل. ابتسمت سمر رغماً عنها، فبادلها ابتسامة خففت من حدة ملامحه وأخذ الجميع يستكمل طعامه. حتى أنه ساعدهم في إعادة الأطباق إلى المطبخ. ولكن، استوقف سلوى من الانشغال في المطبخ وطلب منها التحدث بشيء هام.
"خير يا بني في حاجة؟"
"خير متقلقيش، أنا بس كنت عايز أقولك جهزوا عشان من بكرة تيجوا تسكنوا عندنا زي ما اتفقنا، أنا قلت لأبويا وظبطنا الدنيا!"
شعرت سلوى بقليل من الحرج لتقول:
"مش عايزة أتقل عليكم يابني!"
ليرد بنبرة قطعية:
"لااا مفيش الكلام ده؛ أصلًا ده عشان راحتي، كده هبقى مطمن أكتر."
"ماشي أصلًا كل حاجة هنا بتاعت أم عزت كتر خيرها، إحنا مش معانا غير هدومنا!"
أول تفكير جاء في عقله أن يخبرها بترك ملابس سمر التي تزعجه لأنها ترسمها كتحفة فنية تجذب عيون كل الناس! تنحنح وهو يردف:
"ماشي الشقة جاهزة من كل حاجة مفيش مشكلة وأي حاجة هتحتاجوها أنا موجود!"
سلوي بشبح ابتسامة:
"والله يا مصطفى مش عارفة أشكرك إزاي!"
ابتسم لها وقال:
"وافقي بس وتعالوا ويبقى وصلني!"
ضحكت سلوى وألقى السلام عليهم قبل أن يهم بالمغادرة. وقفت سمر على الباب تراقب نزوله حتى استدار لها غامزًا، فخجلت وابتسمت على مراوغاته التي صارت تنتظرها بفارغ الصبر!
رواية عشق بلا رحمه الفصل السابع عشر 17 - بقلم دينا ابراهيم
في بيت العرابين
"دي بغيظ: لا يا غادة انسي يا ماما عايزة تسألي، اسأليها انتي. انتي عايزة تجيبيلي مصيبة!!"
تأففت غادة لتردف:
"مصيبة ليه بس يا نودي يا حبيبتي؟"
ندي بابتسامة صفراء:
"لا ابدا، عشان بلال لو عرف بس ممكن يقتلني!!"
مطت غادة شفتيها لتقول بعيون واسعة مدعية البراءة:
"يعني بلال أغلى مني يا نودي؟"
ضحكت ندي وكأن ما تفوهت به ما هو إلا جنون:
"أكيد طبعاً بلال! انتي هبلة؟"
اغتاظت غادة وهي تنكزها بحدة في ذراعها:
"بقى كده، طيب يا أختي ابقي خلي بلال ينفعك ويقعد يذاكر معاكي. عن إذنك."
ضحكت ندي بشدة على سذاجتها لتقول:
"يا بنتي افهمي بس، دلوقتي هو في حكم جوزي يعني مينفعش أتصل بسمر أسألها عن أستاذ مراد ده."
"وفيها إيه يعني، أنا مكسوفة أسألها!!"
"يعني أنا اللي متجوزة أروح أسألها عيني عينك عن راجل غريب، أقولها إيه ها؟ وهي هتقول عليا إيه؟!"
"أوووف خلاص خلاص، أنا هسألها."
ربتت ندي على كتفها كأنها والدتها لتردف بحب:
"ماشي، بس متدلقيش أوي كده، إحنا منعرفش عنه حاجة."
نظرت لها غادة بنصف عين وقالت:
"شوفي مين اللي بيتكلم، ده انتي كنتي هتموتي على بلال."
لترد ندي مدافعة:
"بس أنا عارفة بلال كويس وإنه بيحبني وهو كمان كان هيموت عليا."
ابتسمت غادة لتردف بمرح:
"أبو شكلك! بحقد عليكي، أنا هعنس أصلاً كل الرجالة خايفة من مصطفى."
"دوت ضحكة ندي."
"هههههههه عشان انتي صغيرة وبيني وبينك مصطفى يخوف برضه."
"أعمل معاه إيه ده عشان يسبني أعيش حياتي."
"ردت ندي بثقة: على فكرة بقى احمدي ربنا، وانتي فاكرة إني عشان حبيت بلال واتجوزتوا يبقى كل الحال كده؟ لا يا ماما الزمن بتاعنا وحش والرجالة عايزة تتسلى والبنات موقعه المبادئ وماشيه ورا المسلسلات."
"ردت غادة بصدق: وهو ده اللي مصبرني من ساعة موضوع نوال واللي حصلها مع الواد اللي ضحك عليها ده الله يحرقُه، دي طيبة جداً وروحها مفيش بعد كده بس طلعت هبلة."
"شفتي بقى، أصلاً يا بنتي لولا إني عارفة إن بلال ليا مكنتش عبرته."
ضحكت غادة حتى أدمعت وهي تقول:
"على إيدددددددددي!"
ضحكت ندي معها وهي تهددها بقتلها:
"هاتي الفون بقى نكلم سمورة."
ردت سمر سريعاً بابتسامة:
"الو."
أردفت غادة مبتسمة:
"الناي الوحشة اللي مش بتسأل."
"هههههههههه أنا سيباكي تذاكري والله."
"امممم أيوووة يا أختي، لكن لو عايزة تعرفي حاجة عن مصطفى تجري تكلميني."
سمر يخجل:
"أنا؟!"
"أيوه خشي في عبى خشي. أنا فاهمة كويس يا أختي، بس على العموم أنا أجدع منك وبسأل أهو."
ضحكت سمر:
"انتي إيه لسانك ده مش طبيعية! وخدي بالك بقى أنا مش مستفادة منك بحاجة ومش عارفة أطلع منك بأي معلومة."
"الله وأنا مالي يا لمبي هو انتي سألتي أصلاً غير مصطفى عامل إيه، هو مصطفى هنا وأنا مجاوبتش؟"
ضحكت سمر لتردف:
"طيب خلاص احكيلي شوية."
ابتسمت غادة وهي تعدل من جلستها وندي بجوارها تضرب كف على كف، ألم تكن تتصل لتسأل على مراد؟ كيف انقلب الحديث ليصبح عن مصطفى!
"اممممممم هو ليه عصبي كده مثلاً وعلى طول متنرفز؟!"
تنهدت غادة وهي تقول:
"معلش يا توتا هو عصبي بس طيب والله وأحسن أخ في الدنيا وعمرو ما كان كده، بس ربنا بقى من ساعة ما ماما اتوفت الله يرحمها وهو بعد عننا كلنا."
أردفت سمر بأسى وحزن:
"أسفة لو بقلب عليكي المواجع! مش لازم نتكلم في الموضوع ده."
أسرعت غادة:
"لا والله عادي مش هتفرق، عايزة تعرفي إيه تاني."
"اممم لو منكن أسأل هو كان مرتبط بيها أوي؟"
"بصي يا سمر مصطفى طول عمره في حاله ومش بيحب الاختلاط بس كان مع ماما زي ضلها وهي كل حياته، بس للأسف الفترة اللي ماما تعبت فيها دي محدش كان يعرف ويشاء القدر إنه يتعرف على شلة عيال كده بعدته عن البيت وبقي على طول بره البيت. فلما عرفنا بمرض ماما ملحقش يعوض الوقت ده اللي بعد فيه وكان حاسس بتأنيب ضمير إنه سابها وإنه لو كان معاها أكيد كان حاسس بيها واقنعها تتعالج."
صمتت تمسح دموعها وهي تستكمل:
"وأنا الهبلة اللي كنت جنبها ليل نهار محستش بحاجة."
يبدو أن الأخوين يلومان أنفسهما، نزلت دموع سمر رغماً وهي تتصور ألم الفراق لتردف بخفوت:
"خلاص يا غادة مش عايزة أعرف حاجة يا حبيبتي، أنا آسفة بجد نكدت عليكي."
"احم لا أبداً يا قمر، أنا هقفل عشان ورايا مذاكرة."
"طيب تمام، مع السلامة."
"سلام."
أغلقت غادة بهدوء زائد، فاحتضنتها ندي قبل أن تذهب غادة إلى الحمام تأخذ حماماً بارداً يهدئ أعصابها على أمل أن تنسى الماضي.
......................
نزلت زينب تبحث عن ندي، فمنذ ذلك اليوم بينهم وهي تعاملها بغضب بعد موافقتها وزواجها من بلال رغماً عنها.
بالرغم من محاولات ندي المستميتة لإرضائها.
وجدت غادة وندي عند منال يجهزون للغداء، فقالت بخبثها الثقيل:
"خلاص منال بقت هي بيت العيلة والكل ملموم عندها."
لوت غادة فمها لتقول:
"عادي يا عمتي إحنا مجمعين عشان سمر ومامتها جايين."
مصمصت بغيظ لتردف بلامبالاة:
"هما كل شوية هييجوا."
لترد غادة بحزم:
"عيب يا عمتي كده، وبعدين مصطفى حساس أوي ناحية سمر ولو سمعك مش هيحصل طيب."
لتجيب زينب بغضب:
"والله عال يا بت انتي اللي هتعلميني العيب!"
نظرت غادة بقلة صبر إلى ندي لتقول بهدوء:
"لا مش قصدي يا عمتي، أنا بس بقولك اللي هيحصل، ده غير إن بابا اداهم الشقة اللي فوق يقعدوا فيها لحد ما والدها يرجع."
"نعم! يا ماشاء الله يا ماشاء الله، أبوكي قال كده؟ لا دي كده زادت عن حدها."
لترد ندي:
"وفيها إيه يا ماما مش مراته وخايف عليها!"
رمقتهم بنظرات غاضبة لتردف بغيظ:
"بقولكم إيه أنا ضغطي عالي مش ناقصاكم أنا غائرة في داهية في شقتي."
زفرت غادة بحنق بعد أن ذهبت عمتها لتنظر برعب إلى ندي:
"إيه ده يا ندي أمك دي!"
تنهدت ندي بأسى وهي تقول:
"معلش يا ندي هي ماما بقالها فترة متغيرة معرفش جرالها إيه."
دلف بلال إلى شقتهم لترتسم ابتسامته من أول وجهه إلى آخره عند رؤية ندي. تقدم نحوهم دون أن يبعد نظره عنها.
فتنحنحت غادة بحرج مما يحدث وانسجام الاثنان معاً كأنهم في عالم وحدهم وذهبت إلى المطبخ تساعد منال.
"احم طيب أنا هشوف لو هساعد طنط وجاية على طول."
ليشير لها بلال بالذهاب. وما أن اختفت حتى أمسك ندي ودلف إلى غرفته وسط مقاوماتها.
ندي بذعر: "بلال! خالي جوا ما تستهبلش!"
ليقربها إلى أحضانه رغماً عنها ويقول:
"واحدة تقول لجوزها اللي مشافهاش من امبارح متستهبلش."
كادت أن تبتسم ولكنها قالت بحزم:
"أيوه الوحدات اللي أنا زيهم وسييني بقا أحسنلك."
ضحك بلال وهو يكبلها في أحضانه:
"لا ده أنا أبهدلك بقى."
نظرت له بحاجب مرفوع لتقول بغرور:
"أنا محدش يقدر يبهدلني يا بابا أنا لحمي مر."
لينظر لها بجموح ومكر ويردف:
"امممم أجرب وبعدين أقول رأيي."
نظرت له بعدم فهم لتقول:
"تجرّب إيه؟ واوعى بقا كتمت نفسي!"
"أيوه أيوه الله يرحمه! هو انتو كده يا ستات أول ما تتملكوا الواحد منا وتضمنوا في إيديكم تهملوا وتسيبوه يتمرمط وراكم."
ضحكت قليلاً على أقواله وقالت مدافعة بابتسامة عريضة:
"على فكرة أنا ممرمطالك من زمان."
رفع حاجبه بذهول ليردف بتحدي مرح:
"يابت اللظينة، طيب حقي بقى اللي هعمله فيكي."
"حقي..."
قطع جملتها بشفتيه التي وقعت على ثغرها المزين بأحمر الشفاه كرزي اللون الذي أهداه لها. حاولت ندي التملص منه ولكن دون جدوى فقد أمسك بها كالعنكبوت في شباكه يروي شوقه من تلك الشفتين وصاحبتهما العاتية.
أيدي مرتجفة وضعتها على صدره لتستشعر نبضاته المضطربة تماماً كنبضاتها.
دق الباب فجأة فدفعته بكل قوتها بخوف، باغتته تلك الدفعة ليرتطم بالخزانة خلفه. نظر لها بعينين متسعتين توازي عيناها ولكن لأسباب مختلفة.
لتدلف غادة وهي تحذر بخفوت:
"أنا داخلة."
وقع نظرها على بلال الملتصق بالخزانة ثم ندي بوجهها الأحمر على الجهة الأخرى. فعضت على شفتها السفلية حتى لا تضحك واحمرت وجنتها هي الأخرى لتردف بخجل وضحك:
"عمي في المطبخ وطالع يقعد في الصالة وهينفخكم لو لقاكم طالعين من نفس الأوضة."
قبل أن تنهي جملتها كانت ندي أمامها تجذبها إلى الخارج مغلقة الباب خلفها. نظر بلال إلى المكان التي كانت به بذهول ثم وضع يده على رأسه غير مصدق تلك القوة الصادرة من تلك الصغيرة مصطنعة الرقة!
......................
وضع مصطفى حقيبتي سلوي وسمر أمام شقة منال المرحبة بهم بشدة.
منال بحب وترحاب:
"يا ألف أهلاً وسهلاً والله البيت نور يا أم سمر يا حبيبتي! ادخلي يا مرات الغالي."
ابتسمت لها سمر بخجل ودلفت مع والدتها، فنكزها مصطفى في جانبها من الخلف بإصبعه. شهقت بخفة ونظرت له بتحذير. بينما نظر هو إلى الأمام ببراءة.
منال بسعادة:
"أنا عملاكم غدا هتاكلوا صوابعكم وراها."
توقف مصطفى ليمسك بالحقيبتين وأردف:
"ارتاحوا انتوا وأنا هطلع الشنط."
اندفعت سمر:
"لا استنى أنا هشيل واحدة!"
نظر له بتعجب وقال:
"ليه؟"
"عشان الشنطة بتاعتي تقيلة أوووي فاكيد الاتنين هيتعبوك."
رفع حاجبه بابتسامة صغيرة على براءتها ولكنه لم يرغب في أن ينبهها بأنه كالتنين بالنسبة لها! قال بابتسامة غير بريئة إطلاقاً:
"و ماله تعالي شيلي دي."
وبالطبع تطوعت غادة بالصعود معهم على مضض منه.
غادة بابتسامة:
"أنا فرحانة أوي إني هقدر أشوفك طول الوقت."
بادلتها سمر الابتسامة وقالت وهي تنهج بخفة من حمل الحقيبة:
"والله وأنا أكتر."
أراد مصطفى الضحك فقد صعدت 5 درجات فقط ولكنه توقف أعلى الدرج ومد يده الأخرى حين وصلت لأخذ الحقيبة من يدها وسط استغرابها.
"إيه، أنا هشيلها؟!"
"لا كفاية انتي على رجليكي الصغيرة دي وأنا هشيل الشنط."
"طيب أنزل أنا!"
رد بسرعة أحرجته قليلاً:
"لااااااا، احم أقصد لأ هفرجك على الشقة بالمرة."
نظرت له غادة بصدمة غير مصدقة لهفة أخيها قليل الكلام والمنطوي دائماً!
تكلمت سمر بخجل مع غادة حتى تغطي على ما صدر منه:
"احم وانتي عاملة إيه يا غادة، بتذكري؟"
"اه بس الرياضيات تعباني جداااا."
"اممم أنا كمان كنت بكرها لحد ما مراد بدأ يذاكرها ليا وتخيلي دخلت تجارة!"
رفرف قلب غادة عند سماع اسم مراد وقالت محاولة إخفاء لمعان عينيها:
"بجد واضح إنه شاطر جدا، ده أنا بذاكر وبآخد درس وبرضه بلح!"
ردت سمر بابتسامة وأمل في المساعدة:
"أيوه بجد ولو تحبي أنا ممكن أخلي يجي يساعدك لما يزورنا."
زفر مصطفى بحنق ليردف:
"مفيش داعي يا سمر هي هتذاكر."
نظرت غادة بطرف عينيها بحزن طفولي وغضب. فأشارت لها سمر بعينيها بأنها ستتصرف فقالت:
"عادي والله هو كده كده بيجي على طول يزورنا."
لم تكن تعلم أن كلامها يزيده غضباً. وصل إلى الشقة وأخرج المفتاح وقال وهو يجز على أسنانه:
"بدل الرغي الكتير والشكوى انزلي ذاكري يا غادة متبرريش فشلك."
رواية عشق بلا رحمه الفصل الثامن عشر 18 - بقلم دينا ابراهيم
نظرت له بحنق وغضب محتد.
- لا أنا عايزة أقعد مع سمر.
رمقها نظرة مهددة وأشار إلى الدرج بعينيه معلناً عن نهاية الحوار.
زفرت غادة وهي تدبدب في الأرض ونزلت إلى أسفل.
اتسعت عين سمر عندما وقع في رأسها وجودها بمفردها معه.
فتح الباب وأشار لها بالدخول.
تنحنحت بقلق لتقول:
- مفيش داعي، هنزل معاه.
حاولت النزول فرفع ذراعه أمامها ليقول بإصرار:
- استني، أفرّجك الشقة الأول وبعدين أنا دراعي وقف من الشنط دي، دخلي واحدة وأنا واحدة.
نظرت له بشك ثم توجهت إلى الحقيبة بجواره وهي تقول:
- طيب، هبص بسرعة وننزل عشان ماما هتزعقلي لو اتأخرت.
حاول السيطرة على ابتسامته المهددة بالظهور وقال ببراءة مصطنعة:
- طبعاً وماله.
دخلت بخجل وهي تحمل الحقيبة ووضعتها على أول الردهة.
أغلق مصطفى الباب خلفه فاستدارت بشدة جعلت فستانها يلتف حول ساقها قليلاً وقالت بخضة:
- أنت بتقفل الباب ليه؟
اقترب منها مصطفى بابتسامة الذئب وعيون جامحة ليقول:
- عادي، وبعدين أنتِ خايفة ليه؟ أنا جوزك يعني.
ابتعدت قليلاً إلى الخلف وقالت بوجه أحمر:
- الشقة حلوة، ممكن ننزل بقى.
أخذ يقترب منها وهي تبتعد في سباق يسر أعين الناظرين.
ليقول بصوت يشوبه المرح وشعور اعتادت هي عليه منه:
- الله، أنتِ بتبعدي ليه؟ ماتثبتي.
رفعت إصبعها بتحذير وزمت شفتيها بغضب يشوبه الخوف والتوتر.
- بقولك إيه، أنت فاكرني عبيطة عش... اااااا.
اصطدمت بالطاولة وهي تهرب إلى الخلف وكادت تقع على ظهرها ولكنه كان أسرع ومد ذراعه ليمسك بفستانها من عند البطن ليجذبها إليه بقوة منعتها من السقوط.
أحاطها بذراعه الحديدية ليقول بنبرة سخرية في مواجهة عيونها المتسعة غير المستوعبة لما حدث للتو:
- لا معقول، أفكرك عبيطة ودي تيجي.
فتحت ثغرها على أخره باحتجاج وقالت وهي تشعر بالإحراج:
- أنت اللي كنت هتوقعني.
ضحك وهو يرفع حاجبه متعجباً من اتهامها فقربها أكثر وهو يدافع عن نفسه:
- هو أنا كلمتك.
- أيوه، أنت بتوترني وبتخليني مش شايفة قدامي.
ابتسم بمشاكسة وهو يقرب وجهه منها ليقول بخفوت وجوع واضح في عينيه:
- فعلاً، وايه كمان.
احمر وجهها أكثر فتلعثمت بتوتر وخجل:
- هو إيه اللي وإيه كمان، أنا بحكيلك حدوتة.
حاول إمساك نظراتها المتهربة منه ليقول بذهول:
- أنتِ لمضة إزاي كده، لازم أعرف سر خوفك وشجاعتك في نفس الوقت.
حاولت التحدث بشجاعة:
- خوف إيه، أنا مش خايفة.
لتتسع ابتسامته بحب ليردف بخفوت ومكر:
- يعني لسانك مبرد، وقلبك تحت إيدي بيخبط في ضهرك من الرعب وإيدك ماسكاني من كتافي عشان ما تترعشي، يبقى اسمه إيه غير خايفة مني.
تركت قميصه من بين أصابعها لتدفعه لكن بلا جدوى فهو كالجدار لا يتزحزح.
وقالت بعناد:
- أنا مش خايفة منك.
لمعت عيناه ليقول بشوق وصدق:
- كويس، يبقى حاجة تانية والحمد لله اتأكدت منها.
لم يعطها فرصة للتفكير ولثمها في قبلة عنيفة هدمت مقاوماتها ليتبعها بقبلات رقيقة وخفيفة تخالف ما يدور بداخله من أعاصير تهتف للفتك بها.
حارب غريزته في امتلاكها في هذا الوقت والحين.
شعور مناقض بداخله، كيفما يحدث معه منذ أن وقع نظره عليها للمرة الأولى، ذلك الشعور بامتلاكها وابقائها لنفسه والشعور بالغضب ورغبته في معاقبتها.
رفعها عن الأرض قليلاً وباتت معلقة بين ذراعيه.
قلوب تدق بتناغم وأنفاس متقطعة وعيون ثقيلة خارجة عن العمل تاركة للقلب حق تقرير مصير إحساسهم ببعضهم، ليدوقوا عذاب اشتياق محب يتوق لانتهاء المطاف.
ابتعدا قليلاً لالتقاط أنفاسهم والتقت عينيهم فشعرت برجفة تسيطر على جسدها وأرعبتها عمق نظراته وشعرت باشتياقه.
لم تستطع تحمل المشاعر الجارفة نحوها فاخفت رأسها في صدره ببراءة أذهلته وكادت تمزق قلبه، لتزيد من ذهوله عندما همست بخفوت:
- أنا خايفة.
فهم مقصدها وأخذ نفس عميق قبل تربيته على ظهرها برقة لا تخيب في إذهالها ثم أبعدها عنه قليلاً واتجه ببطء نحو الباب ليفتحه معلناً عفوه عنها فقط الآن.
نظرت إلى حذائه بخجل لا تستطيع رفع أنظارها إليه وما أن تخطته بدقات مسموعة في أذنها حتى أمسك يدها ليوقفها.
أدارت رأسها متسائلة فرفع يدها برقة يطبع قبلة خفيفة عليها.
هربت ابتسامة خفيفة منها قبل أن تجذبها وتركض سريعاً إلى أسفل.
وفي منتصف الطريق وجدت غادة تجلس أعلى الدرج أمام شقة منال.
فقالت بتوتر وهي تضع خصلة من شعرها الحريري الذي أخرجه مصطفى من ذيل حصانها أثناء عنفوانه إلى خلف أذنها:
- احم، أنتِ قاعدة ليه كده.
وقفت غادة مسرعة لتقول بحرج:
- خوفت أنزل يسألوا عليكي قلت أستناكي.
خجلت سمر ولكنها بعثت لها ابتسامة امتنان وشعرت بقلبها يضخ مزيداً من الحب نحو تلك الصغيرة شقيقة زوجها المجنون.
دخلت الفتاتان وتبعهم مصطفى بعد فترة.
وصل والد مصطفى فالقى السلام على الجميع وجلس يتحدث مع سمر قليلاً فأعجب بتفكيرها وهدوئها.
ونظر نظرة ذات مغزى لمصطفى.
نزلت زينب بعد فترة تصطنع الابتسام وداخلها يغلي حقداً على تلك الفتاة الدخيلة التي ستحوي البيت بما فيه قريباً جداً.
زينب بملل:
- أهلاً بيكم، نورتوا.
ابتسمت سلوى وقالت بأدب:
- أهلاً بيكي، ده نورك يا أم ندي.
هزت رأسها وجلست بمنقارها المدبب تراقب تصرفات الجميع وخاصة نظرات مصطفى لسمر وتجاهل الأخيرة له بعناية مريبة للشك.
فقررت مباغتة سمر بأسئلتها الثقيلة:
- وبتعرفي تطبخي بقى يا عروسة؟ أصل مصطفى صعب أوي ومش أي أكل يعجبه.
خجلت سمر فهي لم تتعلم من الطهي سوى أساسيات.
- الصراحة مش أوي بس أنا عارفة حاجات من وأنا بساعد ماما.
اصطنعت الذهول لتقول:
- معقولة، ده أنتِ في كلية... شكلك مدلعة وهتتعبنا ههههههه.
لم تدخل ضحكتها الصفراء على الجميع وخاصة مصطفى الذي رمقها بتحذير مستتر قبل أن يجيب:
- مفيش مشكلة ياسمر، أي حاجة هتعمليها هاكل منها وأقول الحمد لله.
سعادة غمرت داخلها على رده بعد أن كادت تموت حرجا من عمتها الخبيثة.
لتردف زينب بابتسامة كاذبة:
- والله شاطرة يا سمر عرفتي تاكلي بعقله حلاوة.
كادت أن ترد سلوى المغتاظة من هجومها على ابنتها ولكن منال سبقتها:
- أومال إيه، كفاية أدبها وجمالها، هو في حلو من غير شقا، لازم يغرم شوية ههههههه.
مر اليوم بسلام ورتبت سمر وسلوى شقتهما وأشيائهما بمساعدة من ثلاثية العائلة منال وندي وغادة.
وانتهى باتصال مصطفى بسمر التي امتنعت عن الرد عليه تاركة إياه في نار وغضب من تصرفها المتكبر.
ليقول في نفسه: غبي، خوفتها منك بس بردو هوريكي ياسمر، مش أنا اللي يتعمل معايا كده حتى لو بحبك.
ظلت سمر مستيقظة طوال الليل فكلما أغلقت جفنيها رأت أحلاماً تجمعها بذلك المتوحش المقتحم مشاعرها بلا رحمة.
فهي متأكدة الآن أنها تحبه وتتعجب من سرعة وقوعها في غرامه وأكثر ما يؤرقها هو سهولة استسلامها إليه حتى وإن كان زوجها.
أما في اليوم التالي فقد عمد مصطفى إلى تجاهلها عقاباً لها على عذابه ليلة أمس.
كحال أي أنثى انزعجت سمر من إهماله وأرادت أن ترفض دعوة منال إليهم لتناول الغداء معاً بحجة أنها عادة بيت عائلتهم.
لكنها أصرت بشدة.
اجتمعت العائلة ما عدا زينب التي اصطنعت المرض والرغبة في النوم غير قادرة على تحمل سمر وسلوى.
لم يخلو الغداء من مرح بلال ومشاكساته مع ندي ودخول غادة، حتى أن مصطفى قد مازح غادة مرة.
بلال بضحك:
- لا مش مصدق بردو إنك هتنجحي.
تركت ندي معلقتها بغيظ والتفتت إلى منال:
- شايفة يا طنط.
حكت منال وهي توبخ بلال:
- بس يا بلال، ملكش دعوة بيها.
- الله، مش بطمن على مستقبل مراتي.
لترد غادة مدافعة عن قريبتها الغالية:
- لا اطمن يا خفيف واطمن أوي، إحنا زي الفل.
جاء الرد من مصطفى هذه المرة ليشاكسها:
- فعلاً بأمارة عقدة الحساب صح.
مطت غادة شفتيها وقالت بحنق:
- عادي، سمر كانت كده لحد ما مراد ذاكرها، مش زيك عمرك ما ذاكرتلي.
ضحك بلال بينما رمق مصطفى سمر بنظرة غيظ مكبوت وهو يراها تتجاهله وتتصنع تناول الطعام في هدوء أغضبه.
ترك الطعام بعد أن فقد شهيته وقضب حاجبيه بعناد واستأذن بالذهاب تاركاً سمر على حافة البكاء من لا مبالاته.
فكأي امرأة من حقها الانزعاج وواجبه هو مصالحاتها، ألا يشعر بشيء نحوها، كل هذا انجذاب جسدي بحت.
صعد إلى السطح لعلّه يهدئ من غضبه العارم على تلك الحمقاء، حتى أنها لم تخبره بما ضايقها بل توجهت إلى التجاهل وكأنه لا شيء.
صعد بلال والفتيات إلى أعلى بعد مدة لمواساته.
بلال:
- مسا مساااا، الناس اللي نسيت إن معاها حد عايش حواليها.
رمقه مصطفى بتحذير وهو يطل من السور لمشاهدة الطريق ثم رمق سمر الجالسة على إحدى المربعات بجوار غادة التي تثرثر بلا توقف.
حرك كتفيه كعلامة قلة حيلة وأمسك يد ندي يجذبها بعيداً عنهم قليلاً.
بلال بحب:
- وحشتيني يا بت.
ابتسمت ندي بغرور لتردف:
- عارفة.
لكزها في ذراعها وبعث لها نظرة مهددة.
ضحكت وهي تردف بحنان:
- وأنت كمان وحشتني بس بطل كلمة بت دي بتضايقني.
ابتسم لها بلال ليقول بإصرار:
- بس أنا بحبها بقى وطول عمري متعود أقولهالك.
قالت ندي بحنق:
- ده كان زمان، خلاص دلوقتي أنا واحدة متجوزة وليا احترامي.
كاد بلال أن يقع أرضاً من شدة الضحك على جديتها ليردف:
- ياواد يا متجوز إنت، بس خدي بالك، خليكي فاكرة اللي بتقولي ده كويس.
نظرت له بنصف عين لتقول بابتسامة:
- مش مطمنة ليك.
ليبادلها بابتسامة أكثر مكراً ليردف بحب:
- أحلى حاجة فيكي إنك فهماني صح وبردو بحبك يا بت.
نظرت بسعادة إلى عينيه لتقول بحب جارف:
- وأنا كمان بحبك، ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش من ضحكتك دي أبداً.
لمس يدها يرفعها إلى فمه يقبلها بحب ويربت عليها بين يديه.
ليغمرهم شعور بالدفء حصري لهم غير عابئين بسمر ومصطفى المتقاتلان سراً ببرودهما.
رواية عشق بلا رحمه الفصل التاسع عشر 19 - بقلم دينا ابراهيم
بعد مرور أسبوع وقفت سمر تضع أذنها خلف الباب تحاول سماع صوت أقدامه فقد اعتادت طوال ذلك الأسبوع تتبع وصوله وذهابه وصوت خطواته المميزة أصبحت محفورة في ذهنها.
ما إن وصلت إلى مسامعها حتي أخذت نفسًا عميقًا ومررت أصابعها بين شعرها لتبدو أكثر جاذبية. فتحت الباب وهو أمامها مباشرة.
نظر لها مصطفى وشعر بقلبه يقفز من مكانه، فمهما حاول تجاهلها يبقى شوقه لها متغلغلًا في أعماقه.
نظرت له سمر بحب دفين تتأمل ملامحه القاسية وعينيه السابحة في بحر من العسل الصافي متزينة ببريق مشاعره. وجدت نفسها تتفحصه من أخمص رأسه إلى إصبع قدمه، مرورًا بساقيه الضخمتين وخصره المنحوت بطريقة تلفت الانتباه وصولًا إلى صدره الذي لا بداية أو نهاية له. لكنها لم تنتبه إلى قبضتيه المتحجرتين بجواره وهو يراها تتفحصه باشتياق.
ما إن أتم تفحصها هو ذاته، مانعًا نفسه من اختطافها من غبائها لينهل منها ما يتمناه ويتوق إليه. آه كم يرغب في ضمها إلى صدره لتختفي بين ضلوعه تلك الحمقاء العنيدة!
ربما مرت دقائق قليلة أو كثيرة، ليست متأكدة. أخيرًا استجمعت شجاعتها وهي تتصنع اللامبالاة. إلا أنه ما إن شاهد تغير ملامحها حتى اشتعل غضبه واستدار ليصعد إلى مخبئه بعيدًا عن الجميع بما فيهم حبيبته.
رفعت يدها سريعًا صائحة:
- مصطفى!
تسمر مكانه وأغمض عينيه متشربًا نغمات صوتها، ثم التفت لها ورفع حاجبه ليردف:
- نعم!
اغتاظت من رزانته فقالت على أمل إيقاظه من فترة تجاهله:
- عجيبة هي حواء تبدأ الأمر وتغضب إن رد لها.
- أحم، ماما بعتلك ده.
كيف غفل عن الطبق في يدها؟ نظر للطبق الملفوف ثم لها وأردف بهدوء:
- إيه ده؟
نظرت له وهي تردف:
- ماما عملت كيك وطلبت مني أديك منه.
هز رأسه ومد يده متعمدًا لمس يدها التي ارتجفت من شدة توترها وحنينها.
- ادخلي انتي عشان في ناس هتطلعلي.
أرادت صفعه، أهذا ما يقوله لها بعد كل ذلك التجاهل؟ عقدت ذراعيها وسألت بغرور:
- ناس مين دول؟
رفع حاجبه على فضولها ليقول بهدوء يخالف السعادة التي تعتريه من رغبتها في التدخل بحياته:
- واحد صاحبي.
- مين يعني؟
عقد ذراعيه مثلها ليقول:
- واحد صاحبي ما تعرفوش.
لترد بعناد:
- قول مين عشان أعرف بعد كده.
ضيق عينيه بتحذير وهو يقول:
- مش عايزك تعرفي أصلًا، وبعدين إيه سر الاهتمام ده كان فين من الأيام اللي فاتت؟
شعرت بخجل حاولت إخفاءه بغضب مصطنع وعدم فهم:
- خلاص خلاص، مش عايزة أعرف حاجة.
تركته يغلي وأغلقت الباب بعد دخول شقتهم، وبسرعة التصقت بالباب لتراه من العين السحرية يشتعل من الغضب ويكاد يكسر الطبق بين أصابعه. وضعت طرف إصبعها في فمها بتوتر، هل زادت في أفعالها؟
صعد مصطفى سريعًا حتى لا يكسر الباب فوق رأسها ويصفعها حتى تستعيد صوابها.
دلفت سمر إلى غرفتها وهي تستشيط غضبًا منه. ظلت تدور حول نفسها ما يقرب من ساعة حتى سمعت باب بيتهم يدق. توجهت لتفتح فوجدت ندى مبتسمة ومعها صينية من الشاي والحلويات. ابتسمت لها سمر وقالت:
- اتفضلي يا ندوش، تعالي.
ردت ندى بسرعة:
- لا معلش وقت تاني عشان مستعجلة، معلش هرخم عليكي وعايزة صينية نضيفة.
هزت سمر رأسها وقالت على الفور:
- طبعًا طبعًا، تعالي طيب المطبخ.
دلفت ندى ورائها وهي تثرثر:
- معلش أصلًا دلقت نص الشاي وأنا طالعة وماما تحت ونسيت أجيب المفتاح، فقلت لو نزلت هدلق الشاي كله، فاخبط عليكي أبرك.
ضحكت سمر وقالت بمرح:
- إحنا مش عايزين مستر بلال يزعل مننا على الشاي.
مصمصت ندى وقالت بقرف:
- مستر بلال يا أختي هينفخني أصلًا، بس أعمل إيه. أمي أصرت إني أطلع الشاي لمصطفى وصحابه وبلال لسه ما جاش. قلت ألحق بسرعة وأنزل قبل ما يشوفني.
لمعت عين سمر فجأة لتقول باهتمام:
- إيه ده؟ هو ممكن يحصل مشكلة بينه وبين بلال عشان كده؟
- آه يا أختي، أصل هو محذرني من الموضوع ده بس مقدرش أقول للناس اللي تحت دول لأ.
ابتسمت بانتصار لتقول:
- يا حرام. بصي هاتي الصينية وأنا هطلعها، مصطفى مش بيزعل لما بطلع.
نظرت لها ندى بابتسامة ولكنها سألت بخوف:
- إنتي متأكدة إنه مش بيزعل؟
ردت سمر بمنتهى البراءة:
- آه، ما تخافيش، هاتي بس وروحي انتي قبل بلال ما يجي.
فرحت ندى كثيرًا وخرجت وأعطتها الصينية بالخارج بعد أن أعادوا رص محتوياتها. وقفت سمر تبتسم بقلق لندي وهي تتجه إلى أسفل، فالتفتت إلى الدرج وصعدت إلى وكر زوجها.
وقفت أمام الباب تأخذ نفسًا عميقًا وأصواتهم تأتيها من الداخل. نظرت إلى بنطالها الجينز والتي شيرت بنصف كم وتأكدت أنه سيأكلها حية إن نجحت بالفعل في إغضابه.
سمر لنفسها: ولا هيعبرك أصلًا، مش هو بيتجاهلني؟ يشرب بقى!
ضيق مصطفى عينيه بهدوء يستمع إلى المعلومات الخطيرة التي جمعها أحد رجاله.
فتحي: واتأكدت إن الحتة دي من ناس كبيرة أوي، الغلطة معاها بتطير رقاب وهو اللي وقع نفسه فيهم.
هز رأسه بتفكير ليردف:
- يعني هو بكده محتاج فلوس أو الحتة دي مش كده؟
رد فتحي يؤكد كلامه:
- أيوه طبعًا، الناس دي معندهاش غالي ولا يا أمي ارحميني! سعد الرواي ولا غيره المهم محدش يعلم عليها.
بدأ يفرك ذقنه وهو يخطط في عقله ويحاول وضع نفسه مكان ذلك الخائن.
- واللي خد الحتة عايز يتصرف فيها ولا خايف؟
- والله الواد غلبان، مالوش في السكك الصعبة دي، هو آخره يثبت عربية يسحب موبايل مش يتصرف في حتة آثار. ده من كتر الخوف ولما سمع إنها كانت لناس كبيرة وضاعت مش عايز يتصرف فيها وفكر يكسرها.
ليجيب مصطفى سريعًا:
- لا هتنفعنا. إنت شايف إيه يا فتحي؟ تقدر تاخدها منه بالفلوس اللي يعوزها؟ وأكد له إن اسمه مش هيتقال أصلًا.
دعك فتحي رقبته بتوتر ليقول:
- والله هو ممكن يخاف. بس لو عطيناه مبلغ محترم معتقدش يرفض.
سحب مصطفى سيجارة مع أنه يكرهها، إلا أنه يلجأ لها وقت توتره وحيرته وأشعلها وهو يحاوطها بكفه من الهواء، ثم حدق به بحاجب مرفوع وهو ينفخ الدخان من أنفه بشكل يعطيه رونقًا أكثر رعبًا وقال بنبرة ناهية بها أمر غير مباشر:
- أنا عارف إنك هتقدر وإن الحتة دي هتبقى بتاعتي في خلال أسبوع. ماشي.
سمع الباب يفتح فدار رأسه ليرى جنيته الصغيرة بكامل جمالها الساحر للأعين. شعر بالسيجارة تسحق بين أسنانه، فأعاد رأسه سريعًا إلى فتحي المحدق بها بانبهار، ليهدر بعنف وهو يعيد وجهه ناحيته بغضب ويمسك ياقة قميصه:
- إياك تبص على حد من أهل بيتي تاني، واتعلم تبص في الأرض في وجودهم. يلا من هنا!
ابتلع فتحي ريقه بصعوبة بالغة، وقد ظهرت قطرات من العرق على جبينه من الخوف وهز رأسه بالموافقة قبل أن يردف:
- أنا آسف، مكنتش أقصد.
وقفت سمر مكانها بصدمة وأعين متسعة وهي ترى مشهد تعنيف مصطفى لصديقه على حد قوله.
وقف مصطفى في كامل هيئته وقد زاده غضبه ضخامة. صعقت من سواد عينيه المريب وهو يقترب منها. فتوقفت أنفاسها رعبًا وهو يبدو كالدب الغاضب. هل تمادت قليلًا؟ أممم، ربما كثيرًا!
لمحت صديقه يهرول إلى الباب هاربًا من بينهم. ارتجفت يداها بالأكواب. وشحب وجهها عندما أمسك ما بيدها ليضعه بإهمال بجوارهم، قبل أن يمسكها من ملابسها ويجرها إلى داخل موطنه. أسرعت تتحدث بخوف وهي تحاول تثبيت أقدامها في الأرض:
- مصطفى خلاص، بليز، أنا آسفة!
لم يستمع لها وهو يغلق الباب خلفهم، مستمرًا في جرها بلا أي جهد، مانعًا نفسه من ملامسة جسدها، فهو متأكد أنه في غضبه سيسحق تلك العظام الرقيقة بين أصابعه.
أمسك مقدمة كنزتها يرفعها حتى وقفت على أطراف أصابعها وهي تتثبت بذراعه القوية، لتشهق بخضة:
- أنا آسفة، يخربيتك!
زفر بقله صبر وأخذ يتنفس من أنفه يرجو الهدوء أن يأتيه. فتسارعت دقات قلبها بشدة وهي تراه يقاوم ما بداخله من غضب. أخذت عيونها تأتي وتذهب حولهم بحثًا عن منقذ.
أردف بصوت هادئ لا ينذر بالخير:
- ممكن أفهم دماغك، ممكن تفهميني فعلًا انتي بتعملي إيه وعايزة إيه؟ ليه مصرة تجننيني؟
لتقول بغضب:
- سيبني وأنا هقولك ليه!
دفعها لتسقط على المقعد خلفها. أرادت الوقوف بغيظ:
- إيه قلة الذوق دي!
وضع يده على فمها وقال بتحذير:
- كلمة تانية وهخليكي تندمي إنك جيتي الدنيا دي من الأساس.
دفعت يده من على وجهها، لتقول بصوت عالٍ:
- أنا خلاص ندمت بسببك فعلًا، إنت بتتعصب عليا ليه؟ هاه؟ أنا عملت إيه غلط؟
صاح بها يغضب:
- أنا مش قلتلك على السلم تحت أدخلي معايا ناس، لكن لأ، إنتي طالعة برجلك وبالزفت لبسك ده!
لتصيح بقله صبر:
- أنا حرة يا أخي، لبسي وأنا حرة فيه.
ضرب بقبضته المقعد أعلى رأسها لتغمض عينيها برعب سيطر عليها وارتجفت من صدى صوته وهو يقول:
- مفيش حرة، واضح إني كنت طيب معاكي ويكون في علمك أنا هنزل أحرق كل هدومك دلوقتي وهتتحجبي، إيه رأيك كمان؟
زرفت دموعها وهي تعترض ببكاء:
- ملكش حق أصلًا.
أمسكها هذه المرة من شعرها المنسدل على جانبي وجهها بغيظ ليشد عليه قليلًا للأسفل يمنعها من الاختفاء عن عينيه وجبال صبره تتفتت.
- إنتي مراتي، فاهمة يعني إيه مراتي؟ يعني كل حاجة فيكي بتنعكس عليا، يعني لازم تتحملي المسؤولية وتسمعي الكلام برضاكي أو غصب عنك هتسمعي الكلام!
- مش عايزة أبقى مراتك!
نطقت جملتها بخفوت وصوت متقطع من بكائها، ولكنه لم يرأف بحالها هذه المرة معلنًا عن انفجاره.
مال عليها يقبل رقبتها بعنف شديد آلمها وهي تبكي، حاولت دفعه بضعف لكنه لم يتزحزح ولم يتركها حتى أفرغ كامل شحنته على رقبتها المسكينة التي تلونت بالأحمر القاتم الذي سيتحول إلى أزرق خفيف بعد ساعات.
حاولت صفعه ولكنه أمسك ذراعها وبدأ يقبل كل شبر يظهر من ذراعها وملابسها لتصبح قبلاته كالوشم على بشرتها البيضاء الحساسة. لم يأبه لتوسلاتها أو تأوهاتها الغاضبة والباكية، بل إنه ترك ذراعها لينتقل إلى الآخر. أرادت الهروب والوقوف لكن دون جدوى.
أبعد رأسه ينظر إلى لوحته الفنية على جسدها الظاهر برضا ليردف بعناد وقسوة:
- البسي اللي انتي عايزاه ومتنسيش تقولي لهم العلامات اللي في جسمك دي من مين، ولو إن محدش هيسأل لأنهم عارفين إنك ملكي أنا.
نظرت له بعيون باكية غاضبة وهي تعض على لسانها تود فقط لو يتركها في حال سبيلها بعيدًا عن همجيته ووحشيته. نظر لها بغضب يوازي غضبها وعنادها بالرغم من تمزقه لدموعها، إلا أن عقابها كان يجب تنفيذه حتى تفيق إلى نفسها وتعلم مع من تعاند.
جذبها من ذراعها وتوجه إلى خزانة صغيرة فأخرج كنزة قطنية خفيفة طويلة الأكمام وقدمها إليها في تحدٍ صامت وكأنه يتحداها أن تتجرأ وترفض. غلب عليها البكاء ولم تعد ترى أمامها وهي تحلل كلماته في عقلها. أخذتها منه بيد مرتعشة وشهقات مكتومة، وارتدتها سريعًا تخفي آثار تحديه من على جسدها.
التفتت إلى الباب لتخرج، فامسك بملابسها من الخلف مرة أخرى قبل أن يأخذ يدها برقة ويطبع قبلة رقيقة في باطن كفها تعبر عن حبه وآلامها التي تنهش في قلبه. ود لو يضمها إلى صدره حتى تهدأ ويعتذر عما بدر منه، ولكن ذلك يعني أنه مجنون لا يطاق! كما أن ما حدث هو للأفضل لتعرف أنه عمود تلك العلاقة وأنه سيعودها على إطاعته مهما كلفه الأمر.
نظرت إلى الأرض منتظرة أن يتركها لتهرب بعيدًا إلى غرفتها. تركها سامحًا لها بالذهاب والاختفاء عن أنظاره وهي تركض بكنزتها التي تبدو كفستان قصير عليها تصل حتى ركبتيها. كم يستهوي ضعفها وضآلة حجمها. الآن يشعر بوحشيته. تباً له، لقد كان عنيفًا معها بشكل قاسٍ وغير مسموح به!
رواية عشق بلا رحمه الفصل العشرون 20 - بقلم دينا ابراهيم
استوقف بلال مشهد نزول سمر الباكية إلى شقتهم وهي تحاول جاهدة أن تنجح في وضع المفتاح متغلبة على غشاوة عينيها.
لمح احمراراً على طول رقبتها فاتسعت عيناه. هل حدث ما يظن أنه حدث بالفعل؟
لم تلتفت له المسكينة ودلفت سريعاً إلى الداخل ثم إلى غرفتها، ترمي على فراشها لتخرج كل دموعها.
صعد مسرعاً إلى مصطفى، وجده يلعب ضغط ويتصبب عرقاً.
مسح بيده على شعره ليشد على أطرافه قليلاً وهو يردف:
- سمر بتعيط وأنت شكلك عصبي وشكلك خربتها واتغابيت!
لم يعره أي انتباه وهو يأخذ شهيقاً وزفيراً عنيفاً يواكب مجهوده.
رن هاتفه، توجه إليه بلال يقرأ اسم مراد له.
توقف مصطفى واعتدل سريعاً يسحب الهاتف من يده فيقول بهدوء:
- الو يا مراد... تعالي حالاً... معلومات جديدة.
لم يسأل مراد حتى وقال:
- ربع ساعة وهكون عندك، أنا قريب منكم.
صعدت ندي وغادة إلى سمر، راغبتين في الهروب من الملل.
فتحتهما سلوى المستيقظة من النوم حديثاً، وتركتهم يدخلوا لابنتها الموصد بابها من الداخل.
فتحت سمر لهما وحيتهم بأدب مبالغ.
نظرت الفتاتان إلى بعضهما البعض فدلفا بسرعة مغلقين الباب خلفهما.
وكانت ندي أول من نطق:
- عمل إيه؟
اصطنعت عدم الفهم وبللت شفتيها ببطء لتقول:
- مين؟
عقدت غادة ذراعيها بحزم لتقول:
- اللي أنتِ لابسة هدومه!
نظرت إلى كنزته بغضب وأغلقت الباب بالمفتاح قبل أن تخلعها لتظهر آثار جنونه على طول ذراعيها ورقبتها ومنطقة الترقوة.
وضعت غادة يدها على فمها برعب، بينما اقتربت ندي تتفحص مدى عمق تلك الآثار لتقول بهدوء:
- متقلقيش، 3 أيام بالكتير وكل ده هيروح.
صمتت قليلاً لتقول:
- بسبب إنك طلعتي فوق صح؟
لم تجب سمر وبدأت في البكاء.
- بتوجعك صح؟ أكيد أخويا اتجنن، إزاي يضربك كده!
جاء صوت غادة من خلف ندي التي قلبت عينيها على سذاجتها فتقول بحدة:
- اخرسي يا غادة متعصبنيش.
نظرت لها غادة شزراً واقتربت من سمر تحتضنها وتربت على ذراعيها.
- إزاي اتوحش كده؟ هو طبعه عنيف أه، بس أنا على طول بشوفه هادي معاكي وبيحبك.
قضبت جبينها بغضب لتقول:
- لا مش بيحبني طبعاً وأنا كمان مش بطيقه.
ابتسمت ندي قليلاً.
فقالت:
- لو مش بيحبك، هيعمل ليه كده؟
- عشان هو متوحش وهمجي ومفترى.
ضحكت ندي، فلسعتها سمر بغيظ لتخرسها.
- خلاص خلاص مش هضحك الله.
لتقول غادة وهي تعلن الحرب:
- إنتي هتسيبيها تعدي كده؟ ممكن أفهم إيه اللي حصل؟ وإنتي لازم تاخدي موقف وترديها ليه!
لتقول ندي بابتسامة صفراء:
- أه اسمعي كلام غادة واعمليلوا زي ما عملك كده!
احمرت وجنتا سمر وهي تسرد ما دار بينهم لتقول بحنق:
- لو هتساعدوني انجزوا، مش هتساعدوني اسكوتوا وسيبوني أعيط.
رن جرس الباب، فقالت غادة بخفوت:
- البسي أي حاجة بسرعة.
هنا بكت سمر من شدة الغيظ وهي تقول:
- معنديش حاجة تنفع خالص!
لترد ندي بضيق:
- شفتي أهو ليه حق يضايق، فيها إيه لو سمعتي الكلام يعني وتريحي؟ هو مش جوزك بردو ومن حقه يحافظ عليكي!
لتلكزها غادة وهي تقول:
- اقعدي إنتي يا نحنوحة دلوقتي! أنا هنزل بسرعة أجيب لها بلوزة أو كارديجان بكم.
قاطعتها ندي بسرعة:
- طيب ورقبتها يا أم العريف؟
- هعمل لها ميك أب لحد ما أجي، أنا هتصرف.
سمعت الفتيات صوت الباب يفتح ويغلق قبل أن يعلن مراد عن وصوله بصوته المغرد في أذن غادة.
غادة بفرحة: اااااه مراد هنا بجدددددد!
لكزتها ندي وهي تغمزها.
أما سمر فنظرت لها بابتسامة:
- إنتي معجبة بقا!
دق الباب مرة أخرى ليستمعوا إلى صوت مصطفى الجهوري.
وضعت غادة يدها على فمها بخضة:
- يالهوي يالهوي.
أسكتتها ندي بخوف من أن يسمعها:
- إنتي عبيطة هشششش... إحنا عند سمر عادي!
سمر بضيق:
- أنا مش هطلع، روحوا إنتوا، أنا هنام شوية.
ندي:
- بطلي عبط ياختي إنتي كمان، يلا يا غادة اعدلي الطرحة على راسك وانزلي هاتي لسمر السويت شيرت بتاعك اللي بزنط ده عقبال ما أظبط الميك أب.
هرعت غادة إلى الخارج وألقت السلام على مصطفى ومراد المتعجبين من وجودها، ولكنها تجاهلتهم بخجل وأخبرتهم بأنها ستصعد مرة أخرى.
مصطفى بهدوء وعيونه تتنقل في المكان بحثاً عنها قبل أن يسرد آخر الأخبار على مراد.
- ده اللي حصل كله.
- بص يا مصطفى كده، في قطعة كبيرة من اللغز اتحلت. لأن لو حتة الآثار دي مقابلها حياته، هو هيبقي عايز فلوس من تحت الأرض عشان يفدي نفسه، وده اللي يخليه قالب الدنيا هو والحيزبونة اللي معاه على سمر.
هز مصطفى رأسه ليردف:
- أنا عندي شعور كبير إن الحكاية هتكون كده. أنا لازم أقرب منه عشان في خطة في دماغي لو نفعت بجد هنوقعه في شر أعماله!
زفر مراد وهو يتساءل:
- هتعمل إيه يعني؟
- هكلم سعد الأول وبعدين هفهمك!
- هتكلمه تقوله إيه؟ أنا مش عايزك تقرب منه أصلاً، إنت دلوقتي الخيط الوحيد اللي يوصله لسمر!
انزعج منه ليردف بحدة:
- وتفتكر أنا هقع بلساني وأعترف بمكان مراتي؟ إنت شايف إني عيل ولا إيه؟
توتر مراد قليلاً، إلا أن وصول غادة من أسفل الجمبه رده وهو يحاول إبعاد أنظاره عنها، تلك الفراشة الرقيقة بحجابها غير المهندم العفوي، الذي يبرز قليل من خصلاتها المتمردة.
أغلقت باب غرفة سمر خلفها لتسند عليه وتضع يدها على قلبها.
ضحكت ندي لتقول بملاعبه:
- يا بت اتقلي، دي تاني مرة تشوفيه!
ردت غادة سريعاً:
- لا دي التالتة!
لتردف سمر بحنق:
- نسيب بقا مصيبة أخوكي ونركز في مرتين ولا تلاته!
لتقول ندي بحزم وعيون متوعدة:
- مصطفى ده طلع مش سهل، إنتي كنتي بتتعاملي إزاي معاه؟
احمر وجهها قليلاً، كيف تخبرهم بأن تعاملاتهم دائماً تنحصر في تقبيله لها حتى ينسيها اسمها؟
أرادت ندي الابتسام لتقول:
- مش قصدي يا سافلة هههههههه.
ضربتها سمر بخفة لتقول بحزم:
- مكنتش بكلمه أصلاً وكنت مقررة أتجاهله.
رفعت غادة حاجبها:
- إنتو متعاركين ولا إيه؟
هزت رأسها بالنفي.
فدفعتها ندي بغيظ لتجلس على فراشها وندي بجوارها.
- أمال بتتجاهلي ليه يا نكد النكد إنتي!
- يوووة بقا اللي حصل، أصل هو مش بيحبني!
كادت ندي أن تصفعها وتشد على شعرها.
- مش بيحبك وهيعمل كده إزاي يعني، إنتي مجنونة!
نظرت إلى غادة بنظرة ذات مغزى ثم إلى ندي حتى فهمت الأخيرة أنه كلام لا تريد إخبارها به أمام غادة المسكينة.
ابتسمت ندي وهي تمسك رأسها وتقول:
- يوووة هاتي إنتي يا غادة كوباية عصير تهدي بيها سمر، هتلاقي طنط بتعمل عصير لمراد ومصطفى، هي قالت قبل ما تروح المطبخ ومتتأخريش!
نظرت لهم بنصف عين لتقول بتوعد:
- لو قلتوا حاجة من ورايا هزعل منكم، أنا عايزة أعرف!
زفرت ندي بغيظ لتردف:
- روحي يا لمضة مش هنفتح بوقنا لحد ما تيجي.
خرجت غادة وهي تتأفف، فالتفتت ندي إلى سمر فسردت لها سمر عن مواقف مصطفى معها وكيف تشعر بضعفها معه وتظن أنه لا يحبها بل يشتهيها وأنه لا يظهر أي مشاعر بكلماته.
سمر باستسلام:
- بس ياستي عشان كده مكنتش بكلمه وهو كمان ما حاولش إنه يتواصل معايا.
مصمصت ندي بغيظ لتردف بضيق:
- بنات عايزة الحرق! هيكلمك إزاي وإنتي رافضة تتصلي بيه! ونصيحة بقا أنا عمري ما شفت مصطفى مهتم بأي بنت وتأكدي إن بنات كتير هنا في المنطقة كانوا هيموتوا عليه وهو منفض!
تسللت مشاعر الغيرة إلى قلبها لتردف بسخرية:
- طبعاً البيه خبرة أكيد!
- ههههههههه يخربيتك ضحكتيني. والله أبداً ده غلبان، وبيحبك بجد واسمعي مني اتعملي معاه برقة شوية و...
- سمعتتتتتكم بتتكلموا أهووووه من غيري.
قالت غادة وهي تدلف وتغلق الباب خلفها بالعصير.
قذفتها سمر بالوسادة بخضة لتقول بغضب:
- رعبتيني يا غادة.
- ههههههههه أحسن عشان بتكدبوا عليا! ويلا بقا عشان طنط عايزاكي برا، هي قاعدة معاهم.
ارتدت سمر ما أحضرته لها غادة بعناية، ووضعت ندي لمسات من المكياج لتخفي آثار أسنانه وشفتيه.
انضمت سمر إليهم، واستأذنت ندي وغادة المحدقة بمراد ببلاهة، وندي تجرها خلفها، وتحمد الله أن اهتمام مصطفى منصب بالكامل على سمر منذ أن دلفت إليهم.
وكالعادة تجاهلته سمر وجلست تتحدث وتبتسم لمراد.
مما زاد حنقه منها بعد أن شعر بأنه قد تمادى في عقابها، ولم يفته هذه الملابس التي ترتديها على أمل أن تخفي آثاره من على جسدها الرقيق.
يحمد الله أنه لم يفعل شيئاً آخر وهو يشعر بهشاشة عظامها وبشرتها الطرية تحت يديه وفمه العابث.
لم يتحمل كل هذا التجاهل منها.
فأردف بحزم قاطعاً حديثهم بغيظ:
- ممكن نركز في المهم دلوقتي ونشوف هنعمل إيه!
شعرت سمر بحنق ورمقته بغضب يوازي غضبه.
- هيحصل إيه يعني لو اتكلمنا شوية؟ ما حياتنا زي ما إنت شايف أهيه مقرفة من كل جانب!
ضيق عينيه بغضب وكاد يجيبها لولا أن مراد قاطع حربهم.
- طيب يا مصطفى قولي شايف إيه؟
التفت له وهو يحاول تمالك أعصابه.
- أنا هكلم سعد الراوي وهاخد معاد منه و هنتقابل وأحاول أحَلله وأشوف هدخلوا منين، وعليه هقدر أفتح موضوع الآثار ده إزاي، لأن مش معقول هروح أكلمه على حتة آثار كده من غير مقدمات كتير.
تدخلت سمر بتساؤل:
- آثار إيه اللي بتتكلموا عنها دي، مصيبة لوحدها؟
ليرد مراد:
- استني دلوقتي ياسمر وأنا هبقى أكلمك بليل أحكيلك.
غضب مصطفى وقال بضبق:
- وإنت تكلمها ليه بليل!
تدخلت سلوى سريعاً وهي تشعر وكأنها في دوامة بين كل هذه الأخبار والمعلومات لتقول سريعاً منقذة ابنتها:
- بيكلمني أنا يا مصطفى وساعات بيتكلموا لو الموضوع على باباها.
وقفت سمر مكانها لتدافع عن نفسها:
- إنتي بتدي مبررات ليه يا ماما؟ وفيها إيه لما أكلم مراد يعني؟ على الأقل مهتم وبيحكيلي كل جديد!
ليرد مصطفى بغيظ هو الآخر:
- أنا اتصلت أحكيلك وإنتي مردتيش أصلاً.
شعر مراد بأن تلك المشكلة خاصة بينهم، فقال بهدوء:
- طيب يا جماعة ممكن تهدوا شوية؟ أنا لازم أمشي ومش عايز يكون في مشاكل بينا دلوقتي، إحنا في وقت حرج.
عقدت ذراعيها وجلست ترمي بكل ثقلها بحنق.
فتبعها مصطفى في الجلوس وهو يحارب داخله حتى لا يعلمها الأدب على تصرفاتها الوقحة واتهاماتها الباطلة.