الفصل 20 | من 40 فصل

رواية عشق بين نيران الزهار الفصل العشرون 20 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
25
كلمة
7,145
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

في سرايا الزهار، دخلت هالة لغرفة زينب فوجدتها فارغة. ابتسمت وهي ترى على الفراش رداءً فسفورياً أنيقاً، وبجانبه علبة من القطيفة وعلبة كرتون صغيرة عرفت أنها تحتوي على حذاء. فتحت العلبة القطيفة وانبهرت بالسلسال الموصول بقلادة ماسية على شكل قلب. وضعت السلسال بالعلبة ونظرت إلى زينب التي خرجت من الحمام. ابتسمت لها قائلة بنبرة تهكم: "حمام الهنا، في واحدة تروح تشتغل يوم فرح سلفها، ولا جايه كمان بعد المغرب؟

الفرح خلاص قرب يبتدي." ابتسمت زينب وهي تجفف شعرها بمنشفة، ثم أمسكت المشط تمشط شعرها قائلة: "أهو أنتي قولتيها، فرح سلفي مش فرحي. وأنا نص ساعة بالضبط هكون جاهزة. حضرتك عارفة إني مش باخد وقت في اللبس." ابتسمت هالة ونهضت من على الفراش واقتربت من زينب وأخذت المشط من يدها، التي أعطتها ظهرها تلقائياً. لتقول هالة:

"عارفة إنك مش بتاخدي وقت في اللبس، بس ده لما كنتي آخرك تلبسي قميص وبنطلون، وفوقهم الطرحة. إنما ده فستان ولازمه ميكب وتفاصيل. على العموم، أنا هساعدك وهعملك ميكب خفيف." ابتسمت زينب وتقول باستخفاف: "أنا أحط ميكب؟ ده المرة الوحيدة اللي حطيت فيها ميكب في حياتي كان يوم كتب كتابي على الهمجي رفعت، وكنت حاسة إني شبه عروسة المولد." ابتسمت هالة وتقول: "عايزة تحضري الفرح بوشك اللي واضح عليه الإجهاد ده؟

زينب، إنتي بتاخدي علاجك بانتظام؟ ردت زينب: "أيوا، بس معرفش السكر في الفترة الأخيرة معايا مش متظبط ليه. يوم عالي، يوم نازل. أهو بتعامل معاه." انخضت هالة قائلة: "بتتعاملي معاه إزاي وأيه سبب اللخبطة دي؟ بتلخبطي في الأكل؟ ابتسمت زينب قائلة: "أنا ألخبط في الأكل؟ حضرتك عارفة إني مش من هواة الأكل أصلاً، أنا باكل لسد جوع مش أكتر." تعجبت هالة قائلة: "طب أيه سبب إن السكر عندك مش منتظم؟ لا تكوني...

توقفت هالة عن الحديث فجأة. تعجبت زينب من صمت هالة المفاجئ قائلة: "لا أكون أيه؟ ردت هالة: "زينب، إنتي عملتي اختبار حمل قبل كده؟ اندهشت زينب قائلة: "اختبار أيه! وأعمل اختبار حمل ليه؟ ردت هالة: "دكتورة ومش عارفة بيعملوا اختبار الحمل ليه؟ عايزة تفهميني إن محصلش بينك وبين رفعت أي لقاء حميمي الفترة اللي فاتت دي؟ ارتبكت زينب قائلة:

"أكيد مش حامل، أنا متأكدة. أنا دكتورة ولو كنت حامل أكيد هعرف. هو تلاقي بس بسبب إجهاد الشغل والهمجي رفعت بيحرق في دمي بحركاته الهمجية." ابتسمت هالة بخبث قائلة: "وأيه هي حركاته الهمجية دي بقى؟ زفرت زينب قائلة: "وهو أما يتحكم في مواعيد رجوعي من الشغل ده مش همجية منه؟ ده غير بيقول عليا عبده البواب، ولبسي مش بيعجبه." ضحكت هالة قائلة:

"والله عنده حق، أنتي فعلاً لبسك شبه عبده البواب والراجل بيحتاج اللي تلبس له لبس يظهر أنوثتها قدامه. وحكاية تحكمه في مواعيد شغلك في الشغل دي عنده حق فيها، إنتي بتجهدي نفسك زيادة عن الحد وبتنسي نفسك وبتيجي على صحتك كتير، لدرجة أوقات بتنسي إن لصحتك عليكي حق." ابتسمت زينب تقول:

"شوفي مين اللي بتتكلم. مش حضرتك اللي عملتي اعتصام وجمعتي أصدقائك الموظفين والمدرسين زمايل بابا قدام كلية الطب لما دكتور في الجامعة رفض ومنعني إني أدخل قسم الجراحة عشان عندي السكر وإني ممكن إيدي ترتعش في أوقات وأنا ماسكة المشرط، ويأثر على الناس اللي بعمل لهم عمليات." ابتسمت هالة قائلة: "كانت غلطة حياتي. بعدين بطلي رغي خلينا نجهز، خلاص الوقت أزف."

ابتسمت زينب وهي تنظر لانعكاسها هي ووالدتها في المرآة وهي تصفف لها شعرها. قالت هالة بمزاح وهي تشد بشعر زينب: "إيه شعرك ملبد كده ليه؟ مش بتسرحيه خالص." ابتسمت زينب قائلة: "والله بغسله كل يوم، وأوقات بسرحه وأوقات لأ، حسب مودي أو الوقت." ابتسمت هالة قائلة بسخرية: "كتر خيرك إنك بتغسلي شعرك. لأ وبتقولي على رفعت هجمى." ابتسمت زينب. بعد قليل، ارتدت ذلك الرداء. وقفت خلفها هالة تقوم بتظبيته على جسدها، ثم قالت:

"كده حلو قوي. مش ضيق ومش مبهدل عليكي. خلينا بقى نحط التاتش الأخير وننزل." نظرت زينب لنفسها في المرآة وقالت: "والله حاسة إن الفستان فاضل تحطي على راسي لمبة وهتنور." ابتسمت هالة ونغزت زينب قائلة: "بطلي تريقة. خلينا نخلص." ابتسمت زينب قائلة: "أهو هسكت خالص عشان تكملي اللوحة الفنية بتاعتك بالتاتش الأخير، بس كترّي البوية شوية على خدودي."

ابتسمت هالة وبدأت بوضع بعض الرتوش التجميلية البسيطة على وجه زينب أظهرت جمال ملامحها دون مبالغة منها. في ذلك الأثناء، سمعن طرقاً على الباب، فسمحن لصاحبه بالدخول. دخل مجد ينظر بانبهار لزينب قائلاً بمزاح: "إيه ده يا ماما؟ إنتي خلاص اخترتي عروسة لبابا، عشان تغسل المواعين بداله؟ بس وقعتي على البت الحلوة دي منين؟ دي خسارة تغسل المواعين. أنا ممكن أتجوزها أنا وأغسلك المواعين." ابتسمت زينب وهالة، التي قالت:

"لأ اطمني، باباك مرتاح في غسيل المواعين ومش عاوز عروسة. أنا ماليّة عينيه. دي بلوة حياتي. ربنا ما يوقعك في واحدة زيها." تبسم مجد يقول بتفكير: "قولتي بلوة حياتك؟ يبقى عندي شك. فين البت زوزي؟ ابتسمت هالة وأشارت على زينب. اندهش مجد قائلاً: "مستحيل تكون دي زوزي أختي الشمطاء؟ إنتي ودّيتيها التوكيل عملولها ضبط هيئة ولا أيه يا ماما؟ دي بقت موزة. أمال فين زوزي أختي صبّي البواب." ضحكت هالة، بينما قامت زينب

بصفع مجد على كتفه قائلة: "صبّي البواب في عينك يا غبي! خلاص نظرك من تراب الصحرا راح، ومبقتش تشوف." رد مجد: "لأ بقى بيجيلى تهيؤات زي حسن يوسف. كله من السندريلا اللي شوفتها هنا. ادعي يا ماما تكون من المدعوين في الفرح وأقابلها الليلة، وأكبرك وتبقى حما للمرة التانية. بس أنا هجيبلك موزة رقيقة مش صبّي البواب زوزي." ابتسمت هالة له قائلة: "واثقة في ذوقك يا روحي."

بينما زينب سخرت منهم، لكن ذلك الدوار عاودت الشعور به. للحظة كادت أن تقع، لكن مسكها مجد، الذي انخض هو وهالة، التي قالت: "مالك يا زينب؟ ابتلعت زينب ريقها وقالت بكذب: "أنا كويسة، بس يظهر عشان مش متعودة على لبس فساتين طويلة. كنت هتكعبل في ديل الفستان. كل ده من قر الواد مجد عليا." ابتسمت هالة بشعور الخوف الذي حاولت إبعاده عن تفكيرها وقالت:

"إلبسي الشوز اللي في العلبة بكعب عالي هيرفع الفستان شوية وتعرفي تمشي من غير ما تتكعبل في ديل الفستان." ردت زينب: "والله أنا ما خايفة غير من الشوز ده. ماله الشوز الرياضي؟ حتى مريح للرجل والضهر." ضحك مجد يقول: "عايزة تلبسي شوز رياضي، على فستان سواريه؟ والله صبّي البواب بيفهم عنك." ضحكت هالة، بينما كادت زينب أن تضرب مجد، لكن هالة منعتها قائلة:

"بطلوا نقار في بعض. خلاص مش فاضل غير الشوز. بلاش مناهدة، كفاية جبت آخري منك. إلبسيه يلا خلينا نلحق الوقت، خلاص زمان الزفاف هيبدأ." تبسم مجد قائلاً: "فعلاً السواق كان بيستعجلني. قولت له دقايق. كمان هيبقى معانا تيتا إنعام والست محاسن المرافقة ليها. وبابا يا بخته سابقنا عالقاعة. أكيد رايح يظبط مع الرقاصة، يمكن تكون بتعرف تغسل المواعين." نغزته هالة من كتفه قائلة: "بطل هزار يا أهبل، ويلا انزل اسبقنا عالعربية."

تبسم مجد وتركهن بالغرفة. ذهبت زينب وجلست على الفراش وآتت بذلك الحذاء المضاهي اللون للرداء وبدأت في ارتدائه. لكن حين انحنت تربط سيور الحذاء، شعرت بدوخة، فأغمضت عينيها بقوة. لاحظت هالة عدم معرفة زينب ربط سيور الحذاء، فقالت بسخرية: "غبيه مش عارفة تربطي سيور الشوز؟ طبعاً متعودة تحطي رجلك في الكوتشي وتربطي الحبلين وخلاص. مالكيش في الرقة." ابتسمت زينب بخفوت. انحنت هالة أمامها وربطت لها سيور الحذاء الجلدية، ثم نهضت قائلة:

"كده خلاص يلا بينا. زمان السواق زهق من الانتظار، وكمان زمان الفرح هيبدأ، وإحنا آخر من هيوصل." رغم شعور زينب بالدوار، رسمت بسمة قائلة: "يلا بسرعة قبل ما يفتحوا البوفيه ومنلاقيش حتة جاتوه حتى، وكمان نفسي أشوف دخلة زفة العروسة، اللي بسببها اتجوزت من الهمجي رفعت." ضحكت هالة قائلة: "والله دا هيدخل الجنة بسبب جوازه من صبّي البواب." نظرت لها زينب قائلة: "حتى إنتي يا ماما بتقوليلى كده؟

أنا ماليش غير بابا هو اللي بيرفع من معنوياتي. يارب نروح القاعة نلاقيه لافت عليه موزة حلوة تخليكي إنتي اللي تغسلي المواعين من القهر." بالعودة لمكان الزفاف. إن كان للوقاحة عنوان، فهما هذان الاثنان.

هكذا فكر عقل ليلى، التي كانت تسير خلف أختها منذ أن نزلت من السيارة إلى أن دخلت إلى ذلك الاستديو الصغير المجاور لقاعة العرس. لكن هناك ما كان يضايقها، هو سير وسيم هو الآخر خلف رامي، كانا شبه يسيران بجوار بعضهما. لكن آتت تلك التي، أقل ما يقال عنها عاهرة، سواء كان زيها أو حتى فعلها. هي اقتربت والتحمت بوسيم. وسيم الذي حاول بلطف أن يبعدها عنه، لكن هي كالعلقة التصقت به.

لاحظت نظرات ليلى. نُعمان اقترب منها ووضع يده على كتفها مبتسماً يقول: "عقبالك يا ليلى، ويكون نصيبك مع اللي يقدرك ويصونك." رسمت ليلى بسمة قائلة: "أنا مش بفكر أتزوج دلوقتي يا خالو. مش هتجوز قبل ما أكمل دراستي وأشتغل كمان. لازم أعمل لنفسي كيان خاص بيا الأول." تبسم نُعمان وقبل جبين ليلى قائلاً:

"ربنا يحقق لك مرادك. فادية وهبه هيستنوا هنا لحد مروة ورامي ما يطلعوا من الاستديو. بلاش نوقف. في زحمة هنا مالهاش لازمة. تعالي نسبق العرسان عالقاعة." تبسمت ليلى، وسارت تضع يدها بين معصم خالها وعضده. بينما نفض وسيم يد لمى عنه بعصبية. لاحظت لمى نظرات وسيم لليلى وقالت بخبث: "مالك يا وسيم مضايق ليه؟

المفروض تبقى مبسوط الليلة زفاف. رامي اللي زي أخوك. مع أن ليا تحفظ على عروسته وأهلها. واضح أنهم ناس مش قد مقام رامي. وأكيد صدقوا عريس زي ده يتقدم لبنتهم. سمعت إنها بنت واحد من اللي بيشتغلوا عنده في مزرعة الخيل. أكيد شافها عجبته ورسمت عليه، وقدرت توقعه. بس حاسة إنها مش أكتر من نزوة في حياته. بمجرد ما هياخد منها اللي هو عاوزه هيسيبها." نظر وسيم لها باستهزاء قائلاً: "وإيه اللي عاوزه منها؟

اللي متعرفوش، رامي هو اللي مغروم في مروة، وعمل المستحيل عشان يتجوزها. أنا بقول بلاش وقفتنا هنا قدام الاستديو، خلينا نسبق عالقاعة." قال وسيم هذا ونفض يد لمى عن جسده وسار أمامها بخطوات سريعة، دون أن ينتظر. سارت بسرعة إلى أن لحقته وعادت تلتصق به كالعلقة. ..... أمام قاعة الحفل.

نظر رفعت في ساعة يده تعجب لما تأخروا في الوصول. أخرج هاتفه كي يهاتف السائق، لكن قبل أن يهاتفه، رأى تلك التي دخلت إلى الممر تقترب عليه بخطوات بطيئة، ترتدي ذلك الفستان الفسفوري اللامع. تبسم بتلقائية، عيناه انسحرت بها. لام نفسه كثيراً، لماذا أتى لها بذلك الرداء؟ لماذا لم يترك لها الأمر وكانت أتت برداء آخر من اختيارها؟

ما كان برز جمالها بهذا الشكل الفاتن التي هي عليه. حقاً الرداء، لا يصف جسدها، لكن ينسدل عليه بنعومة فائقة وساحرة. مهلاً، ما ذلك الشيء الذي على وجهها؟ زينب..... تضع مكياج! رغم أنها مجرد رتوش قليلة، لكن برزت جمالها الرقيق. ظل مكانه واقفاً ينظر لها وهي تقترب من مكانه. كل خطوة ينتظر أن تكون آخر خطوة والخطوة القادمة تكون أمامه. أقسم عقله لن تنتهي الليلة إلا وهي بين يديه يهيم بها غزلًا.

بينما هي تضع يدها بين معصم مجد وعضده من ناحية، والناحية الأخرى كانت تفعل نفس الشيء الجدة إنعام. كانت زينب تستند عليه وتسير ببطء، بادعاء أنها تواكب خطوات الجدة إنعام، بينما هي تشعر بدوار يشتد رويداً رويداً وألم طفيف في قدمها بسبب ذلك الحذاء اللعين. تبسم حين اقترب مجد من مكان وقوف رفعت قائلاً:

"شايف الموزة اللي على يميني دي عسل وبحبها قوي. إنما اللي على الشمال ده ربنا يبعد شرها عني. خد مراتك يا عم وسيبلي أنا تيتا العسل ندخل سوا للقاعة، هتلاقي تصفير وتهليل، عشانها." تبسمت إنعام قائلة: "وأنا بحبك يا واد يا مجد، وحاسة إنك هتطلع بعروسة من الفرح. يلا خلينا ندخل عايزة أقعد في طاولة قريبة من البيست وتكون بعيدة عن السماعات عشان وداني." تبسم مجد قائلاً: "استنى يا تيتا أما نسلم أهل الشمال."

تبسم رفعت وهو يأخذ يد زينب التي لم تعقب على قول مجد، مما أثار دهشة رفعت. بينما تبسمت هالة لترحيب رفعت بها ودخلت خلف مجد وإنعام إلى داخل قاعة الحفل. نظر رفعت لزينب، بانبهار، وقام بجذبها للسير معه إلى أن دخلا إلى أحد الممرات الضيقة البعيدة عن العيون. ثبت رفعت زينب على الحائط وانقض على شفتيها بالقبلات. لم تمنعه زينب لشعورها بالدوار. لكن ترك رفعت شفتيها ينظر لها لائماً: "إزاي تحطي ميكب وروچ بالذات؟

مرات رفعت الزهار مش لازم تظهر جمالها قدام الناس." قال هذا وأخرج علبة مناديل مبللة من جيبه ومسح الروج من على شفتيه، كذلك تلك الرتوش البسيطة عاد وجهها لطبيعته. لكن للأسف رغم أن وجهها يبدو عليه الشحوب، لكن مازالت جميلة كأن بقايا المكياج تركت أثرها على وجهها، وبالأخص كحل عيناها الصافية. تعجب رفعت من صمت زينب، ووضع إبهامه على شفتي زينب وقال: "مالك القطة كالت لسانك؟ ساكتة ليه؟ ولا عاوزاني أبوسك تاني؟ نفضت

زينب يده عنها بضعف وقالت: "خلينا ندخل للقاعة، عايزة أشوف الزفة من أولها. العروسة أكيد غالية، بسببها اتجوزتك يا همجي." تبسم رفعت يقول: "همجي.... لأ كده اطمنت إنك زوزي مراتي. فكرت حماتي بدلتك بواحدة تانية." نظرت له زينب قائلة: "ليه كنت علبة جبنة وهتبدلني من السوبر ماركت؟ تبسم رفعت، وسار، لكن تعجب حين وضعت زينب يدها على معصمه. لكن تبسم لها وسار الاثنان إلى أن دخلا إلى القاعة.

ذهب رفعت بزينب ووقف جوار جدته التي تجلس على طاولة وجوارها مجد، وأيضاً هالة وصفوت والد زينب. تركت زينب يد رفعت وجلست على أحد المقاعد جوارهم. بينما رفعت ظل واقفاً جوارهم، إلى أن بدأت تعمل الكاميرات الموجودة بالقاعة تعلن عن قدوم العرسان، يظهر منها سير العروس والعريس، بعد خروجهم من الاستديو الفوتوغرافي. كان خلفهم والدة مروة وأختها الصغيرة. الذي بمجرد أن ظهرت استحوذت على الكاميرا، بجمالها البسيط والرقيق.

نهض مجد من جوارهم واقفاً يقول بلهفة: "سندريلا، سندريلا أهي يا ماما اللي كلمتك عنها. مين البنت اللي ظهرت على الكاميرا دي يا رفعت؟ نظر رفعت لمكان إشارته وقال: "دي تبقى أخت عروسة رامي." تبسم مجد يقول: "ومرتبطة؟ قول لأ يا جوز أختي." تبسم رفعت يقول: "لأ مش مرتبطة يا أخو مراتى. ده لسه تقريباً في الثانوية، يعني صغيرة قوي." رد مجد:

"لأ مش صغيرة عليا ولا حاجة. أنا عندي سبعة وعشرين سنة وشوية فكة، وهي أكيد عندها بتاع تمنتاشر سنة، يعني تسع سنين بالكتير. ربنا يوفق، بس قول يارب." تبسم رفعت وهو ينظر لزينب الصامتة تتابع بصمت عكس طبيعتها ولسانها الزالف. كذلك هالة تتابعها بعينيها، لديها شعور أن زينب بها خطب ما، ليست بخير. ..... بعد قليل. تحت أنظار المتابعين، منهم بانبهار ومنهم يمن على بذخ الزفاف. دخل العروسان إلى القاعة.

بعُرس مهيب، فالقاعة من أفخم قاعات الشرقية. وكيف لا للفخامة، فالعريس هو الأخ الوحيد لـ رفعت الزهار. أشهر تاجر خيول بمصر، بل بالمنطقة العربية. يوجد بالعُرس قيادات سياسية، ورجال أعمال، وبعض البسطاء القلائل أيضاً. فوالد العروس، ما هو إلا سائس. أما العروس التي ترتجف وتشعر بألم بسيط بساقيها، لم تحلم يوماً بعُرس كهذا حتى تدعو لحضوره فقط، فكيف هي سندريلا العُرس!

بينما صاحب العُرس يتذكر يوم أن نجا من بين النيران، لتترك أثرها، ليس فقط على جسده، بل أيضاً على قلبه، هو وأخيه. اليوم عُرسهُ على من ملكت قلبه منذ صباها. عاد من أجلها، لكنها لم تقدر هذا العشق وحاولت الانتحار كي لا تتزوج منه. ستدفع ثمن ذلك. ستبوح بلسانها بعشقها له قبل أن ينالها بطريقته الخاصة.

أما رفعت الذي يقف، يلف يده حول خصر تلك الشرسة، التي تزوجها، بالإجبار. حقاً، لم يقم لها بعُرس كهذا، فقد كان عقد قران فقط. لكن هي إلى جواره الآن، لا يعرف سبب صمتها. وجهها، يبدو مجهداً، ربما من فترات العمل الطويلة، بتلك الوحدة الصحية، والتي تقصدها. هي تبتعد عنه بالعمل. رغم إجهاد وجهها بنظرة، لكن هي فاتنة. بعد قليل. بمسرح القاعة وقف. الأخ، كل منهم يلف يديه حول خصر زوجته، مبتسمان.

يرقصون بهن، ويعلنان أن هاتان هن ملكات قلوب أبناء الزهار. لكن كان هناك عين حقودة. أخيراً وجدت ضالتها، وجدت نقطة ضعف لأبناء الزهار. ولكن لا يعلم أنهن نقطة قوة لهم. فالعشق يقوي القلب لا يضعفه.

كانت هناك عين عاشق ثالث، لكن يجاهد ذلك العشق. يختلس النظر بين الحين والآخر لتلك الدبش. رأى بسمتها التي لا تفارق وجهها، قربها من أختها تميل عليها وتبتسم. شعور بالغيرة ينهش بداخله وهو يراها عبر الكاميرات وفي المواجهة له تخطف الكاميرا من أختها ببسمتها الرقيقة. يرى عيون تنظر لها تمدح في جمالها. وهناك عين طامع وقع بصره عليها. أين كانت تختفي تلك الجوهرة الصغيرة عن عيناه؟

عين الذئب هاشم الذي يشتاق لفريسة جديدة. صور عقله له الدناءة، ليترك أمر الطبيبة الآن ويظفر بسهولة بتلك الصغيرة لبعض الوقت، كما يشتهي. كما أنه لاحظ نظرة عين وسيم التي تقدح ناراً لتلك الفتاة أيضاً. هو يريد اقتناص الفرص. لن ينتظر كثيراً كما فعل مع الطبيبة واقتنصها رفعت من أمامه. عينيه أيضاً رأت نُعمان الجالس جوار أخته وفتاة أخرى ومعهم صفوان المزوي. فهو يشعر أنه ليس له أهمية، بعد أن طلبت ابنته من نُعمان أن يسلم يدها هو لرامي، كما فعلت بعقد القران سابقاً. لكن لما يشعر بالنقص؟

هو بالفعل ناقص. لم يكن يوماً أبًا لهن يحميهن ويحاوط عليهن. رمى مسئوليتهن على زوجته التي عاشت مكسورة الجناح بعد سفر أخيها ووفاة والدتها. كل ما طمحت له حياة هادئة ومستقرة معه، لكن كانت هي من تتحمل عبء بناتها على عاتقها منذ أن كانوا أطفال. هو كان زائر غير مرغوب في حضوره. وجوده من عدمه لا يفرق، بل الأفضل عدم وجوده.

هناك أيضاً من عادت نضارة الشباب، ليست فقط لوجهها بل لقلبها أيضاً. تجلس تشعر بسعادة كبيرة بزهو وفرحة أم ولدها يتزوج. هي تلك المهرة التي نهضت من مكانها وذهبت إلى منصة العُرس بالقاعة. ورامي الذي وقف لها جذبته تحتضنه تهنئه. كذلك انحنت على مروة الجالسة تهنئها. لكن قبل أن تنزل من على المنصة، تقابلت مع رفعت ووسيم. وكذالك آتى رامي. تحاوطوا الثلاث بها. تبسمت وهي تراهم، يتراقصون حولها وهي بالمنتصف كالملكة وسط فرسانها. وقفت تصفق لهم بسعادة وانشراح.

ما زال الزفاف قائماً وسط الصخب. شعر وسيم ببعض السأم وهو يجلس لجوار تلك الحمقاء لمى التي ترافقه. نهض واقفاً. نهضت لمى هي الأخرى ومسكت بيد وسيم ظناً منها أنه مل هو الآخر ويريد المغادرة قائلة: "أنا زهقت من الدوشة والصخب. إيه رأيك نسيب الزفاف ونروح إحنا للبيت." رد وسيم: "مينفعش نسيب الفرح في نصه. أنا رايح الحمام وراجع. خليكي هنا." قال لها هذا وخرج بسرعة. جلست مرة أخرى تشعر بالملل.

لاحظت ليلى ذلك، فهي عيناها لم تنزل من على وسيم. كم خفق قلبها بضربات، لولا تلك الموسيقى العالية بالمكان لكانوا سمعوا عزف قلبها وهي تراه بين رفعت ورامي وهم يرقصوا سوياً قبل قليل. نهضت هي الأخرى من مجلسها، وخرجت من القاعة تتسحب. بحثت بعينيها بالممر الذي أمام القاعة إلى أن رأت سير وسيم بمكان قريب من قاعة العُرس. نادت ليلى: "وسيم." توقف لها ولم يُدر وجهه لها. اقتربت منه ووقفت أمامه، تنظر لعيناه وقالت:

"سيبت حفلة الزفاف ليه، يا وسيم؟ أظن هنا مينفعش أقولك، يا دكتور. أحنا مش في الجامعة ولا هتقدر تطردني وتحرمني من حضور سكشن العملي." لا يعلم لما تضايق وسيم من ليلى دون سبب. هي لم تقل شيئاً يستدعي ضيقه. فقام بمسكها من معصم يدها وسحبها خلفه إلى أن خرجوا من القاعة إلى تلك الحديقة الخلفية الملحقة بالقاعة.

شعرت ليلى برجفة بسبب مسك وسيم ليدها وسحبه لها للسير خلفه وشعرت بألم في يدها من طبق يده فوق معصمها بقوة. حاولت سلت يدها من قبضته لكن يده كانت الأقوى. توقف وسيم جوار أحد الشجيرات وترك يد ليلى ونظر لعيناها. رأى تلك الدموع التي انسدلت على وجنتيها. التي قهرت قلبه. مد يده يجفف تلك الدموع، لكن ليلى عادت بوجهها للخلف قبل أن تلمس أنامله وجهها. تعصب وسيم يقول: "عاوزة مني أيه يا ليلى؟ ليه خرجتي من القاعة ورايا؟ ردت ليلى

وهي تجفف دموعها بيديها: "مش عاوزة منك. أنا.... أنا.... مكنش قصدي أخرج وراك. أنا.... تعصب وسيم وقال: "إبعدي عن طريقي يا ليلى. أنا.... لم يكمل وسيم قوله، فرت ليلى من أمامه. ليلى التي كادت تصطدم بشخص ما دون انتباه منها. أنه التقط مجموعة من الصور لها مع وسيم بهاتفه. اعتذرت وأكملت سيرها، بينما ذلك الشخص تبسم بظفر. زفر وسيم أنفاسه المشدوهه. ماذا تعني له ليلى؟ بداية عشق؟

لا، هو غير جاهز لهذا الآن. مثلها كغيرها. كان قبلها معجباً بمروة، لكن بسهولة تخطى ذلك حين علم أنها حبيبة قلب رامي. لم يأخذ معه الأمر شيئاً وكأنها لم تلفت حتى انتباهه. ليلى بالتأكيد مثلها. هو لديه هدف، يسعى له. بعد أن علم بطريق الخطأ من أحد عاملي مزرعة الخيل أن حادث وقوع والده ذالك اليوم من على جواده كان مدبر. لكن ليس لقتله بل لشل حركة جسده. لكن لسوء حظه وقع برأسه على أحد الأحجار فتسببت له بنزيف دموي أرداه قتيلاً في الحال. عليه محاسبة المسئول عن ذلك. لديه يقين أنه ذالك الوغد هاشم هو المتهم الأول. لكن لما فعل ذلك وماذا اكتسب من خلف قتله؟

عقاب هاشم ليس القصاص بالقتل، بل بقتله حياً يتحسر حين يسحب السطوة من تحت يده. وهذا ما يخطط له، وسيحدث حين تصبح مزرعة الخيول كلها تحت إمرته قريباً. ..... بالعودة لداخل قاعة العُرس.

ذالك الذئب المراوغ كان له بصمة أمام الأعين حين نهض من مكانه واقترب من منصة العُرس. مد يده كي يصافح مروة أولاً، لكن كانت يد رامي هي من صافحته. انتهز هاشم هذا وجذبه لينهض من مجلسه وقام بالرقص أمامه كأنه شاب بريعانه، لا كهل. حاز على إعجاب البعض وهللوا له، فهو أثبت أن العمر مجرد رقم وأنه يجامل أبناء ابن عمه الراحل. ظهر بمظهر الشهم للبعض، ولكن حاز على سخرية البعض أيضاً، منهم رفعت الذي تبسم باستهزاء وأدار وجهه إلى تلك الجالسة بجواره.

زينب التي لا ترى شيئاً، هي يسحبها ذالك الدوار لهوه. تقاومها بشدة. كل ما تتمناه الآن نهاية هذا العُرس وتعود لتلك السرايا تحقن نفسها بمصل السكر كما تعتقد أن هذا هو سبب ذالك الدوار الذي تشعر به.

لكن للأسف ما زال العُرس صاخباً، واستمر إلى ساعات الليل الأولى لليوم التالي. وكان من الممكن أن يستمر أكثر، لولا أن أنهى رفعت الحفل بعد طلب رامي منه ذلك، بعد أن شعر بالسأم من الصخب وأيضاً مروة وشعرت بألم بجسدها. وبالفعل يكفي هذا. اقترب الوقت من الثانية صباحاً. ....... أخذ رامي عروسه وكانت معهم بالسيارة والدة مروة ومهره. ..... وأخذ السائق كل من إنعام ومعها محاسن المرافقة لها ومعهن أيضاً هالة وصفوت والدا زينب.

بينما رفعت اصطحب زينب بسيارته. في أثناء العودة حاول مشاغبتها لكن لم تكن ترد عليه، مما أثار دهشته. لكن حين سألها: "مالك يا زوزي، زعلانة وقالبة وشك ليه طول الفرح؟ زعلانة عشان مسحت الميكب من على وشك، ولا كان نفسك في زفاف بهيجة زي ده." ردت زينب: "أنا كل اللي نفسي فيه إني أتخلص منك ومن همجيتك. ركز في طريقك وأنت ساكت. أنا محتاجة أنام." تبسم رفعت يمد يده يضعها على وجنة زينب يقول بتحرش:

"عيب يا زوزي تنامي أيه في ليلة مفترجة زي دي؟ ليلتنا طويلة. اعتبري الليلة ليلة فرحنا إحنا كمان." لسوء حالة زينب نظرت له بسخرية دون رد، فهي ليست قادرة على المناهدة معه وصمتت. إلى أن وصلا إلى داخل السرايا ووقف السيارة. نزل رفعت أولاً من السيارة، أتى إليه سريعاً أحد الحرس ومال عليه وأخبره بشيء. بنفس الوقت فتحت زينب باب السيارة تشعر بدوخة كبيرة، ورعشة بيدها. ظلت جالسة لدقيقة. حين لاحظت قدوم رفعت إلى مكانها أظهرت القوة

الواهنة حين قال رفعت: "هتفضلي قاعدة كتير في العربية؟ يلا انزلي ولا أجي أشيلك." نظرت له زينب دون رد، مما يزيد في دهشة رفعت. صمت زينب وعدم ردها غريب بالنسبة له. ركز عينيه عليها. حين نزلت زينب من السيارة انحنت وخلعت حذائها. حين استقامت ورفعت وجهها شعرت بدوار. أغمضت عينيها ووضعت يدها على السيارة تسند نفسها لثوانٍ. اقترب رفعت من مكانها. لاحظ شحوب وجهها.

فمهما كانت درجة تحكمك في مشاعرك قوية وتقدر على إنكارها في لحظة سترمي كل شيء خلفك وتظهر حقيقة واحدة أنك عاشق. اقترب منها بلهفة يقول: "زينب، مالك وشك مخطوف كده ليه؟ فتحت زينب عيناها وحاولت الثبات قائلة: "مفيش. أنا كويسة، بس يمكن إجهاد من السهر." نظر رفعت لها بضيق لائماً يقول: "كل ده بسبب إجهاد نفسك في الشغل. اعملي حسابك النهارده وبكره مفيش روحة للشغل."

لشعور زينب بالدوار لم تجادله. سارت أمامه تحمل حذائها بيد واليد الأخرى ترفع ذيل فستانها الطويل. كانت تسير تشعر بترنح.

لاحظ ذاك رفعت، فأقترب منها ووضع يده حول خصرها. لم تتهجم عليه كعادتها، وسارت بجواره صامتة إلى أن صعدا على سلم السرايا. ابتعدت زينب عنه وتقدمت درجة وهو خلفها. تشبثت بالسياج الحديدي للسلم، لكن قوتها على التحمل انتهت. للحظة فقدت السيطرة وسابت مفاصل يدها وارتعشت، لم تعد قادرة على التحكم بها، ولا بجسدها بالكامل. أغمضت عينيها تاركة جسدها يهوي. لكن قبل أن تهوي كانت يد رفعت تتلقاها. ارتجف قلبه بل توقف قلبه وهو يحملها سريعاً ينظر لوجهها الذي يشاحب الموتى وجسدها الذي يرتعش بين يديه.

..... أمام قاعة العُرس قبل دقائق. وقف نُعمان حائراً يقول: "يظهر إننا اتأخرنا على ما طلعنا من القاعة يا لولا. هنروح إزاي دلوقتي؟ العربيات كلها مشيت وسابتنا. شكلنا هنرجع ماشيين." تبسمت ليلى وهي تتدلل على نُعمان قائلة: "دي أحسن حاجة. أهو نتسلى سوا وإحنا ماشيين في نسمة الهوا الحلوة دي، وتحكي لي عن مغامراتك في بلاد أوروبا." تبسم نُعمان: "اسمها أوروبا مش أروبا، يا أروبة." تبسمت ليلى قائلة:

"مش عارفة إيه سبب الكميا اللي بيني وبينك من وقت ما رجعت يا خالو. أنا بحب أفضل معاك حتى أوقات بتمنى تكون إنت بابا." تبسم نُعمان يقول: "ما أنا زي بابا، مش بيقولوا الخال والد. في أثناء وقوف نُعمان وليلى، رأى نُعمان خروج وسيم، فقال: ها لقيت لينا توصيلة يا لولا؟ شكلك بنت حلال ومُرزقة. استنى هنا وراجعلك." نظرت ليلى لنُعمان وجدته ذهب ووقف مع وسيم لدقيقة، ثم عاد لها يقول:

"لقيت لينا توصيلة. طلبت من وسيم ياخدنا معاه وهو ذوق ورحب بأنه يوصلنا. يلا بلاش نسيبه واقف." كانت ليلى ستعترض، لكن جذبها نُعمان من يدها يقول: "يلا يا لولا، خالك مش شاب وهيقدر يمشي من هنا لأول الشارع." رسمت ليلى بسمة، ذهبت خلف نُعمان. لم ترفع وجهها وتنظر لوسيم، الذي فتح لها باب السيارة الخلفي. صعدت للسيارة دون حديث، وصعد نُعمان في الأمام جوار وسيم الذي يقود السيارة. تبسم نُعمان يقول: "إنت جيت لينا نجده!

اتأخرنا على ما طلعنا من القاعة بسبب الزحمة والعربيات مشيت وسابتنا. بس إنت إيه اللي أخرك لدلوقتي؟ رد وسيم: "مفيش نفس السبب تقريباً. الزحمة وأنا مش بحب الزحمة." رفع وسيم يده يُعدل المرآة الأمامية للسيارة. وقع بصره على انعكاس وجه ليلى بالمرآة. للحظات نظر لانعكاسها بالمرآة، لكن هي لاحظت ذلك فبدلت نظرها ووجهت بصرها نحو شباك السيارة تُغمض عينيها.

انتبه وسيم وغص قلبه، ثم قام عدل المرآة وقام بتشغيل السيارة وبدأ بالسير. كان في البداية يحاول نُعمان الحديث مع وسيم، لكن وسيم كان يرد باقتضاب، إلى أن قال نُعمان: "على فكرة أنا كنت صديق لـ وحيد الشامي الله يرحمه." نظر له وسيم. تبسم نُعمان: "كنا أصدقاء جداً كمان وكنا على اتصال حتى بعد ما سافرت. صحيح كانت مكالمات تليفونية من فترة للتانية، بس كان بينا صداقة، وهو كان فارس شجاع." تبسم وسيم على مدح نُعمان لوالده

وقال بحسرة في داخله: "الفارس الشجاع مات مقتول بعد ما وقعه حصانه." تنهد نُعمان باشتياق يقول: "أنا ووحيد كان سبب صداقتنا إننا إحنا الاتنين اشتغلنا عند همام الزهار." ..... بعد قليل بسرايا الزهار. بعد ذالك الاستقبال الحافل الذي كان في انتظار رامي ومروة بالسرايا. أعيرة نارية وأعيرة طلق مصحوبة ببعض الألعاب النارية. واستقبال شخصي لها من مهره، التي تمنت لهم السعادة.

صعد رامي برفقة مروة إلى ذالك الجناح الكبير بالسرايا والذي جُهز خصيصاً من أجلهم. تبسم رامي وهو يدخل خلف مروة التي تشعر بالخجل.

سخر رامي من ذالك الخجل، وقام بفك رابطة عنقه، ووضعها على الفراش وعاد بنظره إلى مروة، ثم سار باتجاه وقوفها بالقرب من باب الجناح. ونظر بتسلية لها. فهي وقفت تفرك بيديها على ثنيات فستان زفافها. وحين اقترب منها عادت للخلف خطوات ووقفت ترتجف، تنظر له تخبر عقلها أن من أمامها الأن هو ما يدعونه بالوحش المشوه، ربما وجهه يحمل الوسامة ولكن بعض الحدة. ربما مثلما يقولون أنه مشوه الجسد، كالمسخ.

بينما هو تبسمت عيناه. هو يشعر بخوفها، ضربات قلبها يسمعها. شعر بألم كيف لها أن تخشى منه، فهي من سكنت قلبه صغيراً. هي ابنة أحد السائسين لديه بالمزرعة. لو كانت غيرها، لرحبت بالزواج منه، وما عاندت كل ذالك الوقت، وكانت هي من بادرت. اقتربت منه، وطلبت وصاله. لكن، لما نسيت ذالك الفتى بالماضي؟ هو أزاح كل الفوارق، وأراد الزواج من ابنة خادميه، لكن ظل حرق الماضي له آثار ليس على الجسد فقط، بل بالروح.

اتجه إلى الفراش، وبدأ في خلع ثيابه أمامها قائلاً: "عندك الحمام، تقدري تدخلي تغيري الفستان فيه، ما هو مش معقول، هتفضلي طول الوقت لابساه." اتجهت هي الأخرى إلى الفراش، وأخذت تلك المنامة، ودخلت إلى الحمام فوراً. وقفت خلف الباب، تضع يدها على صدرها قائلة: "يارب أنت عالم بيا. ابن الزهار الصغير أنا مكنتش أحلم بس أنه يبصلي، بس يارب، هو كيف ما بيقولوا عليه جسمه كله مشوه؟ يارب أنت عالم أني وافقت عالجوازة دي بالإجبار."

سمعت خبطاً على الباب. خلفه صوت غليظ يقول: "لو خلصتي عاوز أدخل للحمام." سريعاً، خلعت الفستان، وارتدت تلك المنامة، وفوقها مئزر رجالي كان بالحمام وخرجت. كانت المفاجأة حين خرجت خائفة خجلة، ولكن رفعت نظرها لثوانٍ ونظرت إليه، وأخفضت عيناها مرة أخرى، لكن سرعان ما رفعت عيناها وعادت بالنظر إليه. ..... أوقف وسيم السيارة أمام منزل نُعمان. نزل نُعمان السيارة أولاً ثم نزل وسيم هو الآخر خلفه. تبسم نُعمان وهو ينظر

لليلى وتتحدث إلى وسيم: "ليلى يظهر من الإرهاق نعست. هصحّيها عشان تنزل. ومرة تانية بشكرك يا وسيم إنك وصلتنا." تبسم وسيم الذي عيناه على تلك الملاك النائمة وقال: "مالوش لازمة الشكر بينا، كفاية حضرتك طلعت صديق قديم للمرحوم والدي." تبسم نُعمان ووضع يده على كتف ليلى بحنان يُوقظها قائلاً: "ليلى اصحي، وصلنا للبيت." فتحت ليلى عينيها ونظرت لنعمان تبسمت ثم فركت عينيها بيدها وقالت: "أنا إزاي نمت في العربية." تبسم نُعمان:

"أكيد من الإرهاق، يلا يا حبيبتي انزلي." تبسمت ليلى ونزلت من السيارة دون النظر باتجاه وسيم، الذي شكره نعمان مرة أخرى قبل أن يتوجه خلف ليلى إلى داخل منزله.

صعد وسيم يشعر بضيق. ليلى تحاول قدر الإمكان تجاهل حتى النظر إليه. وضع يده على مقود السيارة وسار بضع خطوات، لكن لفت نظره حركة شيء وقع بالمقعد الخلفي للسيارة. توقف ونظر بالمقعد الخلفي، وجد حقيبة يد صغيرة. هي الحقيبة التي كانت بيد ليلى، بالتأكيد نسيتها دون وعي منها. أمسك الحقيبة بيده. فكر للحظة أن يرسلها لها بأي طريقة فيما بعد. فكر قليلاً، لكن هو ما زال قريب منزل خال ليلى، لما لا يعود ويعطيها له، ثم يغادر.

بالفعل عاد تلك الخطوات بالسيارة ونزل من السيارة. وهو لا يعلم أن القدر قد أرسله نجدة لليلى ونُعمان من براثن قاتل منتهك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...