بدأت الخيوط الأولى لآشعة الشمس. نظر رفعت لتلك النائمة إلى جواره. تنام براحة، كما أنه هو الآخر شعر براحة في نومه بجوارها. لم تزره تلك الكوابيس المعتادة التي تؤرق نومه كثيرًا.
أزال عن جبينها بعض الخصل المتمرّدة من شعرها وتعمّق النظر لها. تبسّم وهو يتذكر فرحتها الكبيرة بذلك السلسال القليل في الثمن، لكنه كبير في القيمة. لم يفكّر أنه قد يعطيه لأحدٍ في يوم من الأيام. هو كان تذكارًا من والدته، أعطته له حين أتم عامه العشرين، قبل أشهر قليلة من الحريق.
هادي غيرها سابقًا بهدايا ماسية ثمنها باهظ يفوق ثمن ذلك السلسال بكثير. كان يرى بعينيهن الطمع وإرادة المزيد. لكن معها شعر من فرحتها أنه أعطاها كنزًا. بالفعل، السلسال كنز، لكن بالنسبة له. تبسّم وهو يتذكر أيضًا تركها له ينام بجوارها دون اعتراض، أو بالاصح دون انتباه منها. هي كانت تحت سطوة فرحتها بذلك السلسال. نعست وهي تقبض عليه بيدها. اقترب بجسده منها وضمّها بين يديه هامسًا لنفسه:
"مع الوقت بتأكد إني مكنش لازم أدخلك حياتي يا زينب، معملتش حاجة كويسة عشان تكوني مكافأة ليّا." شعرت زينب بيديه اللتان تضمّها. فتحت عينيها. للحظات تبسّمت بتلقائية ثم أغمضت عينيها مرة أخرى. لكن ما زالت البسمة على شفتيها. هو الآخر تبسّم وهو يتخيل أنها ربما ما زالت تحت تأثير سطوة النوم وربما تحلم. انتهز فرصة سكونها واقترب من شفتيها يُقبّلها قُبلات هادئة.
شعرت زينب بأنفاس رفعت وبدأت تستعيد وعيها وتفيق من نومها. فتحت عينيها وقامت برفع يديها وكادت تصفعه. لكن أمسك يديها وابتعد عن شفتيها، ينظر لها ببسمة قائلاً ببرود: "صباح الخير يا زوزي." حاولت زينب أن تفلت يديها من يده وقالت: "صباحك زي وشك. إيه اللي نيمك هنا في أوضتي، يا همجي." ضحك رفعت يقول: "يظهر قاعدتك كتير مع جدتي عدّتك من الزهايمر اللي بيجي لها. أنا نايم هنا من أول الليل، ولا نسيتي اللي حصل بينا كمان." قال رفعت هذا
وانحنى وهمس بجوار أذنها: "إيه رأيك نعيده دلوقتي تاني يمكن تفتكري." سحبت زينب يديها من بين يدي رفعت ودفعته عنها قائلة: "اطلع بره يا همجي، مش قولت إني مكيفتكش؟ ضحك رفعت يقول بوقاحة: "يمكن مع التكرار أتعود." نهضت زينب وحاولت لكمه. لكن بسهولة تلقى اللكمة ونهض هو الآخر بسهولة وتعامل معها. حاولت زينب أكثر من مرة لكمه، لكن رفعت كان يتمكن من صد اللكمة، بل ويضحك كثيرًا. توقفت زينب عن لكمه تلهث قائلة: "بتضحك على إيه؟
قدامك أرجوز." رد رفعت: "لأ، أرجوزة عريانة." انتبهت زينب لنفسها وسريعًا سحبت غطاء الفراش. وقبل أن تتحدث، تحدث رفعت: "خلاص، شفت كل شيء قبل كده. قولتلك مليكان بلاستيك." نظرت له زينب بغيظ قائلة: "بره يا رفعت، وممنوع تدخل الأوضة دي تاني. وإن شاء الله في أقرب فرصة هخلعك، والسبب وقاحتك دي." تبسّم رفعت يغيظ زينب قائلاً: "وهتخلعيني إزاي بقى؟ هتقولي مبيعرفش؟ ردت زينب بسخرية:
"لأ، هقول حلوف ووقح وعنده قوة مفرطة. وأخاف لأ أقيم حدود الله." ضحك رفعت بتهجّم يقول: "متقية قوي يا زوزي. على العموم، هروح الحمام أغير هدومي عشان عندي سفر للقاهرة. هوصل جيرين للمطار." ردت زينب: "تروح ما ترجع إن شاء الله. وأخلع منك بدون قضية ولا مأذون." تبسّم رفعت دون رد وذهب إلى حمام الغرفة.
بعد قليل خرج من الحمام يلف خصره. وجدها ارتدت تلك المنامة التي كانت تريدها بأول الليل. تبسّم وتوجه إلى ذلك الدولاب وأخرج من أحد الضلف التي لا تستعملها زينب طقم ملابس كامل له. تعجبت زينب وقالت: "إيه اللي جايب هدومك هنا في دولاب أوضتي؟ رد رفعت ببساطة: "تعرفي إن الأوضة دي في الأصل كانت بتاعتي. وأوقات كتير كنت باجي أنام فيها قبل ما نتجوز. شوفتي يا زوزي؟ أهو أنتي اللي اخترتي الأوضة من الأول، طمعتي في أوضتي."
نظرت له قائلة بتهكّم: "طمعت في أوضتك؟ لو بإيديا مش عاوزة أعيش هنا أصلًا. أنا حاسة إني عايشة في حصن عسكري مش بيت تعيش فيه ناس طبيعية. خايف من إيه؟ أزال رفعت عن خصره تلك المنشفة وأعطاها ظهره وبدأ بأرتداء ملابسهُ قائلاً بنبرةٍ ناهية: "مش خايف من حاجة. ومتدخليش في حاجة متخصكيش." ردت زينب عليه بحزم: "فعلاً، مفيش حاجة من ناحيتك تخصني. هدخل آخد شاور. أطلع تكون غورت من الأوضة."
قالت زينب هذا ودخلت إلى الحمام، تصفع خلفها الباب بقوة. أدار رفعت وجهه ناحية باب الحمام وشعر بالغضب. بماذا كان يرد عليها؟ أيقول لها إنه هو من شيّد تلك الجدران العالية وأحكمها حول المكان؟
بالفعل، هو يريده حصنًا منيعًا صعب الاختراق. لا يريد للماضي أن يتكرر، حين كان مكان تلك الأسوار العالية فقط أسلاك شائكة، سهل اختراقها. وبالفعل اختُرقت من خائن وأشعل نيرانًا حرقت كل شيء، لم تترك سوى جدران تلك السرايا خاوية. هو من أعاد ترميمها وبناء تلك الجدران العالية. بالفعل أنهى رفعت ارتداء ملابسهُ وترك الغرفة قبل خروج زينب من الحمام. والتي خرجت بعد قليل. لم تجد رفعت بالغرفة. تنهدت تلوم نفسها قائلة:
"غبيه يا زينب، ليه الهمجي ده له تأثير كبير عليكي؟ وبشوية لمسات منه بتحني له وتسلمي؟ وبعدها بيهين أنوثتك قدامه؟ لازم لده من نهاية. الجواز ده لازم ينتهي في أقرب وقت." أثناء لوم زينب لنفسها، سمعت طرقًا على باب الغرفة. تأكدت أنه ليس رفعت، فهو همجي يدخل دون إذن. سمحت لمن يطرق بالدخول. دخلت محاسن مبتسمة. تقول:
"معلش يا دكتورة، عارفة إن الوقت لسه بدري، ويمكن صحيتك من النوم. غصب عني والله. الست إنعام قالتلي هاتلي الدكتورة هنا دلوقتي. حاولت معاها وقولتلها الوقت بدري وإنك لسه نايمة، بس إنتي عارفة عقلها." قاطعتها زينب مبتسمة تقول: "لأ، مفيش مشكلة. أنا متعودة على الصحيان بدري. هغير هدومي وأروح لها." تبسمت محاسن لها قائلة:
"والله الست إنعام عندها حق تحبك من قبل ما تشوفك. وهي اللي قالتلي أقول لرفعت بيه إنها عيانة وعاوزة دكتورة مخصوص عشان تشوفك وتتعرف عليكي، بعد ما سمعت عنك. هي أوقات صحيح بتغيب، بس يمكن من رحمة ربنا عليها. دي خسرت ابنها الصغير وهو ابن عشر سنين، وبنتها كمان خسرتها شابة وهي حفيدتها. وبتقولي إنك بتفكريها بحفيدتها، بس حفيدتها كانت أطيب منك." تبسمت زينب باستغراب. هو رفعت كان عنده أخت؟ طب إيه سبب موتها هي ومامته وباباه؟
ردت محاسن بألم: "ربنا يرحمهم. كان قام في السرايا والمزرعة كلها حريق من حوالي خمسة عشر سنة، ومنجيش من الحريق غير رفعت بيه وأخوه رامى بيه." ردت زينب: "وأيه كان سبب الحريق ده؟ ردت محاسن باختصار: "القدر. هسبقك على أوضة الست إنعام، وأنتي غيري هدومك براحتك... بعد قليل بغرفة إنعام، تبسّمت زينب وهي تدخل إلى الغرفة قائلة بمرح: "صباح العسل على تيتا الحلوة العسولة." تبسمت إنعام الجالسة على الفراش وفتحت لها يدها قائلة بعتاب:
"زعلانة منك بقالي يومين مش بتجيني أوضتي، ونسيتيني كده. أنا قلت مهره مشيت وخلاص مش هيبقى في غيري هنا قدامك." تبسمت زينب وذهبت لها وارتمت بحضنها قائلة: "مقدرش أنساكي، يا تيتا يا عسولة. بس إيه اللي في إيدك ده؟ ده ألبوم صور. ياترى بتفرّي في صور مين بقى، يا تيتا يا شقية." تدمعت عين إنعام، قائلة:
"دول كلهم من الماضي. تعالي أعرفك عليهم. وكمان فيه صور للواد رفعت وهو صغير، مكنش صغير قوي، كان بتاع خمس سنين كده، وكان ملط من غير هدوم." همست زينب قائلة: "ما شاء الله، طول عمره وقح من صغره." تبسمت إنعام التي سمعتها قائلة: "هو طول عمره وقح، بس يتحب. ولا إيه رأيك؟ يعني هتكدبي على تيتا وتقولي إنه مش معاشش في قلبك، بس بتكابري؟ يابت، دا أنا شيفاه ليلة امبارح داخل أوضتك، وكنت لسه هخبط عالأوضة بس قولت بلاش أبقى عازول."
تبسمت زينب قائلة: "هو حفيدك ده فيه حاجة تتحب يا تيتا؟ ده همجي وأنا مستحملاه بس عشان خاطرك بس، وبفكر أخلعه قريب." تبسمت إنعام قائلة: "لأ، متخلعهوش. خليه يعترف إنه بيحبك. وشعوطيه كده، زي ما أنا عملت مع المرحوم زمان. تعالي أما أفرجك على صوري أنا والمرحوم."
تبسمت زينب لها وبدأت إنعام تفر بين صفحات الألبوم، تحكي لها حكاية كل صورة. كأن ذكرياتها عادت من جديد. لكن أثناء تقليب إنعام بصفحات الألبوم، اندهشت زينب من تلك الصورة. رفعت يبدو أصغر في بداية العشرينات من عمره ويرتدي (زي ملكي) . ولسوء الحظ لم تعقب إنعام على تلك الصورة وقلبت الصفحة بأخرى. لكن فضول زينب جعلها تسأل إنعام، وتعيد نفس الصفحة على الصورة وقالت بسؤال: "الصورة دي محكتيش حكايتها زي الباقيين ليه يا تيتا."
تمعنت إنعام في الصورة وعادت مرة أخرى، تُغيّب عقلها: "معرفش حكاية الصورة دي إيه. وبعدين مين اللي طلع الألبوم ده من مكانه؟ أكيد محاسن عايزة تحرقه." لم تقول هذا فقط، بل أغلقت صفحات الألبوم وضمته لصدرها، تلف يداها حوله بقوة قائلة: "ده اللي باقي لي من ذكريات اللي راحوا واللي اتحرقوا." شعرت زينب بالشفقة على إنعام ولم تجادلها، بل احتضنتها بود. تبسمت إنعام ولفت يديها حول زينب واحتضنتها هي الأخرى قائلة:
"نفس الشامة اللي كانت في إيد رحمه في إيدك يا زينب. أنا متأكدة إني شوفتك قبل كده فين مش فاكرة." تبسمت زينب، لكن عقلها شارد بتلك الصورة. رفعت يرتدي (زي ملكي) . قادها فضولها لجواب واحد. ربما كان بفترة قضاء خدمته العسكرية. ... في عصر نفس اليوم، دخل رفعت إلى الإسطبل. تبسّم وهو يقترب من مكان وقوف أخيه. تحدث أخيه يقول: "وصلت جيرين للمطار؟ رد عليه: "أيوا وصلتها." قال هذا وشد تلك الكوفية التي كان يلفها حول عنقه.
وقع نظر أخيه صدفة على رقبته، ورأى تلك العلامة البارزة بجانب رقبته. تحدث بلهفة: "إيه العلامة اللي في رقبتك دي يا رفعت؟ ثم أكمل بخبث: "لتكون علامة الدكتورة زينب السمراوي؟ رد رفعت وهو يضع يده على العلامة يشعر بألم بسيط: "متقولش دكتورة زينب، قول حفيدة دراكولا." تبسم رامي يقول بتورية: "بس غريبة، أنا قلت هتوصل جيرين المطار وتفضل في مصر كام يوم تريح أعصابك، بس يظهر اللي هنا وحشوك." رد رفعت: "مين اللي هنا هيوحشني؟ إنت مثلاً؟
تبسّم رامي: "لأ طبعًا. لو الود ودي مكنتش هترجع في نفس اليوم كده. بس في حفيدة دراكولا؟ يمكن عشانها. أصلي قريت إن اللي بيعضه دراكولا دايما بيشتاق لعضته." نظر رفعت لرامي بسخط وقال: "أنا بقول تخلص تدريب الفرسة اللي معاك بدل ما أخليك تحضر فرحك في الجبس." تبسم رامي: "على إيه يا سيادة القائد؟ قلبك أبيض. هبقى أنا والعروسة متجبسين. طب خلي واحد فينا يسند التاني." ...
قبل غروب الشمس بحوالي ساعة، عند ذلك المجرى المائي بالبلدة، كان يسير نعمان. تجوّلت عيناه بالمكان الذي تغير جذريًا عن وقت ما تركه. اختفت المساحات الخضراء، أصبح مكانها كتل خراسانية سدّت الهواء النظيف الذي كان يأتي بهذا الوقت محملًا برائحة زهور الربيع المنعشة. انعدم الهواء، مجرد نسمات عابرة. حتى المجرى المائي ضاق وأصبح أقل عمقًا. تذكر كيف رطّبت مياه هذا المجرى جسده من حرارة الصيف تزيل عنه عرق جسده الذي كان يحترق من تعامد
حرارة الشمس عليه وهو يعمل بالحقل بأيام الصيف الحارة. تذكر حتى تلك الأشجار التي كانت مزروعة على ضفتي المجرى لم تعد موجودة بنفس الكثافة القديمة، مجرد شجيرات صغيرة. بالماضي كان على ضفتي المجرى أشجار متنوعة، أشجار التوت المثمرة التي ما زال مذاقها بفمه لم ينساه، حين كان يقطفه ويذهب به لوالدته وأخته وتفرحان به كأنه أتى لهن بكنز ثمين. وأشجار زينة تظل مياه المجرى، شجر الصفصاف.
أثناء سيره توقف أمام نفس المكان القديم. هنا كانت بداية نهاية قصة حب المهره والبستاني البسيط. هنا ارتسم طريق الفراق. كل شيء تغير عن قبل ثلاثون عامًا. عمر آخر عاشه بعيدًا عن هنا. ترك كل شيء خلفه، ترك والدته وأخته دون سند لهن. اعتقد أن المال الذي كان يرسله لهن هو السند. تزوجت أخته، لم يسلم يدها لزوجها ويقول له إن خلفها رجلًا عليه أن يهابه ويعاملها بالحسنى. وفارقت والدته الحياة، لم يكن واقفًا يأخذ عزاءها. ليت الزمن يعود ما كان تركهن خلفه وما استسلم لطاغوت هاشم. لكن كان الاختيار وقتها صعبًا عليه، ما كان يقدر
على المجازفة بهن الثلاث: والدته وأخته وعشق قلبه. والذي إن كان قلبه ما زال ينبض فهو ينبض من أجل تلك المهره. أثناء وقوفه سمع صوت صهيل يقترب منه بسرعة حتى أنه كاد يدهسه لولا تنحيه جانبًا. كاد يقع بمياه المجرى المائي، لكن تمسكه بلجام الجواد بشجاعة حال بينه وبين السقوط في مياه الترعة. وليس هذا فقط، بل أجبر الجواد على الوقوف، مما استدعى الآخر الذي كان يمتطي الجواد. نظر نعمان له وسرعان ما أخفض وجهه. تبسّم الآخر بزهو يقول:
"فعلاً، أحسن حاجة تعملها إنك متقدرش ترفع وشك لفوق قدامي." رفع نعمان وجهه وقال بأستهجان: "لسه عندك نفس الغطرسة يا هاشم؟ بلاش تتغر. أنا اللي خلاني أنزل وشي حاجتين، الأول الشمس زغللت عيني، الثاني إني قرفان أبص في وش حقير زيك." اغتظ هاشم قائلاً: "يظهر لسه غباوة زمان في دماغك لما فكرت تقف قصادي وتتحداني؟ فاكر حصل إيه؟ سخر نعمان قائلاً:
"زمان كنت ضعيف، كان عندي شيء وخوفت أخسره. النهارده أنا قوي، وللأسف معنديش أي حاجة أخسرها. كل اللي خوفت عليهم زمان خسرتهم خلاص، بس على يقين إني هرجع أكسبهم تاني وقريبًا." اغتظ هاشم يقول: "يظهر راجع من بلاد بره وعندك طموح ومفكر بشوية الفلوس اللي جمعتهم من الغربة هتقدر توقف قدامي وتتحداني يا نعمان. فوق لنفسك. شايف أبو قردان اللي واقف قدامك ده؟ آخرك زيه تلقط أكلك من عالأرض." تبسم نعمان ينظر لذلك الطائر وقال:
"تعرف يا ريتني كنت زي أبو قردان ده. أكتر طائر مفيد. فاكر كنا بناخد في المدرسة إنه صديق الفلاح، بينقي الدود والحشرات الضارة من الأرض، وينضفها. وبعدها البذرة بتطلع جيدة وتخضر وترعى والخير يزيد. لكن في زرع هالوك له شوك، كل مهمته في الحياة يأذي بأي شكل. ناسى إن آخره للنار تحرقه. أنا راجع تاني يا هاشم وهسترد كل اللي خسرته في الماضي، وأولهم مراتي اللي غصبتني أطلقها لما حطيت سلاحك على راس أمي. بوعدك السلاح ده إنت بنفسك
هتحطه في راسك وقريبًا جدًا. ولاد رضوان نسخة أقوى منه، ومعاهم التالت اللي اتربى في بيتك وقدام عينيك بس معرفتش تاخده لصفك. ويبقى زيك أنا شوفت بنفسي وحيد الشامي الفارس الحقاني اللي شهد بالحق ومتأكد بل على يقين إنك السبب في موته بطريقة غير مباشرة بسبب طمعك وحقدك القديم. أنا كنت بتمشى عشان أشوف قرص الشمس الدهبي وهي بتغيب عشان أعرف إنها راجعة تاني بكرة بنور جديد أقوى، بس للأسف لونها الدهبي النهارده مختفي خلف الغيوم. بكرة
الطقس يتعدل وتسطع أقوى تبدل العتمة بالنور."
ضرب هاشم الجواد بسوطه بقوة مما جعل الجواد ينتفض ويتحرك بقوة، وفلت اللجام من يد نعمان، أو بالأصح هو تركه برضاه. سار هاشم بالجواد سريعًا. رغم وجع قلب نعمان، لكن تبسّم وهو ينظر إلى قرص الشمس الذي يتوارى خلف الغيوم، وقال: "شمسك هتغرب يا هاشم، وهتسطع شمس جديدة بنور أقوى وزاهي." ... ليلاً بسرايا الزهار.
سحب رفعت ودخل إلى غرفة زينب. وجدها نائمة بهدوء. تبسّم وهو يراها نائمة مطمئنة تشبه الأطفال. كان الغطاء منزاحًا من عليها. جذبه وقام بدثرها به جيدًا. تعجب كيف تذهب للنوم سريعًا. أيقن أن سبب ذلك هو خلو بالها وصفاء ضميرها ونية الطيبة. هي تحب مساعدة الآخرين دون هدف. لكن قال عقله ربما عليها الحذر قليلًا فالجميع ليس بطيبة نواياها. أراد أن يقترب منها ويطفئ ذلك الشوق الذي يشعر به حين تكون قريبة منه. هو يكذب ويدعي أنها لا تملأ
عيناه. هو معها فقط يشعر بالحياة واحتياج المزيد منها، لكن يقاوم ذلك الشعور بأدعاء عدم الشعور بالكمال وهي معه. كاذب، هو يشعر بأكتفاء فقط من مجرد تقبيل شفتيها. تعامل مع الكثير من النساء لم يشتهيهن، كانت مجرد رغبات. يُعطي ما يريده فقط. تلك ليست رغبة ولا شهوة، تلك تزعزع كيانه حين يقترب منها، تضعفه على استعداد من أجلها إشعال الكون. لكن...
أخرجه من تأمله لزينب، اهتزاز ذلك الهاتف بجيبه. من الجيد أنه وضعه على الوضع الصامت لكان صوت رنينه الآن فضحه، وأيقظ زينب وما سلم من لسانها. تسلل مثلما دخل وخرج من الغرفة. سار قليلاً إلى أن وصل إلى غرفته، ونظر للهاتف وأغلقه دون رد. لكن أتت له رسالة. فتحها فضول منه لا أكثر، وابتسم بعدها بسخرية، وهو يعلم أن الهاتف سيرن مرة أخرى، وها هو بالفعل رن. فتح الخط. سمع من تقول بانتصار:
"كنت عارفة إنك مش هترد عليا، غير بعد ما تشوف الصورة دي." رد بهدوء: "عايزة إيه يا (ريما) قصتنا القديمة خلاص انتهت، وإنتي اللي نهيتيها بنفسك." شعرت ريما بالندم وقالت له: "مكنتش عارفة إني لسه بحبك." سخر رفعت يقول: "وفابيو يعرف الكلام ده؟ ارتبكت ريما قائلة: "شوفت الفلاشة؟ رد رفعت بكذب: "للأسف لأ، لأنها ضاعت مني." غضبت ريما قائلة: "رفعت، أنا لسه بحبك و... " قاطعها. رفعت قائلاً:
"فات الوقت يا ريما. قصتنا خلصت. أنا دلوقتي متجوز وبحب مراتي. واتمنالك السعادة مع فابيو. إنتي اللي اخترتي وسافرتي اليونان زمان ورميتي نفسك في حضنه. تصبحي على خير." قال رفعت هذا وأغلق الهاتف، يزفر أنفاسه وقال: "قمة الوقاحة يا ريما. إزاي في يوم دخل عليا خداعك وكذبك وصدقت بأني أول راجل والوحيد في حياتك." فتح ذلك الملف على هاتفه وتبسّم بسخرية يقول: "ممثلة فاشلة يا ريما، وتستحقي اللي فابيو هيعمله فيكي لو فكرتي تخونيه."
قال هذا وآتت لخياله تلك الشرسه عديمة الخبرة التي تقع في براثنه من مجرد قُبلات، يخترق بها مشاعرها البريئة. ... بعد منتصف الليل، في مكان شبه مظلم كانت تقف سيارة فخمة، تتوارى عن العيون. صعد لداخلها هاشم الزهار، يبتسم لذلك الرجل، الذي رد عليه نفس البسمة. نزل السائق وتركهم سويًا. تبسم هاشم قائلاً: "غريبة، ليه جاي بالسواق معاك؟ مش خايف منه، يكون جاسوس عليك في مجالنا؟ المثل بيقول حارس ولا تخون." تحدث الآخر:
"قصدك خون حتى ولادك؟ مفكر إن دخل عليا إن موت القبطان كان بسبب حرق اليخت بتاعه؟ أنا عرفت إن جاكلين كانت هنا." تعجب هاشم: "إزاي عرفت إن جاكلين كانت هنا؟ رد الآخر:
"من أصدقائي في المطارات والمواني. بس عاوزك تعرف حاجة واحدة. ابني مش زي ابن القبطان اللي أبوه دخله في شغله الديرتي وحب يكبر على حساب أبوه. أنا في نظر ابني قديس. على العموم، مش ده المهم عندي. زي ما طلبت منك قبل كده نسبتي هتزيد. أنا اللي بسهل بعلاقاتي في استخراج تصاريح دخول الأدوية اللي بتدخل لمصر على إنها مقويات وعلاجات حيوانية لتسمين الطيور أو الحيوانات، وكمان أنها بتستعمل في علاج الخيل، مش ترامادول وأدوية محظورة."
رد هاشم: "بس كده نسبتك تعتبر مساوية لنسبتي. خلينا المرة دي زي ما كنا قبل كده، التلت والتلتين والعملية الجاية تبقى مناصفة." فكر الآخر قائلاً:
"تمام، بس المرة الجاية مناصفة. متنساش إني كمان أنا اللي بستخرج جوازات وسفريات للبنات اللي بتبعتهم لبره مصر في حاويات السفن. ومتنساش لو مش وقوفي جنبك وتهديد المحامي اللي من طرفي لأبو البنت اللي ماتت دي وسكتت الحكومة، كان بسهولة يوصلولك بسبب تقرير الطبيب الشرعي، اللي أثبت إن البنت دي كان بداخلها نطاف رجل بعد علاقة حميمية. لو أبوها كان وصل له التقرير ده وعرف بيه كان ممكن يدعي الشرف ويقر على اسمك بسهولة. بس أنا اللي أخفيت التقرير ده. ليه قتلت البنت."
رد هاشم: "عشان كانت خاينة. واللي يخون هاشم الزهار أقل جزاء له الموت." تعجب الآخر وقال: "إزاي قدرت تخونك وهي حتة عيلة صغيرة؟ كان بلاش تقتلها وكنت بعتها للناس اللي بره، زي اللي سبقوها. على العموم، سيبك من الكلام عن الشغل والبنات، وقولي إيه أخبار رفعت ابن رضوان الزهار؟ وجود رفعت في الزهار خطر. مش عارف إيه اللي رجعه هنا تاني، وإزاي ساب منصب زي اللي كان فيه وقبل يرجع يبقى تاجر خيول." رد هاشم بسخرية:
"راجع ياخد مكان أبوه، ويعمل فيها شيخ عرب، زي المرحوم أبوه." ضحك الآخر قائلاً: "ومأخدش عبرة من اللي حصل لأبوه لما طمعه زاد عن حده؟ بس لازم نعترف، هو أذكى من رضوان. هو عارف إن منصبه زايل ومهما علا واترقّى، كان هيبقى إيه في النهاية؟ وزير؟
رئيس وزراء بالكتير. لكن لما يبقى من أشهر تجار الخيول مش بس في مصر في المنطقة العربية ويسمع اسمه في أوروبا واسمه يكبر، وقتها مش هيبقى له سلطة بس في مصر، لأ كمان مع رجال أعمال عرب وأجانب يتمنوا يخدموه. زي ما بيقولوا: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة"." سخر هاشم يقول:
"لأ، رفعت في دماغه هدف تاني غير إنه يكون أكبر تاجر خيل. مفكر إنه هيقدر يعمل اللي أبوه فشل فيه زمان ويجمع الكل حواليه فرحان بأخوه والتاني ابن وحيد الشامي." رد الآخر: "لو ده تفكيره يبقى نفس غباوة أبوه فيه. ناسي إن الناس بالمزمار يجمعها والعصا تفرقها." ... بعد مرور يومين.
تزينت الوحدة الصحية، ليس الوحدة الصحية فقط من تزينت، بل البلدة بأكملها مزينة بلافتات ترحيب بكل مكان ترحب باستقبال الوزير ورفقائه من كبار رجال المحافظة وبعض نواب الدوائر بالمحافظة لافتتاح المبنى الجديد للوحدة الصحية، الذي تم تجهيزه بمدة قياسية وبجودة عالية.
على الطريق كان بعض الرجال والنساء مصفوفون يهللون ترحيبًا بذلك الوزير، الذي تكرم ونزل لتلك البلدة الصغيرة. وما كان هذا منهم إلا رياء مدفوع الثمن مسبقًا من أجل عدسات كاميرات بعض القنوات الفضائية المصحوبة مع زيارة الوزير.
بالوحدة، كانت زينب تجلس بمكتبها دون مبالاة، فهي على دراية بذلك الموضوع، وليست أول مرة تمر عليها. دخلت صفاء التي ليست كعادتها ترتدي ثيابًا بسيطة، بل ترتدي عباءة سوداء سورية بتطريز متقن، تبدو بها ليست عاملة، بل امرأة ريفية راقية. تبسمت زينب حين رأتها. تحدثت صفاء قائلة: "هو رفعت بيه مش هيجي للوحدة، يا دكتورة؟ زي بقية كبارات البلد كده." ردت زينب:
"أكيد هيحضر. طارق ماسابش حد من كبارات المحافظة كلها إلا ودعاهم يحضر الأفتتاح. يرحب بالوزير الغبي. بس قوليلي إيه العباية الحلوة دي يا صفاء؟ دي بمبلغ وقدره." تبسمت صفاء قائلة: "والله اشتريتها بالقسط. كل شهر هدي لصاحبة المحل حسبة كده. ماهو ميصحش أقابل الوزير بعباية من عباياتي القديمة، وكمان أبقى أحضر بيها فرح رامى بيه. خلاص كلها أيام." تبسمت زينب بسخرية قائلة:
"كان أفضل لك توفري الفلوس اللي دفعتيها في العباية تنفعك، وتقابلي الوزير بهدومك العادية. حتى يمكن كان يحس وقتها إن الناس مش مرفّهة، وشقيانة وهدمتها اتهرت زيها من الشقا وبهتت ألوانها. عالعموم تدوبيها في الهنا." تبسمت صفاء قائلة: "هطلع أتفرج على موكب الوزير. أول مرة وزير يزور بلدنا، وأشوف موكب عالأكيد مش في التلفزيون. وكمان بيقولوا فيه قنوات فضائية بتصور."
تبسمت لها زينب ببساطة. فلو يقدر هؤلاء المسؤولين انبهار البسطاء بهم، لكانوا تمنوا لهم الأفضل. لكن ذلك الانبهار يفسر بعقولهم بطريقة عكسية ويشعرهم أنهم السادة وعليهم التكبر على هؤلاء البسطاء. بعد قليل، دخل إلى مكتب زينب طارق الذي يرتدي حلة رسمية عكس ذلك الجلباب وفوقه عباءة عربية الذي كان معظم الوقت يأتي بهم للعمل بالوحدة. سخرت حين رأته. لكن هو قال لها بلهفة:
"يلا يا دكتورة، خلاص موكب الوزير بقى قدام الوحدة. لازم تكوني في استقباله مش مديرة الوحدة." سخرت زينب قائلة: "لأ، إزاي؟ ميصحش. ده لازم أستقبله استقبال حار، يليق بمقامه. كفاية هو اللي نقلني لهنا. يلا خلينا نستقبله سوا." لم يلاحظ طارق سخرية زينب. خرج الاثنان إلى أمام باب الوحدة الداخلي. بالفعل، كان موكب من السيارات الفخمة سواء كانت سيارات الحراسة أو كبار الشخصيات بالمحافظة التي أتت ترحب بالوزير. همست زينب لنفسها:
"لو حرامي سيارات عنده ضمير يسرق العربيات دي ويتبرع بنص حقها للغلابة في البلد مكنش حد فعلاً نام جعان. يارب تولع بيهم وهما راجعين بعيد عن العمار." نزل الوزير من السيارة وجواره ذلك اللفيف من الكبار، ودخل إلى مكان وقوف زينب. مد يده لها بمديح منه. نظرت زينب ليده ساخرة. أليس هذا من قام بنقلها أو بالأصح باعتقاد منه بنفيها لهنا، عقابًا على سبها لابن أخيه؟ ابن أخيه ها هو خلف عمه يرافقه كظله.
قبل أن تمد زينب يدها لتصافح الوزير، كانت يد أخرى تفعل ذلك. يد رفعت الذي وضعها بيد الوزير قائلاً: "رفعت رضوان الزهار." تبسم الوزير قائلاً: "غني عن التعريف يا سيد رفعت." تبسم رفعت واقترب من زينب ووضع يده بيدها قائلاً: "وأبقى زوج الدكتورة زينب صفوت السمراوي." تبسم الوزير بمديح لها أمامه قائلاً:
"فعلاً الدكتورة في فترة قصيرة أنهت كل تجهيزات الوحدة الجديدة. يُحسب لها، بصراحة. وكمان يُحسب للحكومة وكبار رجال البلد اللي مدتها بالمصروفات اللازمة." تبسم رفعت وزينب بداخلهم على قول هذا الأحمق. فعن أي مصروفات يتحدث؟ فهي من صَعّرت خدها وطلبت من البعض المال وأتمت التجهيزات اللازمة ولولا ذلك لما تجهزت الوحدة بهذا الوقت.
دخل الوزير يتجول بين أركان الوحدة بزهو أمام عدسات الكاميرات التي تصور. مشفى بكل هذه الإمكانيات ببلدة ريفية، ذلك من فضل توجيه الوزير، من البداية. لم يترك رفعت يد زينب للحظة واحدة طوال الجولة. كانت عين هاشم الذي كان من أول الحضور يشعر بنيران تنهش به من رفعت الذي ظهر أمام الجميع. أنه كبير تلك البلدة الصغيرة، والفضل عاد لتلك الطبيبة، التي يمسك بيدها طوال الجولة الذي قضاها الوزير بالوحدة. بينما زينب لما شعرت بقوة إضافية
حين أمسك رفعت بيدها أمام ذلك الوزير، وابن أخيه، التي لاحظت نظرات عينيه لها. ما زالت نفس النظرة القديمة، نظرات إعجاب. شعر هو الآخر بالغيرة من رفعت. كيف لها رفضت وصاله يومًا وأهانته وترضى بذلك الفلاح الذي كان يرتدي بدلة رسمية فوقها عباءة من الطراز العربي. بينما زينب بداخلها شعور بالفخر ليس بإنجازها وتكملة تجهيز تلك الوحدة بمدة قصيرة، بل بذلك المحنك اللبق رفعت الزهار الذي لا يشتت فقط عقلها بل قلبها أيضًا.
... بعد مرور عدة أيام. اليوم الذي كانت تنتظره البلدة. اليوم زفاف ثاني أبناء رضوان الزهار. فبالأمس كانت وليمة كبيرة جمعت بين سادة القوم والبسطاء الذين تغنوا بأبناء الزهار وسخائهم عليهم، ومعاملتهم بود واحترام وكرم غير معهود من مثل هؤلاء الأغنياء، فهم يعطون بالمقابل يأخذون منهم المقابل. أما أبناء (رضوان الزهار)
يعطون دون مقابل، ليس لديهم شيء يريدونه من هؤلاء البسطاء، فمعظمهم يعملون بمزرعة الخيول التابعة لهم. أما الآخرون يطعمونهم مقابل قضاء مصلحتهم. ... بسرايا رضوان الزهار. دخل وسيم إلى غرفة النوم الخاصة برامي وجده ما زال نائمًا ظهره عارٍ. تبسّم بمكر وأتى بتلك المياه وقام بسكبها على ظهره كعادته القديمة معه. انخض رامي واستيقظ فزعًا ينظر له قائلاً: "هتفضل مؤذي طول عمرك." تبسم وسيم يقول:
"ناموسيتك كُحلي يا عريس. إيه الساعة قربت على عشرة الصبح مش هتصحى عشان نجهزك للعروسة." نظر له رامي بسخط: "هتجهزني للعروسة ليه؟ هتوديني للكوافير يعملي مانيكير وباديكير؟ هو أحلق دقني أو أهذبها شوية وخلاص. إيه اللي جابك بدري كده؟ معندكش محاضرات النهارده." رد وسيم: "كان عندي ولغيتها. فرح أخويا وأسيبه في يوم ميمون زي ده." نظر له رامي قائلاً: "بلاش تقر فيها من أولها، خلي الليلة تعدي." تبسم وسيم:
"هتعدي وهتبقى أحلى عريس، وتدبح القطة كمان. بس أنا خايف لهي اللي تدبحلك القطة من أولها وتمشيك عالصراط المستقيم. مش شايف مرات رفعت عاملة معاه إيه؟ مطلعة عينه ماشية معاه بالعكس." ضحك رامي يقول: "رفعت مكنش ينفع معاه واحدة تقوله أُمر فتطاع يا مولاي. هي الشرسه زي ما بيقول عليها. وبعدين إنت إيه آخر أخبارك بقى؟ عاوز تقنعني مفيش واحدة كده دخلت دماغك حتى لو إعجاب؟
ومتقوليش لمى، دي بتلعب على كل الأحبال. زمان لما كنا في إسكندرية حاولت معايا وأنا صدتها. أنا مش برتاح لها ولا لأختها وأهو إنت شايف الصورة اللي شوفناها اللي كانت بعتاها لرفعت، شكله عاوزة تبتزه. معرفش ليه؟
تنهد وسيم وآتت لخياله ليلى. تذكر رؤيته لها قبل ثلاث أيام تسير مع بعض زملائها بالجامعة يتحدثون بمرح بينهم، ورؤية ذلك الشاب زميلها يمرح معها وتتعامل معه برحابة حتى أنها ذهبت وجلست لجوارة بأحد أروقة الجامعة وظلوا جالسين بمفردهم لوقت ليس بالقليل. لا يعلم إن كانت رأته أو لأ، لكن هو رآها من شباك غرفة مكتبه بالجامعة. لا يعلم وقتها لما شعر بالغيرة وأراد الخروج من غرفته والذهاب إليها يوبخها على جلوسها مع زميل لها، حتى وإن كان
جلوسهم معًا بريء ليس مجرد أكثر من زمالة، فيبدو أن زميلها كان يشرح لها شيئًا، يتناقشان فيه. بعدها هي غادرت المكان بل الجامعة كلها، ودخل زميلها لمدرج المحاضرة وكان هو المحاضر. كم أراد أن يقوم بطرده ومنعه هو الآخر من حضور محاضراته، فهو لا يطيق رؤياه أمامه. حتى أنه كاد أن يتلكك له ويقوم بطرده لكن أظهر الآخر احترامه له.
آنب نفسه وقتها بأي ذنب تأخذه أنت؟ من بدأت وتسرعت وحرمت ليلى من الحضور والآن تريد طرد آخر لمجرد أنه كان يجلس معها. لما هذا الشعور يختلجه؟ ماذا بليلى تفرق عن غيرها؟ بداخله يقاوم ذلك الشعور ليس وقته الآن، لديه هدف آخر. لاحظ رامي سرحان وسيم وطقطق أصبعيه له أمام عينيه يقول: "إيه؟ روحت فين؟ بكلمك مش بترد عليا. لتكون طبت وبتداري عليا. قولي هي مين وأنا أخطبهالك بنفسي." تبسم وسيم يقول: "لأ، خليك في نفسك الليلة." تبسم رامي:
"إيه آخر أخبارك مع لمى؟ رد وسيم بزفرة: "والله وقاحة لا تنتهي. مقضي معظم وقتي بهرب منها، من الجامعة لاستطبل الخيل لهنا. والله لو مش وجود ماما مهره هناك كنت سبت البيت وروحت عيشت في بيت أبويا وخدت ماما مهره معايا بس هي اللي مش موافقة وتقولي إننا لينا نص البيت ده ومستحيل أسيب البيت اللي اتربيت فيه." رد رامي: "عمتي مهره غلطانة. هاشم المفروض يعيش لوحده. بس لمى عملت إيه؟ خلتك تطفش بالقوي كده؟
أوعى يكون اللي في بالي اتحرشت بيك." ضحك وسيم يقول: "حشم ألفاظك. إيه اتحرشت بيا ده؟ شايفني بنت ولا عيل صغير؟ هتحسس على جسمي؟ لمى أشطر من كده. جالي أوضة نومي لابسة قميص نوم مفتوح عالبحري ومعاها إزازة فودكا نوع نضيف وبتقولي نتسلى سوا، أصلها مش جايلها نوم متعودة عالسهر يا ولداه." ضحك وسيم ثم أكمل بمزح:
"بس للأسف جالي في الوقت الغلط، كنت خلاص فاصل شحن وقولت لها مش هنفعك أنا مش قادر أتحرك طول اليوم كنت بين الخيل وهلكان وبنام على نفسي. خلينا لبكرة." ضحك رامي يقول: "وهي سابتك بسهولة كده؟ تبسم وسيم:
"لأ طبعًا. حاولت تظهر كرامتها، وقالتلي هعملك مساج يريح جسمك وبدأت تحسس. بس أخوك واعي لها. قولت لها تمام مفيش مانع آخد كاس معاكي يمكن أنتعش. صبت الكاسين وشربتهم هما الاتنين ومعاهم حباية منوم غير الحباية التانية اللي كانت حطاها في الكاس اللي اديتهولي. يلا مش خسارة فيها شربتهم صحة وهناء على قلبها وراحت في سابع نومة وهي بتتخيلني معاها زي ما هي عاوزة." تبسم رامي قائلاً: "قلبك جاحد يا سومي."
تبسم وسيم، لكن في ذلك الوقت دخل عليهم رفعت مبتسمًا يقول: "صباح الخير يا شباب، ها إزي عريسنا؟ هترفع راسنا الليلة." تبسم وسيم يقول: "بلاش إنت، كفاية علامات الدكتورة السابقة." تبسم رفعت ووضع يده على عنقه قائلاً: "بلاش تحضر فرح أخوك متخرشم، ولمى تفرح فيك. كويس إنت هتكون مع رامي طول الوقت وأنا هسبق عالقاعة أستقبل بعض الشخصيات المهمة." تبسم رامي يقول: "والدكتورة وأهلها اللي جايين يحضروا الفرح." تبسم رفعت يقول:
"حمايا وحماتي خلاص وصلوا للسرايا واستقبلتهم، بس آخر النهار زينب وجدتي، ومعاهم أهل زينب هييجوا بعربية خاصة عالقاعة. فيه شخصيات مهمة هتبقى في الزفاف، ودول لهم بيرستيج خاص والقاعة لازم تكون متأمنة." تبسم وسيم يقول: "ومن ضمن الشخصيات المهمة دي طبعًا، رؤسائك القدام." تبسم رفعت يقول: "يلا، عندي كذا مشوار هعملهم وهروح بعدها عالقاعة. سلام يا شباب." ....... بمنزل هاشم الزهار. دخل ساخرًا ينظر لمهره يقول:
"شايف فرحة في عينيكي كأنك رايحة تحضري زفاف الأمير تشارلز." ردت مهره: "رامى عندي أحلى وأغلى من ميت أمير زي تشارلز. رامى فارس وأنا بفتخر إنه ابن أختي. ناسي إني كنت راضعة على أخو مامته الله يرحمها وكمان يبقى ابن المرحوم رضوان الزهار ابن عمي، واللي كان أكتر من أخ ليا أنا وأختي الله يرحمها." رد هاشم بأستهزاء: "رضوان الله يرحمه، كان بيحب يوصل الرحم." شعرت مهره بنبرة أستهزاء هاشم. نظرت له وضحكت بسخرية قائلة:
"هاشم الزهار لسه عنده نفس غِل الماضي. زمان كنت بتكره رضوان الزهار، وفرحت لما اتحرقت مزرعته، وهو جواها هو ومراته وبنته، بس القدر نجى أولاده الصبيان، اللي رجعوا من تاني أقوى. وغلك رجع أقوى. بس زمان رضوان كان واحد، إنما دلوقتي ولاد رضوان صحيح اتنين، بس إيد واحدة. مش هتقدر تقف قدامهم وتتحداهم. لازم تعترف إن الخيل لما بتكبر، بتستنى الرحمة."
اعترف يا هاشم، رفعت أقوى من رضوان ومش عود واحد وسهل كسره زي رضوان. أنا نازلة لازم أحضر الزفة من أولها." قالت مهره هذا وتركت هاشم بالغرفة وحده يقول: "تحضري الزفة من أولها ولا تلحقي تملي عيونك من حبيب الماضي؟ بس ده مش هيفضل كتير يا مهره. اتمتعي شوية. أنا عارف إزاي هقدر أرجعك تخضعي لي من تاني." ... بعد قليل بمدخل تلك القاعة الفخمة.
قد ترسم طريقًا لنفسك، لكن القدر لا أحد يرسم له الطريق. من شدة الرفض ها هي تسلم يدها ليده، تسير جواره بخطوات متهادية بعض الشيء، فهي فقط منذ أيام فكت جبيرة يدها وساقها الذي بها عرج خفيف، لكن ملاحظ للآخرين. لكن بسبب الزحام، كانا يسيران خطوات ويقفان خطوة لالتقاط بعض الصور. إلى أن دخلوا إلى غرفة ليست بصغيرة، جوار قاعة العرس. لتعلم أنها أستديو تصوير فوتوغرافي. كان هنالك اثنان بالمكان، رجل وامرأة. اقتربت من المرأة قائلة:
"مبروك، ربنا يتمم بخير. ممكن آخد العروسة لدقيقة واحدة." تبسم رامي وترك يد مروة التي أصابتها رعشة حين ترك يدها لا تعرف لما السبب. أملت عليها المرأة بعض اللقطات واللمسات التي تفعلها من أجل التقاط صور فوتوغرافية لهم. كان منها بعض اللقطات الحميمية بينهم، سواء كانت قُبلات أو لمسات حميمية كانت تخجل من فعلها، لكن رامي كان يستهزأ بداخله من خجلها. عليها أن توفر هذا الخجل لما بعد أن يغلق عليهم باب واحد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!