بالقاهرة، بشقة بمنطقة شبه راقية. كانت زينب تجلس برفقة أخيها، أرضاً يلعبان أحد الألعاب الإلكترونية على شاشة أمامهما. تذمر أخيها وترك ذراع التحكم باللعبة قائلاً: "إنتي بتغشي يا زوزي، مش لاعب معاكي." ضحكت زينب قائلة: "مجد، قولتلك بطل زوزي اللي بتقولها لي دي، وبغشك إيه يا فاشل، هو إنت كده لما تلاقي نفسك هتخسر تعمل لي الغباوة دي، طلع الفلوس يا ناصح أنا خلاص كسبت الجيم." رد مجد:
"فلوس إيه يا حلوة إحنا بنلعب تسالي، مش بنلعب على فلوس كده يبقى قمار والقمار حرام، رجسٌ من عمل الشيطان." نظرت له قائلة: "رجسٌ من عمل إيه؟
بقول لك هات فلوس أحسن لك، يا فاشل، إنت اللي قولت من الأول الجيم بخمسة وعشرين جنيه وأهو ده رابع جيم أكسبك فيه هات المية جنيه أحسن لك، بدل ما أشير لك فيديو على الفيس والإنستجرام، وإنت بتشتم رؤسائك في شركة البترول وأتسبب في فصلك من الشركة اللي بتقبضك بالدولار، وخلتك إتنخفخت عليا أنا أختك الكبيرة والغلبانة." نظر لها قائلاً: "فيديو إيه ده، وصورتيه إمتى مش فاكر مرة إني شتمت حد من رؤسائي قبل كده قدامك." ردت زينب:
"ما إنت صحيح مش شتمتهم، بس أنا جمعت فيديو، فوتو مونتاج، وبصوتك، يا بشمهندس." تعجب قائلاً: "يرضيكي تشهري بأخوكي وتتسببي في فصله من الشركة عشان ميت جنيه." ردت قائلة: "يرضيني جداً كمان، طالما هو بيبخل عليا، وبعدين أنا مالي إنت اللي خسرت، يا حمار." رد مجد: "خسرت إيه والله إنتي بتغشي في اللعب." مسكت زينب مقدمة ملابس أخيها وجذبته منها بقوة قائلة: "ولا بقولك إيه خلص هات المية جنيه وكمان خمسة وعشرين جنيه فوقهم." تبسم قائلاً:
"والخمسة وعشرين جنيه دول كمان بتوع إيه ولا هو نظام تقليب والسلام." ردت زينب: "هو كده أنا عايزة مية خمسة وعشرين جنيه تمن تذكرة القطر من القاهرة للشرقية." نظر لها مبتسماً يقول: "وهو قيمة تذكرة القطر من القاهرة للشرقية مية خمسة وعشرين جنيه ليه." ردت عليه: "مش هركب درجة مكيفة يا حيوان عايزني أنا الدكتورة زينب السمراوي، أركب في القشاش." تبسم بسخرية قائلاً:
"يرضيني جداً، وأنا مالي هو أنا اللي كنت نقلتك، ما هي طول لسانك هي السبب، من يوم ما اتخرجتي من كلية الطب مقضياها عقوبات، من مستشفيات الصعيد للقاهرة ويوم ما ربنا كرمك وجيتي لهنا في القاهرة وقولنا خلاص ربنا هيرضى عنك طولتي لسانك على ابن أخو وزير الصحة، وأحمدي، ربنا إنها جت على قد نقل للشرقية، يا ريته كان فصلك أو نقلك لحلايب وشلاتين. خد الفلوس أهي، يارب القطر يولع." تبسمت قائلة:
"لأ قطرات الصعيد بس هي اللي بتولع إنما الشرقية لأ." أخرج أخيها بعض النقود وبدأ يعد فيها. تركت زينب مقدمة ملابسه وخطفت منه المال قائلة: "بلاش تعد لا تقل بركته، يلا هقوم أنا أنام بقى عشان هصحى بدري." قال مجد بذهول: "بت هاتي الفلوس بتاعتي، معييش غيرها هصرف منين، بقية الشهر." نهضت زينب قائلة: "روح اسحب غيرهم من أي مكنة سحب فلوس، هتغلب يعني، اعتبرهم صدقة عن أموالك." تبسم ساخراً:
"صدقة أموالي، يا عانس هتفضلي عانس طول ما إنتي بتستقوي عليا وتلهفي فلوسي، يا عانس آل السمراوي." تبسمت له قائلة: "آل السمراوي مين دول، دول ما فيهمش راجل غير بابا وبالباقي... ولا بلاش عشان خاطر بابا." تبسم والداها الذي دخل: "كتر خيرك يا بنتي ربنا يسترِك." قبلت وجنة والداها قائلة: "تصبح على خير يا بابا، ماما فين." رد صفوت: "ماما نامت بعد العشا، حتى أنا اللي شطبت المواعين." تبسمت زينب قائلة:
"قولتلك قدامك حلين لغسيل المواعين، يا تشتري غسالة أطباق، يا تطلق ماما أو تتجوز عليها واحدة وهي تغسل بدالك المواعين، بس المرة دي اتجوز واحدة بتشتغل في بنك استثماري، مش شركة تأمينات، وخليه يشوف لي أخوها، إن شاء الله أبوها اتجوزه، عشان ما أبقاش عانس آل السمراوي." ضحك أخيها كذلك والداها قائلاً: "مين اللي عانس آل السمراوي، دي زوزا أجمل بنت في العيلة كلها." قبلت زينب رأس والداها قائلة:
"تسلم لي ويطول لي عمرك، إنت الوحيد اللي رافع معنوياتي في البيت ده." بالشرقية، قرية الزهار. بمنزل صغير مكون من دور واحد، بسيط الأثاث. نادت تلك الأم (فادية) على بناتها، كي يأتين لها. بالفعل لبوا ندائها ودخلن خلف بعضهن. تبسمت لهن بحنان قائلة: "يلا يا بنات أنا حطيت العشا خلونا نتعشى مع بعض." ردت أصغر البنات (هبة) قائلة: "مش هنستنى بابا لما يرجع، لو جه بعد ما أكلنا من غيره هيعمل مشكلة زي عادته." تلخبطت فادية قائلة:
"العشاء أذّن من وقت وصلوها في الجامع كمان وطلعوا، وهو مرجعش، وإنتي وراكي الصبح مدرسة وأختك جامعتها وأختك الكبيرة عندها شغل في المدرسة، يعني لازم تناموا بدري، عشان تصحوا فايقين." جلست الابنة الوسطى (ليلى) أرضاً وأمامها طاولة الطعام قائلة: "أنا عندي محاضرة بكرة الصبح الساعة تمانية، هقعد آكل كده كده، بابا هييجي يزعق بسبب وبدون سبب، فا مش هتفرق معايا." تبسمن لها أختيها وجلسن هن كمان. كانت آخر من جلست هي أمهن.
جلسن يتناولون طعام بسيط لكن بالنسبة لهن هي نعمة. تبسمت لهن فادية وهي تجلس بجوارهن، تتناول معهن الطعام، وهن يتسيرن معاً يمزحن ويمدحون، بطعام والداتهن. لكن انقلب هذا حين دخل عليهن صفوان قائلاً:
"قاعدين تاكلوا وتتسمموا، وتضحكوا مع بعض، ولا على دماغكم راجل البيت الشقيان، طول اليوم تحت رجليين الخيل عشان في الآخر ييجي، حتى اللقمة ميلقيهاش، أنا لو كنت خلفت ولد كان زمانه شال الحمل عني، لكن هقول إيه، ربنا ابتلاي، بتلات بلوات." صمتن جميعاً عدا، ليلى التي قالت:
"مين اللي قال علينا بلوات، إحنا أحسن من الرجالة، عندك بنت مدرسة، والتانية هتبقى دكتورة بيطرية، والتالتة، في آخر سنة في الثانوية العامة، وناوية تبقى مهندسة، لو كنا تلات صبيان زي ما كنت حضرتك عايز، يمكن كان زمانا صيع، وجايبين لك مشاكل مع اللي يسوى واللي ميسواش، ده غير تقريباً مش حضرتك اللي بتصرف علينا، اللي بتصرف علينا هي ماما، بتربي طيور تكبرها وتبيعها غير إننا كمان بناكل منها، أنا مش عارفة المرتب اللي بتقبضه كل شهر من شغلك في مزرعة الخيل بتاع ولاد الزهار بيروح فين، طبعاً بيروح على شلة السو اللي بتسهر معاهم، وتعمل نفسك كريم قدامهم، يا ترى يا بابا لو في يوم احتاجت وطلبت منهم هيعطوك، هقولك، لأ لأنهم مش من دمك، ومش هيطمر فيهم."
تعصب صفوان قائلاً: "هقول إيه تربية مرة، أنا معرفتش أربيكي، واقطع لسانك ده." قال صفوان هذا وجذب ليلى من شعرها، لتقف أمامه، كاد أن يصفعها، لولا أن وقفت مروة أمام يده، لتأخذ هي الصفعة بدل عن ليلى. وضعت مروة يدها على وجهها قائلة بدموع:
"كلام ليلى صحيح يا بابا، حضرتك عمرك ما صرفت علينا، غير الطفيف، كل فلوسك مضيعها، حتى قليل لما بقيت بتشتغل، وده كان سبب طرد هاشم الزهار لك من مزرعته، لأنك شخص متواكل مش بيحب يشتغل، وإنت عارف كويس ليه ولاد الزهار مستحملينك، بس هقولك يا بابا مستحيل أتجوز من ابن الزهار المشوه." نظر صفوان لها بغيظ قائلاً:
"ابن الزهار المشوه اللي بتقولي عليه ده، لو عاوز أحلى منك هيترموا تحت رجليه، بس إنتي فقرية غاوية فقر زي أمك، اللي مطوعاكي على كده." قال صفوان هذا وترك المكان بغضب ساحق، بينما وقفت فادية، وهبة وكذلك ليلى، وأقتربن من مروة التي ضمتها فادية بحنان قائلة: "حقك عليا يا بنتي، معلشي." ردت هبة الصغيرة قائلة: "يارب ما يرجع تاني إحنا من غيره مرتاحين." تحدثت فادية بعتب قائلة:
"عيب كده يا هبة، ده باباكي، ومهما عمل ادعي له بالهداية." بمنزل ضخم وفاره. منزل هاشم الزهار. بغرفة السفرة. تجلس تلك التي اسم على مسمى مُهرة، وهي مُهرة حقاً. تجلس برفقة ابن أختها الراحلة (وسيم الشامي) وضعت الخادمة الطعام وانصرفت من الغرفة. تبسمت مُهرة قائلة: "من زمان ما كنتش بتعشى، بس طالما رجعت خلاص نهائي من البعثة، بعد ست سنين، قليل لما كنت بتنزل، أنا اللي كنت بجيلك لندن، خلاص بعد كده، هنفطر ونتغدى ونتعشى سوا."
تبسم وسيم قائلاً: "ليه فين خالي هاشم صحيح، حتى الغدا، برضو أنا وإنتي اتغدينا لوحدنا، وطول اليوم مشوفتوش." ردت مُهرة بغصة: "أبداً مشغول، طول الوقت، كل شغل مزرعة الخيل عليه لوحده." تحدث وسيم: "لأ خلاص أنا رجعت، ومتخافيش، هساعده في إدارة المزرعة واخليه يفضى، للمُهرة الصبية الجميلة، اللي قدامي." تبسمت مُهرة قائلة: "خلاص الصبا والجمال، راح وقتهم." نظر لها وسيم قائلاً بتعجب:
"مين اللي قال كده، ليه مش بتصي في المرايا، إنتي مُهرة هانم الزهار جميلة الجميلات، اللي وقع في عشقها الفرسان، بس كان نصيبها، مع... ردت مُهرة: "كل شيء نصيب." رد وسيم:
"فعلاً نصيب على رأي ماما الله يرحمها، ساعة القدر، يعمي البصر، بابا اللي كان من أقوى مروضي الخيول، يموت بعد ما وقع من على الفرسة، يقع على دماغه، ويموت، كمان ماما بعده بكم شهر ماتت بسكتة قلبية مفاجئة بدون أي مقدمات، وده كله وأنا كنت طفل مكملتش اتنا عشر سنة، بس ربنا كان بيحبني، والمُهرة الجميلة هي اللي كملت تربيتي، وحافظت عليا، والله لو قولت معزتك في قلبي، زي ماما وأكتر أبقى مش بكذب." تبسمت مهره قائلة:
"إنت ابني، يا ض، اتولدت على إيدي، أنا اللي استلقيتك أول ما نزلت من بطن أمك، أنا اللي ولدتها، بصراحة لما شوفتك حسيت إني أنا اللي ولدتك من أحشائي، حتى كنت هنسى أقطع الحبل السري، وقتها، أمك كانت طول عمرها مستعجلة، زي ما تكون كانت حاسة إن عمرها قصير، كانت دايماً، تقولي وسيم ابنك، يا مُهرة، أنا صحيح اللي حملت فيه ببطني، بس من يوم ما اتولد بقيتي إنتي مامته، يلا ربنا يرحمها، ويعوضني فيك." قبل وسيم يدها قائلاً:
"ربنا يخليكي لي، يارب، وتفتخري بيا." تبسمت مُهرة قائلة: "أنا بفتخر، بابني الدكتور وسيم الشامي، اللي أخد الدكتوراه من جامعة كمبريدج في الطب البيطري، وراجع تدرس في كلية الطب البيطري، ربنا يوفقك، خايفة عليك من البنات في الجامعة، لما يشوفوك، هينسوا بتدرس لهم إيه، إنت اسم على مسمى، يا وسيم." ضحك وسيم لكن قبل أن يتحدث دخل عليهم هاشم قائلاً: "بتضحكوا على إيه ضحكوني معاكم." نظرت له مُهرة بسخط قائلة:
"عادي كنا بنتكلم، بس غريبة من زمان ما كنتش بترجع للبيت بدري كده." رد هاشم: "مش غريبة ولا حاجة، ناسيه إن وسيم، يبقى ابن بنت عمي المرحومة، وكمان أبوه كان من أمهر الخيالين اللي اشتغلوا عندنا في مزرعتنا، وقدر يوصل إنه يتجوز واحدة من بنات الزهار، وكان معروف بنات الزهار مش بيتجوزوا، غير أصحاب المقام العالي." رد وسيم: "وبابا كان من أصحاب المقام العالي، يا خالي." قال وسيم هذا ونهض من على طاولة السفرة قائلاً:
"شبعت وكمان لازم بكرة أروح الجامعة، من بدري في أوراق لازم أخلصها، عشان أستلم مهامي كدكتور، بالجامعة، تصبحوا على خير." غادر وسيم الغرفة، نظرت مهره، لهاشم بضيق قائلة: "معناه إيه كلامك ده، أنا عارفة من زمان إنت مش بتحب وسيم، بس متنساش إنه ابن أختي وبنت عمك، وله نصيب أمه في المزرعة، وباباه ما كانش سايس، باباه كان خيال." تبسم نصف بسمة وقال بسخرية: "كان خيال، ومات بعد ما وقع من على فرسه كان بيحاول يروضها." نهضت مهره قائلة:
"الخيل ملهاش كبير، يا هاشم، واللي يفكر نفسه بقى خيال مفيش خيل تقدر عليه يبقى غلطان، تصبح على خير، عندي صداع هطلع أنام." نظر هاشم لخروجها هامساً بسخرية: "صغرتي سنين بمجرد ما رجع لك ابن أختك، الواد ده، شكله كده وارث القوة عن أبوه المرحوم، بس على مين، يا ابن الشامي، مش على هاشم الزهار."
بعد دقائق، دخل هاشم إلى غرفة النوم التي تجمعه مع مُهرة، وجدها، تخرج من الحمام، ترتدي، إحدى مناماتها الناعمة، لم تكن عارية، لكن هو عاشق لتلك المُهرة منذ الصغر، وظفر بعشقها، وإن كان لديها نقطة ضعف فهي عشقها له. اقترب منها، وحضنها، واشتم عطرها، هامساً، بنبرة تستطيع إذابتها وامتثالها له: "عطرك يسحر، يا مُهرة." لم ترد عليه، رفع رأسه ونظر لعيناه الخضراء الساحرة كأوراق شجر الربيع.
دون مقدمات انقض على شفاها بقبلات قوية للغاية، حتى كادت شفتاه تُدمى، وانقض على جسدها، ينهش فيه كالذئب الجائع، إلى أن شعر بالنشوة، وهو ينظر إلى تلك الخربشات التي تركتها أظافره حول عنقها، وصدرها، ويديها. بينما مُهرة رغم ألم جسدها، نظرت له باشمئزاز، وأدارت ظهرها، له، وحاولت النوم، لوقت، لكن جفاها النوم، فنهضت من جواره، وذهبت إلى داخل الحمام، وأتت بحبة منوم، وتناولتها ثم ارتشت قطرات الماء. تحدث هاشم بسخرية قائلاً:
"برضو هتاخدي منوم عشان تعرفي تنامي، واضح إنك أدمنتي النوم بمنوم." نظرت له باشمئزاز، دون رد. سخر هاشم قائلاً: "ليه مش بتردي عليا، ولا يمكن بتاخدي المنوم ده كمسكن، كبرتي خلاص ومبقيتيش الشابة اللي كانت عفية." فهمت مُهرة معنى قوله وقالت: "إنت اللي مش هتبطل المنشطات اللي بقيت بتتعاطاها دي، وبتخليك زي التور، حاذر منها إن كانت بتحسسك بالقوة، فأضرارها على المدى البعيد قوية." ضحك هاشم عالياً يقول:
"منشطات، منشطات إيه، أنا هاشم الزهار، ديب مش فرس، هفضل بصحتي وقوتي، مش زي المُهرة لما تعجز." نظرت له مُهرة، بسخرية، وشعرت ببداية مفعول المنوم، فتوجهت للفراش ونامت بصمت.
ب سرايا فخمة ذات طابع عتيق، تتوسط مجموعة من الأفدنة الزراعية المزروعة، ببعض أشجار الفواكه المختلفة، وأيضاً بعض أشجار الصفصاف على جوانبها مزروعة كمصدات هواء، ويوجد بالمزرعة إسطبل خيل كبير جداً، ومضمار كبير لترويض، وتريض تلك الخيول العربية، بمختلف فصائلها. بغرفة نوم وثيره. كان نائماً يحلم بذلك الحلم الملازم له منذ سنوات بعيدة، دائما ما يتكرر، لكن في الفترة الأخيرة اختلف الحلم عن ما حدث بالواقع، أو بالأصح بنيران الماضي.
كان يحلم، بنيران تشتعل بالمكان، يرى هرجلة الخيول، وهي تحاول الفرار من بين النيران، لكن النيران تحصد كل ما يقف أمامها، تلتهمه، أنها نار بعثت من جهنم، بيوم صيفي حار حارق، النيران تخفي أثر كل شيء.
هو يقف أمام النيران يشاهدها كأنها عرضاً على شاشة تلفاز لكن فجأة من بين النيران خرجت فتاة بيدها دلو، تقترب منه تكسر الحاجز، بينه وبين النار إلى أن أصبحت أمامه، وجهها كان مخفي الملامح بسبب دخان النيران الذي يمنع رؤيته تفاصيل وجهها. رآها تقترب منه، فقال: "إنتِ مين." لم تجب عليه وفجأة، رفعت يدها قامت بإلقاء محتوى الدلو الذي كان بيدها في وجهه.
استيقظ فزعاً يتصبب عرقاً، كأنها بالفعل ألقت عليه محتوى الدلو، شعر باشتعال غريب بقلبه، ليست نيران انتقام، لا يفهم سبب لذلك الشعور الذي بقلبه، من تلك الفتاة التي تخرج من النيران، لماذا تحمل معها دلو، ما محتوى هذا الدلو، هل مياه، أم مادة تزيد اشتعال النيران.
عقله يشت منه، لماذا يشعل عقله هذا الحلم، هو عيشه بالحقيقة منذ سنوات، رأى حريق ضخم ونيران تلتهم كل ما يقف أمامها، لكن الفتاة، هي الجديد ظهورها بهذا الحلم تحقق بالماضي. نهض من على فراشه، وتوجه إلى الحمام، وقف قليلاً أسفل المياه المنهمرة على جسده، كأنها ترطب جلده. خرج بعد قليل، وارتدى ملابسه وغادر الغرفة، وتوجه إلى إسطبل الخيل. بينما بأسطبل الخيل.
كان هناك شاب يافع فارع الجسد، يقف خلف مضمار ترويض الخيول، يتابع جري تلك الفرس العنيدة، بالمضمار، يفكر في تلك الرقيقة، التي سلبت قلبه منذ أن عاد مرة أخرى إلى القرية، يتمنى أن ينالها، لكن هي، كتلك الفرس التي تجري بالمضمار، آبيه، وعنيدة.
حاول معها لكن هي صدته، حتى أنه يتحمل من أجلها، والدها، عالة عليه، ذلك السايس، الذي لا يعمل تقريباً، فمن أجل أن ينال عطر الزهرة عليه أن يتحمل أشواكها، التي تدمي قلبه، المسلوب، بحب الجميلة. عاد من سرحانه، بتلك الفرس، حين شعر بيد أخيه على كتفه، لف له قائلاً: "كنت عارف إنك مش هتقدر تنام يا رفعت، بسبب تفكيرك في الصفقة اللي هتم النهارده." تبسم رفعت يقول:
"وإنت إيه اللي مسهرك هنا يا رامى جنب إسطبل الخيل، وكمان واقف قدام المضمار، وسايب الفرس مفكوكة، وبدون سرج." تبسم رامي قائلاً: "نفس اللي مقدرتش تنام بسببه بفكر في الصفقة دي، لو قدرنا نبيع الفرس دي، بالسعر اللي يناسبها، يبقى ضمنا ربح كبير من سلالة الخيل دي." تبسم رفعت بثقة: "واثق إن الفرس دي هتجيب سعر أغلى وأعلى من كل الفرسات اللي سبق واتباعت قبلها." تبسم رامي قائلاً:
"وأنا كمان واثق، كان مين يصدق، رجوع ولاد رضوان الزهار مرة تانيه لسوق الخيل، والسبب كان فرسة، هي اللي نجيت من الحريق." في اليوم التالي. صباحاً. أمام كلية الطب البيطري، بالشرقية. كانت تسير ليلى مع زميلاتها بالدفعة، غير منتبهة للطريق، حتى لم تشعر، بتلك السيارة الآتية المُسرعة، والتي كادت أن تدهسها، لولا أن جذبتها إحدى صديقاتها.
وقفت ليلى غير مستوعبة ما حدث، من ثواني كادت أن تدهسها تلك السيارة الفارهة، حتى أن سائق السيارة لم ينزل من السيارة أو حتى يعتذر. نظرت لها زميلتها قائلة: "ليلى مالك واقفه مذهولة كده ليه، الحمد لله أنتي بخير، شكله ولد صايع، وهرب بالعربية." ردت ليلى: "مين اللي هرب، ده رقم العربية اتسجل هنا، خلينا نروح نحضر المحاضرة وبعدها، ربنا يحلها."
دخلت ليلى إلى قاعة المحاضرات وجلست هي وصديقتها، يتهامسن، إلى أن سمعن صوت إغلاق باب قاعة المحاضرات وسمعن صوت انتبه وسمعن:
"أنا الدكتور وسيم الشامي، دكتور جديد هنا في الكلية مش جديد قوي أنا متخرج من الجامعة دي أصلاً، بس كنت في بعثة لجامعة كمبريدج، وخلاص حصلت على الدكتوراه، ورجعت تاني، للمكان اللي كان فيه بدايتي، هكمل معاكم بقية السنة، بتمنى نكون أصدقاء، واللي مش فاهم أو عنده مشكلة في نقطة مش فاهمه، يقدر يسألني عليها، وأنا هعيد شرحها من تاني، في سكشن العملي." تبسمت ليلى بتوهان قائلة بهمس:
"يا حلاوتك، يا جمالك، ده دكتور في كلية طب بيطري، يا بخت الغزلان بيك." نغرتها زميلتها قائلة: "بتقولي إيه يا هبلة ركزي، للدكتور، ياخد باله من هبلك ده." تبسمت ليلى قائلة: "طب ياريت ياخد باله مني، بقولك إيه، متعرفيش الدكتور ده مرتبط أو لأ." ردت زميلتها: "أول مرة أشوفه، وأعقلي كده شوية، هو صحيح دكتور طلقة، بس امسكي نفسك شوية، مش قدام زمايلك يقولوا إيه." ردت ليلى: "يقولوا اللي يقولوه وحتى لو مرتبط مش مشكلة أتجوزه على ضرة."
ردت زميلتها: "عقلك خلاص ضرب ركزي في المحاضرة." صمتت ليلى لكن لم تكن تركز في المحاضرة، لا تعرف سبب لتلك التوهة، التي تشعر بها بعقلها للمرة الأولى. انتهت المحاضرة. حاصر التلاميذ وسيم ووقفوا، يتحدثون معه، حتى ليلى هي الأخرى، كانت من ضمنهم، لكن لم يركز وسيم، بأي أحد منهم كان يرد فقط على أسئلتهم الخاصة، بالمنهج، إلى أن استأذن منهم وتركهم. كانت ليلى تسير خلفه إلى أن وصل إلى سيارته، رأته يركب سيارته ثم غادر.
صدفة وقع بصرها على رقم السيارة. قالت: "دي العربية اللي كانت هتدعسني، ياريتك دعستني، كانت هتبقى أحلى دعسة." ظهراً. أمام أحد المدارس الأجنبية الخاصة، بالشرقية. كان يقف رامي بسيارته بينما مروة تمشي بجوار أحد زملائها الشباب المدرسين، بالمدرسة، يتحدثان بزمالة، إلى أن خرجا من بوابة المدرسة، وتوجهوا، إلى ذلك الباص الخاص، بالمدرسة، ركبت مروة بمقعد جوار زميلها، وظلوا يتحدثون، سوياً.
كان رامي يراقب ذلك الموقف منذ بدايته، تنهشه الغيرة، وازدادت حين توقف الباص، بمكان قريب من منزل مروة. نزلت مروة من الباص، كادت تتعثر، لولا زميلها مسك يدها، إلى أن نزلت من الباص. رأى رامي هذا الموقف، كم ود تحطيم رأس زميلها هذا. لكن. سارت مروة بضع خطوات، قبل أن تشعر بيد تسحبها إلى شارع جانبي وضيق بالقرب من منزلها. انخضت في البداية، ثم نفضت يده قائلاً: "فيه إيه، يا رامي، ابعد عني." ضرب رامي الحائط خلف مروة قائلاً:
"مين اللي كنتي ماشية معاه وإنتي طالعة من المدرسة ده." ردت مروة: "وإنت مالك، وسبق وقلت لك ابعد عن طريقي، مش هتشتريني، زي ما سبق واشتريت بابا، وفر على نفسك مراقبتك لي." اقترب رامي أكثر من مروة المسافة بينهم تكاد تكون معدومة، شعرت بأنفاسه القوية المتلاحقة جوار أذنها، واخترق همسه أذنها حين قال:
"أنا لغاية دلوقتي بتعامل معاكي بأخلاق الفرسان، بس صدقيني، إنتي من نصيب رامي الزهار، وزميلك ده، إياك تاني بس ألمحه جنبك، تبقى بتكتبي نهايته." قال رامي هذا ثم ابتعد عنها وتركها وذهب، بينما مروة شعرت ببعثرة وازدراء من ذلك المشوه كما سمعت عنه من أهل القرية، رغم أن وجهه ليس به أي تشوهات، لكن، رأت بعض آثار الحريق، بمعصم يديه، وأهل القرية تقول عنه أنه نجا من النيران لكن احترق جسده وقتها. ظهراً. بالقطار.
وقفت زينب، تستعد للنزول من القطار بأقرب محطة لتلك القرية التي تقصدها. حين نزلت من القطار حملت حقيبة ملابسها الصغيرة على كتفها وسارت تسأل أحد المارة عن مقصدها أجابها أنه ليس من تلك المنطقة ولا يعرفها. سارت تسأل آخر نفس الجواب حدثت نفسها: "هو أنا اتنقلت لمنفى ولا إيه محدش يعرف اسم القرية دي أما أفتح الموبيل أشوف البلد دي كده عالخريطة ولا لأ." قبل أن تفتحه وجدت اتصالاً عليها نظرت للشاشة وتبسمت وردت على من يتصل عليها.
تبسمت حين سمعت من تقول لها: "ها دكتورتي أم لسان زلف وصلت الشرقية ولا لسه." ردت ببسمة: "أنا وصلت للشرقية بس القرية اللي فيها المستشفى لسه واضح كده إنها مش على الخريطة يظهر نقلو لي المرة دي المنفى." سمعت ضحكة والدتها قائلة: "عشان تتربي وتتأدبي وتمسكي لسانك بعد كده حد كان قالك سبي دكتور زميلك وتقولي له يا فاشل أهو الفاشل ابن أخو وزير الصحة أحمدي ربنا إنها جت على قد نقل." ضحكت قائلة:
"تعرفي الوزير ده غبي إنه نقلني أصله نقلني صحيح لقرية بس الغبي نقلني كمديرة لمستشفى وأنا لسه مكملتش التلاتين عارفة ده معناه إن أي مستشفى هتنقلي لها تاني هبقى في نفس الدرجة يعني ممكن على السنة ما تخلص تكون الوزارة اتغيرت ويخلع هو وارجع تاني للمستشفى اللي كنت فيها وأبقى مديرة على ابن أخوه ووقتها هعرفه مقامه يعني الغبي نفعني مش ضرني وبعدين كمان هو أول مرة أشتغل في مستشفيات بعيدة عن القاهرة أنا أخدت تكليف سنتين في الصعيد فاكرة."
ردت عليها: "فاكرة المشاكل اللي كنتي بتعمليها دا لو مش خافوا عليكي يقتلوك ما كانوش نقلوكي من الصعيد إنتي مالك بمشاكل الناس بس الشرقية مش زي الصعيد هادية وبيقولوا عليهم أهل كرم رغم إني سمعت إنهم يعتبروا صعيدة في عاداتهم. سيبينا من كده أما توصلي السكن اتصلي علينا عشان نطمن عليكي." ردت عليها:
"تمام يا ماما خلي بالك من بابا وبلاش تتحرشي بالراجل في غيابي وتقولي مدرس أول علوم أه مش عايزة أرجع ألاقيكي منفوخة وتقولي لي كانت غلطة دوبت من نظرة عيونه، كفاية عندك ولد وبنت على وش جواز بدل ما أجوزهم وتشيلى ولادهم عايزهم هما اللي يشيلوا عيالك." ضحكت والدتها قائلة: "قبيحة ياريتني ما دخلتك طب، في أمان الله ربنا يسترِك." أغلقت الهاتف ونظرت أمامها وجدت توك توك أشارت له قائلة:
"لو سمحت يا أخويا هو قرية الزهار دي أروحها منين." رد سائق التوكتوك: "أنا من هناك وراجع تاني اركبي أوصلك لها." ركبت التوكتوك، وتحدثت قائلة: "هي القرية دي مش على الخريطة ولا إيه كل ما أسأل حد عليها يقولي معرفش." رد السائق: "لأ يا أبلة دي البلد بتاعتنا بالذات مشهورة على مستوى المركز كله." ردت بسخرية: "أبلة وماله مش مهم بس قولي إيه سر شهرتها بقى." رد السائق:
"الزهار.. دي عيلة كبيرة هنا دول كانوا إقطاعيين ومحدش كان بيقدر يتوقف قدامهم بس بقوا منقسمين من يوم ما رفعت بيه الزهار بقى رجع هنا وبقى له كلمة على كل اللي في البلد الكبير قبل الصغير خلاف ولاد العم بس عارفة يا أبلة رفعت بيه ده جبار بس إنتي مقلتليش إنتي جايه لمين عندنا." ردت عليه: "أنا أبقى مديرة المستشفى الجديدة." دار السائق وجهه ونظر لها قائلاً بتعجب: "إيه حضرتك مديرة المستشفى." ردت بتأكيد:
"أيوا أنا إيه الغريب في كده." منفعش وبعدين انتبه للطريق نظر السائق أمامه قائلاً: "مش قصدي بس حضرتك شكلك سنك صغير قوي على مديرة مستشفى." تبسمت قائلة: "لأ مش سني صغير ولا حاجة وصلني للمستشفى بقى ويبقى كتر خيرك." تبسم السائق: "أمرك يا دكتورة نورتي بلدنا." بعد دقائق توقف السائق قائلاً: "وصلنا المستشفى أهي يا دكتورة." نزلت من التوكتوك مبتسمة تقول: "شكراً لك حسابك قد إيه." رد السائق: "خليها عليا يا دكتورة." تبسمت له قائلة:
"لأ متشكره كتر خيرك ها بقى قول قد إيه وبلاش لؤم الفلاحين ده." ضحك السائق لها وقال: "واللي تجيبه منك مقبول." وضعت حقيبة ملابسها على الأرض وأخرجت حقيبة صغيرة منها وأخرجت بعض المال وأعطته للسائق الذي شكرها وذهب. انحنت تأخذ الحقيبة من على الأرض واتجهت إلى باب دخول المشفى وتفادت تلك الحفرة الضحلة أمام المشفى لكن أتت سيارة فخمة مسرعة وداسست على الحفرة لتلطخ مياه الحفرة على وجهها وملابسها بالكامل مما ضايقها لتقول بصوت عالٍ:
"يا حقير يا حمار." لم ينتبه لها سائق السيارة لكن اقترب منها حارس المشفى قائلاً بحده: "مش تعرفي بتشتمي مين قبل ما تقفي تسبيه إنتي مين يا ست." ردت باستهزاء قائلة: "ويا ترى بيكون مين بقى." رد الحارس: "ده رفعت بيه الزهار أكبر تاجر خيول في مصر كلها." ردت بحدة: "تاجر خيول تاجر حمير مش فارقة كلهم من ذوات الأربع زي الحقير اللي سايق ده وأنا أبقى بقى الدكتورة زينب السمراوي مديرة المستشفى دي." نظر لها الحارس مندهش غير مستوعب.
تبسمت بسخرية: "هو فيه إيه كل ما أقول أنا مديرة المستشفى اللي قدامي يستغرب واضح إن وقعت في بلد غريبة." ولكن لم تدرك أنها وقعت في عشق بين نيران الزهار.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!