الفصل 2 | من 40 فصل

رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الثاني 2 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
27
كلمة
6,153
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

تركت زينب الحارس لذهوله ودخلت إلى المشفى، أو بمعنى أدق الوحدة الصحية. سارت بين الأروقة، لا تستغرب، فليست المرة الأولى التي تعمل بوحدة صحية كهذه، وبالطبع تعرف طريقة العمل بمثل هذه الوحدات الصحية. تبسمت بسخرية وهي ترى بعض الطيور تسير في حديقة الوحدة المزروعة ببعض أنواع الخضراوات الورقية، مثل الجرجير والبقدونس. تبسمت قائلة: يا ترى مين صاحبة المسؤولية عن المشروع الاقتصادي في الوحدة دي؟

ليه مش بتسقي الجرجير وسيباه دبلان كده؟ سوء أداء عمل. يلا استعنا عالشقي بالله. انحنت تقطف عودان من الجرجير والبقدونس، لكن سمعت من خلفها امرأة تقول بتحذير: جرى إيه يا أبلة، بتمدي إيدك على زرع الجنينة ليه، ده مصدر رزق. استقامت زينب تفرك يديها من التراب قائلة بتهكم: أبلة برضوا. وماله. بقولك إيه، انتي بتشتغلي هنا في الوحدة دي؟

ردت المرأة: أيوه، أنا تمرجية هنا في الوحدة، والزرع اللي كنتي بتقطعي فيه ده، أنا اللي زرعاه بسترزق منه، بدل ما تمدي إيدك عليه، عاوزة منه إيه؟ ردت زينب: لأ مش عاوزة، معلش سامحيني. بس ليه سايبة الزرع عطشان؟ أسقيه بدل ما هو دبلان. وطالما بتشتغلي هنا في الوحدة دي، تمرجية زي ما بتقولي، ممكن تدليني على مكتب المسؤول عن إدارة الوحدة دي. نظرت التمرجية لزينب بتمعن تتفحصها،

وقالت: شكلك مش من بلدنا، وشنطة الهدوم الصغيرة اللي في إيدك، تقول إنك غريبة وعاوزة تأجري سكن في بلدنا. الحاج طارق التقى هيخدمك، وهو كمان اللي ماسك إدارة الوحدة، لحد ما وزارة الصحة تبعت لينا مدير جديد للوحدة. ردت زينب: تمام. وديني بقى للحاج طارق ده. ردت التمرجية: تعالي ورايا. شكله كده زي حالاتنا، جاية لهنا عشان لقمة العيش. ربنا يرزقك بالحلال. تبسمت زينب بسخرية، وقالت: آمين يا رب يغنينا بالحلال عن الحرام.

سارت زينب خلف تلك المرأة، التي ظلت تتحدث وتمدح أحياناً وتذم أحياناً أخرى. كانت عين زينب تتابع أروقة الوحدة، تبدو جيدة وكبيرة، على قرية كهذه. طرقت التمرجية باب أحد الغرف، ثم دخلت بعد أن أذن لها من بالداخل. دخلت التمرجية وخلفها زينب. تحدثت التمرجية: معلش يا حاج طارق، إني عارفة مشغولياتك، بس الأبلة دي طلبت إنها تقابل اللي بيدير الوحدة، شكلها...

قطعت زينب حديثها قائلة: أنا مش أبلة، أنا الدكتورة زينب السمراوي، المديرة الجديدة للوحدة دي. تصنمت التمرجية عينيها على زينب، وكذلك طارق. نهض واقفاً متعجباً، ينظر لها. نظرت زينب لهم بسخرية قائلة: في إيه مالكم؟ هو أنا قولت إيه يخليكم تبصولي بالطريقة دي؟ نفض طارق رأسه يبتلع ريقه قائلاً: حضرتك بتهزري. طب لو كلامك صحيح، ممكن توريني الكارنيه الطبي بتاع حضرتك.

ضحكت زينب بتهكم قائلة: وماله. قالت هذا، ووضعت الحقيبة التي بيدها على المكتب وفتحت أحد الجيوب الجانبية وأخرجت منها بطاقة مزاولة مهنة الطب، وكذلك هوايتها الخاصة قائلة بنفس التهكم: ادي الكارنيه الطبي بتاعي وكمان البطاقة الشخصية وكمان زيادة تأكيد. اتفضل، أدي قرار نقلي هنا كمديرة للوحدة، ممضي من وزير الصحة نفسه.

أخذهم طارق من يدها، وقرأ مضمونهم، ونظر لها قائلاً: آسف، بس حضرتك يا دكتورة شكلك صغير على إنك تبقي مديرة لوحدة صحية. ردت زينب بثقة: أصلي عندي كفاءة عالية. دلوقتي كل المطلوب منك تسلمني إدارة الوحدة دي. *** بمضمار نادي للفروسية شهير، كانت تجري تلك المهرة بعنفوان، وتقفز فوق الحواجز بمهارة عالية. فهي مدربة على يد خيال ماهر، يجلس بثقة وهدوء يشاهد بعين الآخرين الانبهار بقوة وعنفوان ومرونة تلك المهرة.

بعد مضي وقت، تحدث أحد الجالسين، وهو رجل أعمال خليجي شهير: تلك المهرة تشبه مهرة يومًا رأيت مثلها لدى والداك الراحل، يا "سيد رفعت". تمنيت شراءها وقتها، لكن لم يمهلني القدر وقتها، كنت مررت بوعكة صحية. لكن اليوم، لن أتخلى عن امتلاك تلك المهرة، وبالثمن الذي تريده، دون فصال.

تبسم رفعت بمجاملة قائلاً: هي هدية مني لك، لا تقدر بثمن. هي من سلالة تلك المهرة التي رأيتها يومًا لدى والدي. لقد حافظت على تلك السلالة بمزرعة خاصة، ولدي العديد من نسلها، لكن بالطبع ليسوا مدربين مثل تلك المهرة. هم طوع الترويض والتدريب.

تبسم رجل الأعمال قائلاً: إذن لن يكون هذا هو التعامل الأول بيننا. سأشتري هذه المهرة لي، لكن أريد مهرة أخرى مثلها، كهدية لصديق لي يعيش بكنجهام بإنجلترا، يهوى الخيول الأصيلة. سأرسل له فيديو خاص لتلك المهرة، وسيُجن حين يرى مهاراتها وقوتها.

قال الرجل هذا وأخرج هاتفه، وقام بضرب بعض الأرقام ثم انتظر قليلاً، إلى أن أتته رسالة على هاتفه. تبسم لرفعت قائلاً: لقد تم تحويل مبلغ مالي بقيمة تلك المهرة لحسابك الخاص. بإمكانك التأكد من ذلك بالاتصال عبر الهاتف بالبنك الذي قلت سابقاً أنك تتعامل معه. تبسم رفعت ورد بحنكة تاجر: كلمتك، لدي ثقة. مبارك عليك المهرة، وسأسعى سريعًا لترويض مهرة أخرى كي تصبح أقوى من تلك المهرة، حتى تهاديها لصديقك الإنجليزي في أقرب وقت.

قال رفعت هذا وتبسم هو ظفر بالصفقة التي كان على يقين أنه سيفوز بها بفضل تلك المهرة التي عكف على تدريبها في الأشهر الأخيرة. ***

وقت غروب الشمس بمنزل هاشم الزهار. كانت مُهرة تجلس بشرفة كبيرة بالمنزل تطل على حديقة المنزل، تتطلع لغروب الشمس التي تختفي وتخلف خلفها ظلامًا رويدًا رويدًا. شردت مُهرة بالغروب. هي قديمًا كانوا ينعتوها بالمهرة الذهبية لعائلة الزهار، لكن كما يقولون، لا شيء يبقى على حاله. هي أصبحت مثل تلك الشمس التي تغرب. هل هي الأخرى رونق ذهبيتها أصبح ينطفئ؟

قبل دقيقة واحدة، سأل وسيم إحدى الشغالات عن مكان خالته "مُهرة"، فدلته على مكان جلوسها بالشرفة المطلة على حديقة المنزل. ذهب إلى مكان جلوسها. تبسم حين رأى نسمات الهواء الربيعي تداعب خصلات شعرها الغجري الطويل الذي يمزج بين اللونين الذهبي والكستنائي، مع منظر غروب الشمس يعطيها هالة من الجمال. لوحة فنية لطبيعة ناعمة.

تحدث بمديح: لو كنت رسامًا كنت رسمت لك لوحة فنية تساوي ملايين وتسُر العيون. مُهرة وجدايلها الغجرية مع منظر غروب الشمس خلفها تسحر. استدارت مُهرة تنظر لوسيم مبتسمة بغصة وقالت: الجدايل الغجرية خلاص صابها الشيب، والغروب خلاص ساب الظلام يدخل. نظر وسيم لها بتعجب قائلاً: شيب إيه اللي صابها؟ واضح إن المراية اللي بتقفي قدامها إزازها عتم وعاوز يتغير. وحتى إن الشمس غابت، فيه قمر هيشق الضلمة مكانها. شعرت مُهرة بحسرة

لكن أخفتها وتبسمت قائلة: بلاش بكش، وقولي. هو اختلاف الوقت بينا وبين إنجلترا لسه ماثر عليك ولا إيه؟ من وقت ما رجعت من الجامعة نايم. فكرتك مش هتصحى غير عالعشا. تبسم وسيم يقول: لأ مش فرق التوقيت. أنا كنت مرهق من بعد ما رجعت من الجامعة. خلصت أوراق رجوعي للجامعة وكمان دخلت محاضرة، ومكنتش نمت كويس امبارح. تبسمت مهره بخبث قائلة: وأيه اللي طير النوم من عينيك امبارح؟ قولي لو الموضوع فيه بنت حلوة.

تبسم وسيم قائلاً: أنا مش شفت أجمل منك يا مُهرة الزهار. وقلة نومي ممكن بسبب تغيير المكان، بلس إرهاق السفر، مش أكتر. تبسمت مهره لكن قبل أن تتحدث، أتت إحدى الشغالات قائلة: مدام مُهرة، أنا رايحة للصيدلية أجيب لحضرتك الدوا، تؤمرينى بحاجة تانية. انخص وسيم واقترب من مهره قائلاً: مالك؟ خير، بتشتكي من إيه. تبسمت مهره: خير يا حبيبي. هو شوية ارتفاع في الضغط وصداع مش أكتر.

نظر لها وسيم قائلاً: طب وايه سبب إن ضغطك مرتفع، وكمان سبب الصداع؟ لازم تعملي check -up كامل. ردت مهره: أنا عملت check -up كامل وكانت نتيجته كويسة، بس بحاول أظبط الضغط مع الوقت، واكيد الصداع من الضغط، ومع الوقت هيروح. تبسم وسيم قائلاً: إنشاء الله. أنا رجعت وكل شيء هيتظبط. ودلوقتي هات الروشتة، أنا اللي هروح للصيدلية أجيب العلاج. تبسمت مهره قائلة: ليه؟ إنصاف هتجيبه وتيجي، وإنت خليك مرتاح.

رد وسيم: بالعكس، أنا عاوز أتمشى شوية في البلد. من سنين مجتش هنا، عاوز أشوف قد إيه البلد اتغيرت. تبسمت مهره قائلة: براحتك، بس متغبش عشان نتعشى سوا. تبسم وسيم، وأخذ الروشتة وغادر. تنهدت مهره براحة، قائلة: كنت مستنياك ترجع يا وسيم، عشان ترجعلي الحياة. *** بعد دقائق، بأحد صيدليات البلدة. تبسمت

تلك الصيدلانية قائلة: مش عارفة سبب لكسوفك ده يا مروة. فيه بنات كتير بييجوا بنفسهم يشتروا المستلزمات النسائية دي من الصيدلي اللي بيقف في الصيدلية، مش عيب. تبسمت مروه قائلة: بس أنا بنكسف بصراحة. كويس إني لحقتك قبل الصيدلي ما ييجي يستلم وردية الليل. ويا ريت تحطيلي الحاجات دي في كيس أسود.

تبسمت الصيدلانية لها، وذهبت تأتي لها بما تريده من مستلزمات خاصة للنساء، ووضعتها بكيس بلاستيكي أسود. ووقفن يتحدثن معًا لبضع دقائق، قبل أن يدخل ذاك الزائر يُلقي السلام. رددن عليه السلام. نظرت مروه للصيدلانية قائلة: همشي أنا بقى، زمان ماما استغبتني. تبسمت لها الصيدلانية قائلة: ابقي سلميلي عليها.

أثناء استدارة مروه للمغادرة دون انتباه منها، صدمت بذاك الشاب. لسوء حظها، وقع منها ذاك الكيس الذي كان بيدها، ووقع بعض من محتوياته أرضًا. انحنى الشاب وساعدها بجمع المحتويات، لكن ربما لسوء حظه هو الآخر، رفع وجهه ينظر لها كي يعتذر. تلجم لسانه، ينظر لها منبهرًا بتلك الجميلة التي وجهها أشبه بتفاحة طازجة. كان وجهها أحمر خجلاً. جمعت ما وقع ووضعته بعشوائية بالكيس، واستقامت، وكادت أن تغادر الصيدلية، لولا

نداء الصيدلانية لها قائلة: مروة، نسيتي الباقي. ارتبكت مروه وردت بخجل: خليه وهجيلك مرة تانية نبقى نتاسب. تبسمت الصيدلانية، وقالت: أؤمر حضرتك. لم ينتبه لحديث الصيدلانية له، إلا حين قالت مرة أخرى بصوت أعلى: أؤمر حضرتك. انتبه أنه مازال جاثيًا، فنهض وقال: ممكن تصرفيلي الدوا اللي في الروشتة دي. أخذت من يده الروشتة، وقالت: حضرتك تقرب لمدام مُهرة الزهار؟ رد عليها قائلاً: أيوه، أنا ابن أختها. بس بتسألي ليه؟

ردت الصيدلانية: مفيش، أصل الروشتة دايماً إنصاف الشعالة عندها هي اللي بتيجي تصرفها. وحضرتك بشوفك لأول مرة، وواضح من هندامك إنك مش من الشغالين عندها. تبسم وسيم يقول: هو ممكن أسألك سؤال؟ هي مين البنت اللي مشيت دي؟ ردت عليه باختصار: دي مروة. رد عليها وسيم: ما أنا سمعتك قولتي اسمها، بس هي تبقى بنت مين؟ ردت الصيدلانية: دي بنت صفوان منسي، باباها بيشتغل سايس في مزرعة ولاد رضوان الزهار. تبسم وسيم، ولم

ينتبه لقول الصيدلانية له: مدام مهره لازم تخف من الأدوية دي مع الوقت، ممكن تدمنها، وليها تأثير مش لطيف عالـ مخ. لكن وسيم كان شاردًا بتلك الجميلة، مروة. لم ينتبه إلا حين قالت الصيدلانية: اتفضل الدوا حضرتك. انتبه قائلاً: سعر الدوا قد إيه.

قالت له الصيدلانية سعر الدواء، فأعطاه لها ثم غادر الصيدلية. وقف أمامها لثوانٍ، عيناه على الطريق، ربما يلمح طيف هذه الجميلة، لكنها اختفت. لكن لا بأس، هو يعلم اسمها، وكما يقولون، من يسأل لا يتوه عن بداية طريق القلب. ***

ليلاً، بالمسكن الخاص بالأطباء لتلك الوحدة الصحية، وهو عبارة عن منزل يقع خلف ظهر مبنى الوحدة نفسها، مكون من ثلاث طوابق. بالطابق الثاني، جلست زينب على أحد الأرائك، وأضجعت بظهرها، وقامت بالرد على مكالمة الفيديو على هاتفها قائلة بمرح: بابا حبيبي، وحشتني قوي. أوعى تكون ماما بتتحرش بيك وسكت. انزل اعمل لها محضر عدم تعرض في القسم. تبسمت حين سمعت

ورأت وجه والدتها تقول: وأنا اللي زعلانة وبقول الشقة ملهاش حس من غير زينب ومجد. أنا ماليش غير ابني مجد، إنما انتي بنت باباكِ. تبسم صفوت قائلاً: خلاص بقى، انتوا عاملين زي توم وجيري. ها يا زوزو، عملتي إيه.

ردت زينب: استلمت الشغل. لو تشوف ذهول الموظفين هنا لما قولت لهم إني مديرة الوحدة الجديدة، مش مصدقين. بس الأغرب بقى، الوحدة دي كبيرة، دي تعتبر مستشفى. يلا ربنا يسهل. ودلوقتي أنا في السكن الملحق بالوحدة دي، شقة ثلاث أوض وصالة ومطبخ وحمام، سوبر لوكس.

تهكمت هالة قائلة: سوبر لوكس، يا بيئة. كويس يعني أحسن من خدمتك في الصعيد. الشرقية هادية، بس انتي مش هادية. أي مكان تروحي له بركاتك بتحل عليه. بلاش أفعالك الشرسة، المرة الجاية هينقلوكي للمنفى. ضحكت زينب قائلة: لأ، أنا بعد ما خدت لفة في الوحدة دي عجبتني، وناوية إنشاء الله أفضل فيها كم سنة كده قبل ما أخربها. ضحك مجد، وكذلك هالة.

تحدثت زينب: يلا بقى أنا هلكانة طول اليوم، هدخل آخد شاور أنام. اسكتي يا ماما، مش لقيت كمان في الحمام بانيو وميه سخنة وساقعة. لأ، الوحدات الصحية اتطورت. يلا بقى، هكلمكم بكرة، ودلوقتي هقوم أتنقع في البانيو شوية أفك عضمي. تبسمت هالة قائلة: بالسلامة. ربنا يصونك ويسترك.

أغلقت زينب الهاتف، ونهضت تتجه ناحية ذاك الشباك الزجاجي بردهة الشقة. السماء صافية، لكن بها بعض النجوم القليلة، فالطقس ما زال في منتصف الربيع. وهناك قمر يبزغ من بعيد، تراه من خلف هذا المبنى العالي القريب من الوحدة الصحية، الذي يشبه الحصن. همست قائلة: يجوا بتوع السينما والتلفزيون يشوفوا بيوت الأرياف، اللي عمارات هندسية، مش زي ما بيجيبوها في الأفلام والمسلسلات، بيوت هلكانة وعشش. يلا، أهم بيسترزقوا من وهم الناس.

بينما بالقاهرة، أغلق صفوت الهاتف، ونظر لهالة قائلاً: اطمنتي خلاص، أهي شكلها مبسوطة. ردت هالة: هي مبسوطة، بس أنا مش مبسوطة. أنا بفضل قلقانة عليها. زينب شرسة وبتورط نفسها في مشاكل بسبب شرستها اللي بتظهرها، رغم إنها أضعف ما يكون. أنا لسه فاكرة لما كان عمرها اتناشر سنة، وكان شكلها بتموت بين إيديا. نظر لها صفوت قائلاً: وأنا كمان لسه فاكر منظرها ده، مش بيروح من ذاكرتي. فاكر كمان

الدعاء اللي قولتيه وقتها: "يارب نجيها، حتى لو هتعيش بعيد عني أنا راضية، بس تعيش وأسمع صوتها حتى لو من بعيد."

ردت هالة: زي ما يكون الدعوة استجابت، وبعدت عني. من أول ما راحت عاشت مع عمتك في الفيوم، وبعدها دخلت طب هناك. حتى لما اتخرجت من الطب، كان تكليفها في الصعيد. وحتى لما قولت خلاص هينتهي الفراق بينا، وجت للقاهرة طولت لسانها على زميلها، نحمد ربنا إنها جت على قد نقلها بس. حتى مجد كمان شغله في جبل عتاقة. زي ما يكون مكتوب علينا نبقى لوحدنا. شوف إمبارح كانت زينب ومجد هنا معانا، والبيت كنت تحس فيه بالدفء. النهارده لما مشيوا

الاتنين، حاسة إن البيت بقى متلج. أه نسيت أقولك، الست اللي ساكنة في الشقة اللي قصادنا، بتقول هتبيع الشقة وتسافر لأهلها البلد، وقالت لي إنها ممكن تاخد تمنها على أقساط. أنا هقول لمجد يشتري الشقة دي ويقسط حقها من مرتبه، وأهو تنفعه لما يتجوز، يبقى قصادنا.

تبسم صفوت وهو يضم هالة يقول: حبيبتي، دي سنة الحياة. هما كمان لهم حياتهم ولازم نتقبلها ونتمنى لهم الخير. ***

بأحد أفخم فنادق القاهرة، بعد أن أتم رفعت تلك الصفقة بالسعر المربح الذي طلبه، صعد إلى الغرفة المحجوزة له بالفندق المعتاد على ارتياده حين يكون بالقاهرة. رمى بجسده على الفراش، مغمض العين. رغم أنه أصبح له هو وأخيه اسم بارز بين أشهر تجار الخيول بمصر، بل بالمنطقة العربية ويسعى للأفضل، لكن لا يشعر بلذة ذلك. هو فقد الإحساس باللذة منذ ليلة ذاك الحريق. لم يفقد والديه وأخته فقط، بل فقد معهم روح الفارس، واكتسب روح شريرة لديها نزعة انتقامية لازمت أحلامه. هو إلى الآن يكبت نيران غضبه، كأنه يضع شريطًا لاصقًا ليس فقط على عقله، بل على قلبه أيضًا. لو نزع هذا اللاصق، سيحرق كل شيء بلحظة. لكن مهلاً، فكما يقولون، خسارة المال تشبه خسارة الأبناء في حرقتها.

أخرجه من غليان عقله بنيران الماضي، صوت رنين هاتفه. هو يعلم من يتصل عليه، لكن للأسف أخطأ العلم هذه المرة، فالمتصل شخص آخر. تنهد ببسمة، وكان رده على المتصل مختصرًا: بعد دقائق هكون عندكِ.

وبالفعل، بعد دقائق، كان يجلس بذلك الملهى الليلي، يمسك بيديه ذاك الكأس، يحتسي منه بروية. هو لا يهوى احتساء الخمور، لكن من حين لآخر حين يكون هنا، لا مانع من كأس واحد. لكن هذه المرة، أثناء رفعه للكأس كي يحتسي منه، تحول لون الكأس لنيران، ورأى تلك الفتاة. فجأة شعر بسخونة الكأس بين يده، وضعه على المنضدة أمامه، وتلفت حوله. أتلك الفتاة موجودة هنا، بذلك المكان المدنس بكل الخطايا؟

لا. أغمض عينيه، طيف الحلم آتٍ إلى خياله، ومعه تلك الفتاة. ميز بها شيئًا واحدًا: هو أن فوق رأسها وشاحًا. فاق من شروده على تلك الزهرة التي ارتطمت بيده. فتح عينيه ونظر أمامه، يرى من ألقى عليه الزهرة. إنها تلك الحسناء التي تتمايل على مسرح الملهى. لم تكتفِ فقط بإلقاء الزهرة عليه، بل بعثت له قبلات في الهواء بيديها. تبسم لها بترحيب. بعد قليل، كانت تقف أمامه بعد أن أنهت وصلة رقصها، تحدثت بنهجان وهي تدنو

منه تتحدث بدلع وإثارة: رفعت باشا الزهار، مش من مقامه يقعد بين السكارى. هستناك يا باشا قدام باب الكباريه، بعد ربع ساعة، أغير بس البدلة. تبسم لها بموافقة. بعد قليل بشقة بكومباوند راقٍ، كانت تلك الفتاة تتمايل بجسدها أمامه، تتفنن في إثارته، سواء كان بزيها الذي يكاد لا يستر شيئًا بجسدها، وتمايل بجسدها بحركات مثيرة. لكن هو كان عقله شاردًا، لم يكن ينتبه لها، إلى أن جلست إلى جواره تنهج، تعطيه كأسًا

قائلة: مالك يا رفعت، شكلك مش معايا. أنا مصدقتش نفسي لما عرفت إنك هنا في القاهرة، واتصلت عليك. يعني لو مش عرفت بالصدفة، مكنتش هتعبرني. دا أنا "لميس"، ولا نسيت أيامنا اللي قضيناها سوا قبل كده. تؤ تؤ، أزعل، وزعلي مش حلو. تبسم رفعت ينفض عن رأسه التفكير قائلاً: وأنا ملك إيدكِ. عاوزك تنسيني الدنيا، معاكِ أسبوع بحاله، بس نمضي الورقة العرفي الأول، وأكيد البادي جارد هنا هيشهدوا. زامت

الراقصة بشفتيها قائلة: ولزمته إيه الورقة العرفي؟ كده كده، بعد أسبوع هتسيبني وتمشي وترجع للشرقية تاني، ومتجيش هنا غير صدف. تبسم قائلاً: عشان يبقى كله بالحلال. لو مش موافقة، بلاها من أولها. واعملي حسابك الأسبوع ده كله هتبقى ليا لوحدي، لحد ما ننهي مدة العقد العرفي اللي بينا. نظرت له قائلة: برضو هتحدد مدة العقد العرفي، زي المرة اللي فاتت، وبعدها هتطلقني. بس كده هتبقى الطلقة التالتة بينا، بعدها مش هينفع نتجوز من تاني.

ضحك ساخرًا يقول: عاوزة تفهميني إني أنا الوحيد اللي اتجوزتيه؟ أنا مش ساذج، ولا عبيط. انتي عارفة نظامي. موافقة، كان بها. مش موافقة، أقوم أرجع الأوتيل اللي أنا نازل فيه، أو أشوفلي واحدة تانية أقضي معاها الأسبوع ده. قال رفعت هذا وكان سينهض، لولا أن تشبثت به الراقصة سريعًا قائلة بدلع ومياصة: عارفة غلاوتك عندي يا باشا. مقدرش منفذش اللي قولته. هنادي على عجلين من بتوع الحراسة يمضوا عالـ عقد العرفي اللي بينا. ***

بغرفة وسيم. جافى النوم مضجعه، لا يعرف سبب لذلك. هو كان مرهق، وظن أنه سيستسلم للنوم سريعًا، لكن لا يعرف سبب لسُهاده. أزاح الغطاء من عليه ونهض من على الفراش. توجه إلى ذاك الشباك بالغرفة. أزاح من عليه الستائر التي تمنع ضوء القمر عن الغرفة. رفع رأسه ينظر إلى ذاك القمر الأحدب. أغمض عينيه، جاءت إلى خياله تلك الجميلة التي تصادم معها بالصيدلية. همس قائلاً: مروة صفوان المنسي. ...

هنالك آخر، يسهر لياليه، ليست الليلة فقط. كان يضجع بظهره على مقعد هزاز بغرفته. يفتح باب الشرفة، تدخل نسمات باردة قليلاً، لكن بالنسبة لحرارة قلبه هي نار مشتعلة. يفكر بطريقة يجعل بها تلك العنيدة التي ترفض عشقه. حاول وحاول التقرب منها. أنسيت ماضيهم حين كانوا أطفالاً؟

هي قالتها له صريحة: لن أتزوج من رجل والدي لديه خادم. هي تعلم أنه لا يعتبر والداها خادمًا لديه، هو عالة يتحمله من أجلها فقط. لو كان بيده لما غصب على أخيه تحمله، لكن هي لا تتفهم ذلك. لابد لهذا من نهاية. أصبح قلب الفارس يئن من غرام معشوقة الطفولة العنيدة. *** نهض رفعت من جوار تلك الراقصة، وارتدى مئزرًا عليه وترك الغرفة، وذهب إلى ردهة تلك الشقة. شباك زجاجي معتم، فتحه، ونظر من خلفه لأضواء مدينة القاهرة. تبسم ساخرًا

من نفسه يقول: جوه ضلمة وبره نور، بس إنت اللي جواك يا رفعت ضلمة دخان حريق. مبسوط بحياتك كده؟ عارف اللي بتعمله ده حرام، ليه بتعمله؟ حياة المجون دي، نهايتها إيه. فجأة سطع نور قوي بعيني رفعت، فأغمض عينيه. أتى ذاك الحلم وتلك الفتاة إلى خياله. فتح عينيه سريعًا،

يهمس: حتة بنت متعرفش هي مين، خير ولا شر، بتجيلك في الأحلام. بقت مخلياك مجنون، ومش بتفكر غير فيها. فوق يا رفعت، أنت قدامك طريق الله أعلم بنهايته. يا حارق، يا محروق مع اللي حرقوا قلبك في الماضي. *** بدأ القمر يرحل من السماء، يترك لنور النهار مساحة كي يستطع. قرية الزهار. على طريق ترابي موازٍ لمجرى مائي (ترعة)

كان رامي يجري بفرسهِ يصارع هواء البدرية بيوم ربيعي. كان ينفث عن مكنون قلبه للنسمة، عل نسيمها يزيح من قلبه عتمة التفكير في جميلته، التي تعتقد أنه وحشًا. على الضفة الأخرى لنفس المجرى المائي كان وسيم يمتطي حصانًا هو الآخر، يستنشق هواء افتقده منذ سنوات غيبته عن تلك البلدة. لمحه الاثنان، كل منهم الآخر. تحدثا لبعضهما بنفس اللحظة. "ابن الشامي." "ابن الزهار." تبسم الاثنان.

تحدث رامي: إمتى رجعت للبلد يا ابن الشامي، وإزاي معرفش. رد وسيم: رجعت من يومين يا ابن الزهار، وإزاي متعرفش عشان تعرف إنك مش متابع أخبار عدوك. تبسم رامي قائلاً: أنا عيني في قلب عدوي. قال رامي هذا، وضرب الفرس ليجري بسرعة. كذلك فعل وسيم بفرسهِ. جرى الاثنان على ضفاف المجرى المائي بالمقابل لبعضهم، كانوا يتسابقون إلى أن وصلوا إلى طريق واحد. صهلت خيولهم وهم يقفون أمام بعضهم.

بسرعة نزل الاثنين من على خيولهم. نظرا الاثنين لبعضهما بغيظ دفين. تحدث وسيم: أنا وصلت لهنا قبلك يا ابن الزهار، أنا دايمًا بوصل الأول. سخر رامي قائلاً: أنا اللي سيبتك توصل قبلي عشان تكون في انتظاري على ما أوصل براحتي يا ابن الشامي. ومش مهم إنك توصل الأول، الأهم إنك توصل لهدفك. رد وسيم: مغرور كعادة ولاد الزهار. رد رامي: متسرع كعادة عمي موسى الشامي، ومتنساش نصك اللي من الزهار.

فجأة تبسم الاثنان واقتربا من بعضهما وعانقا بعضهما بود. ثم جلسا تحت جذع أحد الشجرات. تحدث رامي: رجعت لهنا إمتى، وإزاي مقولتليش في آخر مكالمة بينا. رد وسيم: لو كنت بتشوف رسايل تليفونك، كنت عرفت إني بعت لك خبر إني راجع. بس تقول إيه، عقلك مشغول. تبسم رامي يقول: بس أنا موصلنيش أي رسايل منك، متأكد إنك بعتها.

رد وسيم: متأكد إني مبعتش الرسالة، بس كتبتها، ومأرسلتهاش. كنت عاوز أشوف المفاجأة على وشك لما تشوفني في وشك. لسه عندك هواية الجري بالخيل بعد الفجر، فاكر سباقاتنا سوا قبل كده. تبسم رامي قائلاً: فاكرها، بس مكنش فيها لا كسبان ولا خسران. قولي ناوي تستقر ولا لسه هترجع لندن تاني. رد وسيم: لأ اطمن على قلبك يا ابن الزهار، خلاص أخدت الدكتوراه ورجعتلك.

تبسم رامي ونهض قائلاً: تمام يا ابن الشامي، طالما كده يبقى لينا لقاءات جاية. لازم أرجع للمزرعة، وفي يوم هدعيك للمزرعة، أهو أكسب فيك ثواب، وآخد منك استشارة يا دكتور الحيوانات. تبسم وسيم قائلاً: الحال من بعضه. ناسي إنك خريج علوم قسم حيوان. على الأقل أنا دكتور في الجامعة. بص لنفسك إنت، بقيت زي "الكاو بوي" (رعاة البقر)

تبسم رامي وهو يمتطي حصانه قائلاً: إنت اللي "بقر"، طول عمرك. فاكر زمان كانوا بيقولوا علينا إيه في المدرسة. تبسم وسيم قائلاً: فاكر يا ابن الزهار. نطق الاثنان بنفس اللحظة: كانوا بيقولوا علينا،،،، الأخوة الأعداء. *** قبل قليل بمنزل فادية، مع صياح أحد الديوك التي تقوم بتربيتها فوق سطح المنزل، نهضت من النوم، توضأت وصّلت الفجر، ثم صعدت إلى السطح، وضعت لذالك السرب من الطيور الخاص بها المنوعة (بط، أوز، دجاج، حمام)

الطعام، وكذلك فعلت مع الأرانب، ثم نزلت مرة أخرى إلى الدور الأسفل. دخلت إلى المطبخ، وبدأت بإعداد طعام الفطور للمدعوين زوجها، وأيضًا بناتها. فوجئت بمن أتت خلفها تحتضنها وقالت: صباح الخير يا أحلى ماما. تبسمت فادية بخضة قائلة: صباح الفل يا مروة. إيه صحاكي بدري كده؟ لسه وقت على الباص بتاع المدرسة اللي بتشتغلي فيها على ما ييجي للبلد. تبسمت مروه قائلة: حبيت أساعدك وأحضر معاكي الفطور لأخواتي.

تبسمت فادية قائلة: عقبال ما أجهزلك فطور الصباحية ليكي ولأخواتك وأنتم في بيت اللي يصونكم، يارب. تبسمت مروه قائلة: لسه بدري يا ماما. بعدين إنتي زهقتي منا ولا إيه. تبسمت فادية قائلة: عمري ما أزهق منكم، انتوا بنات عمري اللي شقيت عليهم، بس دي سنة الحياة. أي بنت مسيرها لبيت جوزها اللي يصونها، يهنيها. تبسمت مروه قائلة: وأنا بحبك ومش عاوزة أسيبك.

تبسمت فادية قائلة: هسألك سؤال يا مروة وجاوبي عليا بصراحة. إنتي ليه مش موافقة على رامى الزهار؟ مع إنه اتقدملك أكتر من مرة. ومتقوليش إنهم بيقولوا عليه جسمه اتحرق بقى شبه المسخ. من إمتى الشكل كان بيفرق معاكي؟ أنا فاكرة لما كنتم صغيرين كنتم بتحبوا تلعبوا مع بعض، وكنتي بتقولي: "لما أكبر هتجوز رامى".

تبسمت مروه بغصة قائلة: أهو قولتي لما كنا صغيرين، يعني كلام عيال صغيرة. مش يمكن ده تفكير رامي إن جوازنا لعب عيال، وشوية ويزهق مني ويدور على غيري؟ إنسي يا ماما اللي اتقال زمان، خلينا في دلوقتي، وفي الحقيقة. مش يمكن أكون لعبة من الماضي شبطان فيها ابن الزهار، ولما يوصل ليها يكسرها؟

وبعدين أنا الحمد لله مش مغصوبة أوافق عليه. عندي شغلي في المدرسة الخاصة اللي بشتغل فيها. مضيت معاهم عقد بخمس سنين، لو فسخوه هيدفعولي مبلغ محترم، ولو فسخته أنا هدفع لهم خمسين ألف جنيه. وأنا مش ناوية أفسخ تعاقدي معاهم. أنا مصدقت أشتغل في حضانة مدرسة محترمة ودولية وليها اسمها. تبسمت فادية قائلة: ربنا يوفقك. يلا، خدي الأكل اللي جهزته ده، وروحي حطيه عالطبلية، وأدخلي صَحّي أخواتك.

تبسمت مروه، وأخذت بعض الأطباق بيدها، وذهبت إلى ردهة المنزل، وقامت بوضع الطعام على منضدة صغيرة. وجدت أن المكان مظلم بعض الشيء، فذهبت إلى ذاك الشباك وقامت بفتح قفله، وفتحته على مصراعيه، ليدخل نسمة هواء عليلة إلى المكان. لكن تفاجئت بصهيل ذاك الحصان، وابتسامة من يمتطيه، وإشارته لها بالسلام وإلقاء الصباح عليها، ثم غادر مسرعًا.

وضعت يدها على موضع قلبها خشية أن يخرج قلبها خلف ذاك الفارس، التي لا ترفضه بكذبة أنه مشوه، لاااا، بل خوفًا من أن تفقد غلاوة الجزء الباقي من الماضي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...