دخلت فادية إلى غرفة بناتها وقامت بفتح شباك الغرفة، ليدخل النور والشمس إلى الغرفة. هبت نسمة هواء قوية، رغم أن الطقس في منتصف الربيع، لكن أحياناً يتقلب الطقس ويعود للشتاء. وبالفعل، الطقس ليس فقط بارد، لكن هناك صوت لهطول بعض الأمطار. أغمضت مروة عينيها بسبب دخول الهواء، لكن أتى طيف إلى خيالها، سرعان ما ذهب عنها. تعجبت من ذلك الطيف. رأت نفسها كانت تقف على سور المنزل ووالدها يُحدثها.
سألت نفسها: هل بالفعل حاولت الانتحار كما يقولون؟ لكن هي ليست بهذا الضعف أن تقتل نفسها وتزيد من ذنوبها. يكفي ذلك الذنب الذي تتحمله عن أبيها، وهو الذنب الذي يقف بينها وبين حبها، بل عشقها لرامي، الذي حاولت كثيراً أن تبعده عن حياتها.
مازالت تتذكر ذلك اليوم التي علمت أنه عاد مرة أخرى للبلدة. هو لا يعلم أنها ذهبت ذات مرة من أجله إلى الإسكندرية، خلف أبويها، وقت أن كانت تدرس بالثانوية. انتهزت تلك الرحلة وذهبت من أجل أن تراه. هي كانت تعلم عنوان منزل جدته بالإسكندرية، صدفة أخبرتها به رحمة، أخته، وكتبته لها في ورقة احتفظت بها وقتها. كانت حين تسمع منهم عن جمال بحر الإسكندرية، كانت تود الذهاب معهم. فهم كانوا سيذهبون إلى الإسكندرية لقضاء عطلة الصيف، لكن ذلك الحريق أنهى تلك الرحلة للبعض. والبعض الآخر ذهب ليعيش مؤقتاً بالإسكندرية مع جدتهم. بعد الحريق، ادخرت ثمن الرحلة من مصروفها الخاص، وذهبت مع زميلاتها إلى عروس البحر الأبيض التي كانت تسمع عنها من رامي ورحمة.
فلاش باك... الإسكندرية قبل تسع سنوات. كانت مروة بعمر السابعة عشر، وقتها كانت بالصف الثالث الثانوي. رحلة قامت بها مع بعض زميلاتها بالمدرسة. حين وصلوا بالقطار إلى محطة الإسكندرية، توهت من زميلاتها وخرجت من محطة القطار. أشارت لأحد سيارات الأجرة، توقفت لها، فصعدت به ومدت يدها بورقة قائلة للسائق: "ممكن توصلني للعنوان ده يا أسطى لو سمحت." أخذ السائق منها الورقة وقرأها وقال لها: "تمام."
بعد وقت، كانت تقف أسفل إحدى البنايات الفاخرة الضخمة. نظرت بذهول إلى ذلك المبنى السكني الراقي. اقتربت من مكان دخول العمارة، لكن أوقفها البواب قائلاً: "إنتي جاية لمين هنا يا بنتي؟ ردت مروة: "أنا جايه لرامي الزهار، هو مش ساكن هنا مع جدته." نظر البواب لها نظرة شمولية وقال باستغراب: "فعلاً رامي بيه ساكن هنا مع مدام إنعام جدته. عاوزة رامي بيه في إيه؟ ردت مروة: "هو ساكن في الدور الكام." رد البواب: "بقولك عاوزاه ليه؟
الست إنعام مانعة أي بنت تطلع للشقة. عاوزة رامي بيه، تقدري تقابليه في الجامعة، مش إنتي زميلته برضه." تلبكت مروة قائلة: "آه، لا مش زميلته، أنا قريبة. طب ممكن تقولي هو في جامعة إيه؟ نظر البواب لها بازدراء قائلاً: "رامي بيه خرج من شوية، هتلاقيه في كلية العلوم." انسحبت مروة من أمام البواب، وأشارت لسيارة أجرة أخرى وركبتها وذهبت إلى كلية العلوم بالإسكندرية. وليتها ما ذهبت.
وسط تدافع لدخول الطلاب من بوابة الجامعة، دخلت معهم دون أن يوقفها أمن الجامعة. تجولت بأروقة الجامعة، تسير باستغراب وهي ترى البنات والشباب بينهم ألفة في الحديث مع بعضهم. مجتمع لأول مرة تراه بالواقع. رأت جزءاً منه بالتلفاز ببعض الأفلام والمسلسلات الدرامية. كان هناك أيضاً أشياء تثير دهشتها. بعض البنات يجلسن جوار الشباب دون فاصل بينهم بمواقف شاذة، لكن ذلك كان قليلاً. الجامعة كبيرة، أين تبحث عن رامي؟
في كل هذا الكم من الطلاب. لكن ربما ليزداد سوء الحظ، لمحت ذلك الفتى الأسمر، يسير جوار فتاة جميلة يتحدثان بتألف وانسجام. هي الشاب به ملامح رامي التي نضجت، أصبح شاباً يافعاً. سارت خلفه، كادت تنادي عليه، لكن رأته يدخل لمنعطف بعيد بالجامعة. ذهبت خلفه، راته يجلس مع تلك الفتاة بأحد الأماكن بالجامعة، كانا يجلسان متلاحمين، يتحدثان بانسجام. من يراهما يعتقد أنهما عاشقين، لا زملاء.
لكن سمعت من خلفها ما ذبح قلبها الصغير. شابان يتحدثان معاً بسخرية: "شايف رامي الزهار، دون جوان الجامعة مش بيضيع وقت. يسيب دي يمسك في غيرها. معرفش إيه يغري البنات يخليها توقع فيه، وهو ولا على باله أي واحدة. صحيح محظوظ."
تحدث الآخر قائلاً: "فعلاً محظوظ، وخلاص دي آخر سنة له هنا في الجامعة، فواخد راحته على الآخر. لأ والغريب، أي بنت بتتعلق بيه عارفة إن آخرها زي غيرها. كم خروجة حلوة، وكلمتين حلوين، وفي الآخر هتاخد رقم في ليستته ويبص لغيرها."
رد الآخر: "مش عارف سبب تهافت البنات عليه إيه. سمعت إنه كان ابن تاجر خيول كبير وساب له ثروة كبيرة هو وأخوه، وأخوه له مركز وواصل. أكيد الفلوس لها إغراء كبير تخلي القرد غزال. هو مش قرد، شايف بنيته الجسدية، جيم بقى وحركات. الفلوس بتخلي الجامدة تفك. يلا يا عم ورانا محاضرة خلينا نحضرها، اللي زينا مالوش غير شهادته، هي اللي تعمله قيمة شوية."
تبسم له زميله وسار. تدمعت عينا مروة وهي ترى تلك الفتاة ترسم الدلال، ترمي شباكها على رامي، وهو مرحب بذلك. صاحبتها خيبة الأمل من ظنت أنه كان صديق الطفولة. تغيرت أخلاقه، للضد. عليها الآن العودة ونسيان ذلك الطفل الذي كانت تعتقد أنه رفيق طفولتها. لم تنساه رغم مرور السنوات. كبرت بداخلها مشاعر تفوق الصداقة. عليها الآن وأدها. وبالفعل، بدأت طريق العودة مرة أخرى للشرقية، تاركة الإسكندرية بتلك الخيبة التي تلقتها صبية صغيرة.
تأخرت في العودة للمنزل، بيوم شتوي مساءً. مازالت بالطريق للمنزل. أمطرت السماء وهي تنزل من آخر موصلة ركبتها تقلها إلى البلدة. نزلت من السيارة ومازالت الأمطار تهطل، بل كانها ازدادت. سارت لا تعرف أكانت السماء تمطر أم عيناها تمطر بخيبة. دخلت إلى منعطف منزل والديها، وجدت والدتها تقف، يبدو أنها كانت ستخرج للبحث عنها، لكن منعتها أختها ليلى. تلهفت فادية حين رأتها تدخل وملابسها تعتصر من الماء،
قالت لها: "مروة، كنتي فين لدلوقتي؟ خرجتي من بعد الفجر ولسه راجعة العشاء أذنت، بقالها أكتر من ساعة." ردت مروة وهي تشعر ببداية توعك: "كنت بذاكر عند واحدة زميلتي والدنيا كانت بتمطر، وكل ما أقوم عشان أجى لهنا كانت المطرة بتزيد، كنت بقعد تاني. بس قولت شكل الجو مش هيروق، وفي الآخر جيت وأخدت الشتي على دماغي. ماما أنا بردانه."
ردت فادية: "ادخلي اقلعي هدومك دي بسرعة وهعملك شوربة تدفيكي. كويس إن صفوان مش هنا، مكنتيش هتسلمي من بطشه." دخلت مروة وبدأت تخلع ملابسها المبللة. ثم ارتدت أخرى وتمددت على الفراش، تشعر بألم بكل جسدها. أقسمت بعد تلك الليلة أن تنسى ذلك الفتى الصغير صديق طفولتها، كأنه لم يخرج من الحريق ذلك اليوم. لكن لم تكن تعلم أن للقدر خبايا، وأن ذلك الشاب الأسمر سيعود بعد عام ويطاردها حتى في أحلامها. عادت مروة
من شرودها على صوت والدتها: "مروة، رحتي فين؟
بكلمك مش بتردي عليا. الحمد لله لله، أخيراً طلعنا امبارح من الوحدة. هنا هناخد راحتنا من قعدة الوحدة. كانت صعبة، ربنا ما يرجع الأيام دي تاني. الدكتور قال بلاش تمشي على رجلك المكسورة. وبعد شهر هيفكلك الجبس اللي عليها هي وإيدك الشمال. الحمد لله ربنا لطف بيا. وكمان رامي كتر خيره اتفق مع الدكتور يبقى يجي لهنا يعاينك من فترة للتانية عشان راحتك. يلا ربنا يتمم لكم بخير. مش عارفة كان فين عقلك، بس ربنا لطف بيكي عشان قلبي. هسيبك الفطور جنبك عالسرير أهو وهروح أشوف شغل البيت وإن عزتي أي حاجة ناديني عليا."
تبسمت مروة بغصة، من إعجاب والدتها بكرم رامي. لا تعلم أنها بالنسبة له زهوة، هو قالها لها صريحة. شعرت بيأس من ذلك العشق المر كالعلقم، كما قال لها رامي منذ أيام بالوحدة الصحية. *** بينما بسرايا الزهار.
بعد تلك الليلة التي سلمت بها زينب نفسها لرفعت، أصبحت تتجنب القرب منه. حتى أنها أصبحت لا تذهب إلى البوابة وتطلب من الحرس فتح البوابة، كأنها استسلمت للأمر الواقع. وهذا يسبب دهشة لرفعت. لقد أصبحت تتجنب حتى مشاغبته لها، وتقضي الوقت بين الجلوس بصحبة جدته ومحاسن، وبعض العاملات بالسرايا. صدف تجمعهم أحياناً وقت الطعام، ويكون رامي بصحبتهم، فلا يشاغبها أمامه حتى لا تلذعه بشراستها، الذي يفتقدها.
تحدث رفعت لأحدى الخادمات قائلاً: "الدكتورة فين." ردت الخادمة: "الدكتورة من شوية كانت مع الحاجة إنعام ونزلت للبيسين. تحب أحضر لحضرتك الفطور؟ رامي بيه خرج من شوية." تبسم رفعت قائلاً: "تمام، حضريه وهاتيه عند البيسين، بس لفردين." انصرفت الخادمة، وذهب رفعت إلى مكان المغطس. تبسم وهو يرى زينب تجلس تضع قدمها بالمياه. تحدث قائلاً: "غريبة، فكرت البيسين فاضي. متوقعتش تكوني هنا، وكمان الجو بارد، وحاطة رجلك في الميه."
ردت زينب بسخرية: "بضيع وقتي، حتى بفكر آخدلي غطسين في الميه. الميه دافية بسبب نظام التسخين اللي في المكان." اقترب رفعت وجلس بجوارها قائلاً: "صباح الخير." نظرت له زينب بصمت. تبسم رفعت، وسحب يده حول خصرها ومال ليقبل وجنتها. قامت زينب بضربه على يده التي يضعها على خصرها قائلة: "لم نفسك شوية وابعد عني." تبسم رفعت قائلاً: "ليه بتتجنبيني من بعد الليلة إياها، مع إن المفروض بعد الليلة دي خلاص كل شيء بينا اتكشف."
نظرت له باستنكار ووقفت وكادت تتركه وتغادر المكان، لكن تصادمت مع الخادمة التي جاءت بالفطور وقالت باحترام: "الفطور أهو زي ما حضرتك أمرت. تأمرني بحاجة تانية." رد رفعت: "لأ، سيبه وروحي كملي شغلك." تحدث رفعت من خلف زينب قائلاً: "زينب، خلينا نفطر سوا في موضوع عاوز نتفق عليه." ردت زينب وهي تعطيه ظهرها: "موضوع إيه ده؟ مفيش بينا حاجة نتفق عليها." تبسم رفعت يقول: "وموضوع رجوعك للشغل تاني بالوحدة؟
خلاص شيلتيه من دماغك والله أحسن. ممكن تقعدي هنا في السرايا تراعي جدتي وتاخدي ضعف مرتب الحكومة." استدارت زينب واقتربت من مكان وقوف رفعت وقالت له: "قبل ما تفكر تقول كلامك البايخ ده، شوف بتقوله لمين. أنا مش دادة عشان أقعد وأراعي جدتك قصاد كم ملطوش منك. أنا دكتورة جراحة مش تمرجية، ومتفكرش إنك هتحبسني هنا كتير. سهل أطلب مساعدة وأخرج من هنا، بس أنا اللي مطنشه بمزاجي."
تبسم رفعت قائلاً: "مطنشه بمزاجك، زي ما جيتي لاوضتي بمزاجك كده. زينب بلاش كبر وتعالى نقعد نتفق." ردت زينب: "مش هقعد وأقول اللي عاوزه وأنا واقفة." تنهد رفعت قائلاً: "تمام. أنا عطيت أوامر للحرس اللي على البوابة يفتحوا ليكي البوابة، ومش بس كده، في عربية هتوصلك للوحدة، و... قاطعته زينب قائلة: "وفر عربيتك. السكة من هنا للوحدة يا دوب تلت ساعة مشي. حد قالك إني مكسحة؟ وفر بنزين العربية."
تبسم رفعت قائلاً: "تمام، بلاش العربية. ندخل على المواعيد. أنا عارف إنك قبل ما نتحوز كنتي بتفضلي أوقات كتير بالوحدة لوقت متأخر. الكلام ده خلاص اتلغى وممنوع قبل الساعة سبعة تكوني هنا في السرايا." نظرت له زينب ساخرة، دون رد.
تبسم رفعت على سخريتها قائلاً: "وكمان بلاش أسلوب الشحاتة اللي بتمارسيه على أغنياء البلد. الأسلوب ده ممنوع يحصل تحت أي بند. مرات رفعت الزهار متطلبش فلوس من أي شخص أياً كان، أو لأي سبب حتى لو كان إنساني. كمان طريقة لبسك دي تتغير. في ستاند كامل في أوضتك فيه هدوم شيك وحشمة تليق بالدكتورة زينب مرات رفعت الزهار."
ردت زينب قائلة: "أنا دي طريقتي في اللبس من زمان. ماليش في لبس الجونات ولا الكنزات التانية دي كمان، وعاجبني لبسي ده. وإن كان على الفلوس اللي كنت بطلبها من الأغنياء، دي مش شحاتة، دي مساعدة منهم للناس الغلابة اللي محتاجة. وتقريباً كده خلاص جهزت المبنى الجديد بالوحدة، وكلها تلات أسابيع ويجي المحروس الوزير يفتتح الوحدة ويتفشخر كأنه هو اللي مجهز الوحدة من جيب أبوه."
تبسم رفعت قائلاً: "تمام، دي شروطي اللي لازم تتنفذ. لأن لو الشروط دي متنفذتش، وقتها هيكون فيه عقاب قصاد كل شرط متنفذش." نظرت له زينب بتهكم قائلة: "محسسني زي ما يكون تلميذة قدامك و بتهددها يا تكتب الواجب يا تعبطها. هطلع أغير هدومي وأروح للوحدة، أهو أخلص من الخنقة اللي هنا. وأولهم...... صمتت وقالت بهمس لنفسها: "هخلص من خلقتك. مفكر نفسك تقدر تتحكم فيا، بس أنا أخرج من هنا وبعدها يحلها ربنا. يا همجي."
تبسم رفعت وهو يعلم أنها تسبه في سرها. بعد دقائق، نزلت زينب ترتدي بنطال جينز بني اللون وفوقه كنزة صوفية من اللون الأسود والبني، وفوقهم معطف آخر أسود. نظر لها رفعت بتقييم. رغم أن زيها لحد كبير مُهندم، لكن كان يود أن ترتدي من تلك الملابس الذي اشتراها لها، لكن لا مانع من السخرية من ملابسها، فتحدث: "إيه ده؟ لابسة زي يونيفورم العيال بتوع الابتدائية." نظرت له قائلة: "المرة الجاية هلبس بينك يونيفورم الحضانه."
تبسم رفعت قائلاً: "اللون البينك ده للبنات، أما إنتي تلبسي السماوي بتاع الصبيان." ردت زينب: "طب تعرف أكتر لون بحبه هو اللون السماوي. حتى يشبه الفستان اللي جبته ليا يوم ما غصبتني اتجوزك. سلام، مش فاضية لمهاترات." تبسم رفعت وهي تفر من أمامه. تنهد ببسمة لما يود أن لا تذهب للعمل وتغيب عن رؤياه. *** بالوحدة الصحية. دخلت زينب إلى مكتب المدير، وجدت ذالك المدعو طارق يجلس عليه. بمجرد أن رأها نهض واقفاً
يقول: "دكتورة زينب، أهلاً بحضرتك. فكرتك هتمدي في أجازتك. آسف، نسيت أباركلك عالجواز. ألف مبروك، وبالرفاء والبنين." ردت زينب بحسم: "شكراً. بلاش تضيع وقت في مجاملات تافهة. اتفضل شوف شغلك، وخليني أنا كمان أشوف المرضى. وأعمل حسابك في ربع ساعة وفي مرور عالوحدة كلها هشوف سير العمل في غيابي." ارتبك طارق قائلاً: "الوحدة كانت ماشية بنفس طريقة حضرتك قبل الإجازة. عن إذنك." صمتت زينب بينما غادر طارق سريعاً.
تبسمت زينب، هي تعلم أن بالتأكيد كان هناك فوضى، لكن بعودتها ستنتهي تلك الفوضى. تبسمت زينب وهي ترى صفاء تدخل عليها
بكوب من النعناع قائلة: "النعناع بتاع الدكتورة زينب. والله نعناع طازة من جنينة الوحدة. لأحلى عروسة في مصر كلها. والله ما صدقت عيني من بعيد لما شوفتك داخلة الوحدة من شوية، قولت أكيد رفعت بيه مش هيسيبك كده بالساهل. بس لما شاورتيلي قولت تبقى الدكتورة زينب. رجعت من إجازة الجواز. عقبال ما ترجعي من إجازة الوضع إنشاء الله ويعوضك بالذرية الصالحة من رفعت بيه. والله هو ما يتخير عنك وبيحب يساعد الناس المحتاجة من غير ما يتفشخر، زي ناس غيره. ده أدى لأخويا فلوس يرمم بها بيتنا وكمان هيساعده في جوازه. ربنا يباركلك في شبابه يارب."
تعجبت زينب لكن شعرت بداخله بانبساط. ربما هو له أفعال كلها معها وقحة، لكن لديها إحساس أن لغز لم تُفك شفراته بعد. آتى المساء، بالعاشرة بسرايا الزهار. تحدث رامي لرفعت قائلاً: "جالي خبر إن هاشم الزهار سافر الإسكندرية امبارح." تبسم رفعت قائلاً: "عرفت بكده. يمكن رايح يتفسح ويروح عن نفسه."
تبسم رامي: "يمكن يروح ما يرجع والكل يرتاح منه. والله مش عارف عمتي مُهرة مستحملة كلب زي ده إزاي. هقول إيه، نصيب. أنا هطلع أنام، هلكان طول اليوم. الفرسة الجديدة دي شرسة قوي وهلكتني على ما عرفت أحط عليها اللجام."
تبسم رفعت قائلاً: "لأ، شد حيلك خلاص. جيرين قدمت ميعاد نزولها لمصر وعايزة تنبهر بالفرسة دي. وكمان أنا في قدامي كذا مكان كده ناوي أشتري منه خيول جديدة وأهجنها بالسلالات اللي عندنا. جالي عرض من مربي خيول في سوهاج اسمه (محسن الهلالي) واحتمال كبير أسافر الفترة الجاية سوهاج." تبسم رامي: "لا اطمن، قبل جيرين ما تيجي مصر هكون خليلتلك الفرسة دي رهوانة زي اسمها. يلا تصبح على خير. بس فين مراتك؟
مش باينة في السرايا. من شوية كنت عند جدتك وسألتني عنها، إنها مشفتهاش طول اليوم." تبسم رفعت: "زينب رجعت للشغب في الوحدة من تاني، وطبعاً ما صدقت طلعت من السرايا. بس اطمن، أنا بنفسي هروح أجيبها." تبسم رامي: "شكلك وقعت في عصاية والديك. دي آخرة اللي يقضيها مع المطربات والرقصات، تيجي الدكتورة تفرهده جري وراها." تبسم رفعت: "لأ اطمن، أخوك مش سهل برضه." تبسم رامي: "تصبح على خير." رد رفعت: "وإنت من أهله."
صعد رامي، بينما زفر رفعت أنفاسه بقلة حيلة، فالطبيبة لم تلتزم بما قاله. لكن في ذلك الأثناء، أتى إلى هاتفه اتصال. أخرج الهاتف ونظر للشاشة ثم رد باختصار: "قولي إيه آخر الأخبار."
رد الآخر: "زي ما سيادتك توقعت، هاشم والشخص ده اتقابلوا على يخت في نفس المكان اللي متعودين عليه، وبعد طلعوا باليخت بره إسكندرية ونزلوا في مرسى مطروح، ودخلوا عند واحد من شيوخ القبائل هناك. هبعتلك مجموعة من الصور له معاهم. وكمان بالنسبة للي اسمه سميح اللي حضرتك طلبت مننا معلومات زيادة عنه، موصلناش لجديد عن اللي سبق وقولته لسيادتك. هو شخص عادي وحياته عادية جداً."
رد رفعت: "تمام. عاوز كل تحركات هاشم خطوة بخطوة. وحاذر هاشم مش سهل يكتشف إن فيه حد بيراقبه." رد الآخر: "لأ اطمن، واخدين حذرنا. أول ما أوصل لمعلومات تانية عن لقاءه بشيخ القبيلة، هعرف حضرتك فوراً." رد رفعت: "تمام." وقف رفعت قليلاً ينظر لتلك الصور التي ترسل له على الهاتف. تحدث قائلاً: "يا ترى بتخطط لإيه يا هاشم، إنت والخاين اللي معاك ده."
أغلق الهاتف، ووضعه بجيبه ودخل إلى غرفة النوم الخاصة به، ومنها إلى الحمام. أخذ حماماً دافئاً وخرج بعد قليل، وارتدى ثياب رياضية مريحة، وخرج من غرفته، وذهب إلى الغرفة التي تجلس بها زينب. وفتح باب الغرفة ودخل ينظر بداخلها. زينب ليست موجودة. أيقن أنها لم تعد للآن، واخترقت اتفاقهم. تبسم بمكر، وذهب إلى غرفته، أخذ مفتاح سيارته وذهب إلى الوحدة.
بينما زينب بعد يوم طويل بالعمل الشاق، بعد عودتها للوحدة، شعرت بالإجهاد. هي لا تود العودة لتلك السرايا الأشبه بالحصن كما تقول. فكر عقلها قليلاً: "يا ترى ليه الأسوار العالية دي اللي حوالين السرايا ومزرعة الخيول؟ خايفين من إيه؟
" قطع تفكيرها فتح باب مكتبها ووقوف ذالك الذي يثني إحدى قدميه على إطار الباب، ونظر لساعة يده وتبسم قائلاً: "الساعة حداشر وربع بالليل. حصل زي ما كنت متوقع إنك مش هترجعي للسرايا في الميعاد اللي اتفقنا عليه. واضح كده من البداية إنك هتخلفي وعدك، يا مدام رفعت الزهار." تعصبت زينب من فتحه للباب كعادته دون استئذان، وليس هذا فقط ما عصبها، نعته لها بلقب مدام هو يلمح أنها أصبحت زوجته قولاً وفعلاً.
نظرت له قائلة باستنكار: "يعني هي كانت اتفاقية سلام ولا ترسيم حدود؟ عادي، كل الاتفاقيات والوعود دايماً بتخترق. هي معموله أساساً عشان تُخترق." تبسم قائلاً: "طالما كده يبقى هنفذ عقاب اختراق الاتفاقية اللي بينا وهنا في الوحدة." نظرت له زينب بتهكم. بينما هو نظر لها بتسلية وهو يدخل إلى المكتب ويغلق الباب بالمفتاح من الداخل عليهما، ويقترب من مكان جلوسها خلف المكتب بخطوات واثقة. بينما هي حين اقترب من مكان جلوسها، نهضت
تخلع معطفها الأبيض قائلة: "خلاص أنا خلصت شغلي، فعلاً الوقت اتأخر." لم يرد رفعت وجذبها من خصرها، ولف يديه حول يديها يقيد حركاتها، وقام بتقبيلها بقوة. ثم ترك شفتيها يبتسم وهو يراها تتنفس بقوة، وقال بوقاحة: "أيه رأيك نجرب سرير الحكومة نشوفه متين وهيستحمل ولا لأ." ردت عليه بلهث قائلة: "مش سبق وقولت مكيفتكش." رد رفعت بوقاحة: "وماله نجرب تاني، يمكن عشان كانت المرة الأولى ليكي، يمكن المرة التانية تكون أفضل."
نظرت له بغيظ قائلة: "اللي في دماغك مش هيحصل، يا رفعت يا زهار. إنت متعرفش أنا ممكن أعمل فيك إيه." تبسم رفعت ساخراً، لكن فجأة شعر بألم أسفل خصره، جعله يترك يديه اللذين كان يلجم بهما حركتها. ليس هذا فقط، بل جثى على ركبتيه أمامها يتألم بشدة. أخفت بسمتها وهي تراه راكعاً أمامها، لكن هو من بدأ بالسخرية والتهكم، وفرض هيمنته عليها، وهي ضاق بها الأمر من ذلك. نظرت لوجهه وحاولت
إخفاء بسمتها وقالت بتشفي: "قولتلك بلاش تتهاون معايا." رفع وجهه ينظر لها للحظة. خافت من تقاسيم وجهه الحانقة بشدة. رأت احمرار عروق جبهته، ليس هذا فقط، بل عيناه اللتان اختفى لونهما وأصبحا شفيرات دموية، وهو ينهض بصعوبة، يتحدى الألم الذي يشعر به. رأفت به قائلة: "خليني أساعدك، وهات مفاتيح العربية، مش هتعرف تسوق بحالتك دي."
نظر رفعت لها بتألم. كم يود سحقها الآن بين يديه، سحقها، بل قتلها أفضل، لكن ذلك الألم اللعين يمنعه. كز على أسنانه من الألم قائلاً: "وإزاي عرفتي إني جاي بالعربية؟ ردت زينب ببساطة: "توقعت كده. إنت بتخاف تمشي على رجليك، يا بتمشي راكب حصان، يا راكب عربية. مشوفتكش مرة ماشي على رجلك زي بقية الناس، يمكن بتخاف الشوز بتاعك يتعفر." رد بألم لا يهدأ: "توقعك غلط يا دكتورة، بس إنتي بتعرفي تسوقي عربية."
تبسمت زينب وهي ترى الألم بعين رفعت، رغم أنها تعلم مدى ألمه، وقالت: "عندي خبرة قليلة في السواقة، وكمان العربية بتاعتك تحكم إلكتروني مش يدوي، فسهل أسوقها." رد رفعت: "تمام، خلينا نطلع من هنا، ولينا حساب تاني في السرايا." تبسمت زينب قائلة: "حساب إيه؟ الحساب يوم الحساب، يا رفعت يا زهار." بعد قليل، دخل رفعت برفقة زينب لداخل السرايا. تبسمت زينب وهي تراه يمشي يعرج بوضوح، وقالت: "ميه بتلج." نظر لها رفعت بفهم، لكن
ادعى عدم الفهم وقال لها: "إيه ميه بتلج ده؟ حاولت زينب إخفاء بسمتها وقالت: "نزل الجزء اللي تحت من جسمك في ميه بتلج ومع الوقت هتحس براحة." نظر لها بغيظ، وقام بجذبها من ذراعها بقوة قائلاً: "عارفة لو حد تاني غيرك عمل فيا نص اللي بتعمليه كان زمانهم بيقروا على روحه الفاتحة، بس بلاش تتغري يا زينب." لم تستطع زينب إخفاء بسمتها، قبل أن ترد عليه بلسانها.
سمعت صوت محاسن تقول: "رفعت بيه، الحاجة إنعام كانت بتسألني عن الدكتورة وقولت لها هنزل أشوفها وصلت ولا لسه. كويس إنها رجعت." ترك رفعت يد زينب قائلاً: "وجدتي إيه اللي مصحيها لحد دلوقتي؟ مش عادتها تسهر بعد الساعة عشرة." ردت محاسن: "هي كانت نامت وصحيت تاني وسألتني عن الدكتورة وقالت لي إنها عاوزاها." تبسمت زينب قائلة: "أنا هطلع لها جناحها، وانتِ هاتي لرفعت لوح تلج كبير."
تعجبت محاسن قائلة: "ورفعت بيه عاوز لوح تلج كبير ليه." تبسمت زينب وهي تسير قائلة: "أهو عندك اسأليه عاوز لوح التلج ليه." صعدت زينب تبتسم، بينما عين رفعت جمرات ملتهبة، ليس فقط عيناه، لكن الصبر عليه التخلص من ذلك الألم أولاً. نظرت محاسن له وهو يسير يعرج، فقالت له: "بتعرج ليه يا رفعت بيه؟ سلامتك." رد رفعت: "مفيش بس وقعت على رجلي، هاتولي تلج لأوضتي بسرعة." ردت محاسن بحسن نية: "تلج ليه؟ ما تدهنها مرهم لوجع المفاصل."
رد رفعت بضيق وحسم: "قولتلك هاتلي لوح تلج لأوضتي." ردت محاسن: "حاضر براحتك، بس المرهم بيريح أسرع."
صعد السلم بخطوات متعثرة من الألم ودخل إلى غرفته، جلس على الفراش، يزفر أنفاسه. "تلك الحمقاء، بحركة منها جعلته يجثو على ركبتيه أمامها. كيف حدث هذا بلحظة غفلة منه، أم أن تلك الطبيبة لديها من الشراسة ما تدافع به عن نفسها. أصبح حائر كيف يتعامل معها. بسهولة يستطيع منعها الخروج مرة أخرى من السرايا، لكن ليس هذا حلاً، عليه الوصول لطريقة لإخضاعها له." في أثناء تفكيره، دخلت محاسن تحمل بيدها صندوقاً متوسط الحجم به مكعبات
ثلج متوسطة الحجم وقالت: "ملقتش عندنا الواح تلج كبيرة بس لقيت كمية التلج ده في الفريزر جمعتها في صندوق وجبتها لحضرتك." رد رفعت: "تمام، ادخلي املي البانيو بميه باردة وحطي فيها المكعبات دي، كفاية." دخلت محاسن فعلت ما قاله وخرجت بعد قليل، قائلة: "عملت زي حضرتك ما طلبت. لسه محتاج مني حاجة؟ رد رفعت: "زينب لسه في أوضة جدتي." ردت محاسن: "لأ، شوفتها طالعة من الأوضة وقالت طلعت لقيتها نايمة."
رد رفعت: "تمام، روحي انتي. تصبحين على خير." نهض رفعت وتوجه للحمام بخطوات متأنية، وخلع عنه ملابسه، ونزل إلى حوض الاستحمام. شعر بألم حين اصطدم جسده بالمياه المثلجة، التي تزداد برودة مع ذوبان الثلج، لكن بعد قليل شعر بانتهاء الألم رويداً رويداً، وتكيف جسده مع برودة المياه.
آتى لتفكيره تلك الشرسه. تبسم بخبث، ولما لا. رأى هاتفه الذي كان بجانب قميصه ووضعه على أحد الأرفف. جذبه وقام بإرسال رسالة لهاتفها يطلب منها الذهاب إلى غرفته. بينما زينب بعد أن وجدت إنعام نائمة، ذهبت لغرفتها. وقامت بخلع حجاب رأسها وأسدلت شعرها. فكرت في أخذ حمام دافئ ثم تتناول طعام خفيف وتنام، فهي هالكة. لكن سمعت رنين هاتفها. نظرت للشاشة وتبسمت، وقامت بقراءة: "رسالة رفعت: ممكن تجيلي أوضتي لخمس دقايق."
تبسمت قائلة: "غريبة، ليكون التلج ماثرش عليه. مصيبة."
ذهبت إلى غرفته، طرقت الباب، لم تسمع صوته، ظنت أنه ربما بحمام الغرفة ولا يسمعها. فتحت باب الغرفة، وبمجرد أن خطت لداخل الغرفة، باغتها يغلق الباب ويجذبها بقوته، وقام بتقبيلها بقوة، يسحب جسدها للسير معه، إلى أن اقترب من الفراش خلفها، فترك شفتيها وفك يديه من حولها، وقام بدفعها، لتقع على الفراش أمامه. شعرها كان مبعثراً حول وجهها على الفراش. تنفست ولمت شعرها، لكن قبل أن تنهض، وجدت رفعت ينقض عليها بالقبلات الجارفة. تركها مسلوبة الأنفاس ونهض عنها ينظر لها بتشفي قائلاً: "ده كان ردي عن اللي عملتيه في الوحدة من شوية. شايف مفيش فرصة مرة تانية معاكي. مش هتفرق برضو.....
" صمت ثم هز رأسه بلا مبالاة. بينما زينب سخرت منه قائلة: "عارف يا رفعت، لو فكرت كويس في اللي قولته لك هترجع تتشهاني. أهو حصل، بس أنا اللي كسبت المرة دي. رغم ألمك كنت عاوزني، بس عارف ليه سبتك من غير ما أقاوم؟ لأنك مكنتش هتقدر تكمل، لأن عندي عذر شرعي يمنعك. تصبح على خير يا رفعت."
قالت زينب هذا ونهضت من على الفراش، عدلت ملابسها وخرجت من الغرفة. ودخلت إلى غرفتها تتنهد بغضب. لا تنكر ذلك الوقح، أصبح له تأثير عليها. لولا ذلك العذر لكان من الممكن أن تسلم له مرة أخرى. قالت: "كل ده بسبب العادة اللعينة اللي عندي. إمتى أيامها تنتهي."
بينما رفعت هو الآخر، يشعر بغضب لم تستطع امرأة أن تسيطر عليه سابقاً. كان لديه القدرة في التحكم بنفسه، لكن معها كان يود أن يذهب معها لموجة عشق. أنقذه منها شعوره فعلاً بذلك الألم. فكر جيداً: "زينب لم تحاول إبعاده عنها، فهي تعرف أنه لن يقدر على فعل ذلك." فرك بيديه جبهته يتنهد قائلاً بمواجهة: "فوق يا رفعت. إنت مخطفتهاش من قدام هاشم الزهار عشان تحرق قلبه وتغرق إنت فيها." *** في اليوم التالي ظهراً.
بمجرد أن نزل مجد من تلك السيارة على مشارف قرية الزهار، سار قليلاً ينظر حوله. يريد أن يسأل أحد المارة يستدل منه سواء على سرايا الزهار أو الوحدة الصحية، ليلتقي بزينب يفاجئها بمجيئه. كان من السهل عليه الاتصال عليها أو على رقم رفعت الذي أخذه من والده، لكن يود أن تفاجئ زينب به أمام عينيها. سار بضع خطوات، رأى فتاة تسير بالقرب منه. قال: "إيه الموزة الصغيرة الحلوة دي؟
هي دي البنات مش البت زينب اللي شبه صبي البواب. بس دي أكلمها إزاي؟ أنا أبسبس لها وأسألها. أختي إجرام وأكيد البلد كلها عرفتها غير رفعت الزهار مشهور هنا." تنحنح يقول: "بس بس يا... في البداية، اعتقدت أنه شاب وقح يحاول معاكستها. تجاهلته ولم ترد وزادت في سرعة خطواتها. كذلك هو زاد بخطواته خلفها، إلى أن قال: "لو سمحتي يا آنسة، أنا مش بعاكس والله، أنا مش من القرية. ممكن أسألك على مكان هنا في القرية."
توقفت هبه تنظر له. هو شاب أنيق ويبدو عليه الاحترام. وبالفعل، لكنته وطريقة حديثه يبدو غريباً. قالت له: "اتفضل اسأل عن المكان." تبسم مجد قائلاً: "سرايا الزهار أو الوحدة الصحية." تعجبت قائلة: "أفندم؟ اختار واحد منهم أدلك عليه." رد مجد ببساطة: "أي مكان أبعد فيهم." قالت بتعجب: "نعم حضرتك؟ بتهزر."
رد مجد: "لأ والله. أصل أنا أقولك، أنا مجد السمراوي أخو الدكتورة زينب السمراوي. وهي بتشتغل في الوحدة الصحية وكمان اتأهلت من كام يوم وكتبوا كتابها على رفعت الزهار، وعرفت إنها سابت السكن وراحت تعيش في سرايا الزهار. مع إني كنت متوقع إنها تعنس، بس قدر ربنا بقى." تبسمت هبه قائلة: "حضرتك تبقى أخو الدكتورة زينب، مديرة الوحدة." تبسم مجد قائلاً: "آه والله أخوها، ومهندس بترول. تحبي تشوفي بطاقتي الشخصية ولا بلاش؟
أصل صورتي فيها مش حلوة." تبسمت هبه قائلة: "الدكتورة أنا مشوفتهاش غير مرة واحدة بالوحدة، بس واضح إنها شخصية قوية." رد مجد وهو يلف يده حول عنقه قائلاً: "هي مش شخصية قوية، هي جبروت. أنا عكسها خالص. أنا كيوت ولذيذ وبحب الضحك والهزار. أما هي قفل بعيد عنك. أنا بستغرب إزاي اتجوزت أصلاً." تبسمت هبه قائلة: "حضرتك مقلتليش عاوز أدلك على أي مكان؟ السرايا ولا الوحدة الصحية." رد مجد بدون تفكير: "أي مكان فيهم أبعد عن هنا."
تعجبت هبه قائلة: "حضرتك بتهزر، وبالطريقة دي هسيبك تسأل غيري." رد مجد سريعاً: "لأ خلاص، دليني على السرايا، عاوز أشوف رفعت الزهار ده." ردت هبه قائلة: "تمام، السرايا قريبة من هنا." همس مجد بندم: "يا ريتني قولت الوحدة، أهو كنت مشيت شوية جنب القمر اللي بيطلع بالنهار. دي البنات الرقيقة الكيوتة، مش المسجلة إجرام زينب أختي. ميجيش من وراها خير. يلا نصيبي." ردت هبه: "حضرتك بتقول حاجة؟
رد مجد: "لأ أبداً. كنت هقول شكلك لسه صغيرة وبتدرسي. يا ترى بتدرسي إيه؟ ردت هبه: "أنا ثانوية عامة." رد مجد ببلاهة: "لأ دا إنتي مش صغيرة قوي، فرق بينا أكتر حاجة سبع تمن سنين." تعجبت هبه قائلة: "أفندم؟ حضرتك تقصد إيه بفرق السن بينا؟ وعلى العموم خلاص إحنا وصلنا بوابة السرايا أهي. رن الجرس والحرس هيفتحلك. سلامُ عليكم."
وقف مجد سارحاً لثوانٍ ثم أخرج هاتفه وقام بالتقاط صورة لها. كم تمنى أن تنظر برأسها للخلف، يرى وجهها مرة أخرى، لكن اختفت من أمام عينيه بالطريق. توجه إلى جرس البوابة وقام بالضغط عليه. فتح له أحد الحراس بعد أن قال له اسمه، وقال إنه أخو الدكتورة زينب. طلب منه أحد الحراس إثبات هويته: "أخرج مجد حافظته وأخرج منها جواز سفر له." تأكد الحرس من الاسم، ثم قام باتصال هاتفي، ثم نظر لمجد قائلاً: "اتفضل حضرتك." تعجب مجد قائلاً
بسخرية: "على فكرة لسه مفتشتنيش، أنا شايل متفجرات في المحفظة." تبسم الحارس له. بينما دخل مجد متعجباً وهو يرى كل ذلك الحرس بالمكان، وقال: "تلاقي رفعت جايب الحرس دول عشان يضمن البت زوزي مش تهرب من فوق السور." لكن فوجئ بشاب يرتدي زي فارس، يقترب منه مرحباً بحفاوة، يمد يده يصافحه قائلاً: "لو كنت اتصلت عليا كنت بعتت عربية مخصوص تجيبك من القاهرة للشرقية. أنا رفعت الزهار."
تبسم مجد قائلاً: "وأنا مجد السمراوي، للأسف نسيبك. وحبيت أعملها مفاجأة لزوزي. هي فين؟ أوعى تقولي إنها في الوحدة، تبقى فرصة راحت مني؟ تبسم رفعت: "فعلاً في الوحدة، بس الوحدة قريبة مسافة دقايق. اتفضل معايا لجوه السرايا وأنا هتصل عليها عشان تيجي ومش هقولها إنك هنا." تبسم مجد يهمس قائلاً: "أول مرة أسمع كلمة سرايا خارج مسلسل تاريخي، والمكان نفسه يحسس الواحد إنه وقع في كتاب التاريخ والعصر الروماني." *** بمنزل هاشم الزهار.
دخلت الخادمة إلى غرفة سيدة المنزل. انفجعت وهي تراها راقدة بالفراش، العرق يغزو جسدها وتنتفض بشدة. اقتربت منها، تقول: "مدام مُهرة." كانت مُهرة بعالم آخر تهذي قائلة: "وسيم." اعتقدت الخادمة أنها تريدها أن تتصل بوسيم. بالفعل، مسكت هاتف مُهرة وقامت بالاتصال على رقم وسيم، لكن لا رد. ارتجفت الخادمة قائلة: "الدكتور وسيم مش بيرد." ردت مُهرة دون وعي منها: "رفعت الزهار."
بحثت الخادمة بين الأسماء ووجدت اسم رفعت، فقامت بالاتصال عليه. رد سريعاً يمزح، لكن تفاجأ بقول الخادمة: "مدام مُهرة معرفش إيه جرالها، وبتصل على الدكتور وسيم مش بيرد، وهاشم بيه مسافر." رد رفعت قائلاً: "أنا جاي مسافة السكة."
وبالفعل، ما هي إلا دقائق كان يدخل رفعت بسيارته إلى ذلك المنزل، وسار سريعاً بجوار تلك الخادمة ودخل لغرفة مُهرة. للحظة شعر بغثيان، لكن تحمل ذلك البغض، واتجه إلى الفراش وحاول إفاقة مُهرة، لكن هي تهذي بعالم آخر. وضع رفعت ذلك الوشاح يغطي شعرها به، وقام بحملها والنزول بها سريعاً إلى مكان سيارته. لكن كانت تهذي قائلة: "وسيم، أختي، نعمان، وما أثار دهشته، رضوان، رفعت رجع من تاني." *** بينما بكلية الطب البيطري.
أنهى وسيم محاضرته وذهب إلى مكتبه. وضع هاتفه الصامت أمامه على المكتب، ونسي أن يشغل الصوت مرة أخرى. فتح حاسوبه وبدأ بقراءة بعض الأبحاث. سمع طرقاً على الباب، ثم دخلت فتاة. رائحة عطرها الفواح سبقتها إلى أنفه. رفع وجهه عن حاسوبه ونظر أمامه، ثم وقف قائلاً بذهول: "لمى (ألما) تبسمت ألما وهي تسير، بدلال أنثى فاتنة، بزيها الضيق والقصير الذي بالكاد يصل لمنتصف ركبتيها. كانت ترتدي نظارة شمس سوداء، خلعتها وهي تقترب منه بدلال،
قائلة: "سومو، وحشتني كتير." بلحظة كانت تلف يديها حول عنقه تقبل خده، وتركت أثر قبلتها على وجنته. اندهش وسيم من فعلتها الجريئة، لكن قبل أن يبعدها عنه، كانت ليلى كعادتها تفتح باب المكتب وتدخل دون استئذان، لتنصدم مما رأت. وسيم يحضن امرأة صارخة الأنوثة، كما أن هناك آثار حمرة شفاه على وجنته. رغم شعور ليلى بالخجل، لكن قالت: "على فكرة هنا جامعة محترمة. مش عارفة إزاي سمحوا بدخول العاهرة دي." نظرت لها ألما قائلة: "أي عاهرة؟
إنتِ مين بتكوني عشان تكلميني بالطريقة دي." ردت ليلى: "أنا طالبة هنا في الجامعة، بس أول مرة أشوف دكتور وسيم في منظر مخجل. يا خسارة يا دكتور، سقطت من نظري كتير."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!