في شقة ما تتواجد بأحدي المناطق الراقية والهادئة، كان مروان وملك قد ذهبا لتوهم وتركوهما بمفردهما بعدما قالوا لتسنيم إذا لم يتفقا فلتذهب إلى شقتها. لم تكن سلوى يعجبها أي شيء مما تفعله ابنة شقيقتها، فأردفت سلوى قائلة بحنق، فهي لا تصدق أي حماقة ارتكبتها ابنة شقيقتها بنفسها، فهل يعقل أن هناك امرأة توافق على زواج زوجها إلا إذا كانت قد فقدت عقلها؟
فهي ترى أن تلك الحسناء لابد أن لها هدف وهو تدمير حياة ملك. فما الدوافع التي تجبرها على الموافقة بالزواج من رجل متزوج وبتلك الظروف والأسباب؟ "بصي يا بنتي أنا مليش دعوة باللي يقوله مروان وملك. أنا عارفة كويس إن بنت اختي هبلة علشان تجيب ضرة لنفسها بأي مبررات وحجج."
نححت تسنيم وحاولت التحدث بنبرة هادئة، فالواقع قد انطفئ تمردها بعد تلك الأشياء التي مرت بها مؤخرًا، كانت تريد فقط التخلص من هذا البيت بأي شيء قد يكلفها وأي عرض قد يُقدم لها، ولكن تثق في صديق والدها وهو من أقنعها أن توافق وتؤمن هذا الشاب على نفسها. "حضرتك متعرفنيش علشان تحكمي عليا وأنا والله ما في نيتي حاجة زي ما انتِ متخيلة." قهقهت سلوى قائلة بسخرية، فهي تحاول ألا تصدق تلك الدموع التي تحسبها في عينيها.
"أهو كله كلام. مين تقبل تكون زوجة تانية لواحد وهي عارفة إيه غرضه من الجواز؟ إلا لو ناوية على الشر أو مروان معيش بنت اختي في كدبة، مهو الموضوع مش طبيعي أبداً." أردفت تسنيم قائلة وهي تحاول أن تلم ما تبقى من كرامتها المهدورة، فالمرأة لديها كل الحق، ولكن للأسف لم تسيطر على دموعها التي هبطت منها.
"فعلاً مفيش واحدة تقبل ده إلا لو شافت الذل وشافت بلاوي في حياتها وأمنية حياتها تنام مرتاحة. يمكن انتِ تعرفي أسباب اللي خلت أستاذ مروان يعمل كده، بس لسه متعرفيش أسبابي. يمكن أنا صغيرة علشان أقولك متحكميش على حد من غير ما تعاشريه. مفيش واحدة في سني تقبل إنها تتجوز واحد متجوز ومتعرفش حتى تنطق اسمه من غير ألقاب، إلا لو في حاجة غصباني أكتر من أستاذ مروان نفسه."
أردفت سلوى قائلة بعد أن أخذت نفس طويل، فلا شك أن دموع تلك الفتاة أثرت بها وحاولت أن تشغل عقلها قليلاً، فالوقت كافٍ لأن يُظهر كل شيء. "أنا لو مِت بنت اختي على اللي عملته، بس الأيام بتبين معدن كل واحد، وهيبان كل شيء مع الوقت ولما أفهم إيه حكايتك." ***
بعد مرور ثلاثة أشهر تقريبًا في منطقة سكنية راقية، تحديدًا في شقة مروان وملك، التي تبتعد عن شقة سلوى بمسافة ساعة ونصف. نهض من فراشه وهو غاضب كثيرًا، ونادرًا ما يصل إلى تلك الحالة. ارتدى قميصه وتوجه إلى الشرفة لعله يستطيع أن يأخذ أنفاسه، فهي تنجح في إغضابه وإفساد لحظاتهم السعيدة كما يحدث في الآونة الأخيرة. نهضت ملك ودخلت إلى الشرفة أيضاً ليتركها لها وعاد مرة أخرى إلى الغرفة لتعود خلفه.
"يعني انتَ خلاص مبقتش مستحمل كلمة أقولها يا مروان." أردف قائلاً بصوت مرتفع وغضب، فهو لا يريد تلك الحياة، لا يريد أن يقضي لياليه في الشك وهذا الجو الذي يحبس أنفاسه. "اه مبقتش مستحمل إن حياتنا كل يوم هنتكلم عن تسنيم، وعن أوهام وكلام فارغ ملوش أي ستين لازمة." أردفت قائلة بغضب شديد والغيرة تعميها. "ده مش كلام فارغ، هي مراتك وله نسيت." أردف مروان قائلاً بغضب شديد، فهو إنسان ويكفيه ما يتفوه به والده عند كل مكالمة.
"مراتي!!! بتتكلمي عن واحدة مبشوفهاش أصلاً والموضوع كله شفقة، فمتخلنيش أتنرفز عليكي وأسيبلك البيت وأمشي، أنا زهقت." أردفت قائلة بغضب شديد وهي تعقد ساعديها. "زهقت مني وعايز تمشي، وايه كمان يا مروان؟ من امتى بقى في أي خناقة تمشي؟ راعي مشاعري وحس بيا شوية ياخيبتك."
وتساقطت منها الدموع رغم أنها كانت غاضبة وتقف بكل شموخ، جلست على طرف الفراش وهي تقبض بيديها غطاء فراشها لعلها تسيطر على أعصابها. لم يتحمل مروان دموعها رغم أنه هو الأكثر غضبًا الآن، فجلس بجانبها، وأردف قائلاً وهو يحك مؤخرة رأسه. "انتِ إيه اللي مضايقك فهميني طيب وبطلي عياط. ليه غاوية تنكدي علينا."
أردفت قائلة وهي تنظر له وتضع كفها على وجهه وتمررها على وجنتيه وكأنها تحفظ ملامحه وتخشى فقدانها بسبب نقصها التي لن تستطيع أن تفاديه أو تعوضه. "بغير عليك وخايفة تروح مني يا مروان، خايفة في يوم ألاقيك سبتني. أنا بحبك أكتر من نفسي، انتَ أول واحد أحبه وأول كل حاجة في حياتي، أول كل حاجة ممكن تحس بيها البنت تجاه واحد أو حاجة تعملها مع واحد كانت معاك انتَ. افهمني أرجوك."
أخذ يديها وقبلها ثم وضع وجهها بين كفيه وقبل جبهتها وأردف قائلاً وهو ينظر إلى داخل عينيها ليرى ماهيتها. "ملك أنا سبت أهلي وعيشت هنا علشانك، وعمري ما حبيت قدك. أقولك إيه تاني." زادت تلك الدموع التي تهبط من عينيها وأردفت من بين دموعها قائلة وهي ترى نقصها وتشعر به.
"بس أنا هفضل مش عارفة أسعدك وهكون سبب زعلك وهيجي يوم وهتلاقي اللي تقدر تجيبلك عيل واتنين وتلاتة وأنا مش هعرف أحقق ليك ده. أكيد هيجي يوم وهتمل، دلوقتي انتَ مش فارق معاك علشان لسه صغيرين، لما العمر يجري هتلاقي نفسك عايز تكون أب." أردف مروان قائلاً برفق وهو يحاول ألا يزعجها. "أنا كنت عارف قبل ما أتزوجك، انتِ مضحكتيش عليا برغم كده بعد ما اتخرجنا جيت اتقدمتلك وقولتلك مش فارق معايا."
هبطت الدموع من عينيها دون توقف وكأنها تعرف طريقها، وأردفت قائلة. "أيوه بس أنا مكنتش أعرف إنك مقولتش لأهلك. وحتى لو انتَ راضي بالوضع ده أهلك لأ. ومن ساعة ما عرف وهو كل شوية يتخانق معاك وادي النتيجة. اتجوزت علشان ترضيه. طب تفتكر بعد ما أبوك عرف إنك اتجوزت تاني هيسكت؟ لا طبعاً، كلها شهر وله شهرين هتلاقيه بيسألك مراتك محملتش زي ما عمل معانا."
تنهد وأردف مروان قائلاً بضيق حاول إخفاءه فيعلم أن والده لن يصمت لفترة طويلة، فهي معها حق في تلك النقطة. "ممكن تشيلي هم النهاردة وبس، متفكريش في حاجة." "وتسنيم ؟؟ أردف قائلاً بمكر شديد وابتسامة تجعلك تطمئن.
"يعني لو مكناش شغالين أنا وانتِ في نفس المكان وأربعة وعشرين ساعة تحت عينك والبنت قاعدة مع خالتك غيرانة منها، في إيه ده. حتى لما بحب أعرف إيه أحوالها بكلم خالتك في التليفون ومصاريفها ببعتها على حساب خالتك علشان أريحك إني مش بشوفها. أنا عملت ده علشان أخلص من كلام أبويا وأمي وعلشان محدش يقعد يكلمك في حاجة. ولولا إن لقيت ظروف تسنيم كده وغلاوة أبوها عندي عمري ما كنت أفكر أتزوج عليكي."
أردفت ملك قائلة بنبرة مستفهمة من قدرها. "مش عارفة هو أنا حظي حلو زيادة علشان ربنا رزقني بيك، وله انتَ بتعرف تضحك عليا." ضحك ثم شدها إلى أحضانه، وأردف قائلاً. "الاتنين. أنا بعرف أثبتك. تعالي في حضني، يخربيت البوز اللي بتضربيه ده." *** بعد مرور ما يقارب أربع سنوات، فقد مر على وفاة ملك عام ونصف، فقد اشتد مرض قلبها وأزماته عليها لتفارق الحياة تاركة قلب مروان مفتوراً.
في شقة سلوى كانت تحتسي الشاي وبجانبها تجلس تسنيم، فكان اليوم يوم مميز لتسنيم، أخيراً تخرجت من كلية التجارة. وأخذت سلوى تقص أكثر سنوات تكرهها في عمرها، فلقد تعودت على ملك ووجودها في حياتها قبل وفاة ملك، وحتى بعد وفاتها أصبحت جزء من عائلتها. تنهدت سلوى بعد أن أفصحت عن الجانب التي تكرهه.
"بس ياستي لما اتطلقنا أنا وابوه ونزلت مصر، فضل ابني معايا ست سنين. لما جه وقت دخوله الجامعة أبوه عرض عليه إنه يدرس هناك ويعيش معاه سنين الجامعة دول." أردفت تسنيم قائلة بتلقائية. "طب وليه ما رفضتيش إنه يدرس برا؟ قالتها سلوى بسخرية شديدة وتحاول كبح دموعها. "قعد يقولي مستقبلي هناك أحسن واني معطلوش عن مستقبله." "طب وليه مرجعش يقعد معاكي بعد ما خلص دراسة؟
"العيشة برا عجبته وكده كده كان خلص طب ونفس تخصص أبوه أغراه بالشغل هناك ومن ساعتها مرجعش والغربة قسته، حتى مبيتصلش بيا لوحده لازم أنا اللي أكلمه." أردفت تسنيم قائلة وهي تشعر بعذاب الضمير الشديد، فهي من جعلتها تقص تلك القصة المؤلمة. "أنا مضايقة أوي، مكنتش أعرف إن حكاية ابنك كده، كنت فاكرة إنه بيشتغل برا وخلاص ومكنتش بحب أسألك في الأول علشان مظهرش ليكي إني حشرية." مسحت تلك الدموع التي هبطت منها، ثم أردفت سلوى قائلة.
"وأنا مكنتش بحب أتكلم في الموضوع ده مع أي حد خالص علشان بفتكر وجع القلب، بس بمناسبة نتيجتك لقيت نفسي بحكيلك لوحدي افتكرت ابني مشي إزاي." أردفت تسنيم قائلة بعدما نهضت وقبلت رأسها وأخذتها في أحضانها. "خلاص متزعليش، بكرة يعرف قيمتك ويرجعلك تاني." "الغربة خلاص قستني." رغم أنها شعرت بما تكتمه المرأة من ألم بداخلها، ولكن حاولت كعادتها أن تبدأ في مشاكساتها. "خلاص مش أنا بنتك زعلانة ليه بقى وله انتِ كنتي بتضحكي عليا."
ابتسمت سلوى ثم أردفت قائلة. "والله معرفش مين بيداوي جرح التاني، لولا إني لقيتك معايا ساعة موت ملك، أنا كنت انهارت لوحدي. ملك كانت آخر حد ليا في الدنيا وأمها ميتة من زمان، كنت أنا شبه اللي مربياها، كانت أغلبية الوقت عندي وشوية مع أبوها، مهو أصله اتجوز بعد موت أختي بشهر واحد حتى مستناش." قاطعتها تسنيم وأردفت ملك قائلة بنبرة حاولت جعلها لينة. "خلاص بقى انتِ النهاردة قالبة الدنيا نكد ليه وبتفكرى كل حاجة سوداء؟
ربنا يرحمهم ويسكنهم فسيح جناته." أردفت سلوى قائلة باستغراب شديد من ذلك القدر. "ربنا كبير فعلاً، مين يصدق إني هحبك كده وهتونسيني رغم اعتراضي عليكي في الأول وساعتها اتخانقت مع ملك الله يرحمها." "كل مصيبة ربنا بيبعتها أكيد بتكون خير، بس احنا اللي بنفتكرها شر. كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع." "قولي يا بنتي."
أردفت تسنيم قائلة بخجل وهي تريد أن تنهي ذلك الموضوع، فيكفي كل ما مر عليها، يجب أن تكون حرة وتختار شريك لحياتها وعلى الأقل تذهب كما تريد وتجلس كيفما تريد، فكانت تغلق قلبها طوال تلك السنوات التي مضت رغم ظروف زواجها، ولكنها كانت تغلق على قلبها حتى لا ترتكب أي خطأ تجاه ذلك الرجل الذي أعطاها اسمه.
"كنت عايزة تِكلمي أستاذ مروان علشان يطلقني، خلاص هو عمل اللي عليه وزيادة وكتر خيره السنين دي كلها، أنا اتخرجت فملوش لازمة واحنا كنا متفقين على المدة دي مش أكتر من كده." "طب وهتعملي إيه بعد ما هتطلقي؟ هتسبيني بعد ما اتعودتي عليا يعني؟ أردفت تسنيم قائلة برفق وحب، فهي لن تتركها أبداً.
"أكيد مش هسيبك وهجيلك كل يوم كمان وممكن أبِيت معاكي، بس على الأقل أجر شقة أي شقة تكون أوضة وصالة حتى يكون ليا بيت وليا مكان، لإن استحالة أرجع أعيش معاهم. وبعدين اللي بيني وبينك دلوقتي أكبر من ورقة جواز، أنا هنا علشان حسيتك أم ليا." أردفت سلوى قائلة وهي تربط على كتفها. "طب ما يطلقك وتخليكي قاعدة معايا برضه ليه تمشي يا بنتي."
"شغل الهاند ميد والحاجات دي بتجبلي فلوس كويسة، أنا بقالي فيه من ساعة ما دخلت الجامعة معايا فلوس وأكيد هشتغل بشهادتي بجانب الشغل ده فلازم يكون ليا بيت يكون بتاعي ومكان أرجع له." "يعني بقولك بنتي ومعتبرة نفسك غريبة عني؟ أردفت تسنيم قائلة رغم حبها لها وتقديرها، ولكن تريد أن يكون لها بيت تعود له مهما مر عليها، فالنفوس من السهل تغييرها، فهي لا تريد أن تكون عبئًا على أحد حتى مروان تعرف كيف ترد إحسانه.
"صدقيني أنا مش هسيبك، انتِ خدتيني في حضنك أربع سنين نمت فيهم مرتاحة مش خايفة، كنتي ليا أم فيهم أكتر من أمي نفسها، بس أنا لازم يكون ليا أساس." "خلاص يا بنتي، لما يجي هقوله." "وأنا مش هعرف أمي إني اتطلقت." ***
في صباح اليوم التالي مباشرة، توجهت تسنيم إلى تلك العمارة التي تتواجد في نفس الشارع التي تسكن به سلوى، فقد استأجرها مروان حتى تكون شقة الزوجية أمام أهل تسنيم، فحينما يأتي أحد منهما لزيارتها تتجه إلى شقتها وتكتفي بقولها أن زوجها مسافر، وفالواقع عائلتها لم تكن تأتي أبداً إلا حينما تحتاج والدتها إلى أموال وتنقطع العلاقة بينهما لأشهر حينما ترفض تسنيم مساعدتهم أو طلب ذلك من مروان.
كانت بالفعل تقيم مع سلوى بعد أن تحسنت علاقتهما، ولكن الآن تحاول أن تأخذ أي غرض متعلق بها يتواجد هنا، وتضعه في حقيبة صغيرة، فأغلب أشياءها تتواجد عند سلوى، كانت تريد أن تنهي كل شيء حتى حينما يطلقها ينتهي كل شيء بينهما. وبالفعل اتصلت به سلوى بالأمس وقال إنه سيأتي بعد أسبوع تقريباً.
دق الباب فاستغربت تسنيم فمن سيأتي لها، فقد مرت شهور على آخر زيارة لوالدتها لها حينما طلبت منها أموال لمساعدة زوجها في مشروعه الجديد، وحينما رفضت أقسمت ألا تدخل بيتها مرة أخرى. ذهبت تسنيم ناحية الباب وحينما فتحته وجدت رجل كبير في العمر نسخة من مروان، ولكن ما يفرقهم عن بعضهما ذلك الشيب الذي حل عليه وعلامات الزمن، ومعه شاب آخر لم تتعرف عليهم جيداً في البداية، فأردفت قائلة باستغراب وملامح مبهمة. "مين؟
أردف محسن قائلاً بابتسامة هادئة وهو يستند على عكازه. "أنا حماكي يا بنتي، مش انتِ تسنيم برضو؟ قالتها بصدمة حينما أدركت الشبه بينهما وتذكرت تلك الصور التي رأتها، واستوعبت كلماته أخيراً. "حمايا؟ أردف محسن قائلاً بابتسامة هادئة وهو يشير إلى أحمد المتواجد بجانبه وهو يدرك ما تمر به من صدمة. "أيوه يا بنتي وده أحمد أخو مروان، أنا عارف إنك مستغربة لأنك أول مرة تشوفينا."
صمتت لدقيقة تقريباً ثم تنهدت بتوتر وأردفت قائلة لهم وهي تبتعد عن الباب وتشير ناحية الداخل. "اتفضلوا طيب." "انزل يا أحمد انتَ هات الحاجات اللي محتاجها عقبال ما أقعد مع تسنيم." قالها أحمد بهدوء. "حاضر يا بابا مش هتأخر أقل من ساعة هاجي وهكون هنا." ذهب أحمد ليدخل محسن ويجلس على إحدى المقاعد وهو يرى البيت غير طبيعي، فلا يتواجد اثنان يقيمان هنا أبداً فيشعر ببعض الأتربة التي تتواجد على الأرض، فأردف محسن قائلاً باعتذار.
"معلش يا بنتي جيتلك من غير ميعاد بس فات بدل السنة أربعة وأنتِ متعرفيش أي حاجة عن أهل جوزك، ولا مرة جابك علشان تتعرفي علينا ودايماً بيتحجج إنك عندك جامعة." تنحنت تسنيم وأردفت قائلة بنبرة حاول جعلها واثقة بعض الشيء. "آه فعلاً أنا كنت بدرس والدراسة بتبقى واخدة وقتي." أردف محسن قائلاً بمرح وهو يراها تقف مكانها عند الباب ولم تتحرك. "مش هتضيفي حماك وله إيه يا بنتي."
أدركت حماقتها ولكنها ليست واثقة أن تلك المقابلة ستمر على خير. "آه معلش أسفة." أردف محسن قائلاً بنبرة ماكرة وهو يبتسم في وجهها. "اعمليلي فنجان قهوة، أنا قهوتي زي مروان." وجدها صمتت ولم تنطق، فأردف قائلاً باستغراب. "إيه يا بنتي مالك مسهمة ليه؟ لو مفيش قهوة اعمليلي شاي." أردفت قائلة بأول شيء قد أتى في خاطرها. "أنا آسفة جداً حضرتك بس أنا بقالي فترة كنت عند والدتي كانت تعبانة شوية، فمفيش حاجة في البيت خالص للأسف."
أردف محسن قائلاً بتفهم، فتلك الحجة قد دخلت على عقله قليلاً. "ألف سلامة عليها، آه طبعاً مهوا مروان مسافر، لو كان في البيت مكنش يستغني عن القهوة." ابتسمت تسنيم ثم حاولت أن تتلافى خطأها وأردفت قائلة. "هكلم البواب يجيب حاجات ويبعتها وأعمل لحضرتك القهوة." أردف محسن قائلاً بتفهم وهو لا يهمه أن يشرب شيئاً، فهو يريد أن يدخل في الموضوع الذي أتى من أجله. "خلاص يا بنتي اقعدي، مش عايز أشرب حاجة، أنا عايز أتكلم معاكي."
جلست على إحدى المقاعد البعيدة عنه وأردف محسن قائلاً بنبرة حانية وجريئة كعادته، فهو يريد أن يرى أبناء مروان، فلقد أنجب أخيه الأصغر وشقيقه الآخر سوف يتزوج وما زال الكبير لم ير له ذرية. "انتِ إيه أخبارك يا بنتي، مفيش حاجة جاية في الطريق؟ أردفت قائلة بحماقة شديدة، فعقلها قد توقف عن العمل. "مين اللي هيجي؟ نظر لها نظرة ذات معنى، فلا يظن أن هناك معنى آخر لحديثه، فأردفت قائلة بحرج شديد حينما استوعبت كلامه. "ربنا لسه ما أذن."
"كله بإذنه ونعم بالله برضه، وأنا مقدر إن مروان كان سايبك علشان دراستك، بس على حسب ما أعرف دي كانت آخر سنة ليكي في الجامعة، فمفيهاش حاجة لو رحتوا لدكتور وشوفتوا إيه سبب التأخير، ده ولا عيب ولا حرام لقدر الله لو حد فيكم في حاجة تعالجوها، ربنا زي ما خلق الداء خلق ليه الدواء وقال ناخد بالاسباب، أنا نفسي أشوف عيال مروان." أردفت قائلة بإحراج شديد. "آه خلصت الحمدلله، لما مروان يجي هبقى نتكلم أنا وهو في الموضوع."
"حضري شنطك بقى يا بنتي علشان تروحي معانا." "أروح معاكم فين؟ "المنصورة وتشوفي أهل جوزك، ينفع بعد السنين دي كلها متجيش تعرفي أهل جوزك، وتعرفي حماتك، خصوصاً إن كمان 10 أيام فرح أحمد. إحنا اللي خلينا ننشغل السنين دي كلها عنك هو تعبي، كنت بقعد بالشهور مبتحركش من السرير."
أردفت تسنيم قائلة بإحراج، فهي لا تعلم أي شيء، حتى وإن قد سمعت بعض الكلمات من سلوى عن مرضه، فلا تتواجد امرأة لا تعرف بمرض والد زوجها ولا تذهب لزيارته، فهي تشعر لأول يوم بمدى حماقة الموقف التي وضعت به. "حمد الله على سلامة حضرتك، طب سافروا انتوا النهاردة وأنا هستنى مروان لما يرجع من إسكندرية ونيجي أنا وهو سوا." "لأ مروان ييجي وقت ما ييجي بقى ملناش دعوة، ده ممكن ييجي قبل الفرح بيوم وحماتك موصياني أرجع بيكي."
حاولت أن تمثل دور الزوجة المصونة على أكمل وجه. "طب مش لازم أقوله الأول يعني؟ معقول ييجي ميلاقنيش في البيت؟ ميصحش." "عداكِ العيب يا بنتي، لازم طبعاً تاخدي إذن جوزك، أنا هكلمهولك دلوقتي." قالها وهو يخرج هاتفه من جيبه. *** في الإسكندرية عروس البحر المتوسط، في إحدى المطاعم المتواجدة على البحر. كان مروان يجلس في مكتبه، رن هاتفه فوجد رقم والده فأجاب بنبرة هادئة. "الو يا بابا عامل إيه؟
أردفت تسنيم قائلة وهي ترسم الابتسامة على أكمل وجه أمام محسن. "الو يا مروان." "مين؟ "أنا تسنيم يا مروان، عمو محسن جه القاهرة النهاردة ومعايا اهو في البيت، الحمدلله إن قبل ما يجي كنت لسه واصلة من عند ماما." شعر مروان بالاستغراب الشديد وحاول أن يترجم ما سمعه، فحتى إذا قرر والده الذهاب فمن أين علم عنوان تلك الشقة، فأردف محسن قائلاً وهو يوجه حديثه إلى تسنيم. "اديني الواد ده هيقعد يستجوبك." ***
أغلق مروان الهاتف وهو يشعر أن هناك شيء على وشك الحدوث وكان يشعر بالاستغراب الشديد مما فعله والده، فهو دائماً يغلب توقعاته. اقترب منه محمود بعدما دخل عليه ووجده يتحدث على الهاتف فلم يقاطعه. "مالك يا بني مين كان بيكلمك؟ "أبويا." قالها وهو يمسح وجهه بيده ويأخذ أنفاسه، فأردف محمود قائلاً. "في حاجة وله إيه؟ شكلك مش طبيعي." أردف مروان قائلاً وهو يحاول أن يجد بعض الإجابات على أسئلته.
"أبويا راح خد تسنيم علشان يعرفها على العيلة وتحضر فرح أحمد، أنا إزاي مفكرتش في كده أو إنه ممكن يعمل كده، على الأقل كان قالي إنه عايزها تيجي، ليه يفاجئني كده وعرف العنوان منين؟ أردف محمود قائلاً بنبرة هادئة ومرحة، فهو صديقه من أيام الجامعة ويعلم سبب زواجه بتلك الفتاة. "وايه يعني، يمكن دي علامة يا برنس بدل ما تطلقها تتجوزها."
"ممكن تغور من وشي، أنا مش ناقص هزارك. أبويا من النوع اللي هيستفسر عن كل كلمة وكل يوم عدي أيام مرضه، يادي النيلة بجد، مش قادر أتخيل."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!