في صباح اليوم التالي، كانت تسنيم تقف في المطبخ تجلس على المقعد وهي تشاهد فيديو لصنع الخضار السوتيه والأرز المسلوق. لم تكن لديها خبرة كافية في الطعام بشكل عام، وخبرتها لا تتضمن الأكلات التي يأكلها. صاحت بحرية تامة، فهي تعلم أن مروان في المطعم. "إيه ده؟ هو أنا عايزة أعمل أكل لجوزي، ولا رايحة آكل في المستشفى؟ كملي يا ست الرغاية، أومال لو جايباكي تعمليلي محشي ولا حاجة عليها القيمة."
قالت كلماتها الأخيرة ساخرة من الفتاة التي تشرح في الفيديو وتتحدث في الكثير من المواضيع الجانبية أثناء الشرح. ولحسن الحظ، وجدت ما تحتاجه في الثلاجة والمطبخ، ليكن الموضوع سهلًا. تنهدت متمتمة بعد دقائق بضيق. "يا أختي، أنا أعرف الواحدة لما تعمل أكل لجوزها.. طاجن بامية.. محشي.. صنية مكرونة.. حاجة عليها القيمة، مش خضار سوتيه." رن هاتفها ليقاطع حديثها، وجدتها صديقتها ميرنا. أجابت عليها ليأتيها صوت وفاء.
"أمانة عليكي ما تقفلي يا تسنيم، أنا عايزة أكلمك ووحشاني." كانت نبرة وفاء متوسلة للغاية، فأجبرت تسنيم على سماعها، فما بينهما عشرة أربع سنوات.
في المساء، صعد مروان إلى الشقة وذهب لأخذ حمام ساخن بعدما أصرت على أن يتناول في الأسفل أطلاقًا. فهي صنعت طعامًا خصيصًا لأجله، رغم شعورها بالانزعاج من مكالمة وفاء لها. فهي من فضحت سرها أمام شريف، ولكن صديقتها كانت لها بمثابة عكاز لمواجهة الحياة. فتشعر بالضيق الشديد كونها لا تستطيع أن تذهب لها، وضميرها يؤنبها من الابتعاد. والألعن هو قول ذلك الشيء لزوجها. يا للقدر العجيب، أصبحت تصف نفسها بزوجته وتقولها بنبرة صريحة بأنه زوجها. حقًا، أدركت أن مروان ليس رجلًا ينجذب لأي امرأة. فهمت من ريهام الكثير من النساء التي حاولت التودد له ولم يفعل، وحتى نظرات منار تكاد تقتلها، متفهمة بأنها قد أخذت الرجل التي تحلم به. كانت تقف في المطبخ وتشرد في أفكارها.
ليأتيها صوته الرجولي من الخارج وهو يجلس على الطاولة منتظرًا إياها. "يا تسنيم يا شربيني.. يلا أنجزي علشان ورايا مشوار هروح أجيب حاجات للمطعم." تنهدت بنبرة عالية حتى يسمعها. "جاية أهو استنى."
أخذت تضع الطعام في الأطباق ثم ذهبت له واضعة إياهم أمامه، لتذهب أكثر من مرة وتأتي. فقد أضافت بعض السلطات وأضافت في آخر لحظات صدور الدجاج المشوية التي قامت بتحضيرها حتى تستطيع تناولها، فلن تأكل الأشياء الأخرى. فسيكون شيء مشترك بينهما، فلم تضع عليه زيوت حتى يتناوله بصدر رحب. لا تعرف شيئًا هنا، ولكن لحسن الحظ هي ريهام منقذتها التي هاتفتها وطلبت منها مساعدتها في هذا الموضوع، لترسل لها ريهام عاملاً من السوق يحمل ما تريده.
فهتف مروان بابتسامة واسعة. "إيه الرضا ده يا عم.. خايف أتكلم أحسدك." تنهدت بنبرة مرحة قليلًا. "قلت أعملك حاجة يكون ليا منظر." "قد إيه انتِ ست عظيمة، طمر فيكي الفيلم الرعب." رمقته بسخرية، هاتفه بحنق. "متفكرنيش، دي خروجة إيه دي.. ده انتقام.. أنتَ مخرج نفسك مش مخرجني." أجابها بنبرة مرحة وهو يداعب خصرها مقربًا يديه بمرح، لتنفض قليلاً. "أيوه بقا أركب الهوا.. وبعدين إحنا واحد، لما أعمل حاجة تبسطني المفروض تبسطي انتِ."
"طبعًا طبعًا.. يلا كل بقا وقولي رأيي." أومأ لها موافقًا، فشرع يتناول طعامه وكان مذاقه جيدًا. فهو أكثر شخص يمكنه التذوق، فهي لم تتناول بعد. فترقبه وكأنها لا تمل، فتبدلت الأدوار، هي من تراقبه الآن. فهتفت بحماس وكأنها طالبة تنتظر النتيجة. "هااا حلو ولا لا." "يا عم لو ناوي تفتح مطعم تنافسني أنا ومحمود قولي." قالها مروان بمرح شديد، فابتسمت تسنيم رغمًا عنها ثم هتفت بخفوت. "بتكلم بجد يابني." "ابنك!! "بعد كل ده ابنك."
تنهدت تسنيم بمرح. "آه ابني، اخلص بقا." "حلو والله.. لو وحش مش هجاملك." "كلي أنتِ يالا." قال كلماته الأخيرة بنبرة عذبة.
بعد منتصف الليل، تململت تسنيم في نومتها براحة شديدة لتشعر به يحاوطها ويحتضنها. ابتسمت تلقائيًا، فعلى ما يبدو قد أتى، فأخبرها أنه سيظل جالسًا لوقت متأخر معهم بالأسفل. تقلبت دون أن تفتح عينيها لتصبح في ناحيته ودفنت رأسها في عنقه تلقائيًا. ولكن شعرت بشيء عجيب يستند على رأسها، شيء له طرف حاد عند ذقنه. لترفع رأسها وتجد ذلك الوجه المخيف لتصرخ بوجل وفزع شديد وتنهض من الفراش.
لتأتي لها ضحكاته وهو يخلع هذا القناع عن وجهه. فقد تذكر خوفها منه في السينما، فقرر أن يمرح قليلًا آخذًا ثأره منها حينما حدثته من ذلك الحساب المزيف، فقد اكتشف الأمر فيما بعد ولم يقل له. لتنظر له بشزر وأمسكت تلك الوسادة قاذفة إياها في وجهه، ليمنعها ويتلافاها قاذفًا تلك الوسادة بعيدًا عن الفراش. فصرخت به تسنيم وأنفاسها غير منتظمة بسبب تصرفه الأهوج. "انتَ إيه يا أخي، في حد يعمل كده." هتف مروان بمرح وهو يعتدل في نومته.
"آه أنا عملت كده، يبقى فيه يا ستي. وبعدين أقولك هتتأخري، المفروض تقوليلي مش هعرف أنام إلا لما تيجي كده، حبه دلع من اللي اتمنع.. مش ألاقيكي بتشخري وسابع نومه." ارتخت ملامحها قليلًا بسبب طريقته المرحة، لتستند لتجلس على الفراش بجانبه مستندة بظهرها على الفراش تحاول أن تنظم أنفاسها. فهتفت بسخرية. "أنا مش بشخر على فكرة.. ودلع صح.. دلع إيه ده، أنا حاسة أن أعصابي في ذمة الله.. دلع ده لما تكون سايبني سليمة...
ده كل خضة وخضة أعصابي بتبوظ أكتر." "سلامة أعصابك يا تسنيم.. هبقى أعملك فحص جودة أعصابك من عنيا." "بمعنى إيه." "حاجات اللي زيك ميفهموهاش، لسه صغيرة." قالها وهو يغمز لها بطرف عيناه، جاذبًا إياها إلى أحضانه مُقبلاً رأسها، فهدأت قليلاً بعدما أفزعها. فهتف مروان. "خلاص قربنا نمشي، أول مرة أحب إسكندرية كده وأحسها جامدة وحلوة كده وطعمة كده."
قرصت كف يده بسبب تلميحه وتعمده لأخجلها وخصيصًا ما فعله بها، فهتف مروان وهو يتصنع الوجع. "اتلمي يا بت." "اتلميت.. اتلم انتَ." "لا أنا مينفعش أتلم.. أنا متبعثر دايماً مش لاقي اللي يلمني." قالها بمرح شديد، ثم هتف سائلًا إياها بجدية. "نفسك في إيه يا تسنيم.. سألتك السؤال ده قبل كده ومجاوبتيش." رمقته بسخرية شديدة قائلة. "نفسي تبطل تستفزني.. دي أحلى أمنية هتريحني العمر كله." فهتف مروان قائلاً بنبرة غنائية.
"أهو ده اللي لا يمكن أبداً.. يابت بعيشك جو سسبنس يا عبيطة، أومال أخليكي تعيشي حياة روتينية تكرهي نفسك." "قد إيه أنا ظالمة، وأنتَ بتفكر في مصلحتي.. وتقعد تعمل نشاط اجتماعي لمصلحتي برضه." قالت كلماتها الأخيرة وهي تقبض على عنقه حينما تذكرت ما فعله وغيرتها عليه، فصاح بها. "يا بت افهمي علشان أطلع اللي جواكي، مهوا الاستفزاز في حالتك انتِ مش بيخرج أسوأ ما فيكي.. بيخرج أجمد ما فيكي."
"محدش يعرف يغلبك بالكلام.. ده أنا كنت مخدوعة فيك." وضع أنامله برقة شديدة ومررها على وجنتيها بلطف شديد أذاب ما تبقى في قلبها. لم يتملكه فهو تملك منها ومن عقلها ومن قلبها وكل شيء يعود لها. فهتف. "تخيلي مروان بجلالة قدره اللي محدش يغلبه ويسرح ببلد... انتِ جيتي غلبتيه وبكلمة منك تقدري تخليه مش قادر يلاقي كلام."
شعرت بدقات قلبها العنيفة، قلبها على وشك الخروج من جسدها. لم يفشل في أن يسيطر على كيانها كل مرة، ويا حبذا بأن ذلك الاحتلال يروق لها. هتفت قائلة بنبرة هادئة وصوت شبه ناعس ولكنه يجبرها على الاستيقاظ. "شهادة معتمدة دي.. بعدين ريح نفسك، ولا إكس لارج ولا نشاط اجتماعي ولا أي واحدة عرفتها أو حتى هتعرفها هتحبك قدي." أمسك يدها ليرفعها حتى تصل إلى جبينه، فهتف قائلاً بمرح وخبث.
"شكلي سخنت تاني ولا إيه.. الواحد بقى يتخيل حاجات عجيبة." "لا حرارتك كويسة مش سخن.. شكله مش تخيل يا مروان." فهتف بمرح وهو يحاوط خصرها. "طب ما تيجي نتأكد أن محدش هيحبني قدك. أنا أحب أتأكد من الاعترافات دي أوي.. أنا نقطة ضعفي الاعترافات بعد منتصف الليل." ابتسمت على مرحه ودامت لحظة صمت، فهتف مروان حينما لاحظ شرودها وهو يداعب خصلاتها. "بتفكري في إيه." انتبهت له قائلة بنبرة بها بقية نوم. "ولا حاجة.. انتَ بتفكر في حاجة؟
هتف مروان قائلاً. "بفكر هنقعد فين، إحنا متكلمناش في كل ده و... قاطعته تسنيم قائلة. "مش عايزة أفكر يا مروان، طول حياتي بفكر عملت إيه." "لا كده كتير." قال مروان تلك الكلمات بحنق وهو ينظر لها بغضب، لتنظر له بنظرات متسائلة. هتف مستكملًا حديثه. "رجعيلي مروان اللي مبيفكرش، بقا أنا أعوز أفكر وانتِ تمنعيني، ده الدنيا أتقل خيرها والله العظيم."
ضحكت تسنيم على حديثه، فهو معه كل الحق، فكلاهما أصبح انعكاس لشخصية الآخر، وكلاهما أخذ من الآخر بعض الصفات وتطبع بطبعه وكأنهما أصبحوا وجهان لعملة واحدة. فهتفت تسنيم قائلة. "فعلاً خدنا من طبع بعض." أومأ برأسه موافقًا، فهتفت تسنيم وهي تتثائب. "عايزة أنام خلاص." "والله أنا يوم ما أخونك هخونك بسبب نومك ده، فوقي بقا فوقي يا ست أنا محتاج أتأكد من اللي قولتي عليه." قالها بغيظ وحنق، فاقتربت مُقبّلة وجنتيه وكأنه سيكتفي بذلك.
"خلاص أهو، سيبني أنام وبكرة هنتأكد كلنا." "انتِ بتبوسي ابن اختك.. وبعدين هأكد النهاردة يعني هأكد النهاردة." كاد أن يقترب من شفتيها وهو على أتم الاستعداد، فهتفت. "على فكرة أنا افتكرت كان نفسي في إيه." "أنا اللي هنفذ اللي في نفسي الأول، مهلتك في أنك تفتكري خلصت، قد نفذ رصيدكم، يمكنكم الحديث في وقت لاحق."
اقترب مُقبّلاً شفتيها بعمق شديد، لعله يكتفي من عشقها ورقتها التي أذابته بالفعل. الوجود في أحضانها بمثابة دهر، وكأنهما قد عادوا إلى قيد الحياة بعد سنوات من الموت. مشاعر حقيقية صادقة ترافقهما في عالمهما وفي أوقاتهما. مشاعر وحدهم من يحلقون بسمائها. في صباح اليوم التالي. "ها قولت إيه."
قالت تسنيم كلماتها بترقب، فمنذ استيقاظه لحقت به قبل هبوطه إلى المطعم، ليقابلها بأعين حادة يحاول كتم نيران قلبه الثائر، فهي تقول له أنها تريد مقابلة تلك الصديقة التي أفشت بها وبسر زواجهما لذلك البغيض شريف الذي يود أن يقتله. "قولت إني نازل يا تسنيم." قال تلك الكلمات وهو يتوجه إلى خارج الغرفة، لتتبعه بحنق قائلة. "مش بكلمك يا مروان." التفت لها قائلاً بصوت يكتم غضب وغيرة جحيمية.
"استغفر الله العظيم يارب.. عايزة إيه مني يا ستي." "عايزاك تكلمني زي البني آدمين وتقولي رأيك." قالتها تسنيم بتردد وثقة حاولت اكتسابها، فهتف بحدة شديدة. "رأيي قولته من لما قولتلك هجبلك تليفون جديد.. رأيي قولته يا تسنيم لما قولتلك رقمك ميتعرفش ليها وتنسيها." "أنا مدتهاش الرقم، هي كلمتني من عند ميرنا." هتف مروان وهو يضرب كفًا على كف.
"بصي يا تسنيم.. بلاش.. بلاش تفكري في الموضوع.. أنا مبغيرش كلمتي.. صاحبتك الحوار بينك وبينها اتقطع، مش هتروحي هناك ولا هتعتبي باب بيتها، انسيه." لم تعجبها طريقته حتى ولو كان مُحقًا، فصاحت تسنيم قائلة بانفعال. "ولو قولت إني عايزة أروح؟ "هقولك مش هتروحي يا تسنيم.. لو إيه اللي حصل وانسي مرواحك القاهرة لسلوي وبس، لكن صاحبتك دي لا."
قال تلك الكلمات مؤكدًا على غضبه وحنقه، كلما يتذكر بأن تلك الفتاة أفشت بسرها، لا يتحمل فكرة أن هناك. رجل رغب بها بل تطاول عليها حتى ولو بالحديث. فهتفت تسنيم بغضب حاولت كتمه. "طريقتك مش عاجباني يا مروان.. ومش هروح أنا حتى مقلتش كلمة ليها.. ومش هروح إلا بإذنك بس، كفايا تعرف أنك ضايقتني.. وفاء غلطت يا مروان بس في حقي أنا وأبوها تعبان ومن واجبي أقف جنبها. زيارة بسيطة ليها مش هتنقصني رجل ولا إيد.. شريف مش نايم في بيتهم."
ما زالت تنطق اسمه تلك الحمقاء، تريد قتله بالفعل، فصاح بها. "متجيبش سيرته، متعصبنيش يا تسنيم، أنا كنت صاحي هادئ عكننتيني.. مرواح مش هتروحي، أشوفك بس تنطقي اسمه تاني.. بتتعمدي تحرقي دمي والمشكلة بتيجي عند أكتر حاجة بتضايقني." "افهمني يا مروان." "مش هفهم لما الموضوع يتعلق بواحدة قالت لواحد حط عينه عليكي، يبقي مفيش فهم ومفيش تفاهم.. المفروض ده شيء متناقشنيش فيه أصلاً."
قال تلك الكلمات بصوت جهوري قبل أن يهبط، صافعًا الباب خلفه، ليهبط ويجد محمود في انتظاره. في المساء، كان يجلس على المقعد الخاص بمكتبه، ونادرًا ما يجلس هنا، فهو يجلس في المطبخ معهم أو في الخارج. لا يحب الجلوس بمفرده إلا لو كان غاضبًا. فقابل محمود وحينما ذهب عاد ليجلس بمفرده. وجد صوت طرقات على الباب، ليهتف بتأفف وضجر شديد. "ادخل." فتحت الباب بغضب حاولت كتمه، فهتف قائلاً بدهشة لرؤيتها. "بتعملي إيه هنا."
"جاية أشوف جوزي اللي شغال هنا وسايبني من غير ما آكل لغاية دلوقتي." قالت كلماتها بحنق وهي تغلق الباب خلفها مقتربة منه. فهتف مروان بتلقائية. "ما تأكلي لوحدك." جلست على الأريكة قائلة. "أنا جاية أقولك حاجة واحدة، قيس ابن الملوح قال: عفى الله عن ليلى وإن سفكت دمي.. مش لو عايزة تروح عند صاحبتها." ابتسم رغمًا عنه. فنهض من جلسته ليقترب من تلك الأريكة جالسًا بجانبها قائلاً بتهكم.
"أكيد ليلى كانت لامت نفسها مش بتضايقه.. يا بنتي انتِ ليه مُصرة تشليني.. أنا بغير عليكي ألحقها يا بنتي يمكن تحسي وتتقي الله فيا. أنا من الصبح بغلي ومش عايز أطلع علشان مهبش فيكي وقاعد لوحدي علشان لو حد قالي مساء الخير هتخانق معاه." قال مروان بتلك الكلمات بانزعاج جلي على ملامحه، فليس أي شيء يؤثر به. فهتفت تسنيم وهي تحاوط وجهه بين كفيها لتصيبه بمقتل.
"مش هروح مدام هضايق.. مش هاين عليا يعني نزعل مع بعض، حتى مكنتش قادرة أستنى إنك تطلع متزعلش، بس والله صوتها في المكالمة وجع قلبي، أنا كنت مقاطعة معاها بس غصب عني، في بيني وبينها عيش وملح ودي غلطتها الوحيدة." "مهما قولتي يا تسنيم مش هتحسي أنا حاسس بإيه." "خلاص مش هروح متزعلش." قالت تلك الكلمات بسبب غضبها من انزعاجه بسببها، لتعانقه ولأول مرة تشعر بذلك للضعف كونها متنازعة مع أحدهم، ولكن هل هناك شخص أغلى منه لديها؟!!
وكأن قلبها لا يحمل سوى حب له هو وحده، وكأنه محى كل شيء قبله وأصبح محتل قلبها بالكامل ولا يسع قلبها حتى لحبه. بعد مرور ثلاثة أيام، صف مروان بسيارته أمام البناية التي تقطن بها سلوي. نظر لها نظرة ذات معنى، فهتفت تسنيم قائلة بخفوت سائلة إياه. "انتَ هترجع المنصورة يعني؟ ضم شفتيه بضيق، فحينما ظفر أخيرًا بحبها، تريد الابتعاد لأي سبب، لا يتقبل قلبه بأن يتركها. فصاحت بغيظ. "مش بكلمك يا مروان."
هتف مروان وهو يجز على أسنانه بغيظ. "مش انتِ اللي عايزة تسبيني، هو أنا لحقت أقول صباح الخير يا مراتي، علشان أقولك مع السلامة وربنا يرجعك بالسلامة." "متبقاش بايخ يا مروان، أنا من ساعة ما باباك جه وأنا مشوفتهاش، الست دي أربع سنين من عمري عشتهم معاها، وفي تفاصيل ما بينا ولا انتَ تعرفها ولا حتى."
صمتت ثم قالتها بخفوت وهمس وكأنها تغار عليه وتحاول نسيان أنه كانت في حياته قبلها، تريد فقط أن اسمه لا يجتمع مع امرأة سواها حتى ولو فارقت الحياة. "ولا حتى ملك الله يرحمها، مينفعش أسيبها كل ده وأنا مش في طبعي الأنانية يا مروان ومبعرفش أتخلى عن حد كان جنبي."
رغم أن الضيق يعتريه على فراقها، يريد أن يقود سيارته متهجًا إلى أي مكان قد يمكنه أن ينعم برفقتها. ولكن هل تلك الحمقاء ستقبل بذلك ومن الممكن أنها محقة بعض الشيء. ورغم كل ذلك الضيق هتف مروان بسخرية ومرح. "يعني أنا أناني، طب ياستي متشكرين." "خلاص متقعدش تقلب بوزك بقا، قولي هتعمل إيه وهتروح فين دلوقتي." قالت كلماتها بانزعاج بسبب علمها بضيقه، وعبوس ملامحه دليل على حزنه لابتعادها، ولكن ليس بوسعها فعل شيء. فتمتم بلا مبالاة.
"راجع المنصورة علشان حاجة بابا طالبها مني هعملها مع أحمد وشوية مشاوير كده لازم أحمد يعملها وأكون بداله، غير أن في موضوع كده لازم أرجع علشانه. وعشان إنتِ مش عايزة نرجع على بليل عايزة تباتي، كنت هقعد في أي حتة عقبال ما تعوزي تروحي." "مينفعش أروح بعد ساعتين، لازم أشوفها وحشاني وكمان في حاجات عايزة آخدها، فمش أقل من أربع أيام." صاح مروان بغضب شديد مستنكرًا. "نعم أربع أيام...
كفايا عليكي نص ساعة والله دي أكتر حاجة استحملها." "على فكرة أنا قيلالك أسبوع من بدري وقولتلي براحتك، ليه جاي دلوقتي وتعملي حوار." صاحت هي الأخرى بغيظ وحنق، فهتف مروان بانزعاج. "أيوه قولتي بس مكنتش عارف إنك هتوحشيني، لما الموضوع يكون بجد بقا... وبعدين تعالي هنا ما إنتِ اللي مصممة متطلعيش معايا واشوفها." "مينفعش تطلعي معايا يا مروان وتشوفنا مع بعض.. مينفعش خالص."
قالت كلماتها برفض تام، فهي تخجل من ذلك، فكيف بعد تلك الغيبة تعود بزوج ابنة شقيقتها. فأردف مروان بنبرة عقلانية. "ماشي، هي مش هتتصدم برضو، هي عارفة إنك ماشية مع أبويا من شهور وقالتلك بنفسها وقالتلي إننا ناخد فرصة، يعني مسألة إنها تشوفنا شيء مش غريب." تنهد ثم هتف مستكملًا حديثه. "مدام علاقتك بيها كويسة وأنا بحترمها برضو رغم إن علاقتي بيها مكنتش قوية.. بس هنفضل على تواصل معاها، فطبيعي هتشوفنا يا بنتي."
عقدت ساعديها بحنق، فهو أحيانًا يفهم ما يدور بقلبها دون حتى أن تتحدث، وأحيانًا لا يفهم مشاعرها. فهتفت بنبرة هادئة. "مروان علشان خاطري متحرجنيش، آه هتعرف بعدين بس على الأقل أمهد لها الموضوع أو ميكونش أول مرة تشوفني فيها." "خلاص يا تسنيم، ماشي اللي يريحك." قال كلماته بحنق. فهتفت بنبرة رقيقة ومرحة ورسمت الابتسامة على شفتيها. "اللي يريحك برضو يا مروان، مش عايزة أك تكون مضايق وخلاص، مدام مضايق إني هروح مش هطلع."
فصاح بحماس شديد وهو يضع يده على المقود. "الله تمام أوي كده بنت أصول، يلا نمشي بقا في كلام محتاجين نقوله وحاجات محتاجين نتأكد منها." فهتفت تسنيم بعد أن خرجت منها ضحكات تلقائية. "أنا بهزر، قولت هتقولي لا مش زعلان، تروح قايل لي يلا." "خلاص مش زعلان بس علشان خاطري متبعديش أربع أيام كتير عليا تبعدي فيهم عني." "ماشي يا سيدي هحاول، وبعدين هنتكلم في الموبايل وأكيد هقولك هاجي امتى."
قالت كلماتها بخفوت ممسكة بحقيبة ظهرها، فهتف بنبرة صارمة. "أنا هبقى آجي آخدك، مش هترجعي لوحدك، وابقي قوليلي إنك طلعتي عندها." هزت رأسها بهدوء، فلِتتركه يتفوه بما يريده الآن، فهي لن تسبق الأحداث. فما الذي يجعله يأتي ويذهب في نفس اليوم في طرقات السفر، رجل عجيب!! ويريدها أن تخبره بوصولها، هل سيأتي شخصًا ما ويخطفها على الدرج؟
فأي المخاطر التي ستواجهها، ولكن لم تعترض أو تسخر مدركة بعض تحكماته التي لم تكن جديدة، فمن أن عرفته يقلق ويخشي بشدة على أهل بيته إن كان أشقاءه أو والده ووالدته والجميع، فهو يقدر الروابط الأسرية والمحبة.
كادت على وشك أن تفتح باب السيارة، فامسك يدها لتنظر له، فاقترب طابعًا قبلة على جبهتها بحرارة شديدة مودعًا إياها، أو يخبرها بأنه سيشتاق لها كثيرًا. خجلت فابتسمت له ليبادلها الابتسامة وهبطت من السيارة، ليهبط هو الآخر ويأخذ حقيبتها من حقيبة سيارته ويعطيها للبواب مخبرًا إياه أن يصعد بها إلى شقة سلوي.
فصافحته تسنيم بهدوء دون قول كلمات كثيرة، ثم ذهبت لتصعد على الدرج، وظل يراقبها حتى اختفت عن أنظاره متنهدًا بانزعاج على فراقها. فما زال يريدها لأكثر وقت ممكن، لم تشبع روحه منها، ولا تدري أنها تؤلمه بابتعادها، ولكنه يريد إعطاءها حريتها وتنفيذ رغباتها مادامت لا تتعدى تلك الرغبات قوانينه، سوى ذلك الشوق الذي لا يستطيع إخماده إلا بها.
ركب السيارة مرة أخرى لتأتيه بعد دقائق وجيزة رسالة نصية تخبره بأنها أصبحت مع سلوي. فسخر وابتسم، فهو يتخيل هيئتها الآن، فلم تأتِ لها الجرأة الكافية لتتصل به أمامها، يتوقع أنها قد أرسلتها في الخفاء أيضًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!