الفصل 33 | من 33 فصل

رواية عشق خالي من الدسم الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم فاطمه سلطان

المشاهدات
20
كلمة
6,717
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

في المنصورة، كانت رباب تهز قدمها بطفولية وانزعاج شديد، على وشك البكاء بالفعل. وقفت أمام والدتها التي تحمل مُهرة، وتسنيم التي كانت تحمل طفلها فارس النائم في أحضانها. هتفت رباب قائلة وقد احتدم غيظها: -مهوا والله لو قام أنا هطلع أنام بجد، مش معقول كده ده أنا مش عارفة أقول لوائل مساء الخير. انطلقت ضحكات من تسنيم لم تستطع كبحها. حاولت مريم أن تطيب بخاطر ابنتها:

-خلاص يا رباب.. أنا هناديه أو تسنيم هتناديه دلوقتي وهنقومه، هو بس بيهزر معاكوا. أخذت رباب فنجانين من القهوة لمروان ووائل، فقد تناول مروان العشاء معهم رغم أن الليلة كانت عقد قران رباب ووائل. لم يكفيه ما فعله في السنة الماضية. دخلت رباب إلى غرفة الاستقبال لتجد مروان يمسك لوحة التحكم الخاصة بالتلفاز ويبحث عن شيئًا ما. ثم هتف بمرح وهو يعود مرة أخرى للجلوس بجانب وائل: -اهو إعادة الماتش يا وائل، ملكش حجة بقا.

-أنا بفكر أطلع أنام. قالتها رباب بعد أن طفح بها الكيل. هتف مروان بنبرة حانية ومستفزة تحت نظرات وائل المشتعلة: -اه والله اطلعي نامي يا بت. ثم استكمل حديثه موجهاً بصره إلى وائل: -اصل البت لسه مخلصة امتحانات سنة رابعة، بقا نعمل ايه، الاستعجال وحش.. اهي مشطبة اهي مش قادرة تقعد معاك يوم كتب كتابكم، والله عيب اللي بتعمليه ده يا رباب. -هي برضو اللي عيب. قالها وائل وهو يجز على أسنانه. هتف مروان مؤيدًا حديثه:

-لا فعلاً العيب عليك، بنتنا مبتغلطش.. انتَ اللي مستعجل على الجواز، كنت استنيت لما نطمن البت ناجحة ولا ساقطة في يومها ده. دقت تسنيم الباب وفتحته بابتسامة هادئة، قائلة بحرج وهي ترى مروان الجالس في المنتصف: -مروان تعالي عايزاك. -عايزة أيه؟ قالها مروان وهو يدرك أنها تريد أن تخلصهما منه. هتفت تسنيم قائلة بحدة حاولت إخفاءها: -قوم بس عايزاك. -نهض على مضض قائلاً وهو يشير إلى وائل: -جاي تاني يا وائل، اعتبر البيت بيتك.

-براحتك يا مروان. قالها وائل وهو يتنفس الصعداء. خرج مروان ولم يغلق الباب خلفه، لتمسك تسنيم بمقبضه وتغلقه بغضب: -يا بايخ انتَ قاعد في وسطهم بتعمل ايه، الأول كنا بنقول خطيبها وبلاقي تفسير لرخامتك، لكن الراجل لسه كاتب كتب كتابه عليها وانتَ قاعد في وسطهم. -اه حد اشتكالك. قالها وهو يجز على أسنانه. هتفت تسنيم ساخرة: -ده أمه لا اله الا الله هتشتكي، ده ابوك واخواتك كلهم مشيوا وانتَ قاعد.

في الداخل، ابتسم لها وائل وكان على وشك أن ينهض من مجلسه ليجد الباب يُفتح، ليطل مروان برأسه فقط قائلاً بابتسامة هادئة: -القهوة يا وائل، أوعي تنساها احسن تبرد، متستنانيش عشان لو طولت. توتر وائل وهتف قائلاً: -حاضر يا مروان هشربها.. هشربها. أغلق مروان الباب، وكان وائل على وشك أن ينهض مرة أخرى ليقاطعه فتح الباب مرة أخرى ليصدع صوت مروان: -أجيبلك جاتوه؟ -أنا هجيب لهم الجاتوه، تعالي انتَ.

قالتها مريم تلك الكلمات كترحيب بوائل وهي تقف عند الباب، وذهبت وهي تشد مروان واليد الأخرى تمسكه تسنيم ويأخذوه ناحية المطبخ. هتف بحنق: -عيب والله اللي بتعملوه ده، نسيب الضيف لوحده. -ضيف أيه يا أبن الهبلة، أنا هبقى أقعد معاهم يا بارد، انتَ جايب التناحة دي منين، خدي جوزك واطلعي يا تسنيم.

قالتها مريم وهي تتوجه ناحية المطبخ، فامسكت تسنيم يده وهو يصعد معها ببطء شديد. قلبه لا يطاوعه، فهو يشعر بالغيرة على صغيرته، فهي ليست مجرد شقيقة. رغم شعور أشقائه ووالده بذلك، لم يتصرفوا بحماقته، ولكنه ترك تسنيم هابطًا إلى المطبخ مرة أخرى، لتذهب تسنيم خلفه قائلة: -انتَ بتعمل أيه؟ -هاكل جاتوه، حبكت في دماغي بقا.. هاتيلي. قالها مروان بانزعاج.

فاقتربت تسنيم من الثلاجة لتأتي له بقطعة، وقامت بدفع الطبق مائلة إياه على قميصه الأسود قاصدة ذلك وهي تحمل ابنها ووالدته تحمل ابنتهما. فصرخ مروان بها: -انتِ بتهرجي. -معلش يا مروان، شايلة الواد الله.. مختش بالي، أطلع غير هدومك طيب وخد دش بالمرة، واحنا هنقعد مع رباب ووائل. قالتها تسنيم بخبث لتضحك مريم وكارمن التي أتت من الأعلى. ليتوجه مروان إلى الخارج صاعدًا إلى الدرج وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة.

حينما دخلت الغرفة أغلقت الباب بمرح، ووجدته يعبث في حقيبة سفرهم. تمتمت حينما وجدته قد خلع ذلك القميص قاذفًا إياه على الأرض ومازال يتحدث بتلك الكلمات التي لم تميزها، ولكنها متأكدة بأنه يلعنها. هتفت قائلة وهي تعقد ساعديها: -بقا يا مستفز، في واحد يقعد مع واحد وواحدة يوم كتب كتابهم ما بينهم عزول وفرحهم بعد أسبوعين.

-اه أنا.. وعلي فكرة دي اختي.. واخرسي بقا منك لله، فين المكوي.. بتعملي فيا الحركة البايخة دي.. هقعد أكوي مخصوص وأنزلوا بـ outfit جديد وماله، هتغلبيني يعنى. هتفت تسنيم بحنق وغيظ: -ده كتب كتابهم، والله عيب اللي بتعمله ده سخافة. -اه أنا أعمل كده، وبعدين ما أنا كتبت كتابي عليكي خمس سنين ومقعدتش معاكي لوحدنا، كنت مُت يعني.. لسه عايش أهو.. يبقي هعيش عادي، أبن الصرمة لو مقعدش معاها. قالها بانزعاج جلي. فحاولت

أن تقلب الوضع لصالحها: -انتَ كنت متجوز يا خويا ومكناش نعرف بعض، وبلاش علشان مقلبش الترابيزة عليك. -لا مش مبرر برضو.. هلبس وأنزلهم تاني.. والحركة اللي عملتيها كلامنا فيها بعدين. اقتربت منه قائلة وهي تحاوط عنقه بدلال مفرط: -مش يمكن مش يعمل كده علشان رباب.. يمكن وحشتني وعايزة أقعد معاك لوحدنا بما أن هما معاهم فارس ومُهرة.

نظر لها وهو يحاول ألا تسيطر عليه بعينيها الماكرة وحركاتها الأنثوية التي تعلم تأثيرها عليه جيدًا، فهتف قائلاً بمرح رغم انزعاجه: -اسكتي يابت يا تسنيم، مش أنا توبت. -لا معرفش توبت امته. سألته بمرح مماثل له. فتمتم مروان بعد تفكير: -من ساعة ما حملتي وأنا تايب ومتقي الله جوا وبرا... فهنزل أشوف وائل، وحشني بموت فيه، أبن أيه. -وهتسبني وأنا بقولك وحشتني.. دي الرجولة.. دي قلة الأدب.

-يا ستي أنا بقيت سكر دلوقتي صح.. مش أنا تعبانة لسه ولدة العيال، مش عارفة أنام. هتفت قائلة وهي تتصنع الانزعاج على أكمل وجه: -وحشتني قعدتك.. يعني قعدة رباب ووائل أحسن من مراتك حبيبتك. قالتها وهي تمرر أصابعها على وجهه، فهتف قائلاً بسخرية: -أنا نسيت أني جوزك ياستي. -افتكر طيب كده.. حاول يمكن تفتكر وربنا يكرمك وتسيب الناس اللي تحت في حالهم. قالتها بمرح. ليجيبها بمكر وحنق، فهي بدأت بالتأثير عليه بالفعل:

-هفكر أمك لسنتين قدام، سبيني أنزل أشوف أبن الناس الطيبة اللي قاعد مع أختي، وأوعدك... قاطعته قائلة وهي تضيق عيناها: -قولي أنك راجل زي بقية الرجالة، ومن ساعة ما ولدت وأنا مبقتش عجباك أكمني تخنت حبتين. -اه وأقولك كمان، أنا مروان أبو حجر شقيق مصطفي أبو حجر الروح بالروح. قالها وهو يؤكد حديثها بمرح شديد.

قبلت تسنيم وجنتيه بعشق شديد واشتياق. نعم تشتاق له، فليس الهدف الوحيد هو كبحه عن تصرفاته الجنونية لشقيقته. وتركت قبلة رقيقة على شفتيه، وهنا نسي إصراره على الهبوط ولم يفرط في تقبيل شفتيها. فمنذ ولادة التوأم، والدتها تأتي باستمرار لمعاونتها، وكذلك سلوي وصديقتها ميرنا. وفي المساء تكن نائمة بإرهاق شديد، فلم يحظ بفرصة تجمعهما جنونية. بادلها بشغف شديد، ناسيًا كل ما يريده، فابتعد عن شفتيها قائلاً بمرح:

-منك لله، عارفة أن الإنسان ضعيف. -معلش يا سيادة الشيخ، ممكن تتوب بعدين، واحشني أوي. -يعني أوي أوي.. ولا أوي بس تفرق.. وتفرق أني ملاقيش حد جه، وإلا شكلك انتِ اللي هيبقي قذر أنك عاملة كل ده وبتستفردي بيا وبتستغلي أني بيضحك عليا. أردفت تسنيم قائلة بسخرية: -وانتَ بصراحة يضحك عليك. هتف قبل أن يعاود مقبلاً إياها بحب واشتياق مرة أخرى: -اه بيضحك عليا أوي، الناس كلها عارفة كده.

بعد مرور عدة أشهر، كانت تسنيم منشغلة بعملها التي أصبحت كارمن شريكتها به وتأتي إلى القاهرة كثيرًا. وبعد زواجها ستكون إقامتها هنا. وكانت تسنيم منشغلة بأولادها، ووالدتها قد أخذت بعد الأموال من بيع أراضٍ في بلدتهم، بأن وافق أشقاءها أخيرًا على بيعهما وأصبحت قادرة على أن تصرف على أبنائها. ولكن أصيبت بسرطان الثدي منذ شهرين تقريبًا وتخضع إلى العلاج.

أمام شقة عائلة كريمة، دقت تسنيم الباب لتفتح لها والدتها بعد دقائق وهي تعدل من وضعية حجابها ليظهر رأسها التي قد سقطت خصلاتها منها كلها أثر تلك الأدوية التي تأخذها. هتفت تسنيم قائلة بألم يختلج قلبها أثر رؤيتها: -صباح الخير يا ماما.. جيتلك بدري، عارفة أنك لوحدك والعيال في المدرسة دلوقتي. -ادخلي يا بنتي، بس عيالك سيباهم مع مين.

قالتها كريمة بوهن وهي تدلف إلى الداخل وتمشي ببطء شديد، فخطواتها وصحتها ليست في محلها تحديدًا بعد أن بدأت في تلك الجلسات الكيماوية. هتفت تسنيم وهي تجلس على المقعد: -مع رباب وكارمن.. ممكن أفهم إزاي متروحيش الجلسة امبارح.. أنا افتكرتك روحتي.. مكنتش عارفة أنزل بالعيال الاتنين وأجيلك امبارح ومروان مكنش موجود.

-متتعبيش نفسك يا ضنايا.. كفايا اللي انتِ فيه وكفايا اللي دفعتيه في الجلسات دي، أنا معملتش حاجة معاكي أستاهل أني أكون حمل عليكي بمصاريف علاجي يا بنتي كمان وأحرجك مع جوزك. قالت كريمة تلك الكلمات بوجع شديد وأنهارت في البكاء، ليسقط حجابها وتظهر رأسها التي تحاول إخفاءها عن صغارها وحتى عن نفسها. يصعب عليها أن تصبح بتلك الهيئة، مستكملة حديثها وهي تنظر إلى تسنيم والدموع تهبط منها كشلالات لا تتوقف:

-أنا عارفة أني هتعاقب يا بنتي.. اللي عملته واللي كان هيحصلك بسببي مش قليل.. لازم ربنا يعاقبني على كل ده.. أنا مش طالبة منك غير تخلي بالك من اخواتك يا بنتي لو جرالي حاجة، أنا مش هكمل الجلسات دي.. كده كده هموت، محدش بيشفي من المرض ده. بكت تسنيم ناهضة من مجلسها مُقبلة جبهة والدتها لتجثو بركبتيها أمامها قائلة بأضعف نبرة وأبشع شعور قد شعرت به:

-بعد الشر عليكي يا أمي، متعمليش فيا كده.. أنا أدفعلك من جني وأبيع كل حاجة عشانك.. حتى مروان لو اتخير بيكي رغم حبي ليه، كفتك انتِ اللي هطب.. ثم الجلسات دي أنا بدفعها من شغلي ومروان ملوش دعوة.. وأنا بنتك وده واجبي. رمقتها والدتها وكأن كلمات تسنيم فتحت جرحها أكثر، فهي اختارت عمر وفضلاه عليها رغم عدم تقديمه لها شيئًا، والآن تفضلها على زوجها الذي ترى معاملته الطيبة الواضحة، فكيف كانت مصابة بالعمى إلى تلك الدرجة.

-أنا معملتش حاجة حلوة في حقك يا بنتي أستاهلك عليها. بكت تسنيم قائلة وهي تبتلع ريقها، ممسكة بكفي والدتها مُقبلة إياهما: -لو معملتيش.. يبقي ليه بتستلمي وعايزة متكمليش علاج.. ليه عايزة تسبيني تاني بعد ما لقيتك.. ليه مش عايزة تقفي معايا وتاخديني في حضنك وتخفي وتعوضيني على كل اللي حصل.. مش انتِ اللي قولتي هعوضك.. ليه بتستلمي وعايزة تسبيني لوحدي تاني في الدنيا بعد ما بقينا عيلة بجد.

-حاسة نفسي عبء عليكي يا بنتي.. أنا عمري ما كنت أم ليكي.. ولا شفتي مني غير كل قسوة.. حتى يوم ما قربت منك بدل ما أشيل عنك.. شيلتك همك. كانت تتحدث كريمة من وسط بكائها وارتجافها. فهتفت تسنيم قائلة:

-انتِ أمي.. أمي اللي جزمتها فوق رأسي مهما عملت.. لو استسلمتي ومرضتيش تكملي علاج.. أنا مش هسامحك المرة دي.. بالعكس هتوجعيني أكتر من قبل كده.. هتخفي وهتبقي زي الفل.. هتشيلي عيالي وهتحضري فرح أخواتي.. لو لغاية دلوقتي مكنتيش ليا أم متتخليش عني.. أنا محتاجة حضنك.. وهتكسر من غيرك.. علشان خاطري.

قالتها باكية، دافنة برأسها في صدر كريمة. لاول مرة رغم مرور عام ونصف على تحسن علاقتهما، لاول مرة تتحدث تسنيم بتلك العاطفة واللهفة الحقيقية والقلق. فلا تحرمها بعدما أصبحت لديها عائلة، زوج وأشقاء ووالده وخالة كما تسمي سلوي أو أم أخرى، بأن تكن وحيدة. هتفت والدتها ببكاء شديد، مدركة حكمة الله: -هخف يا بنتي مش هسيبك.. متعيطيش علشان خاطري.

بعد مرور خمس سنوات تقريبًا، في شهر رمضان المبارك. كان مروان نائمًا في فراشه ويضع ذراعه أسفل رأس صغيرة فارس النائم بجواره هو ومُهرة. سمع صوت حديثهم المرتفع وأصواتهم التي تكاد أن تكون حادة.

ليمسك هاتفه ويرى الساعة، لم تتجاوز الرابعة والنصف وهو يشعر بالعطش الشديد. فكان في الصباح يقضي بعض المشاوير الخاصة بالإجراءات الحكومية التي قامت بإنهاء وإفراغ طاقته بسبب درجة الحرارة العالية. فمازال هناك وقت على أذان المغرب، يا ليتهم توقفوا عن الصراخ حتى لا يستيقظ.

نهض من الفراش مرتديًا نظارته الطبية ليذهب ناحية الأصوات المنبعثة من المطبخ. ولم يخيب ظنه، فسلوى قد جاءت لتناول الإفطار معهم وكذلك والدتها. فأغلب الأيام يفطرون سويًا تلك في بيت مروان وتسنين تحديدًا لحملها للمرة الثانية في صبي كما أخبرتهما الطبيبة ولشعورها بالتعب ولا تقدر على رعاية الأطفال بمفردها، فيأتون لمعاونتها. قد تعافت كريمة من مرضها ووهبت نفسها من أجل راحة أولادها. هتفت كريمة حينما رأت مروان يقف وراء تسنيم:

-كلم مراتك يا ابني وخليها تقعد وتبطل تلف كعب داير كده، وحضرنالها الأكل ومصممة تصوم وشكلها تعبانة. هتف مروان قائلاً بغضب: -مش هقولك غير حاجة واحدة، اتجي الله وكلي وبطلي مناهدة مع الناس الصايمة والشقيانة، الدكتورة قالتلك متصوميش، لازم مقاوحة كأنك أول مرة تحملي. ثم هتف قائلاً وهو يشير إلى سلوى بيده: -منورة يا كبيرة. -بنورك يا ابني، خليها تأكل علشان تعبنا. قالتها سلوى تلك الكلمات لتهز كريمة رأسها بإيجاب.

فأخذ مروان تسنيم من يدها متهجًا إلى الطاولة حينما علم من أحاديثهم بوجود الطعام هناك، فهتف قائلاً: -يا ستي ما تاكلي ومتعصبيناش بقا، أنا صايم ومفرهط وكنت ناوي مصحاش غير على أذان المغرب، فت push معايا الكام ساعة دي. جلست تسنيم منصاعة إلى أمرهم، وأمسكت الخبز الموجود أمامها. فهتف ساخرًا حينما كانت على وشك وضع الطعام في فمها: -إيه يا أعميايه يا أعمي، مفيش احترام أني صايم.

-اللهم طولك يا روح، انتَ مش عاجبك حاجة يا ابني، أكل تقولي بأكل ليه، مكلش تقولي مبتأكليش ليه. قالتها تسنيم بتعجب من كلماته. فهتف مروان بنبرة هادئة ومرحة كعادته: -الإنسان لازم يكون حسيّس يا هانم باللي قدامه، ثم انتِ هتأكلي الواد يطلع متغذي كده، مش ناقصين مقاسات ميديام الله يرضي عليك. ليهتف تسنيم بنبرة حالمة: -ياه يا مروان، حلم جميل نفسي أرجع أشوفه تاني وألبس medium.

-لما ناخد أمانتنا يا عسلية من بطنك أبقي ارجعي البسي اللي تلبسيه دلوقتي تأكلي، وإلا مش هيهمني الستات اللي جوا دي، هقوم أكتفك في الكرسي كده زي ما كتفتك في السرير في بيت عم سعد الله يرحمه زمان. هتفت تسنيم بجدية وهي تضيق عيناها باتهام صريح، فأصبحت تشعر بحساسية مفرطة في الفترة الأخيرة، تبكي على أتفه الأشياء: -يا سلام، ثم انتَ يا أستاذ منك لله، افتريت عليا ساعتها أكمني وحيدة ومليش حد. هتف مروان قائلاً وهو يضرب كف على كف:

-لا هرمونات وصداع، هفطر عليكي أهزقك، مش وقتك خالص. وبعدين أنا حتى مفيش صحة أقوم أكتفك، والله مفرهط ما رايقلك، فكلي كده عقبال ما أصلي العصر. في شقة عمر، قبل صلاة التراويح، قام أمين بتعديل وضعيته. فحينما جاء وجده ساقطًا فوق الأرض ولا يستطيع النهوض، باكيًا من ضعفه وقلة حيلته، ويباكي ربه أن يأخذ روحه أرحم من هذا العذاب. فمنذ طلاقه من أشجان ورفضه لأخذ شيء في تجارتهما، تاركًا الأموال وكل شيء.

يجلس في شقته التي كان يسكن بها مع كريمة وأولاده الذي قد نسي شكلهما. تركته شقيقته مدعية أمام الجميع بأن شقيقها قد فقد عقله وأصبح مجنونًا. تخلى عنه الجميع عدا الصبي الذي يعمل في القهوة وكان يتشاجر معه دائمًا ويقلل من شأنه، وعدا عم تسنيم، تخلى عنه الجميع حتى شقيقته فضلت زوجها والأموال عليه. ولم يتركه سوى من لم يكف عن أذاه. هتف عمر وهو يحاول أن يتوقف عن النحيب والبكاء:

-بتيجي ليه يا أمين تشوف عجزي، بقالك سنين على الحال ده.. ليه مصمم تظهر ليا أنك الأحسن مني. أردف أمين قائلاً بنبرة هادئة: -أنا مش باجي أشوف عجزك يا عمر، ولا هكذب أقول أنك تهمني، انتَ ولا ضرتني ولا أنا ضريتك، انتَ حي الله طليق مرات أخويا اللي مات ولا بيني وبينك حاجة. ومش أنا اللي بساعدك، لو هتعرف مين اللي بيساعدك هتحس بعجزك أكتر.

هتف عمر وهو يحاول يتوقع من يأتي به بتلك المشتريات والأغراض ويدفع إيجاره، إذا لم يكن أمين إذا.. فكان أمين يتهرب من الإجابة لسنوات على هذا السؤال. -كريمة؟ -تسنيم.. بنت اخويا هي اللي بتساعدك، أنا مجرد شخص بيساعدها. ومكنتش عايزاني أقولك أنها هي، بس جه الوقت اللي تعرف أن هي اللي بتساعدك. قالها أمين تلك الكلمات بهدوء شديد، ولكن اعترافه بمثابة صاعقة وقعت على عمر. كيف لها أن تساعده لسنوات!!!

حاول أكثر من مرة أن يهتك عرضها ويسلبها شرفها، بل تفنن في صفعها في إحدى المرات. تسبب في هبوطها قبل امتحانها حافية القدمين في الشارع أمام الناس.. بل حتى أنه لآخر لحظة رآته بها تطاول عليها وكان السبب في سجن والدتها. كيف لها أن تفعل ذلك!! هتف عمر وقد ازدادت دموعه، لا يدري بما سيختبر بعد: -للدرجاتي أنا طلعت صغير.. ليه يارب تحسسني بعجزي وقلة حيلتي... و*****لما كنت بصحتي ليك حق تأخدها مني.

رغم كره أمين له، ولكنه شعر بالشفقة عليه في تلك السنوات. فالجميع قد أخطأ في حق الآخرين، فهتف بنبرة حاول جعلها جامدة: -مفيش من الكلام ده فايدة يا عمر.

-مبقاش في حاجة ليها فايدة وأنا عمري ما كان ليا فايدة في حياة حد.. شكراً يا أمين وشكراً لأخوك في تربيته أنه خلف واحدة زي تسنيم.. قولها أني مش عايز منها حاجة غير أنها تسامحني على كل حاجة عملتها فيها، أنا مش محتاج فلوس بس محتاج أقف قدام ربنا الناس مسامحاني.. وقولهم يحببوا عيالي فيا يمكن يدعولي لما أقابله. أستكمل عمر حديثه بترجٍ شديد والدموع لا تتوقف منه: -خليهم ولو لمرة يجيبوا ليا العيال أشوفهم.

-ليه يا عم أمين قولتله أني أنا اللي بساعده؟ صدع صوت تسنيم بتلك الكلمات، فجاءها صوت أمين من الهاتف التي تحملها وهي تحضر الحلوى لطفلها وتقف في المطبخ بعد أن هبط مروان وابنها لقضاء صلاة التراويح، أما والدتها قد ذهبت هي وسلوى وأشقاءها آخذين مُهرة معهما. -يا تسنيم لقيت نفسي بقوله، وبعدين إيه المشكلة لما يعرف. -الموضوع ده كان سر بيني وبينك يا عمي، ومكنتش حابة أن عمر يعرفه، كنت عايزاه يفتكر أنه أنت.

نقلت تلك الكلمات تسنيم بغضب شديد وقد احتدم غيظها. فهتف أمين بعدم فهم: -يا بنتي خلاص اللي حصل حصل، اهو عرف.. طالب منك أنك تسامحيه، مش عايز مساعدة قد أنه يقابل ربنا متسامح. وطالب منكم تبعتوا العيال لو لمرة يشوفهم. -هكلم ماما في الموضوع ده.. انتَ عارف أنها قطعت كل حاجة بيه.. هحاول أكلمها أنها توديهم يوم ده حقه. قالت تسنيم تلك الكلمات بهدوء شديد. فسألها أمين باستغراب شديد: -انتِ مسامحة يا تسنيم؟

صمتت تسنيم لدقيقة تقريبًا، ثم هتفت بنبرة هادئة وتلقائية وهي تنظر على الدبلة المتواجدة في يدها: -مسامحة يا عمي، زي ما سامحتك وزي ما سامحت أمي.. حتى عمر قوله أنا مسامحة. -معقول يا بنتي. -اه معقول. -أنا عرفت راجل خلا حياتي خالية من أي أزمات، خالية من الدسم. قالتها بمرح، ثم استكملت حديثها بعشق: -خلاني أعرف أسامح وأعرف أدي فرص.. خلاني معرفش يعني إيه كره.. خلاني أحب بجد وأعرف يعني إيه عيلة ويعني إيه أعمل أي حاجة عشانهم.

مسامحة عمر، كفايا اللي هو فيه، مش لاقي حد جنبه، حتى اخته اتخلت عنه.. ساعات الواحد بيتعلق بقشايا وبيكون كلمة واحدة ممكن تهديه، لو مسامحتي هي اللي هتريحه، أنا مسامحة. لتبتلع ريقها قائلة: -جه اللي خلاني مكرهش حد ولا قلبي يعرف معنى الكره ولا حتى أشيل من حد، مبقتش أعرف أعملها. ولج مروان إلى المنزل هو وطفله الذي يحمل حقيبة بلاستيكية مليئة بالكثير من المشتريات والحلوي. كان يركض ليصل إلى تسنيم الواقفة في المطبخ قائلاً:

-ماما يا ماما. -إيه يا فارس. قالتها تسنيم تلك الكلمات ببسمة واسعة هابطة إلى مستواه لتقبيله، وعي تضع يدها على بطنه. ليُظهر لها الكيس الذي يحمله ببراءة شديدة: -شوفتي بابا جابلي أيه علشان نزلت معاه صلاة التراويح ومعملتش صوت ولا دوشة. -شاطر يا قلبي. قالتها تسنيم وهي تداعب خصلاته بيدها خارجة من المطبخ خلفه، لتجد مروان يتحدث في الهاتف. فسألها الصغير: -مُهرة فين؟ أنا جايبالها molto اللي هي بتحبه. هتفت تسنيم قائلة بهدوء:

-راحت مع ستو، هتبات معاهم لغاية الصبح. ترك الحقيبة قاذفًا إياها على الأريكة لتأتي في مروان ولم يكن في مقصده ذلك. -يا أبن الكلب. قالها مروان وهو يغلق المكالمة. فنظرت له تسنيم بغضب، فصاح بها: -ده بيحدف الشنطة عليا وعايزاني أسكت.. لا أنا مليش في التربية الإيجابية ولساني فالت مني. هتفت تسنيم قائلة وهي تجلس على المقعد متجاهلة حديث مروان: -إيه اللي مزعلك يا حبيبي.

-عايزها تبات معايا، مش هنام إلا لما تكون هنا.. إزاي تروح وتسبني. قالها فارس ببكاء شديد، فهو مرتبط بشقيقته كثيرًا. فهتف مروان قائلاً بمرح: -ما أنا بقالي سنين أمك بتنام جنبكم ومحصليش حاجة يا ابني، وكويس أهو. -بس يا مروان متهزر. قالتها تسنيم بغضب. فهتفت مُستكملة حديثها: -ما تشوف حل وخليك أب كده واقنعه يبطل عياط بدل ما انتَ بتتريق.

-إيه خليك أب يعني أنا كيس شيبسي ولا سيفن أب، أنا عيال نكدية صحيح.. خلاص يا حبيبي الصبح ستك هتجبها وتيجي. -لا هتوديني عندها، نجبها أو أبات معاها أنا. قالها فارس بكلماته وهو مستكملًا وصلة بكائه. فهتف مروان وهو يضع يده على أذنيه: -لا أنا بأكل العيال الصغيرة، مش مستحمل صوته.

بعد مرور ساعة تقريبًا، دخل مروان المنزل غالقًا الباب بهدوء بعد أن ذهب بطفله إلى بيت كريمة، فلم يكف عن البكاء ولم يستطيعوا إقناعه بالبقاء. وجدها جالسة على الأريكة وقد سيطر عليها النوم، فهي نائمة مغلقة العينين وهي تجلس ممسكة بهاتفها. اقترب منها واضعًا يده على كتفها، جالسًا بجانبها قائلاً بسخرية: -بقا أنا سربت الواد واقنعته ينام عند سته ومفيش دم فوقي يا ست، الله يرضي عليكي الوقت بيجري. استيقظت تسنيم أثر كلماته، فهتفت

بمجرد أن فتحت عيناها: -العيال فين. -ابنك يا هانم، أقوله ناخد أختك يا ابني ونمشي وهو يقولي لا هبات عند ستو معاها. أقواله يلا يا ابني عيب كده مفيش فايدة. قال كلماته ببراءة شديدة، لتنظر له تسنيم باستغراب وهي تضيق عيناها وتحاول تحليل كلماته، وهي تشعر باليقين الشديد بأنه يكذب. تُهتف مستكملًا حديثه بجدية زائفة: -وبعدين يا هانم انتِ نايمة ومش مهتمة، الواحد جه وله مجاش.

-نعست غصب عني، وبعدين الحمل تاعبني يا مروان، الله محستش بنفسي غير وانتَ بتصحينيه. هتف مروان ساخرًا: -قال يعني الحمل اللي منيمك، والله ما عايز أجرحك بس أنا من ساعة ما عرفتك وانتِ نايمة تعبانة، مش تعبانة حامل مش تعبانة.. جعانة وله شبعانة، نايمة برضه. لم تستطع سوى أن تضحك على كلماته، واضعة يدها على بطنها المنتفخة أمامها، فهي في شهرها السادس تقريبًا. فهتف مروان وهو يحاوط كتفيها باشتياق:

-الواحد بقا قاعد في الشارع، ستات داخلة خارجة.. وعيال معرفش كبروا إمتى.. مش عارف يقول كلمتين. قاطعته تسنيم حديثه قائلة: -رمضان كريم. فأجابها بمرح: -الله أكرم ياستي، مقولناش حاجة، ومصلي التراويح كمان... أصلي سربت العيال. قاطعته قائلة بغضب: -إيه سربت العيال دي، صح وأنا هستغرب ليه، ما أنا عارفاك. -ياستي أحمدي ربنا أني بعمل كده، وبطنك قصادك مترين ولسه الهوي رماني. -لا يا شيخ.. كنت عايزة أكلمك في حاجة. فهتف مروان قائلاً

بمرح: -اوعي تكون نفس الحاجة. نظرت له قائلة بحب، فهي تتذكر مكالمة عمها ولا تذهب من عقلها: -أنا بحبك. -كنت حاسس أنها نفس الحاجة. كاد أن يقترب من ثغرها، فهتفت وهي تكبحه قائلة بسخرية: -ياعم سبني أكمل الكلمة، مش يمكن هقول حاجة تاني. -لا هي نفس الحاجة، أنا حاسس. قالها بمرح منتظرًا أن تستكمل حديثها. هتفت تسنيم قائلة:

-أنا بحبك يا مروان.. رغم خناقاتنا الكتير وزعلنا من بعض على أتفه الحاجات.. رغم كل حاجة أنا بحبك ومتصدقش كلامي وقت الزعل.. أنا لو رجع بيا الزمن هختارك أنتَ أرجل وأحن راجل ممكن تقابله واحدة ست.. انتَ جوزي وابويا واخويا.. لقيت فيك كل حاجة عايزها ويمكن أكتر.

ابتسم لها مُقبلاً جبهتها بحب وحنان تعتاده منه، لم يكن غريب عليه. لم يعشق امرأة بقدرها. خلال الست سنوات الماضية مر بكثير من الضغوطات والأزمات التي تخص عمله، ولكنها كانت تستطيع أن تهون عليه بكلماتها البسيطة وعناقها الهادئ. بأنها وأولاده بجانبه غير ذلك، كل شيء سوف يُحل ولا يحزن أبدًا. كان عمله دائمًا ما بين الخسارة والربح، وكانت هي بدورها تدعمه دائمًا وتعطيه الأمل. بالفعل أعطته ووقفت بجانبه، لم يخطئ بحبها. فهتف سائلًا

إياها باستغراب: -ليه بتقولي كده دلوقتي. -حسيت أني عايزة أقولها، والمفروض تكون عارف كده من غير ما أقوله. قالتها وهي تضع رأسها على صدره، فهو موطنها، وهنا تجد أراضيها وأمانها في أحضانه. استيقظ في الصبح على صوت رنين منبه هاتفه، ليجد أنهم نائمين على الأريكة بنفس وضعيتهما ليلة أمس، فظلوا يتحدثوا حتى لا يعرفوا كيف ناموا. فهتف بسخرية: -ادعي عليكي بأيه، متسحرتش.

شفقت تسنيم على صوته قائلة باستغراب وهي تدرك وضعيتهما، فهي في أحضانه بعدما قضوا الوقت في الحديث ومشاهدة التلفاز: -احنا نمنا أزاي هنا. -أنا متسحرتش، منك لله. -الله، يعني أنا اللي اتسحرت. قالتها بانزعاج. فهتف مروان ساخرًا: -انتِ فاطرة أصلاً، فأخرسي أحسن.. ولا منك ولا منك.. ولا منك مخلية الواحد يقل أدبه ولا مخلياه يشوف عبادته ويتسحر، أدعي عليكي بأيه.

-انت بتعايرني علشان فاكرة، مش علشان ابنك ولا علشاني، وبعدين هعيط من طريقتك. هتف مروان قائلاً وهو يضيق عيناه بانزعاج: -الله يخربيت الهرمونات. بعد مرور خمس سنوات. يوم روتيني بحت. في الساعة السادسة صباحًا، قامت تسنيم بجعل أطفالها ينهضوا من أجل الذهاب إلى المدرسة. فأصبح فارس ومُهرة في الصف الرابع الابتدائي، ومالك طفلها الصغير مازال في الروضة. قامت بجعلهما يرتدوا ملابسهم وساعدتهم، ثم ذهبت إلى المطبخ لعمل (lunchbox)

الخاص بهما، غافلة تمامًا عما يحدث في تلك الأثناء. في غرفة الأطفال، كان يقف مروان وهو يغطي أطفاله الثلاثة قائلاً: -نام ياض انتَ وهي.. الجو سقعة. هتف فارس قائلاً بعد أن قام بتغيير ملابسه: -ماما هتزعق لو رجعت لقتنا نايمين. أجابه مروان قائلاً بسخرية وصوت خافت: -ياض بطل ياض انتَ، هتقاوحني، أختك في سابع نومه وأخوك بيحلم، ناقصك أنا، يلا نام قبل ما أمك تيجي تصوت في وشكم وتنزلكم. -ماشي، يعني انتَ هتعرف تسكتها.

قالها فارس بسأم. فهتف مروان قائلاً: -اه هعرف يا أبن الكلب أسكتها.. منك لله يا تسنيم، العيال فاكرني مش هقدر عليك. ينام انتَ بس وأوعي تصحي، لو صحيت هتقعد تسمعلك الكتاب كله، انتَ حر بقا. -حاضر يا بابا. قال فارس تلك الكلمات ليخرج مروان من الغرفة مراقبًا إياهم، غالقًا الضوء. فهتفت تسنيم قائلة بغضب: -العيال فين. تمتم مروان قائلاً بلا مبالاة: -الجو سقع وناموا، العيال دي مش وش تعليم، قولتلك نوفر فلوس. هتفت تسنيم صارخة:

-انتَ بتهرج، يعني إيه ناموا، ده الباص هيفوتهم. حاوطها بذراعيه ممسكًا بالسندوتش التي تضعه في يدها، أخذًا إياه وهو يأكله: -ناموا يابت بقولك.. هنغصب عليهم، لا كله إلا الغصب في التعليم يا تسنيم.. لازم تكوني عارفة يعني إيه التربية الإيجابية، اللي عايز يتعلم يتعلم، واللي مش عايز مش هنغصبه. -مروان العيال مش هيروحوا كده، أبعد عني علشان متعصبة. كادت أن تدخل فكبحها مروان قائلاً وهو يشدها ناحية غرفة نومهما:

-يابت يا قادرة، هيجيلك قلب تصحيهم من تحت البطانية علشان يروحوا المدرسة، والله عيب عليكي، ده أنا مفرطتش فيهم وقولتلهم يناموا. -يعني هما مناموش لوحدهم أهو. قالتها بغضب. -يابت بخطط العيال يناموا، أبو العيال يتكلم، وبعدين أنا مش هنزل أركب حد الباص، وكنت مكسل بصراحة. هتفت صارخة بغضب: -تروح تنيمهم، ما أنزلهم أنا. -ليه متجوزة هبة. هتفت قائلة بضيق: -اسمها سوسن. لِيضربها على وجهه بخفة:

-يعني أنا سوسن يا مهزقة.. يوم العيال ترتاح وأنا أرتاح وكلنا نرتاح. قالها وهو يغمز لها محاوطًا خصرها. فهتفت تسنيم قائلة: -أنا هقولك حاجة واحدة، انتَ هتكون السبب في شللي. -بعد الشر عليكي، وبعدين بقا أنا الجو الساقع ده بيفكرني بحد كان بارد كده الله يرحمه، وعايز أتأكد أنه الله يرحمه. -بتفول عليّ. هتف قائلاً بخبث: -لا يابت، فهماني انتِ غلط، وبعدين بقولك الجو سقعة، العيال ناموا ومثبت فارس جوا، تقوليلي بفول عليهم يا مهزقة.

-أنا متنرفزة منك، سبني في حالي، خلاص الباص فاتهم كده. قالتها وهي تنظر ناحية ساعة الحائط. فهتفت وهو يدنو مقتربًا من ثغرها قائلاً بحب ومكر: -الحاجات دي ملهاش علاقة بالنرفزة، بقالي سنين بقولك ولا بتتعلمي حاجة. هبط مُقبلاً شفتيها بلهفة وعمق وشغف، لم يقل بل كان في تزايد بمرور السنوات، لتبادله مجبرة، فمتى كان قلبها يخضع إلى عقلها ناحيته، فدائما يسيطر قلبها على حواسها بأكملها في أي شيء يخصه.

فكان عشقه خاليًا من الضباب وخاليًا من الدسم وخاليًا من العقد، كنت أظن أنه عابر من حياتي كما عبر الجميع، ولكنّه فرض سيطرته على قلبي دون جهد منه. تسلل عليّ قلبي دون أن أشعر ليفرد سيطرته الكاملة على قلبي، ويا للعجب أنا من أعطيت له الإذن. تربّع على عرش قلبي سارقًا متخفيًا أثناء تركيزي مع الطارقين على أبواب قلبي رافضة فتحه، كان قد اقتحمه محتلاً إياني بشكل كامل. ورق لي الاحتلال!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...