في الساعة الرابعة مساءًا. في غرفة مروان وتسنيم. كانت قد انتهت تسنيم من الحديث مع مريم، التي لم تزدها سوى تخبطًا وقلقًا. هي ليست امرأة تقبل أن تكون فترة في حياته لسد خانة. لم يكن حديث مريم قد أشعرها بالاطمئنان أو حتى قد اقتنعت. بل إنه ترك نفس الأثر الذي تركه حديث سلوى بها. الجميع فجأة أصبح يقرر مصلحتها ويرى شيئًا لا تراه.
نعم، تقبل أن مروان شاب وسيمًا، أو حتى به صفات كثيرة من الممكن أنها قد نالت إعجابها أو جعلتها تشعر بالغرابة. ولكن لا تقبل الظروف التي جمعتهم، وترى أن تلك الظروف هي نقطة سوداء.
فتلك الظروف تجعلها ترفض حتى مجرد التفكير به. ودائمًا إذا شعرت بشيء تحاول وقف أي شعور تجاهه، فهي حتى لا تعطيه أي فرصة وتتعمد فعل أي شيء قد يجعله يكره وجودها. لا تحاول التقرب منه حتى بالحديث، فقط تكتفي بالرد على كلماته ولا تحاول فتح أي حديث. تخاف كثيرًا أن يغدر بها الزمن أو تأمن لأحدهم.
فمن الممكن أنه لديه وجه آخر لا تعلمه. فهي بالأصل لا تعلم شيئًا عنه ولا حتى تسمح لنفسها معرفة شيء. تحاول الابتعاد بأي طريقة. لا تريد أن تكون فتاة يشفق عليها فيتخذها زوجة، ولا تريد أيضًا أن تكون رحمًا لإرضاء والده فقط وتحقيق أمنيته.
ولا تريد أن تكون زوجته فعليًا لمجرد أنه أعجب بها ولسد خانة فارغة. أشياء كثيرة تخطر على عقلها أكثر من أي أشياء قد توقعتها مريم أو فكرت بها سلوى. فلا أحد يعرف كم الأفكار المتخبطة المتواجدة في عقلها وكيف استعادت نفسيتها وتوازنها.
أخذت حمامًا باردًا، لعلها تهدأ. فقد اشتعل جسدها من كثرة أفكارها على الأغلب. جلست أمام المرآة وهي تراقب خصلات شعرها المبللة وتتأمل تقاسيم وملامح وجهها الجميلة، والذي قد يحسدها البعض عليها. فهي بالفعل تعلم أنها جميلة وملفتة. لا تدري أي فتاة تغضب من كونها جميلة. ثم استغفرت ربها، فيجب أن تحمد ربها على تلك النعمة حتى لا يبتليها بشيء ما، فهي لم تكن تقصد الاعتراض. أمسكت إحدى المناشف، وهي ترتدي الروب الخاص بالمرحاض (البرنس)
الذي أعطته لها مريم، وقد أعطتها بعض المستلزمات التي قد تحتاجها في الغرفة. كانت تحاول أن تجفف شعرها، ثم وقع بصرها على ساقها اليمنى، لتتذكر تلك الحادثة. ربما لم تترك أثرًا كبيرًا على جسدها، ولكنها تركت أثرًا أكبر وأعمق في نفسيتها. مازالت تتذكر جيدًا ما حدث يومها بالتفصيل. فقد بكت والدتها كثيرًا واعتذرت منها، ولم يفي بالغرض.
كانت الصدمة حينما وجدت هاتفها يعلن عن اتصال من والدتها. مهلًا، هذا الأمر لم يحدث منذ شهور طويلة. كانت مترددة أن تجيب عليها أم لا، ولكن في النهاية أجابت. «الوو.» «الوو يا تسنيم، عاملة إيه؟ أردفت تسنيم قائلة باستغراب شديد: «كويسة. في حاجة؟ «مفيش، أنا حبيت أطمن عليكي. مهما حصل، انتِ بنتي يا تسنيم، مهما اختلفنا، متنسيش إنّي أمك. مرضتش أجي بعد ما قولتيلي متجيش تاني، فقولت أكلمك أفضل.»
قالتها والدتها بنبرة هادئة. فأجابت تسنيم عليها بهدوء شديد وهي تحاول أن تخمن هدف المكالمة، فلا تظن أنها ستمر مرور الكرام. «كويس إنك مجتيش. أنا مش في البيت، لا كنتي هتيجي على الفاضي.» أردفت كريمة باستغراب شديد: «اومال انتِ فين؟ «أنا في المنصورة، عند أهل مروان.» «إيه؟ يعني الدنيا بقت تمام ما بينكم و... توقفت كريمة عن الحديث حتى لا تبقى في نظرها مخبرًا. ثم أردفت قائلة بنبرة هادئة:
«خلاص، أنا مش متصلة علشان أستجوبك، أنا بس متصلة علشان أطمن عليكي. انتِ محتاجة حاجة؟ قالتها تسنيم باستغراب شديد. فلوهلة ظنت أن هناك امرأة أخرى تحدثها غير والدتها. «لا.» «ماشي، مع السلامة.» أغلقت كريمة المكالمة دون قول كلمة واحدة أخرى. فاستغربت تسنيم من اتصالها. أيعقل أن والدتها اتصلت فقط حتى تسألها عن حالها!! دون طلب شيء. مازالت لا تصدق أو تستوعب. وجدت أحدهم يحاول فتح الباب ويتحرك مقبضه، ولكنها كانت تغلقه من الداخل.
فأردفت قائلة بتساؤل: «مين؟ قالها مروان بسخرية من سؤالها: «الجيران. قافلة الباب ليه من جوا؟ افتحي.» علمته فورًا من نبرة صوته المميزة والساخرة. فأردفت قائلة بتلعثم وهي تخرج أول شيء قد قابلته في خزانتها، فهي لم تخرج شيئًا لتلبسه ولم تكن تتوقع مجيئه باكرًا هكذا. «استني دقيقة.» «يا صبر أيوب.» قالها مروان بصوت منخفض وهو يقف وينتظر منها فتح الباب. كانت تسنيم في الداخل ترتدي ملابسها بسرعة شديدة، وفتحت له الباب أخيرًا وأردفت
قائلة بتساؤل أول ما رأته: «انتَ إيه اللي جايبك بدري كده؟ دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه. لتجلس هي على أحد المقاعد المتواجدة في الغرفة، ويجلس هو على المقعد المجاور لها، واضعًا ميدالية مفاتيحه على الطاولة. أردف قائلاً بارهاق، فهو بالفعل يرى أن ذلك العمل صعب ومرهق، وخصوصًا أنه بعد موت ملك وتركه تلك الشركة لم يكن يتعرض لعمل شاق لتلك الدرجة. «مش بدري أوي يعني. أحمد جه المصنع، فسبته وجيت.» ثم استكمل حديثه قائلاً باستغراب:
«انتِ قافلة الباب بالمفتاح ليه؟ صحيح.» «عادي، كنت باخد شاور وبلبس.» «وهو مين هيفتح الباب من غير ما يستأذن يعني؟ قالتها تسنيم باستغراب من سؤاله. «انتَ مثلًا.» خبط جبهته. فيا لسهولة الإجابة. لا يدري هل هي بالفعل أخذت الموضوع تحديًا أم أنها لا تريده بالفعل حتى أن يتقرب منها ولو بالحديث. أردف قائلاً بسخرية:
«في منتصف الجبهة. بس يعني ابقي البسي في الحمام مدام خايفة على نفسك، علشان لو كان حد لمحني وأنا بخبط شكلي كان مش لطيف.» «خلاص، ماشي.» قالها مروان باستغراب فعلي. ما يبدو بها شيء غريب. «أول مرة تقولي حاجة من غير ما تطلعي عيني.» أردفت تسنيم قائلة بحيرة شديدة وقلق من كل شيء: «لا، هو علشان بس مش قادرة أجَدل.» «تسنيم، انتِ كويسة؟ «آه. ليه؟ أردف قائلاً وهو ينظر في عينيها التي لابد أن هناك شيء يشغلها.
«متأكدة إن مفيش حاجة مزعلاكي؟ «ليه بتقول كده؟ قالها مروان بتلقائية شديدة. «في الفترة القصيرة دي، فهمت إنك لما بتسكتي أو بتبقي هادية، تبقي فيه حاجة شاغلة دماغك، وباين عليكي فيه حاجة.» «دي حقيقة.» قالها بنبرة هادئة وهو يحاول أن يجعلها تتحدث وتعبر عما يتواجد بداخلها. «تقدري تحكيلي على فكرة. أنا عمومًا لو زوج رخيم، فأنا صاحب كويس.» «مش عارفة.» «جربي، مش هتخسري.»
قالها بإصرار شديد. فوجدت أنه لا مانع للمجازفة، فما الضرر الذي سيقع عليها بقول ذلك له. فأردفت قائلة دفعة واحدة: «بص، من غير تفاصيل. أنا كنت متخانقة مع ماما بقالي شهور ومش بنشوف ولا بنكلم بعض خالص.» «بسبب إيه؟ كانت بالرغم من كل شيء لا تحاول تشويه سمعة عائلتها أمامه مهما حدث، فهذا يقلل منها أيضًا. إذا علم أنها قاطعتها بسبب الأموال التي طلبتها والدتها منه، ستكون هي في وضع حرج. فأردفت قائلة:
«مش مهم تعرف السبب يعني. المهم إن ساعتها شبه قاطعنا بعض. ودلوقتي اتصلت بتقولي عاملة إيه وبس، من غير ما تعوز حاجة أو تقول حاجة مهمة.» وجدها صمتت، فكان ينتظر تكملة. فهل هذا هو ما يزعجها فقط؟ فأردف قائلاً وهو يرفع حاجبيه: «يعني دي حاجة تزعلك؟ يمكن اتراجعت لو هي اللي غلطانة؟ أو في كل الأحوال مفيش أم وبنتها هيفضلوا متخانقين العمر كله.» ثم استكمل حديثه قائلاً باستغراب من هيئتها:
«المفروض تفرحي، دي حاجة المفروض تخليكي تكوني مبسوطة، مش بومة.» قالتها تسنيم بيأس: «أنا مستغربة، ولا فرحانة ولا زعلانة، يعني فاهمني؟ شكلك مش فاهمني، ولا هتفهمني!
أمسك يدها، تلك الحركة التي ستقتلها به. لا تريده أن يلمسها فقط، أو الشعور بلمسه منه التي تمنحها شعورًا وقشعريرة غريبة. نعم، فلتعترف له، تأثير غريب وعليها. ولكنها تحاول تفسيره بأنها مثل أي أنثى تتأثر بأي كلمة ولمسة. بينما هو كان لا يقل عنها في التشتت، بل أنه يفوقها. هناك شيء يريدها أن تبقى معه، ولكنه لا يظن أنه أحبها. حتى هو ما زال يشعر بالاستغراب حيال ما فعله. فهو قال لها كثيرًا من العبارات لتبقى تلك الفترة معه.
ربما هناك شيء سيربطهما سويًا. لعل الجميع يرى شيئًا لا يراه. فلتعطيه فرصة شهور قليلة يعيشوا بسلام، ومع الوقت سيظهر أن كان هناك داعي للاستمرار أم سينتهي كل شيء. تذكر كلماتها: "ريح نفسك، لو قعدت بدل اليوم سنة، أنا مش هيكون ليا فرصة معاك." أجاب عليها وقتها: "مدام متأكدة، تعالي الفترة دي اقعدي معايا، واوعدك إن مفيش حاجة هتحصل انتِ مش عايزاها. ولو فعلاً لقينا إن مفيش سبب نكمل مع بعض، هسيبك، وبرضو تبقي كسبتني معرفتنا."
أمسك يدها الاثنان، ثم نظر في عينيها قائلاً وهو يحاول بث الطمأنينة بها: «تسنيم، بطلي تفكري شوية. مش قولتلك عيشي يومك بيومه؟ فكري إنها اتصلت تسألك عاملة إيه، وخدت خطوة ليه. بتحاولي تفسري موضوع بسيط وتطلعي منه عقد. كلنا بنغلط يا تسنيم، مفيش حد ملاك. ولو اتراجعت عن غلطها في حقك، المفروض تفرحي.»
لم تكن تسنيم تريد أن تتحدث معه في موضوع عائلتها كثيرًا، حتى لا تجعله ينظر لها بشفقة. وحتى لا تفضحها عيناها وتهبط دموعها إذا استمر الحديث. فأردفت قائلة وهي تسحب يدها من يده ببطء: «احنا قلبناها نكد ليه؟ نغير الموضوع؟ «أحسنت.» ثم أردف قائلاً بعدما تركت يده، الذي شعر بأن هناك شيء قد افتقده: «عندك حق نغير الموضوع. يوم الجمعة هاخدك، أحليكي تلفي شوية وتشوفي انتِ كنتي محتاجة إيه وتشتريه.» أردفت قائلة باستغراب شديد:
«بس أنا كنت هروح مع رباب وقولتلها..» قاطعها قائلاً بمرح وغرور أجاد صنعه: «متتهيألي هتنبسطي معايا أكتر من رباب، وهفيدك أكتر.» قالتها باحراج وهي تعقد ساعديها، وحاولت أن تتحدث بنبرة ساخرة: «ده إيه الثقة دي؟ هنبسط معاك ليه يعني؟ «لأن أنا اللي عارف كل حاجة. رباب مش بتاعة لف ولا مشي، وبعدين رباب متعرفش إلا جامعتها وبيت صاحبتها، بالكتير أوي بيت خالتي معاهم، وبيت إسلام.» ثم أردف قائلاً بخبث شديد: «وإلا أقولك خلاص بلاش؟
رفعت حاجبيها. فما الذي تغير في تلك الثواني؟ أردفت تسنيم قائلة باستغراب: «رجعت في كلامك يعني؟ «افتكرت خلود وعيلتها معزومين هنا، ومينفعش نمشي.» قالها بمكر شديد، لتتغير معالم وجهها الساكنة، إلى ملامح غاضبة. «انتَ بتستفزني صح! «هو أنا قولت إيه يعني؟ قالها ببراءة شديدة. فأجابت عليه باندفاع شديد:
«على فكرة، أنا بكره خلود لأن أول مرة شافتني فيها أهانتني. يعني مش بكرهها بسببك ولا بغير عليك، ولا أي حاجة في دماغك اللي رايحة بعيد دي.» أردف قائلاً بمكر وخبث شديد: «أنا مقولتش إنك بتغيري عليا، انتِ اللي قولتي دلوقتي.» «أنا بقول إيه اللي في دماغك.» قالها مروان وهو يشير لها بسبابته. «لا، انتِ قولتي اللي في دماغك انتِ.»
شعرت بالغضب والخجل من كونه يتهمها بالغيرة. فهي لا ترى أنها تغار عليه، وتجد ألف سبب لكرهها لخلود غير ذلك. فأردفت قائلة بنبرة حانقة: «أنا مبحبش اللعب في الكلام. وبعدين عايز تروح تتجوزها، اتجوزها وطلقني، ده أسهل شيء ممكن تقدمه ليا.» «تعرفي؟ «أعرف إيه؟ أردف قائلاً بنبرة ساخرة، ولكنه بالفعل بدأ يشعر بالغيظ من أفعالها.
«أنا لو حسبت لك بتقولي كام طلقني في اليوم، أو كام سبني، أو استحمل، لأنك اللي عملت كده في نفسك، هتدخلي موسوعة جينيس.» «واضح إني بقيت تسليتك علشان تت... قاطعها مروان قائلاً بنبرة مرحة: «محدش بيتسلى مع واحدة كاتب كتابه عليها. بيتسلى ببنات تانية.» «روح اتسلى براحتك.» أردف مروان قائلاً بمرح: «للأسف أخلاقي متسمحليش. عملتي إيه من غيري طول اليوم؟ كانت تشعر بالحيرة، هل تخبره بالحديث الذي دار بينها وبين والدته أم لا؟
ولكنها تتذكر جملتها التي أكدت بها عليها ألا تخبر أي أحد بتلك المحادثة، فليبقى كل شيء منتهي وكأنها لم تقل شيئًا. فأردفت قائلة بلا مبالاة: «أبدًا. كانت رباب معاها صاحبتها، فكنت قاعدة لوحدي، وكنت قاعدة مع طنط شوية. حاسة بملل غير طبيعي.» «هشوفلك حل.» «مش فاهمة.» «هبقى أقولك بعدين.» كادت أن تتحدث معه وتلح عليه حتى تفهم ما قاله، ولكنها انتبهت لذلك الصوت الذي يبدو بعيدًا ويقترب منهما. «إيه الصوت ده؟
قالها مروان باستغراب شديد، فهو لا يسمع شيئًا. «صوت إيه؟ أردفت تسنيم قائلة: «فيه طفل بيعيط.» قالها مروان بلا مبالاة، فعلى ما يبدو يتهيأ لها ذلك. «طفل إيه يا تسنيم؟ ده أصغر واحدة في البيت، شحتة في الجامعة.» «والله فيه صوت طفل بيعيط، انتَ مش سامع؟ كاد أن يجيب عليها ليدق الباب. فنهض مروان على مضض، وفتح الباب. وجدها رباب تحمل ابنه إسلام ورنا (فاطمة)
. حملها مروان فورًا، فعلم هويتها على الفور، فهي ابنته شقيقه. ففهم أن الصوت التي تسمعه تسنيم هو صوت تلك الطفلة المتذمرة. قالها مروان وهو يحاول أن يدللها ويحركها في أحضانه: «الآنسة جاية بنكدها ليه؟ نهضت تسنيم من مكانها واقتربت منهم قائلة باستغراب، فهي لم تراها من قبل. «مين دي؟ أردفت رباب قائلة بهدوء: «دي فاطمة بنت إسلام.» أردف مروان قائلاً باستغراب شديد: «إيه اللي جابها هنا؟ هما رنا وإسلام جم؟ حاولت رباب التفسير له،
فأردفت قائلة بهدوء: «لا، طنط رقية هي اللي تحت، لما عرفت إن بابا نفسه يشوف فاطمة، ولأنه مش هيقدر يطلع السلم عندهم عشان عالي ومفيش أسانسير، جت. وعشان أخوك تقريبًا رايح يتكلم مع رنا، ويكونوا لوحدهم. هي لسه جاية.» كانت الصغيرة تمد ذراعها ناحية تسنيم وهي تصرخ صراخًا شديدًا. فأردف مروان قائلاً باستغراب: «خدي يا تسنيم، واضح إن فيه حد عايزك.»
حملتها تسنيم وأخذتها في أحضانها وقبلت رأسها بهدوء ومسحت على شعرها وهي تحاول أن تهدئ من بكائها. وأخذت الصغيرة تعبث بسلسلتها الصغيرة المتواجدة في عنقها، لتنشغل قليلاً وتتوقف عن البكاء شيئًا فشيئًا. فأردفت رباب التي كانت تراقبها هي ومروان: «هي سلسلة تسنيم سرها باتع، ولا إيه؟ البت سكتت، الحمد لله. أدهواني اسكتها، عيطت أكتر في إيدي أنا بخاف أصلاً أشيلهم.» ثم وجهت رباب حديثها لتسنيم التي تتداعب وجه الصغيرة:
«انتِ متعودة تشيلي عيال يا تسنيم؟ دي البت مبحلقة في عينك وهادية خالص.» تحنحت تسنيم وهي تتذكر أخواتها الصغار. ربما حينما تتحدث مع والدتها تسميهم أولاد عمر، ولكنها لا تنكر أنهما كانوا في صغرهم أكثر الأشياء التي رعايتهما كانت تهون عليها. أردفت قائلة بتوضيح: «يعني متعودة عليهم، لأن اخواتي صغيرين، فكنت بشيلهم، ويعتبر حاضرة طفولتهم.»
قالها مروان باستغراب شديد وهو يخفي الكثير من التلميحات بين طياتها. فهو يشعر بالاستغراب بالفعل من اندماج الصغيرة معها. «لا، هي تقريبًا بقت متيمة بيكي في ثواني! أردفت تسنيم قائلة بخجل، وهي تنظر لهما. لتميل الصغيرة وتضع رأسها على كتف تسنيم، وتهزها تسنيم ببطء وتربط عليها:
«لا، علشان أنا هادية، مش خايفة منها. على فكرة، هما بيحسوا بكل حاجة حواليهم. لو حد متعصب أو قلقان، وممكن حد زعق أو بيعيط قدامهم، تحديدًا لو طفل، وده ساعات بيكون من ضمن أسباب عياطهم، حتى لو واكلين وكويسين ومفيش مشكلة.» أردفت رباب قائلة وهي تتذكر ما حدث:
«آه فعلاً، لما روحت علشان أخلي طنط زينب تشيلها عقبال ما ماما وطنط رقيه يتكلموا، لقيت فيه واحدة بتساعدها تحت وجايبة بنتها الصغير، فكانت بتعيط، ومن ساعتها فعلاً وهي بتعيط. كويس إنها هديت في إيدك، كنت هنزلها ليهم تحت.» ثم استكملت رباب حديثها قائلة باستغراب شديد. فهل جاءت في وقتها الخاطئ؟ «انتِ لابسة التيشيرت بالمقلوب يا تسنيم؟ _في شقة عائلة رنا.
كانت تجلس على الأريكة، وحينما سمعت جرس الباب، نهضت من مكانها وعلمت أنه بالتأكيد إسلام، فهي كانت تعلم بإتيانه مسبقًا. فتحت الباب له. أردفت قائلة بنبرة هادئة: «أهلاً، اتفضل.» دخل إسلام متوجهًا نحو غرفة المعيشة، وأردف قائلاً متسائلاً على حالها: «عاملة إيه؟ «كويسة، الحمد لله.» جلس على المقعد وأردف قائلاً وهو يشعر بهدوء تام في البيت: «طنط مش هنا ولا إيه؟ أردفت رنا قائلة بلا مبالاة:
«لا، خدت فاطمة ومشيت. نزلت تروح عند صاحبتها، بعد كده فاجئتني إنها راحت عندكم علشان باباك عايز يشوف فاطمة.» تنهد إسلام ثم أردف قائلاً: «ماشي، أنا جاي أتكلم معاكي، وكويس إننا لوحدنا. ممكن أفهم إيه اللي مزعلك لدرجة إنك تسيبي البيت؟ أنا الأيام اللي فاتت كنت عمال أراجع نفسي وأحاول أفتكر عملت إيه، مش عارف.» قالتها بانزعاج شديد وهي تعقد ساعديها:
«إسلام، انتَ أصلًا مبتعملش حاجة، لا حلوة ولا وحشة. وجودك بقى زي غيابك. طول النهار في الشغل، وبالليل سهران برضو على اللاب وبتشتغل.» قالتها بسخرية شديدة، فهل هي تحزن بسبب ذلك السبب؟ «وده شيء مزعلك! قالتها رنا بتأكيد شديد: «آه يضايقني لو هحس إنك بتروح مني علشان الشغل.» أردف إسلام قائلاً بغضب: «حسساني إني بخونك يعني؟ انتِ زعلانة علشان ببني مستقبلي؟ أردفت رنا قائلة بانزعاج شديد، فما زال لا يشعر بأهمية للموضوع:
«لو كنت هتبقى مشغول عني، مكناش اتجوزنا يا إسلام، وكنت خليك أنتَ عايش لشغلك لغاية لما تبقى تحقق اللي انتَ عايزه. الحياة مش كلها شغل بالنسبالي، ولا أنا اتجوزتك علشان... ما بقيت عايشة مع نفسي، ماشي، عندك شغل وده شيء طبيعي، بس مش لدرجة إننا مبقناش نتكلم. أنا حتى لو بتكلم معاك، بتكون مش مركز معايا.» أردف إسلام قائلاً بنبرة حاول أن يكن بها هادئًا بقدر الإمكان:
«رنا، المفروض تكوني عايزالي الخير. أنا بسعي إن أبني كيان لنفسي. ولنفترض إن الموضوع ده مضايقك، يعني مش لدرجة إنك تسيبي البيت. اتكلمي معايا، قوليلي أنا مخنوقة ومش عاجبني الوضع.» قالتها رنا بغضب وهي لا ترى نفسها مخطئة: «مش لازم كل حاجة أقولهالك. أنتَ لو محستش من نفسك، يبقى ملوش لازمة إني أقولها.» «رنا، متقلبيش الموضوع دراما، ولا تحسسيني إني عامل مصيبة.»
_في بيت عائلة العربي، كان محسن والجميع يجلس بالأسفل مع ضيفتهم رقية، والدة رنا. محسن كان يحمل حفيدته فاطمة، فهي أغلى ما له وحفيدته الأولى والوحيدة حتى الآن. أول من أعطته لقب جد، وبالفعل كان يشتاق لها ويريد رؤيتها. ولكنه مريض بالقلب وأشياء كثيرة تمنعه من الصعود إلى أدوار عالية. ولاحظ بالفعل من كلمات رباب هدوء فاطمة مع تسنيم وأشياء كثيرة شغلت عقله من كلمات ابنته. أردفت محسن موجهاً حديثه إلى رقية:
«منورة والله. بشكرك إنك جيتي بنفسك علشان أشوف فاطمة.» تنهدت رقية ثم أردفت قائلة: «بنورك يا حج. أحنا أهل، واهو نسيبهم لوحدهم، وياريت يتفاهموا بقا.» «يارب.» قالها محسن بنبرة هادئة وهو يقبل رأس حفيدته. فأردفت مريم قائلة بانزعاج: «مبقاش حد يستحمل حاجة. كلهم متهورين، ولا عارفين يمشوا بيوتهم. وابني مشكلته إنه مبيعرفش يسايس حد، كلامه واقف. هو بيحبها والله.»
كانت تسنيم تلتزم الصمت، وكذلك مروان. أما رباب كانت تحاول مداعبة فاطمة وهي مع محسن، فهي لا تدري لما لديها فوبيا من حمل الأطفال. أردفت رقية قائلة وهي تؤكد على حديث مريم: «والله يا مريم، الاتنين دماغهم مريحة. هم سواء بنتي أو ابنك، عاملين مشكلة من غير مشكلة. بس هنقول إيه؟ ربنا يهديهم وخلاص.» أردف محسن باقتراح غريب أثار دهشة الجميع: «ما تسيبي فاطمة عندنا النهاردة، وحشاني جدًا، بقالي كتير مش بشوفها.»
ابتسم مروان بسخرية ومكر، فلابد أنه فهم ما يُخطط له والده. وهمس قائلاً لتسمعه تسنيم: «فحسيت إن دي إشارة.» أردفت تسنيم قائلة بخفوت بعدم تركيز، فعقلها بمكان آخر، فهي تفكر في والدتها وفي شريف وفي أشياء كثيرة: «مش فاهمة.» أردف مروان قائلاً بهمس: «بيبعت لينا إشارات مشفرة.» أردفت رقية قائلة باستغراب ورفض تام وهي ترد على اقتراح محسن: «أسيبها إزاي؟ رنا مش هترضي، وكمان علشان لو رجعت مع إسلام.»
«رجعت يبقى خير وبركة. رباب وأحمد يودوها بكرة بيت إسلام. أنا ملحقتش أشبع منها.» قالها محسن وهو يصر على ما قاله. فاستمرت رقية في رفضها: «لا طبعًا، مينفعش. يعني هتعوز أمها وهتعيط، ومحدش هيعرف يسكتها. ده أنا نفسي ساعات مبريحش معاها.» «بيتكم مش بعيد، ده عشر دقايق. لو أزمت أوي هنجبها عندكم. وبعدين مريم موجودة، ورباب وتسنيم.» قالها محسن بنبرة هادئة. فأردفت رباب بمرح:
«اخلع رباب. أنا بشيلها وأنا إيدي على قلبي، وببقى خايفة تقع مني.» أردفت رقية قائلة باستغراب: «مش عارفة انتِ جبانة كده ليه يا رباب؟ ردت عليها رباب قائلة بنبرة هادئة: «معرفش، أنا بخاف أشيل أي عيل صغير. أشرح فيران، آه. أشيل عيل صغير، لا.» أردفت مريم قائلة بسخرية شديدة: «برا، هتشيلي غصب عنك.» _في أمريكا. كانت سلوى تجلس وتحتسي قهوتها وهي تفكر في الكثير من الأشياء، وهل ما قالته لتسنيم كان الصحيح أم لا؟
ولكنها تشعر بارتياح. يجب ألا تكون أنانية معها، فجمعهما القدر دون موعد أو توقع. ولكنها كانت خير أنيس وجليس وابنة لها. فيجب أن تفكر بها. تذكرت حوارًا قد مر عليه سنوات. في بيت سلوى، التي أصرت ملك المجيء في الوقت الذي تتواجد فيه تسنيم في الجامعة. ربما في البداية كانت تأتي أي وقت بمفردها، ولكن منذ فترة قريبة تتعمد ألا تراها. أردفت ملك قائلة بغيرة شديدة: «أنا خلاص مش مستحملة، أنا كل يوم بحلم بيهم يا خالتو، مش مستحملة.»
تنهدت سلوى وأردفت قائلة بحقيقة لا يمكن إنكارها: «فيه إيه يا ملك؟ انتِ اللي عملتي كده في الأول ووافقتي، هو معملش حاجة من وراك.» وكأن خالتها تضع الملح على جرحها، فأردفت قائلة بنبرة غاضبة من كل شيء: «خلاص يا خالتو، أنا جاية أتكلم معاكي مش علشان تعاتبيني، أرجوكي. أنا فيا اللي مكفيني وزيادة من ندم. لازم يطلقها.» «انتِ قولتي له يطلقها؟ «لا، مقولتش لسه، بس هقوله.»
أردفت سلوى قائلة بغضب شديد، رغم أنها كانت من أكثر المعارضين لتلك الزيجة، ولكنها لن تقبل بذلك: «بنات الناس وظروفهم مش لعبة في إيدك أنتِ وجوزك. لو قولتي له ووافقت وعملها، أنا اللي هقاطعك.» أردفت ملك قائلة بصدمة شديدة، فلا تصدق ما تتفوه به خالتها: «هتقاطعيني أنا علشانها؟!! «أيوه. أنتم استغللتوا ظروف البنت، ولما حضرتك حسيتي بغيرة والندم ناوية تمشيها، وجوزك قال هيطلقها بعد الجامعة، حتى مفاتش سنة على الاتفاق ده.»
«أنا اللي بنت اختك، مش تسنيم.» قالتها ملك بغضب، فإذا لم تأخذ منه زوجها، فهي على ما يبدو استحوذت على اهتمام خالتها. فأردفت سلوى قائلة: «البنت دي عانت كتير في حياتها. لو جوزك طلقها، أهلها مش هيسبوها تعيش لوحدها لأنها صغيرة، وأنا استحالة أخليها ترجع تقعد مع الراجل ده في بيت واحد. أنتِ كمان ظروفك كانت صعبة، فمتجيش على حد ظروفه أعنف منك.» «ده ميخصنيش، أنا هخلي مروان يطلقها ويديها فلوس.»
«مهما عمل، طول ما هي في بيت الراجل ده مينفعش.» «هخليه يبعت ليهم فلوس كل شهر، وهما أكيد أهلها لما هيصدقوا. وأكيد لو مشكلة الفلوس اتحلت، مش هيعملوا ليها حاجة.» أردفت سلوي قائلة بيأس: «الموضوع مش موضوع معاملة وحشة بس أو فلوس.» أردفت ملك قائلة بغضب، فسلوى ستصيبها بالجنون: «اومال الموضوع موضوع إيه؟ كفايا تدافعي عنها، أنا اللي ربيتك.» أردفت سلوى قائلة بنبرة هادئة:
«أنا ربيتك، وعلشان ربيتك رفضت اللي عملتيه في الأول، أنتِ وجوزك. وعلشان ربيتك، عمرك ما كنتي أنانية. مش علشان حماكي تعب ومبقاش مركز معاكي، ولا حد فاضي يكلمك في حاجة، فتروحي تخلصي من البت.» مسحت ملك دموعها ثم أردفت قائلة بندم شديد: «أنا غبية، مش أنانية، لأني بموت كل يوم بسبب الأحلام اللي بشوفها.» أردفت سلوي قائلة بنبرة هادئة:
«افهمي، مهما حبيت تسنيم، مش هحبها قدك، بس مش هقبل بظلمها. جوز أمها هحاول يتحرش بيها أكتر من مرة لما كبرت. وساعتها وافقت على جوزك، لما خافت على نفسها. لو تفتكري إن أول مرة الراجل اللي اسمه سعد عرض عليها، رفضت، ولما حست إن الراجل ده هيدمرها، قبلت.» لا تدري ملك لما شعرت بالتقزز. ربما كان والدها وجوده كغيابه، ولكنها وجدت خالتها ولم تجبر على العيش ذليلة. ولكنها لم تكن تظن أن هناك بشر بذلك السوء.
«مروان مقالش حاجة زي كده ليا.» «مروان نفسه ميعرفش حاجة زي كده. أنا متأكدة إن جوزك لو ضغطتي عليه، هيحصل مشاكل بينكم، بس يوافقك في الآخر. اعرفي إنها لو رجعت لاهلها، ذنبها هيكون في رقبتك.» جاء ابنها ليقاطع حبل ذكرياتها، فأخبرنا بأنه سيأخذها اليوم للذهاب والتعرف على زوجته بعد انتهاء عمله.
حينما ذهب إلى العمل وودعها، شعرت بأنها قد عاشت أحداثًا وأشياء تظن أنها فيلم سينمائي، وأبطاله ثلاثة أشخاص. لا تدري من المخطئ فيهما ومن على حق، إن كان على قيد الحياة أو فارقها. فهي تريد الخير للجميع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!