الفصل 1 | من 44 فصل

رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الأول 1 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
144
كلمة
4,596
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

ضائع بيني وبين نفسي. جزء مني يريد شيئًا والآخر يحاربه. جزء يقترب وجزء يشد الرحال. جزء يلبي وجزء ينسحب. جزء يرى طوق النجاة والآخر يقول: لا تتوهم. كيف أنجو من حرب طرفاها أنا؟ ولا أدري ما السبب. لكنني أدركت أنني كنت أصب عطفي وحبي في قلوب مثقوبة. *** في إحدى المناطق السكنية الراقية. كانت تغفو على الأريكة، تذهب في سبات عميق. دلف للداخل يحمل بعض الأكياس البلاستيكية.

وضعها بهدوء عندما وجدها تغفو بتلك المنامة الوردية وخصلاتها المنسدلة على الوسادة. تحرك حتى وصل إليها وجلس على عقبيه يرسمها بعينيه. لقد اشتاق إليها كثيرًا بعد شهر ولم يراها به. اتجه بكفيه المرتعش يلامس خصلاتها هامسًا باسمها. "جنى." فتحت جفونها بتثاقل وكأنه يروادها بأحلامها. ولكن هبت فزعة عندما لامس كفيه وجنتيها وابتسامة على وجهه. ابتلعت ريقها بصعوبة تحاوط جسدها بذراعيها. "جاسر!! إيه اللي جابك هنا؟

تستغرق لحظات يطالعها فقط. فحمحم ناهضًا ينظر لتلك الأكياس. "جبتلك حاجات، عرفت إنك مخرجتيش بقالك فترة فقولت أكيد تلاجتك فاضية." جذبت مأزرها تضعه على جسدها وتلملم خصلاتها بعدما ولاها بظهره. فتحدثت: "لأ عمو جواد كان هنا وجابلي حاجات." استدار إليها جاحظًا عيناه متسائلاً: "بابا!! هو عرف مكانك؟ جلست تنظر للأسفل وأومأت برأسها إيجابًا والدموع تغيم بمقلتيها. رفع ذقنها بأنامله يتنهد بحرقة قائلاً

بنشيج مرير: "شكل بابا وجع معاكي، ده لو عرف." نظرت إليه وتكونت الدموع بعيناها. "تفتكر واحد زي عمو جواد مش هيعرف اللي حصل؟ قَبضَته وانفاسه تحرقه من يقترب منه. "يبقى عمره ما هيسامحني." اقتربت منه واحتضنت كفيه لأول مرة منذ فترة طويلة. وتعلقت عيناها بعينيه إثر سماعها كلماته التي اخترقت جدران قلبها.

فتحدثت بتقطع: "قولتلك بلاش تعمل كدا بس انت اللي أصريت يا جاسر وشوف النتيجة. عمو جواد زعلان جدًا، لو شوفت حالته إزاي بعد ما جه صعب عليا جدًا، مش مصدق إنك تعمل كدا فيه وصدمته الأكبر في بابا." بتَر كلماتها مقترنًا بابتسامة على شفتيه وهو يحتوي كتفها بين ذراعيه. "مش مهم، متخافيش بابا هيتفهم الموضوع، ومتنسيش إنك عند جواد إيه يا جنجون." انسدلت عبراتها

تحرق وجنتيها وأجابته: "كان يا جاسر، كان وقت ما كنا عيلة، مش دلوقتي. شوف العيلة بقت إزاي، معدش فيها إلا ذكريات." احتضن وجهها طابعًا قبلة عميقة على جبهتها يحدق بها برماديته قائلاً: "مفيش حاجة ضاعت، بكرة لما نرجع حي الألفي، كل حاجة هتتنسي." أنزلت ذراعيها وتراجعت للخلف تجلس على الأريكة. "مستحيل أرجع تاني هناك، مستحيل يا جاسر. انت ارجع لبيتك ومراتك ومالكش دعوة بيا، وخليك قد كلمتك اللي اتفقت مع بابا عليها."

أحس بقبضة قوية تعتصر صدره. فاقترب منها يجلس أمامها على عقبيه. "وأنا مش فاكر اتفقت مع باباكي على إيه، دنا" يهمس بجوار أذانها: "لو فاكرة يابنت عمي فكريني." ارتعش جسدها من أنفاسه التي لافحت عنقها. فتراجعت للخلف تحتضن نفسها وتهرب من نظراته التي تخترقها. ارتبكت متمتمة: "أنا هقوم أجهز الغدا، تاكل قبل ما تمشي." قالتها ونهضت متجهة للمطبخ سريعًا. تحرك خلفها بالشنط البلاستيكية ووضعها على الرخامة.

وتحرك يقف خلفها يحاوطها بذراعيه. "أنا مش همشي، أنا هبات هنا الليلة." سقط الذي بيديه حتى أصدر صوتًا. فارتبكت تجمع الزجاج. نزل يجمع الزجاج، مبتعدًا بها عن المكان، يحتضن كفها الذي نُزف. "ينفع كدا مش تاخدي بالك، مفكرة نفسك طفلة." رَانَ صمتٌ هادئٌ عليهما وهو يقوم بتنظيف جرحها. لم يخل من النظرات وحبس الأنفاس والتفكير يأبى طي الكتمان. فإما البوح والاستكانة، أو الصمت والعذاب الأبدي.

"بتعمل كدا ليه يابن عمي، ياترى تكفير ذنب عن اللي حصلي، ولا... رفع إبهامه يضعه على شفتيها ودنى ورماديته تحاور بنياتها. "إياكِ تغلطي، عشان وقت العقاب هيكون شديد أوي يابنت عمي." رجفة بسائر جسدها وهي تعانق عيناه. فارتجفت شفتيها وهمست: "ابعد عني عشان متتأذيش يا جاسر، أنا ميرضنيش الأذى والوجع." جذبها لأحضانه يعتصرها بقوة هامسا لها: "وجاسر يستاهل العذاب يا جنى، لا يتعذب ويكفر عن ذنوبه." ارتفعت شهقاتها وهي تحاوط خصره.

"أنا مؤذية للكل، أذيت الكل، فرقت الكل، ليه بيحصل معايا كدا، هو أنا وحشة لدرجة الكل بقى يكرهني كدا." أخرجها من أحضانه يحتضن وجهها وتكورت عبراته يرسم وجهها الجميل. "إنتِ أجمل بنت في الدنيا دي كلها، إنت البلسم والدوا يا جنى، أوعي حبيبي تقولي كدا." بكت بنشيج وارتجفت شفتيها تهز رأسها رافضة حديثه. "وبدليل أنا هنا، مهاجرة بعيد عن حضن أمي وأبوي، وأخويا اللي حياته اتدمرت بسببي." بتَر حديثها يبتلع كلماتها بجوفه.

لأول مرة يتذوق تلك الشفاه التي أرهقت منامه حتى لم يشعر بهدوء روحه العاصية. لحظات وهو يحتضن شفتيها. ربما هدوء لملمة نفسه، أو هروبًا من القادم. كل ما يجب فعله وما يشعر به هو تذوقها فقط. قبلة. *** قبل سنة. بفيلا صهيب الألفي. تجلس تلك الجميلة بتصميم ذاك المشروع. دلف إليها أخيها الأكبر بعد السماح له. "مساء الجمال على حبيبة أخوها." نهضت تقابله بإبتسامة بشاشة. "مساء الورد حبيبي. عامل إيه؟

جذب المقعد وجلس عليه ينظر لتلك الأوراق. "الجميل بيعمل إيه؟ جلست بمقابلته وأشارت للرسومات. "ده مشروع تبع مسابقة في إحدى الشركات، لقيت إعلان بالصدفة وقولت أدخل أجرب حظي." مط شفتيه للأمام ينظر لتلك الأوراق مرة وإليها أخرى متسائلاً: "عايزة تشتغلي؟ تراجعت للمقعد ترفرف بأهدابها تبتعد بانظارها عنه. فتحدثت بصوت خافت: "عايزة أشتغل يا عز مش حابة قعدتي دي، وانت عارف بحب مجال عملي أوي." أومأ برأسه متفهمًا.

"جنى لو عايزة تشتغلي عشان انتِ حابة الشغل معنديش مشكلة، أما إذا... توقفت باترة حديثه بقلب يأن وجعًا. "ممكن يا عز تنسى أي حاجة ودلوقتي بجد أنا حابة أشتغل وأعمل كيان لجنى الألفي." نصب عوده واتجه يضمها من أكتافها. "أنا معاكي في أي قرار بدل ما يسعدك، المهم ميكونش هروب يا حبيبتي." فاهمة. وضعت رأسها بأحضان. "انت أحسن أخ في الدنيا كلها." أخرجها يطبع قبلة مطولة على جبينها قائلاً: "هسيبك تخلصي شغلك."

قالها وخرج وتبدلت ملامح وجهه للحزن على أخته. تمنى لو يزيل آلامها. قابلته والدته. "حبيبي انت كنت فين." أجابه ومازال وجهه متألمًا: "كنت بشوف جنى وطالع جناحي عايزة حاجة حبيبتي." ربتت على كتفه وسألته: "متخليش علاقة جنى بجاسر تتأثر بمراتك يا عز عشان متخسرش حبيبي، وخليكي فاكر إن جاسر مظلوم، أنا شايفة علاقتك بيه بقت عدوانية، هو ملوش ذنب ولا يعرف." صعد عز بعدما أومأ لوالدته متجهاً لشقته بالأعلى. *** بفيلا جواد الألفي.

استيقظ جواد على صوت منبه. قام بإغلاقه ثم اتجه للتي تغفو تتوسد ذراعيه. دنى يطبع قبلة بجانب شفتيها. فتحت رماديتها وأردفت بصوت مبحوح من النوم: "صباح الخير حبيبي." داعب أنفه بوجهها مردفًا: "صباح الحب على حبيبة جود." ابتسمت واعتدلت تضع رأسها على صدره. "هدا إيه الروقان الحلو ده يا حضرة الظابط." قهقه عليها وهو يعتدل. "رجعنا لحضرة الظابط يا تيتة غزل." اعتدلت تعقد ذراعيها بعدما جمعت خصلاتها.

"وجينا للأسئلة حضرة الظابط اللي كلها شَك." نزل من فوق مخدعه. "طلبات أوامر يا غزالتي، قولي عايزة إيه." "جود حبيبي رمضان بعد يومين ماتيجي ننزل الفيوم، نقضي الشهر ده كله هناك." صمت هنيهة يتذكر تلك الأيام. ثم جلس بجوارها يحتضن وجهها. "إن شاء الله حبيبتي، هشوف الموضوع ده مع صهيب، متنسيش المشروع الوزاري الجديد اللي الولاد داخلين عليه." رفعت يديها تحاوط جسده.

"أنا عايزة نقضي حياة هادية شوية، ونلم العيلة كلها وشهر رمضان مفيش أجمل منه." طبع قبلة مطولة على جبينها. "أنا أكتر منك يا زوزو، عايز أجمع الولاد، وخصوصًا ولاد حازم، جواد بقى يهرب من اجتماعات العيلة، وده مزعل باباه بس مش قادر أتكلم، وكمان جاسر مش عاجبني الأيام دي، مصدقت يسيب شقته ويرجع تاني هنا." استندت بظهرها على مخدعها ثم طالعته وتسائلت: "انت مش شايف رجوع جاسر هنا هيكون مش صح." اعتدل نازلاً متجهاً لمرحاضه

ولكنه توقف وأجابها: "مش هنفضل نهرب يا غزل، لازم الموضوع يكون عادي، عارف الغلط عندنا من الأول، بس جنى أكتر واحدة غلطت فلازم تتحمل غلطها." نهضت تقف بمحاذته وأجابته بإذعان: "بلاش إنت اللي تقول كدا يا جواد، البنت صغيرة ومكنتش تعرف شعورها إيه، يمكن واخدة جيناتك يا حبيبي." زفر بغضب من أسلوبها. فمهما مرت السنين تظل الطفلة. ولكن تسمر

بوقوفه عندما تسائلت غزل: "وكمان أنا عندي إحساس إن جاسر يكن مشاعر لجنى وهو مش عارف يترجمها، ممكن يا جواد يكون جاسر بيحب جنى وهو مش عارف، وحبه لفيروز يكون حب انبهار بجمالها وشخصيتها." استدار ينظر إليها وكأن سؤالها خرج بقلبه المتألم الذي يحاول أن يصل لذاك السؤال الذي يشغله كثيرًا. حاول السيطرة والتفكير بهدوء فتحدث: "إياكِ تتكلمي في الموضوع ده حتى مع نفسك يا غزل، سيبي ابنك بلاش تشتتي حياته، ده مجرد وهم."

قالها وتحرك سريعًا للمرحاض. *** بالإسكندرية. وصل ريان بمرافقة نغم إلى فيلا بيجاد الذي هبط إلى الأسفل لمقابلة والده ووالدته وهو يحمل ابنه سفيان. وصل لريان الذي التقطت يديه حفيده. "مساء الورد يا جدو عامل إيه حبيبي." احتضنته نغم. "عامل إيه يا حبيبي وغنى عاملة إيه." جلس بجوار والدته وهو يبتسم. "أحسن يانغوم، معلش هنتعبك معانا الليلة." تلقفت سفيان من ريان وهي تقبله. "حبيب ناناَ وحشتني قوي."

رفعت بصرها لبيجاد وهو تمسد على خصلاته. "لأ يا حبيبي مفيش تعب ولا حاجة، بالعكس من وقت ما بابا سابلكوا الشغل واحنا بنفرح قوي لما تجيبوا الولاد." استمعت لهمهمة سفيان. "ببب بابا." قبلته على خديه بقوة. "الولا ده هيطلع شقي قوي يابيجاد." ضحك بيجاد على شقاوة ابنه عندما جذب حجاب نغم وبدأ يلاغيها بصوته الطفولي.

قاطعهم وصول غنى، التي هبطت بفستانها الأنيق، وطلتها الجذابة مما جعل بيجاد يحتضنها بنظراته حتى وصل إليها يضمها من خصرها. تورّدت وجنتيها عندما رأت ريان ونغم شعرت بالخجل من وقاحة زوجها وهو يضمها ثم طبع قبلة على وجنتيها. "طيب أعمل إيه في الجمال ده غير إني أخطفها." نصب ريان عوده متجهاً للأعلى وهو ينظر لأبنه بسخرية. "منحرف يابيجو طول عمرك، طب أعمل حساب لأبوك يابغلة."

قهقه بيجاد على والده فتحدث متهكمًا: "بلاش إنت ياريو، ده إنت ريحتك سابقة ياحبيبي." صعد ريان الدرج وهو يقهقه على ابنه ثم توقف بالمنتصف. "نغم نومي الولد وتعالي عايزك." رفع بيجاد حاجبه بسخرية. "بقيت جد ياحج، ارحم نفسك شوية وراعي إنك مش في بيتك." لكزته غنى وهي تفرك بكفيها تنظر لنغم بخجل من بجاحة زوجها. "بيجاد إنت مش خارج ولا إيه؟! " قالتها نغم. احتضن كف زوجته وتحرك وهو يرمق والده. "خلي بالك من حفيدك ياريو، عشان أحبك."

إغتاظ ريان من وقاحته فتحرك صاعداً دون حديث آخر. توقفت غنى أمام نغم تمسد على خصلات ابنها. "انطي نغم لو تعبك خلي المربية تهتم بيه، هو واخد عليها والصراحة هي كويسة وبتعرف تتعامل." ربتت نغم على كتفها بمحبة. "حبيبتي روحي انبسطي ومتخافيش عليه، بالعكس أنا فرحانة بيه قوي." قبلته ثم تحركت للخارج حيث ينتظرها بيجاد. وصل بعد قليل لليخت دلفا إليه، كان مجهزًا احتفالًا خاصًا بهما.

سحب كفيها وصعد لسطح اليخت الذي ينير بأضواء الشموع الخافتة والموسيقى الهادئة. توقفت أمامه تطالعه. "إيه ده، قولت هنتعشى، أنما ده احتفال." حاوط خصرها يطالع رماديتها. "مين قالك عشا، أنا قولت كدا، أنا قولت هنسهر مع بعض." قام بفك حجابها بهدوء واضعًا كفيه بين خصلاتها الحريري.

"وحشتيني قوي يا غنايا، من وقت سفيان جه ومخرجناش مع بعض أبدًا، ولا قعدنا لوحدنا، دايمًا سفيان بينا، عايز غنى بتاعت زمان اللي جننت بيجاد ووقعته على جدور رقبته." رفعت نفسها تحاوط عنقه وهمست له: "وغنى بتعشق بيجادها، ومش شايفة غيره." طبعت قبلة بجانب شفتيه. "آسفة عارفة إني قصرت معاك الفترة اللي فاتت، بس ده ميمنعش إن غنى بتعشق بيجاد." أنزل برأسه في خصلاتها يستنشقها كالمدمن وهو يتحدث: "مش عارف أوصلك اشتياقي إزاي."

رفع رأسه وتقابلت نظراتهما بعشقهما فهمس لها: "وصلتيني لمرحلة مش عارف أعبر عن اشتياقي." احتضنت بين راحتيها. "آسفة حبيبي." رفعها من خصرها حتى أصبحت بمقابلته فتحدث وهو يدور بها: "أسفك غير مقبول يا غنايا، ولازم تعوضيني عن الأيام اللي فاتت." وضعت جبينها فوق خاصته. "متبقاش بكاش يابيجو، ده أسبوع ياحبيبي متحسسنيش إنهم شهور." أنزلها ومازال محاوط جسدها قائلًا: "اغلطي كمان حبيبي، الليل طويل للعقاب."

انتفض جسدها وإزداد احمرار وجنتيها وهو يطالعها بخبث، ويضغط على خصرها. "بيقولوا النهاردة عيد الحب إيه رأيك في الكلام ده." فاض الحب بعينيها حتى ارتسمت على ملامحها. تحتضن وجهه مقتربة منه هامسة: "بيجاد وغنى مالهمش عيد حب لأن أيامهم كلها حب." قهقه بصوته الرجولي وهو يدور بها، ثم بدأ يتمايل على ألحان الموسيقى. "غنايا بتعرف تهرب من عقاب جوزها." داعب وجهها. "الحب هو إنتِ حبيب قلبي." رفعت رأسها وهي تحاوط عنقه.

"أجمل هدية في الحياة إنت وسفيان." رفع حاجبه بسخرية. "نعم ياختي، هتجمعيني مع ابنك الشبر ونص." أطلقت ضحكة خافتة من شفتيها وتحدثت بشقاوة: "ده حبيبي على فكرة." ابتلع كلماتها بجوفه حتى سلب أنفاسها. قبل قبلته عندما شعر بإختناقها، دفعته وصدرها يعلو ويهبط. "ابعد يامجنوون خنقتني." داعب أنامله خصلاتها متأسفًا، ثم ضمها بقوة لأحضانها. "عشان تغلطي تاني ياقلبي، بيجاد ميتحطش في خانة حبيب غيره ودلوقتي جه وقت العقاب."

قالها وهو يحملها متجهًا للداخل. *** عند فيروز وجاسر. دلف لغرفته وجدها تجلس بالشرفة وهي تحتسي مشروبها المفضل. وصل مقبلاً رأسها، ثم خطف كوبها. "ينفع تشربي من غيري." ارتشف البعض من قهوتها، ثم أوقفها لتجلس على ساقيه. مد كفيها يزيح خصلاتها على جانب كتفها يمسدها بهدوء. "عملتي إيه النهاردة، خرجتي من الأوضة ولا لسه؟ رفعت بصرها إليه. "جاسر هنفضل هنا لحد إمتى، إنت قولت هنرجع شقتنا، وعدى أسبوعين كاملين أنا اتخنقت الصراحة هنا."

رفع ذقنها ناظرًا لفيروزتها. "فيروز إحنا هنفضل هنا مينفعش نرجع تاني الشقة، خلينا هنا لو سمحتِ، أنا هنا مرتاح أكتر." هبت فزعة من على ساقيه. "قصدك إيه؟ هنفضل هنا في الجو ده، إنت مش شايف والدك بيعمل إيه." بدأت تعد على أصابعها. "النوم بميعاد والأكل بميعاد، الخروج بميعاد، غير طبعًا الدوشة اللي كل أسبوع لازم نفطر ونتغدى ونتعشى مع بعض." زفر بغضب ثم توقف محاولاً السيطرة على نفسه حتى لا يغضب عليها. سحب نفسًا ثم طرده.

"فيروز ممكن تهدي وخلينا نتكلم بالعقل، أولًا بابا عمره ما تدخل في اللي قولته، من إمتى بيعمل اللي بتقوليه ده." "فوقي يافيروز وحافظي على حياتنا، إنت كدا بتضيعينا." *** بعد عدة شهور. جلس الجميع بحديقة منزل جواد فاليوم هو التجمع العائلي. كان عز يجلس يحاوطها بذراعيه وينظر لجواد. "إحنا هنسافر فرنسا ياعمو، أنا بخبرك بس مش باخد رأيك على فكرة." قهقه بيجاد عليه ونظر غامزًا بجانب عينيه.

"وأنا هسافر أنا وغنى لندن، عندي اجتماع هناك ومش هننزل إلا بعد خمسين سنة." اتجه جواد لأوس وجاسر. "وإنتوا كمان مش عايزين تسافروا؟ ابتسم جاسر بسخرية وهو ينظر لهاتفه. "ياريت ينفع ياحج نعمل إيه في الوظيفة اللي مانعاك من السفر كأنك مجرم." أما أوس فنظر لبطن زوجته المنتفخ. "لأ ياحج أنا أهم حاجة عندي مراتي تقوم بالسلامة." جز جواد على أسنانه من برودهم فنصب عوده وتوقف يوزع نظراته بينهم جميعًا.

"بص يلاَ إنت وهو سفر مفيش سفر، وده آخر كلام." اتجه بنظره لصهيب الصامت وأشار بيديه. "إنت شايف المستفز عايز يعمل إيه يهاجر ياصهيب." زفر صهيب بحزن ورفع نظره إليه. "هو مصمم يا جواد." وصل لبيجاد بخطوة وسحبه من تلابيبه. "بص يلا أنا بصبر نفسي عليك بالعافية، عايز تسافر سافر في داهية تاخدك إنما بنتي تسافر معاك ده لما تشوف حلمة ودنك، ودلوقتي ابعد عنها ياحمار." جذب غنى التي تنظر لبيجاد وهي مبتسمة.

"أنا قولتلك هتقوم الدنيا حريقة اشرب بقى." احتضن جواد وجهها. "عايزة تسيبي بابي يا غنى عشان الجحش ده." جلس بيجاد وهو يضع ساقًا فوق الأخرى وهو يطلق صفيرًا كأنه يخرج وحش جواد فتحدث ليكمل عليه: "مش هتقدر تمنعني، دي مراتي وأنا حر." قهقه الجميع عليه، اتجه جواد لغزل التي تضحك ثم رمقه بنظرة نارية. "فرحانة أوي وانتِ عارفة الحلوف ده هيسافر ببنتك." توقف بيجاد ووقف بمحاذته وهو يربت على ثياب جواد.

"شوف ياحمايا العزيز، أنا كمان بحاول أتحملك، آه حياة النعمة، فبلاش تخرج وحش بيجاد اللي جوايا." دفعه جواد بقوة حتى هوى ساقطًا على المقعد وتحدث بغضب. "أنا مش بهزر يابيجاد، غنى مش هتخرج من مصر حتى لو هطلقها منك." نهضت غزل وسحبت كفيه. "تعالى يا جواد بيجاد بيغيظك مش أكتر أنا سمعته بيتفق مع عز عشان يعاندوك مش أكتر." وصلت جنى ونهى إليهم ملقية تحية الصباح. "صباح الخير." نهض عز سريعا متجها إليها.

"صباح الورد ياحبيبتي، عاملة إيه دلوقتي." هزت رأسها وأجابته: "كويسة ياحبيبي، مالها." هذا ما تسائل به جاسر عندما رفع بصره إليها. لم يراها منذ أكثر من شهر بعدما كان لا يفرقهما سوى النوم. نظرت إليه وإلى فيروز التي تجلس بجواره متشابكين الأيدي. جلست بجوار والدها الذي قبل جبينها. أما جواد حازم الذي دقق النظر إليها لقد قل وزنها كثيرًا وضاعت ضحكة عينيها. هل هو السبب للوصول حالتها تلك. وضعت

رأسها على كتف عز وأردفت: "شوية برد مش مستاهلة." اتجهت غزل تمسد على وجهها. "حبيبتي عملتي التحاليل اللي قولتلك عليها." هزت رأسها نافية وترقرق الدمع بعينيها. "مفيش حاجة يا طنط غزل، قولتلك شوية برد." نهض حازم يجلس أمامها ممسكًا كفيها الباردة. "مالك حبيبتي إيه اللي عمل فيكي كدا." سحب جواد بيجاد وهو يهمس له: "تعالى عايزك." تحركا للداخل، جلس جواد

وتحدث موجها كلامه إليه: "عايز منك خدمة ومفيش حد هيعملها غيرك ياحلوف، ابتسم وجلس بمقابلته ورفع حاجبه. "يعني عايز خدمة وبتشتم كمان." استند جواد بذراعيه على المكتب واردف بهدوء رغم شعوره بالحزن على جنى فتحدث: "اسمعني يابيجاد وافهم كلامي كويس جدًا، الموضوع ده بقى بالنسبالي حياة أو موت، ياأما بعد كدا مش هتشوف اللمة الحلوة اللي برة دي، وأنا واثق في ذكائك وعارف هتنفذ اللي هقوله."

"ماهو مفيش غيرك إنت وعز اللي أقدر أمنلهم على كدا، وطبعًا ماينفعش أطلب من عز الموضوع ده." استمع بيجاد إليه بتركيز. أما بالخارج توقف جاسر تاركًا يد زوجته وجلس بجوار حازم. "هو فيه حاجة مخبيينها عليا ولا إيه." "وانت مين عشان نخبي عليك لا أخوها ولا جوزها." قالها عز بغضب عندما وجد اقتراب جاسر من أخته. كأنه لم يستمع لحديث عز، فبسط يديه يرفع وجه جنى بأنامله ناظرًا لمقلتيها.

"أنا معرفش إيه اللي حصل خلاكي تبعدي عني كدا يا جنى، وبقيت أشوفك زي الغريب، بس أنا جنبك حبيبتي وقت ما تحتاجييني هتلاقيني." دفعه عز بغضب عندما فاض صبره وصاح بصوت مرتفع لغزل: "خليه يقوم من قدامي." وصلت أصواتهم لجواد بالداخل. نهض صهيب ينظر لابنه الذي فقد سيطرته على بكاء أخته. "امشي من قدامي ياعز سمعتني، امشي." أما جواد حازم الذي تحرك مغادرًا عندما انسدلت دموعه ظنًا أنه السبب فيما توصلت إليه جنى.

ضمت نهى ابنتها وحاولت تهدئتها عندما اشتعل الصدام بين عز وج وجاسر. فرق حازم وصهيب بينهما. "إيه قلة تربيتكم دي، وصلت بيكم تعملوا كدا واحنا قاعدين." وصل جواد وبيجاد إليهم. "إيه اللي بيحصل هنا؟! " قالها جواد بغضب. جلست غزل تضع رأسها بين راحتيها. جمع جاسر أشيائه ناظرًا لزوجته. "يلا هنمشي." "جاسر! " صاح بها جواد. "هتروح فين مفيش مشي من البيت تاني." توسعت نظرات فيروز وهي تهز رأسها

رافضة حديث جواد واردفت: "معلش ياعمو خلينا على راحتنا." توقف جواد وابتلع غصة مردفًا: "جاسر مينفعش يبعد عن أهله يافيروز، وده آخر كلام، ولو خرج من البيت ده يبقى ينسى إن له أب." شهقت غزل تضع كفيها على فمها فاتجهت له. "جواد إيه اللي بتقوله ده." أشار بسبابته: "مش عايز أسمع نفس." رفع نظره له. "لو الحمل خرج من القطيع الديابة تاكله، مش كدا ولا إيه ياحضرة الضابط."

"وبما إن أوس هيسافر فرنسا، وياسين في شغله مبيجيش إلا في السنة مرة، يبقى مفيش غيرك هتكون كبير العيلة بعدي، فلو مسمعتش كلامي هتكون دست على أبوك يا جاسر." أطبق صهيب على جفنيه يقاوم الصدام الذي أحدثه جواد بينه وبين ابنه، فاتجه يجذب جواد. "جواد ممكن تهدى." استدار إلى صهيب يطالعه بصدمة كادت تفقد صبره قائلاً: "عجبك تفكك العيلة، سيف عايز يسافر تاني، وحازم قرر إنه يرجع تركيا، مين لسه موجود ياصهيب، شوية عيال مش عارفين نربيهم."

اتجهت فيروز تقف أمامه. "أنا عارفة حضرتك عايز تلم شمل العيلة، بس ده ممكن يكون يوم في الأسبوع مش مضطرين نعيش مع بعض." رمقه بنظرات جحيمية واتجه متسائلاً: "أنا بكلم ابني، متدخليش بينا." نصب جاسر عوده متحركًا إلى والده. "ال حضرتك شايفه يابابا هعمله، ميرضنيش إنك تزعل أبدًا." قالها وهو يرفع كفيه يقبلهما. "آسف مكنتش أعرف الموضوع ده هيأثر فيك، خصوصًا إنك اللي قولت إننا نعيش لوحدنا، صدقيني كنت تعبان من الموضوع ده."

حاوط وجهه يبتسم له. "إنت ابني الكبير ياحمار ومستحيل اخليك تبعد عني، أنا عملت كدا لما شوفت مراتك مش هتقدر تتأقلم معانا، بس دلوقتي بقالكم سنة واتعايشتوا معانا يبقى ليه تبعد عن حضن أبوك." أومأ متفهمًا يطالع زوجته التي ظهر على وجهها الحزن. رمقها بهدوء واتجه يوزع نظراته بين الجميع. "بما إننا هنرجع تاني لحي الألفي، ففيه خبر حلو لازم الكل يعرفه."

استدار لوالده وسحب نفسًا يطرده بهدوء قائلاً: "مبروك يا جدو هيجيلك حفيد تالت قريباً." اتجه عز بنظراته سريعًا لأخته التي شهقت بخفوت وكأن كلماته خناجر مسمومة. وللحظة أحست بالأرض تميد بها وشعورها بضعف الدنيا يحتل كيانها فانبثقت عبرة من جفنيها المحترق وهي تطالعه. تقابلت نظراتهما لثوانٍ، هو بإبتسامة، وهي بألم يغزو جسدها بالكامل فسقطت كوريقة خريف هشة، تلقاها عز بساعديه وهو يصرخ بأسمها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...